Customize readability
Aa

أليان

All Rights Reserved ©

Summary

في عالم قديم يحكمه السحر، تستيقظ الفتاة "أليان" فاقدة للذاكرة والهوية، ولا يربطها بماضيها سوى صدى صرخات لا تتوقف. تنطلق أليان في رحلة غامضة ومحفوفة بالمخاطر عبر أراضي الممالك لتكتشف حقيقتها، وخلال رحلتها تلتقي بأشخاص يصبحون سنداً لها، وتواجه كائنات سحرية تضعها أمام اختبارات مصيرية. تكتشف أليان أنها تحمل في أعماقها سراً كونياً خطيراً، حيث تتصارع داخلها قوى سحرية هائلة من الظلام والنور. ومع اقترابها من كشف الحقيقة، تدرك أن استعادة ذاكرتها لها ثمن باهظ قد يغير موازين القوى في العالم. ورغم تفرق الأقدار بينها وبين رفاقها وسط الصراعات، يظل أمل لا ينطفئ ويقين صادق بالله هما حبل نجاتها الوحيد لاستعادة ذاتها وحماية عالمها.

Status
Ongoing
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
16+

الفصل الأول

كان العتم يطبق على زوايا الغرفة الضيقة، لولا خيط شاحب من ضوء القمر يتسلل عبر نافذة مرتفعة، صلبة القضبان، ليرسم مربعات باهتة على الأرضية الباردة. في تلك الزاوية، انكمشت أليان ذات الثمانية أعوام، وقد لفت ذراعيها الصغيرتين حول جسدها كأنها تحاول استعادة دفء مفقود.

تراقصت أضواء النجوم البعيدة داخل حدقتيها العسليتين اللتين غلفهما غشاء من الدموع. همست بصوت متهدج يرتجف بوقع الحيرة:

"أين أنا؟.. ولماذا هذا المكان؟"

لم تكن تفتقد الحرية فحسب، بل كانت تفتقد نفسها؛ فذاكرتها صفحة بيضاء لا اسم فيها ولا عنوان. ارتفع صوتها بصرخة مزقت سكون المكان: "ألا يسمعني أحد؟ من أنا؟ أنا خائفة!". لكن الجدران الصماء لم تزدها إلا صدىً موحشاً.

رفعت بصرها نحو السماء من وراء القضبان، متسائلة بنظرة منكسرة: "هل تراني؟ هل يشعر بي أحد هناك؟". وبينما كانت تُخفض رأسها يائسة، حدث ما لم يكن في الحسبان.

رغم علو النافذة وضيقها، اندفعت نسمة ريح مفاجئة، لم تكن مجرد هواء، بل كانت "لمسة". دعبت خصلات شعرها الأشقر المنفوش، ومسحت برقة على وجنتيها المبللتين، فجففت بقايا الدموع العالقة.

توقفت أليان عن الارتجاف. اتسعت عيناها بذهول، ولم تكن هذه المرة صدمة خوف، بل كانت دهشة إدراك. شعرت بأن تلك النسمة هي "جواب" لم يمر عبر الحناجر، بل استقر مباشرة في قلبها.

غرس في عمق الطفلة في تلك اللحظة يقين لم تعلم مصدره، لكنها شعرت بقوته. نظرت إلى السماء مجدداً، لم تعد ترى نجوماً بعيدة، بل رأت رعاية تحيط بها. آمنت بأن من خلقها ليس غائباً، وأنه رغم علوه فوق السماوات، إلا أنه يلمس روحها الآن بكلمة خفية: "أنا معكِ".

مرت ثماني سنوات، وتبدلت قضبان الزنزانة بعلية خشبية في قلب بوليفار، حيث تعانق رائحة التوابل أبخرة المطاعم المزدحمة. على سريرٍ يئن خشبه مع كل حركة، كانت أليان غارقة في نومها، حتى تسللت أولى خيوط الشمس الذهبية عبر النافذة لتداعب جفنيها.

عقدت حاجبيها بانزعاج، ودفنت وجهها تحت الوسادة هرباً من الضوء، لكن "سلام الصباح" لم يدم طويلًا. زلزل سكون الغرفة صوتٌ حاد اخترق الخشب والأبواب:

"أليان! انهضي أيتها الكسول.. القدور لا تُنظف نفسها!"

