Chapter 1
شيءٌ واحدٌ استقرّ في خياله الآن، وهو أن الذاكرة هي التي تقود الإنسان في لحظةٍ من لحظات عمره. أصداءُ ذلك الحوار بين عمّاته ما زالت تتردّد بين الأذن والأذن: «سوف نموت غدًا، لمن نتركه بعدنا؟ الحرب قريبة، لن تكتفي باصطياد الرجال، ولن تكتفي بهم… الحرب قريبة». صِغَرُ سنّه لم يقف حائلًا بينه وبين فهم التوتر الذي كان يُخيِّم على البيت وقتها. بعد عدّة أمسيات لم يرَ بعدها شمسًا إلى آخر عمره. أمسكت إحدى عمّاته بيده، قطعا معًا القطر بأكمله إلى مكانٍ سمّته عمّته «الدير». يتذكّر عمّته وهي تُملِي على القسّ اسمه: صاموئيل جوزيف، وتشير إليه بسبابتها. لقد كتم سرًّا خفيًّا طوال عمره؛ إذ أراد أن يُخبر الراهب وقتها أن اسمه كان ” عبد الله ” . آنذاك، وبعد أن صار من مخلفات الماضي، صار يقتات على الرجاء. قرّر صناعة المستقبل، فلم يجد خيرًا من كتابته لما حدث؛ لأن يخُط الزمن المعلّق بين نظامٍ ينهار وآخر يولد، بين ماضٍ حربٍ يترنّح ومستقبلٍ لم يُكتب، قرّر أن يساهم في كتابته بأن يؤرّخ الماضي عبر عشرات السنين، وربما قرون. وبين آلاف الأوراق لم يكفّ قلمه عن الركض على وجوه الصفحات. في البداية قرّر أن يجعل كلمات عمّاته تلك بداية كتابه: «الحرب قريبة». صار كل يومٍ له مثيلًا لسابقه، حتى إن الزمان توقّف ليخبره بنفسه: «أنت لم تستيقظ إلى اليقظة، بل استيقظت إلى حلمٍ سابق، وهو ذاته؛ نفس الحلم، نفس المشاهد تتكرر: أبواب تتلو أبوابًا، كلّ هذا مُعاد، صوت زحفك على الأرضية مُعاد ». شيئًا فشيئًا صار مصدّقًا لما يُفضي به الزمان من كلمات، فصار يضاعف عمله، يحاول تذكّر التفاصيل. يرفع رأسه إلى السقف، فيبصر سقفًا لا نهائيّ الملامح، لا نهائيّ الحدود، يتفجّر عن قبابٍ سماوية مؤلَّفة من نجوم تحرّرت سلفًا من سجنها. تذكّر أضواءً تتناسل حول وجوه أناسٍ عرفهم منذ قرونٍ موغلةٍ في القدم. الخطوط العريضة للذكرى تَحيك أثاث غرفته، و تَحيك الكلمات التي يخطّها للتاريخ. الزمان يُخبره: «أنت الصافن في الجوهر، المخدوع بخرائطك. أنت المتبتّل، لكن من رآك يومًا تصلّي؟» طوّح الزمان بكلماته بعيدًا إلى أقصى أجواز الفضاء من المعنى ، إلى اللاهُناك، حيث يتلاشى مكانه، ويتماهى هو وذاته وكونه في الأثير. قال الزمان: «التاريخ نهرٌ ، يمنع أن ترتشف منه غرفةً بيدك، بل مصيرك الذوبان فيه، التماهي فيه، فناءٌ ذائب بفناء». وطبعًا، حزرت .. كل هذا، مُعاد. صار يسأل عن نهاية الحلم ونهاية الكتابة . قال الزمان: «اغمض الأعين والآذان والأنوف والأفواه. انفصل عن الواقع إلى الواقع، إلى نفسك ، تخطو نحو روحك ونبضك، ليجد ماء النهر داخلك أحيازًا لم يكن ليصيرها ». رفع رأسه عن أوراقه، توقّف قلمه للحظات عندما أحس بنفحةٍ باردة تسللت لنخاعه ، جال بناظره في المكان الذي يحيط به. اختفت الغرفة، لكن الأوراق ما تزال حوله، تتفرّق في هذا المكان الفسيح، تتناثر هنا وهناك. فوقه قبّة تدعو بالاتجاه المعاكس، مصمتة لا تدلّ على أن نجمًا سكنها قبلاً. ضوءٌ صغير تسلّل منها إلى دواخله، سبر غور نفسه ، كالنار، يجري في عروقه إلى أقصى الأطراف، آمرًا إيّاه بالاستمرار في الكتابة . صوتُ زمجرةٍ بقربه. إنه المكان الذي ينسى الفيلسوف فيه فلسفته، ويعجز الشعراء عن قرض الشعر ، أبياتٌ تترى، أبياتٌ تملي أبياتًا أخرى، وفي الكلّ هو السجن المقبقب، يقف في زاويته، مجاورًا لنمر بورخيس ، الذي يقصّ عليه قصص أممٍ قد خلت، وقرون أوغلت في القدم، ويستعرض تواريخه كدلالةٍ في السوق ، مرّت على الدور : « من يشتري؟» قال الزمان: «فالتاريخ نهرٌ يجرفك معه، لكنك أنت النهر. والنمر يفتك بك، لكنك أنت النمر. والنار تحرقك، لكنك أنت النار. والعالم، لسوء حظك، واقعك. وأنت، لسوء حظك .. أنت أيضًا ، إنسان». انعدم شعوره بالزمان بقربه ، بالبرد الذي ينخر عظامه ، كما انعدم شعوره بتتابع السنين سابقًا، حتى سقط قلمه ذات يومٍ - أو ليلة، وتهاوى ساقطًا بين آلاف الأوراق التي كَتب فيها تاريخ الحرب . كتابٌ من آلاف الأوراق ، كل صفحاته من جملةٍ واحدة: «الحرب قريبة».