كان هذا صوت "سارة"، مديرة المطعم التي يبدو أن حنجرتها لا تعرف الهدوء. تنهدت أليان بعمق، وهمست لنفسها بصوت ناعس:

"يا إلهي، ألا يحق لي حتى أن أحلم بسلام؟"

لم يكد يمر نَفَس واحد حتى جاء التهديد المعتاد من خلف الباب: "ثانيتان يا أليان.. ثانية.. وإن لم تنزلي سأقتلع ذلك الشعر الأشقر بيدي هاتين!".

قفزت أليان من فراشها كمن أصابتها صدمة كهربائية، وصاحت وهي تحاول جاهدة ترتيب ثيابها المبعثرة: "أنا آتية.. آتية يا معلمة سارة!".

سمعت وقع أقدام سارة وهي تبتعد عن الدرج، متمتمة بتعجرف اعتادت عليه أليان: "يا لها من فتاة، تظن نفسها أميرة وهي مجرد خادمة تتقاعس عن عملها". دفعت أليان ضلفتي النافذة، فاندفعت نسمات الصيف البوليفاري المبكرة، حاملةً معها برودةً خفيفة قبل أن يشتد هجير النهار. استنشقت الهواء بعمق، وشعرت بجسدها يستعيد شيئاً من حيويته وهي تهمس: "يا له من نسيم يعيد الروح..".

لملمت فوضى غرفتها بسرعة، ثم سارت في الممر الخشبي الضيق الذي كان يئن تحت خطواتها، ونزلت السلم إلى قاعة المطعم. كان المكان ساكناً، يلفه فراغٌ غير معتاد؛ لا ضجيج زبائن ولا رائحة حساء. هناك، في وسط القاعة، كانت سارة تجلس بزهو، واضعةً قدماً فوق أخرى، تختبئ خلف جريدتها.

"صباح الخير،" قالتها أليان وهي تقترب بحذر.

أنزلت سارة الجريدة ببطء، ولم تكن نظرتها تبشر بخير. قالت بحدة: "وأي صباح خير يشرق على وجهٍ كوجهك؟ لا تقفي كالتمثال، أمامكِ جبل من الأعمال، وابدئي بمسح كل شبر في هذا المكان."

عقدت أليان حاجبيها بدهشة: "لكنني نظفتُ كل شيء قبل أن أنام البارحة!"

"لا تتذمري!" صرخت سارة فجأة، فجفلت أليان وأغمضت عينيها غريزياً من أثر الصوت. تابعت سارة وهي تشير بسبابتها نحو الطاولات: "ألا ترين الغبار؟ اليوم سيطأ هذا المطعم الملك وعائلته. يجب أن يلمع كل شيء كالمرآة.. أي خطأ صغير، وقد ينتهي الأمر برأسكِ على المقصلة، فالملك لا يغفر."

بلعت أليان ريقها، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها، ثم سألت بصوت خفيض: "حسناً.. لكن، ما سبب قدوم الملك؟ أنا حتى لا أعرف اسمه."

ضربت سارة الطاولة بيدها ضربةً دوى صداها في القاعة الفارغة: "اسمه الملك سيمون! واظهري بعض الاحترام حين تذكرين أسيادكِ. والآن، اغربي عن وجهي!"

استدارت أليان لتغادر، لكن صوت سارة استوقفها كالسوط: "انتظري! بعد أن تنتهي من المسح، اذهبي فوراً إلى الميناء."

توقفت أليان مكانها، وكتفاها يهبطان بيأس: "لا تقولي إن البضائع وصلت اليوم أيضاً.."

رمقتها سارة بنظرة نارية: "أراكِ عدتِ للتذمر مجدداً؟"

تنهدت أليان بضيق، وأطرقت رأسها بصمت، ثم انسحبت وهي تحمل ممسحتها، مدركةً أن هذا اليوم الطويل لن ينتهي بنسمة رقيقة كأول الصباح.

انحنت أليان على عملها بحركات رشيقة ومنظمة؛ فقد صقلت السنوات الست الماضية مهارتها، منذ أن جاءت إلى سارة طفلة تائهة لا تملك سوى الرغبة في البقاء.

انتهت من تلميع آخر زاوية، فجاءت سارة كعادتها، تدس أنفها في كل ركن وتتحقق من الأسطح بطرف إصبعها. وعندما لم تجد ذرة غبار واحدة تشفي غليل غضبها، صرخت بجفاء:

"حسناً.. لا تقفي وتتأملي نجاحك، اذهبي إلى عملك التالي!"

قالت أليان بآلية اعتادتها: "حاضر"، ثم أفلتت من باب المطعم إلى رحابة الشارع.

سلكت طريق السوق الكبير، حيث يختلط عبق البخور الرخيص بعطور التجار الفاخرة. كان السوق لوحة من التناقضات؛ بسطاتٌ تعرض حرير الممالك البعيدة بجانب أكوام من الفاكهة الموسمية، وكلٌ يشتري بحسب ثقل كيس دراهمه. لم تمر أليان بضعة أمتار دون أن تتلقى ابتسامة أو تحية؛ فخفتها وطيب معشرها جعلتاها "ابنة المنطقة" التي يحبها الجميع.

عندما بلغت الميناء، استقبلها ضجيج مختلف؛ صرير الحبال، واصطدام السفن بالأرصفة الخشبية، وصيحات العمال الذين يصارعون الصناديق الثقيلة. كانت أليان، بقوامها الشاب الصغير، تبدو كعصفور وسط ساحة من العمالقة، لكن ضرورتها للعيش كانت أقوى من أي تعب.

وسط ذلك الزحام، اخترق مسمعها صوت مألوف يأتي من فوق ظهر إحدى السفن:

"هي.. أليان!"

التفتت لترى "سيام"، رفيقها الذي يكبرها بسنة واحدة. كان يلوح لها بذراعين مجهدتين من حمل الصناديق، والابتسامة تشق وجهه المتعب رغم عناء العمل.

اتسعت ابتسامة أليان وهي ترى صديقها، فزمّ سيام كفيه حول فمه ليصيح من فوق سطح السفينة:

"أراكِ هنا اليوم يا أليان!"

قلدت حركته ورفعت صوتها لتغالب ضجيج الأمواج والعمال:

"لدي عمل كالعادة!"

هز سيام رأسه متفهماً وهو يبتسم: "حظاً موفقاً إذاً!". لم يدم الحوار طويلاً، فقد شق الهواء صوت القبطان الخشن وهو يصرخ بسيام: "أيها الشقي! لا تتقاعس عن عملك لتتسامر مع الفتيات، وإلا خصمتُ من أجرك!".. ذبلت ابتسامة سيام وهو يهتف: "حاضر سيدي، سأنهي كل شيء!".

صعدت أليان درجات السلم الخشبي المؤدي لظهر السفينة التي اعتادت العمل فيها، لكن استقبلها هذه المرة ظلٌ هائل حجب عنها ضوء الشمس. كان رجلاً ضخم الجثة، بملامح عكرة كأنها نُحتت من صخر أصم. حدق فيها بإنكار وسأل بصوتٍ غليظ:

"من أنتِ أيتها الفتاة؟ وماذا تفعلين هنا؟"

رفعت أليان رأسها لتقابل نظراته وقالت بثبات: "أنا عاملة هنا."

"ماذا؟!" قهقه الضخم بسخرية، لكن صوته انقطع حين ظهر رجل آخر من خلف الصواري. كان رجل نحيف تبدو القسوة في عينيه أكثر دهاءً. سأل الضخمُ رفيقه وهو يشير إلى أليان: "انظر.. أرى حشراتٍ تتسلل إلى سطحنا اليوم."

رمق الرجل النحيف أليان بنظرة فاحصة، ثم التوت شفتاه عن ابتسامة ساخرة وقال: "يا صديقي، هذه حشرة نافعة.. إنها تجيد الكدح بصمت."

اشتعلت ملامح أليان بالضيق، وشعرت برغبة عارمة في الرد على إهاناتهما، لكنها كبحت جماح لسانها بمرارة. لم يكن صمتها خوفاً، بل كان "حساباً للمستقبل"؛ فكلمة واحدة طائشة هنا تعني طردها من الميناء، وطردها من الميناء يعني مواجهة غضب سارة الذي لن ينتهي إلا بإلقائها في الشارع.

قطع الرجل النحيف حبل أفكارها بصرخة حادة: "ما بالكِ واقفة هكذا؟ تحركي واعملي!"

أخذت أليان نفساً عميقاً، وأخفت انزعاجها خلف قناع من البرود وهي تجيب: "حسناً." ثم انحنت لتبدأ عملها الشاق تحت أنظارهما الشامتة. كانت الصناديق الخشبية تبدو كجبالٍ صغيرة أمام قوام أليان الضئيل. انحنت بجسدها، وبرزت عروق يديها الصغيرتين وهي تُصارع لجرّ صندوقٍ ثقيل، في عملٍ لم يُصمم إلا لذوي العضلات المفتولة. تحت شمس الصيف التي صبت لهيبها فوق الرؤوس، صار الهواء ثقيلاً ومشبعاً برطوبة البحر، مما جعل كل نَفَسٍ تستنشقه يحرق رئتيها.

توقفت أليان لثوانٍ معدودة، استندت فيها بظهر يدها على جبهتها لتمسح عرقاً غطى عينيها. رفعت بصرها نحو قرص الشمس المتوهج، الذي بدا وكأنه يراقب عذابها بصمت. كانت تلك اللحظة الخاطفة هي "فسحة الحرية" الوحيدة لها وسط هذا الجحيم المادي.

لكن "الواقع" لم يترك لها حتى تلك الثواني؛ إذ اخترق سكون تعبها صوت الرجل الضخم وهو يقهقه بسخرية:

"ما بالكِ واقفة تتأملين الشمس وكأنكِ في نزهة ملكية؟ هيا، حركي أطرافكِ المتيبسة واعملي!"

أجفلها الصراخ، فشعرت بقديمها كأنهما قطع من الرصاص وهي تجرهما فوق الرصيف الخشبي. لم تنظر إليه، ولم تجب، بل انحنت مجدداً لتواصل جرّ قدرها المحتوم. مع حلول منتصف الظهيرة، بلغت الشمس ذروة غضبها، فجثت أليان على ركبتيها في تلك البقعة الصغيرة من الظل التي خلفتها الصناديق. كانت أنفاسها تخرج متلاحقة ومسموعة، وصدرها يعلو ويهبط بجهدٍ مضنٍ وهي تهمس لنفسها: "انتهينا.. أخيراً".

بينما كانت غارقة في تعبها، شعرت ببرودة مفاجئة وقوية تلامس جبينها المحترق، ففتحت عينيها لتجد سيام واقفاً فوق رأسها، يحمل قارورتين من الماء يكسوهما الضباب من شدة البرودة. قال بابتسامة لم تفارق وجهه رغم الغبار الذي يغطيه:

"لا شك أنكِ على وشك الجفاف، خذي."

تناولت أليان القارورة بلهفة، وشعرت بلسعة البرودة تُحيي كفيها قبل أن تشرب منها جرعاتٍ أحست بمسارها البارد داخل جوفها. لكنها توقفت فجأة وهي تشاهد سيام يفتح قارورته ويفرغها بالكامل فوق رأسه، ليتناثر الماء على ثيابه ووجهه في مشهدٍ يقطر انتعاشاً.

قطبت حاجبيها قائلة بنبرة مشفقة: "سيام.. ألم يحن الوقت لتترك هذه العادة؟ نحن في قلب الصيف، وتبللك تحت الشمس هكذا سيسقطك مريضاً لا محالة."

هز سيام رأسه لتتطاير قطرات الماء من شعره، ورد بضحكة واثقة: "لا تقلقي يا أليان، جسدي صلب ولن يكسره القليل من الماء والحرارة، فأنا قوي كما تعلمين."

رمقته أليان بعيون نصف مغلقة، والنعاس والتعب يتجاذبان جفنيها، ثم قالت بنبرة متهكمة لكنها دافئة: "حقاً؟ سنرى ذلك، عندما تبدأ بالعطاس لاحقاً." رفع سيام رأسه بتحدٍّ ممزوج بالابتسام، وقال بنبرة واثقة: "ومتى عطستُ أصلاً لتقولي هذا؟".

لم يكد يُنهي جملته حتى خانته أنفه، فانفجرت عطسة مدوية هزت كتفيه. رفعت أليان حاجبيها في صمتٍ بليغ، ثم قالت بنبرة هادئة ومنتصرة: "الآن.. لقد عطستَ الآن تماماً".

فرك سيام أنفه بإحراج، وحاول استعادة وقاره سريعاً وهو يتمتم: "حسناً، حدث ذلك.. لكن عطسة واحدة لا تعني أبداً أنني سأمرض، جسدي أقوى من ذلك".

زفرت أليان بقلة حيلة، وهزت رأسها وهي تتمتم بصوتٍ خفيض كأنها تحدث نفسها: "يا إلهي، أشعر وكأنني أخاطب طفلاً صغيراً لا يدرك مصلحته".

تلاشت ابتسامة سيام قليلاً، ورمقها بنظرة فاحصة، وكأن ملامحها الشاحبة وتعبها المكتوم وصلا إليه أخيراً. سألها بنبرة غلب عليها القلق هذه المرة: "ما بكِ يا أليان؟ أراكِ منزعجة.. هل حدث شيء في المطعم؟".

تجنبت أليان لقاء عينيه، وضغطت بكفيها على ركبتيها المتعبتين لتنهض ببطء، نافضةً غبار الرصيف عن ثوبها. قالت وهي تشيح بوجهها بعيداً: "لا، لستُ كذلك.. مجرد تعبٍ عابر". سألها سيام وهو يراقب رحيل السفن في الأفق: "هل ستعودين إليها الآن؟"

أطلقت أليان تنهيدةً محملةً بمرارة اليوم الطويل: "وإلى أين قد أذهب؟ إنها تنتظرني في المطعم، وعيناها لا ترى سوى المال الذي جنيتُه من عرق الميناء."

اشتدت قبضة سيام على القارورة الفارغة، وقال بنبرةٍ غاضبة: "تلك العجوز الشمطاء تزداد غطرسةً يوماً بعد يوم، إنها تحملكِ ما لا تطيقه الجبال!"

وضعت أليان يدها على رأسها وكأنها تحاول طرد صداعٍ داهمها، وقالت بصوتٍ مجهد: "أرجوك يا سيام، لا تذكرني بها.. أنا أحاول تجاهل وجودها فقط لأتمكن من العيش."

خطا سيام خطوةً نحوها، وبدت في عينيه رغبةٌ صادقة في الحماية: "أليان، أنتِ لستِ مضطرة لتنفيذ كل أوامرها الحمقاء، ولستِ مضطرة للبقاء تحت سقفها! يمكنكِ العيش مع عائلتي، تعلمين كم يحبونكِ وسيفرحون بوجودكِ بينهم."

رقت ملامح أليان، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باهتة لكنها صادقة. نظرت إليه بامتنان وقالت: "شكراً يا سيام، وشكري الخالص لعائلتك الكريمة.. لكنني لا أريد أن أكون عبئاً على أحد. لقد اعتدتُ أن أحمل ثقلي بنفسي."

حاول سيام الاعتراض: "ولكن.."

قاطعتْه بلمسةٍ خفيفة على كتفه، وكأنها تطمئن نفسها قبل أن تطمئنه: "سيام، أقدر قلقك حقاً.. لكنني بخير، صدقني." لوحت أليان بيدها وهي تبتعد بخطواتٍ متثاقلة: "وداعاً الآن.. أراك بخير يا سيام."

وقف سيام مكانه يراقب ظهرها الصغير وهو يبتعد وسط زحام الميناء، وعقد حاجبيه بقلق لم يتبدد، وتمتم باسمها بصوتٍ خفيض: "أليان..".

لم تمضِ دقائق حتى شعرت أليان بظلٍ طويل يمتد بجانب ظلها على الأرض الخشبية، ووقع أقدامٍ منتظم يساير خطوتها. التفتت بجسدها، لتجد سيام يسير بجوارها بيدين موضوعتين في جيبيه وكأن الأمر مجرد صدفة.

"سيام؟" قالتها بنبرة تساؤل.

رسم ابتسامة عريضة على وجهه وقال بخفة: "لا تمانعين أن أرافقكِ قليلاً، أليس كذلك؟"

تنهدت أليان، لكن زوايا شفتيها ارتختا قليلاً، وقالت بحذر: "بالطبع لا أمانع، لكن.. أرجو ألا تكون لديك نية في إثارة المتاعب ثانية كما فعلت في المرة الأخيرة."

رفع سيام حاجبيه ببراءة مصطنعة، ووضع يده على صدره متسائلاً: "أنا؟ ومتى أثرتُ المتاعب من قبل؟"

رمقته أليان بنظرة جانبية ذات مغزى، وقالت وهي تواصل سيرها: "لا حاجة للتذكير يا سيام.. القائمة طويلة بما يكفي." هز سيام رأسه بجدية مشوبة بالمزاح وهو يقول: "حسناً، لكنني لا أبحث عن المتاعب دون سببٍ قوي، خاصةً إن كان الأمر يمسّ أعز أصدقائي."

لم تجب أليان، بل اكتفت بابتسامة رقيقة شقت طريقها وسط تعبها، وتابعا السير معاً. كان السوق قد استحال إلى خلية نحل؛ الضجيج يملأ الأرجاء، وصيحات الباعة تتداخل مع صرير العربات. توقفا قليلاً بين الحين والآخر، يتأملان البضائع الملونة ويستمتعان بتلك اللحظات البسيطة من الحرية وسط الحشود.

فجأة، ارتفع صوت بائع الفاكهة وهو يحمل تفاحة حمراء براقة:

"تفاح أحمر من أجود الأراضي! القطعة بقطعة نقدية واحدة فقط!"

توقف سيام أمام البسطة، وتأمل الثمار التي تفوح منها رائحة الطبيعة. سأل بابتسامة: "بكم التفاحة يا عماه؟" أجاب البائع: "بقطعة واحدة يا بني." "أريد خمس تفاحات إذن،" قالها سيام وهو يخرج النقود.

بدأ البائع يزن التفاحات بعناية ويضعها في كيس ورقي، قبل أن يسلمه لسيام قائلاً: "تفضل، خمس قطع." دفع سيام الثمن وتابع سيره بجانب أليان، ثم مد يده فجأة وأخرج تفاحة حمراء قانية، وقدمها لها: "هذه لكِ."

ترددت أليان وتراجعت خطوة: "لي؟ ولكن.. أنت من دفع ثمنها، لا يجب عليّ أن.."

قاطعها سيام بضحكة خفيفة: "ألم ننتهِ من هذا الجدال بعد؟ نحن أصدقاء يا أليان، خذي!" ثم رماها في الهواء ببراعة، فالتقطتها أليان بعفوية قبل أن تسقط. أردف سيام وهو يهز الكيس: "أما البقية، فهي لإخوتي ووالدي." قلبت أليان التفاحة بين يديها، ونظرت إليها بابتسامة غامضة قبل أن تقول: "أراك لطيفاً بشكلٍ غير معتاد هذه الأيام."

توقف سيام ورمقها بنظرة غلفتها الدهشة، ثم شبك يديه خلف رأسه متمشياً بخيلاء وهو يضحك: "أحقاً؟ يبدو أنني كنت وحشاً قاسياً في الماضي إذن!"

تعالت ضحكة أليان الصافية وقالت: "لا، لا تفهم الأمر خطأ، ما قصدته هو أنك.." لكن جملتها لم تكتمل؛ إذ شق سكون السوق صوت صريرٍ حاد لخشابٍ تتحطم، تبعه دويّ انزلاق عربةٍ ثقيلة. تلاشت الضحكات فجأة، وانخفضت جلبة السوق كأن أحداً كتم أنفاس الحشود ليفسح المجال لهذا الاضطراب المفاجئ.

انسلّت أليان وسيام بين الأكتاف ليعرفا ما جرى. كانت هناك عربة أقمشة فاخرة مقلوبة، والمنسوجات الملونة مبعثرة وسط الغبار كالضحايا. وفوق خيولهم المطهمة، وقف فارسان يقطران غطرسة، أحدهما يوجه سوطه نحو بائعٍ مسكين جاثٍ على ركبتيه قرب حطام عربته.

صرخ الفارس بصوتٍ يملؤه الاحتقار:

"أيها الغبي! ألا ترى أمامك؟ كدت تتسبب في تعثر خيولنا!"

ارتجف البائع، وألصق جبهته بالأرض وهو يهمس بصوتٍ مخنوق: "أنا آسف يا سيدي.. لقد خرجت العربة عن السيطرة، لم أكن.."

قاطعه الفارس بصرخةٍ هزت أرجاء السوق: "اصمت!"

ساد صمتٌ ثقيل، ولم يجرؤ أحدٌ من المحتشدين على النطق بكلمة؛ رأت أليان ذلك بوضوح في العيون التي تحاشت النظر، والوجوه التي انحنت خوفاً. كسر الفارس هذا الصمت بصوتٍ يقطر خيلاء:

"يبدو أنك لا تدرك من تقف أمامه.. أنا رامي، الحارس الشخصي للملك العظيم سيمون."

أطرق التاجر رأسه، وصوته يرتجف بانكسار: "أكرر اعتذاري يا سيدي، لم أقصد.." قاطعه رامي بضحكة باردة: "لن أرضى باعتذارك التافه. هيا.. قبّل حذائي وسأعفو عن حماقتك."

كان التاجر رجلاً اشتعل رأسه شيباً، يفيض وقاراً رغم حطام عربته، فكيف يُذل من هو بعمر الآباء هكذا؟ شعرت أليان بنار الغضب تغلي في صدرها، لكنها حين التفتت بجانبها، رأت ما هو أخطر؛ كان سيام يشد قبضته حتى ابيضت مفاصله، وعيناه تشتعلان بشررٍ لم تره فيه من قبل.

تردد التاجر، والذل ينهش ملامحه، لكن الخوف من غياهب السجن كان أقوى. همّ بالانحناء لتنفيذ الأمر المهين، واتسعت ابتسامة رامي المنتصرة.. لكن تلك الابتسامة تلاشت في اللحظة التي شق فيها صوت سيام سكون السوق كالصاعقة:

"هذا يكفي!"

اندفع سيام كالسهم، وسحب التاجر برفق ليفصله عن رامي، ووقف شامخاً وهو يغلي غضباً. صرخت أليان من بعيد، وقلبها يخفق بذعر: "سيام! لا تتهور!"

لكن سيام لم يلتفت إليها، بل ثبّت نظره في عيني الفارس وقال بصوتٍ هز الأرجاء: "إنه لم يفعل شيئاً خاطئاً. وإن كنت تملك سلطة، فليس لك الحق في استخدامها لظلم الناس."

استشاط رامي غضباً، واحمرّ وجهه وهو يزمجر: "من أنت أيها الشقي؟ ألا تعلم حقاً من أكون؟" رد سيام ببرودٍ صلب: "لا.. ولا أريد أن أعرف." تحولت تمتمات الحشود إلى صمتٍ مذعور حين صرخ رامي في وجوههم: "اصمتوا جميعاً!". ثم التفت إلى سيام بعينين تشتعلان حقداً: "أيها الأحمق، أتظن أن شجاعتك ستنقذك؟ بما أنك اخترت حماية هذا العجوز، فستتجرع العقاب بدلاً عنه."

لم يتراجع سيام خطوة واحدة، بل حدّ ملامحه وضغط على أسنانه بقوة قائلاً: "لستُ خائفاً منك، ولا من أي أحد!" ارتجف حاجب رامي من الغضب وهو يسأل بنبرة قاتلة: "ولا حتى من الملك سيمون؟".

جاء رد سيام كوقع الصاعقة: "إنه ملكك أنت، لا ملكي! وإن كان يرضى بهذا الظلم، فاللعنة عليه وعلى حكمه!".

عند تلك الكلمة، انقطع خيط الصبر. استلّ رامي سيفه اللامع ووجهه نحو صدر سيام، بينما صرخت أليان بذعر: "لا! توقفوا!". لكن سيام زجرها دون أن يحيد بنظره عن السيف: "لا تتدخلي يا أليان!".

زمجر رامي: "أنت جاحد وطاغٍ، سأجعلك تتذوق مرارة العذاب في أقبية السجن!". ثم هجم بسيفه، لكن سيام كان أسرع، فتفادى الضربة بخفة أذهلت الحضور. تدخل الفارس الآخر مشهراً سيفه، ليحاصرا الشاب وسط حلقة من الفولاذ البارد، ومع ذلك ظل سيام يراوغ ببراعة أثارت جنون رامي الذي صرخ: "أين شجاعتك؟ هل تجيد الهرب فقط؟".

وفي لحظة غدر، أخرج رامي كرة سوداء ورماها تحت قدمي سيام. انفجر دخانٌ كثيف انبعثت منه رائحة مخدرة قوية. ترنح سيام وهو يحاول استنشاق الهواء وصرخ بصوت واهن: "يا لك من.. جبان..".

وقبل أن ينجلي الدخان، هوت ضربة غادرة بمقبض السيف على مؤخرة رأس سيام، فخرّ صريعاً على الأرض. غابت الرؤية عن أليان وسط الضباب الكثيف، ولم يتبقَ منها سوى صوتها الذي يمزق السكون وهي تنادي بيأس: "سيااااااام!".

تبددت غيمة الدخان تدريجياً، ليرتفع فوقها صوت رامي المليء بالخيلاء وهو يبتعد بخيوله:

"هذا جزاء من تسول له نفسه تحدي إرادة الملك سيمون، وجزاء من يكفر بجبروته!"

صرخت أليان بكل ما أوتيت من قوة: "دعوه وشأنه!". لكن صرختها ضاعت وسط وقع حوافر الخيول المبتعدة. وحين انقشع الغبار تماماً، كان المكان خالياً؛ اختفى سيام، واختفى الفرسان، ولم يبقَ سوى فراغٍ موحش. ساد همسٌ حزين بين الحشود؛ فالجميع يعلم أن من يُقتاد بتهمة "الكفر بالملك" لا وجهة له سوى الزنازين المظلمة القابعة تحت القصر الملكي.

وضعت أليان يدها على صدرها وهي تشعر بقلبها يخفق بذعر: "يا للمصيبة! ماذا عليّ أن أفعل الآن؟".

نظرت حولها، فرأت التاجر العجوز منحنياً فوق الأرض، يلملم أقمشته الملونة التي تلوثت بالتراب، ودموعه تسيل بصمت على لحيته البيضاء. اقتربت منه أليان بخطواتٍ مهتزة، ومدت يدها لتساعده وهي تسأل بصوتٍ خفيض: "هل أنت بخير أيها العم؟".

رفع التاجر رأسه، وكانت عيناه تعبران عن حزنٍ أعمق من ضياع تجارته: "أنا بخير يا بنيتي.. لكن ذلك الشاب.." غصّ بالبكاء قبل أن يكمل: "لقد أخذوه بسببي. سيتجرع العذاب لأنه أنقذني، كم أنا آسف.. ليتهم أخذوني مكانه."

رغم الارتجاف الذي يسكن أطرافها، مسحت أليان على كتفه بقوةٍ لم تكن تعلم أنها تملكها، وقالت بنبرةٍ يحذوها الأمل الصعب: "لا بأس أيها العم، لا تلم نفسك. سيام فعل ما يمليه عليه قلبه.. ولا بد من وجود طريقة لإنقاذه، لا بد من ذلك."

Let سيليستركانا know what you thought about this chapter!
Love this

0

Love this

Funny

0

Funny

Spicy

0

Spicy

Suspenseful

0

Suspenseful

Emotional

0

Emotional

Profound

0

Profound

Heartwarming

0

Heartwarming

Shocking

0

Shocking

Good Writing

0

Good Writing

Compelling Plot

0

Compelling Plot

Great Character

0

Great Character

Strong Dialog

0

Strong Dialog

Further Recommendations

Destino Secreto

Karin Rogowski: Gut geschrieben und beschrieben. Die Charaktere und Situationen sind stimmig und nehmen einen gefangen. Mich hat das Buch ab der ersten Zeile fasziniert, genau wie die anderen Bücher davor. Sehr guter Schreibstil und eine sehr gute Übersetzung, nebenbei bemerkt. Dankeschön, dass Du Deine Bücher ...

Read Now
Die Wölfe von Welby

maryketteler: Ich bin von diesem Roman sehr angetan. Es handelt sich um eine wunderschöne Geschichte, die durch ein tolles Happy End abgeschlossen wird.

Read Now
Chroniken der Werwölfe Band 1 Der Gefährte

Stefanie : Manchmal irritieren die Schreibfehler aber die Geschichte ist sehr spannend und ich freue mich das ich weiter lesen kann und es sogar noch weitere Bücher gibt... Bin gespannt wie es weiter geht..

Read Now
Wolf's Mate

Victoria: Hi,I analyzed your work, and I think it has a very unique and engaging storytelling style. The way you present your ideas and emotions really stands out. By the way are you currently working on any other stories or writing projects?

Read Now
The Alpha and His Rogue

ltlerag5691: Dear reader, This author will enthrall you with her ability to create tales of love, humor, suspence, spice and joy. Dear Auther...must have more of Shayna and Colton....please!!

Read Now
The Argent Wolf (Coming to Galatea)

María: Me gusta mucho la historia porque es divertida y muy especial con magia 🪄 y personajes fantásticos 👍❤️😊

Read Now
Alpha Zach

user-HVMRwUhsWV: Wow .........

Read Now
My Blacksmith Savior

DarkHistorian : The worldbuilding in this is genuinely impressive. Every detail feels considered and intentional. You can tell the author did their homework and it shows on every single page.

Read Now
Bought By The Billionaire Beast

DarkHistorian : The pacing here is something most published authors can't manage. Never rushed, never dragging. Every chapter earns its place and moves the story forward.

Read Now