Echoes of Astraea's Codex
كانت الرياح العاتية تعصف بالنوافذ الخشبية الثقيلة لمرصد "نيفاليس" المعلق على حافة صخرية شاهقة، حاملة معها برودة البحر السحابي الأبدي ورائحة الأوزون وغبار الأسترالون البارد. كانت هذه الليلة تختلف عن كل الليالي السابقة؛ فالضباب الأسفل الذي يحيط بعالم "سيليستيا" لم يكن ساكناً، بل كان يتحرك بتموجات قلقة تشبه أنفاس وحش عملاق يستفيق من نومه الأبدي.
في القاعة السفلية للمرصد، وسط أكوام متراكمة من المخطوطات الجلدية العتيقة والخرائط النجمية الممزقة، جلس الشاب "كيلين" (Kaelen) البالغ من العمر تسعة عشر عاماً. كان خصلات شعره الفضي تتدلى على جبهته بينما يرفع عدسته المكبرة المصنوعة من البرونز المعتق، بؤرة تركيزه المنصبة على كتاب أثري ضخم يُعرف بـ "مخطوطة أستريا" (Astraea's Codex).
لم يكن كيلين سوى مساعد بسيط لأرشيف الأبراج السحابية، يمتلك شغفاً استثنائياً بقراءة اللغة الأستريانية القديمة التي لم يعد يفهمها سوى قلة من حكماء الأبراج. على مدى الأشهر الماضية، لاحظ كيلين اضطراباً في تدفق طاقة "الأسترالونز" (Astralons) — البلورات السماوية الفريدة التي تمد الجزر العائمة بقوة الطفو وتغمر سماء سيليستيا بالنور الدافئ.
انسابت أطراف أصابعه على الرسوم الدقيقة المطبوعة بحبر أثيري متوهج فوق صفحة المخطوطة. كانت النقوش تروي حكاية "أبيكس سباير" (Apex Spire) — البرج الأسطوري الذي يقف في قلب العالم كعمود فقري يربط بين الأبراج السبعة العائمة. ولكن ما استوقفه الليلة لم يكن التاريخ القديم، بل رسماً بيانياً يوضح كيفية احتضار هذه البلورات السماوية.
تنهد كيلين وهمس لنفسه بنبرة خافتة: "هذا لا يمكن أن يكون مجرد تناقص طبيعي... هناك يد مظلمة تسحب طاقة الأسترالونز عمداً من الشرايين الخفية للسماء."
وفجأة، اهتزت القاعة الهائلة هزة خفيفة، وتهاوت بعض المجلدات من الرفوف العالية لتحدث صداً مدوياً في صمت المكان. تذبذبت قناديل الزيت، واشتعلت الشرارات الزرقاء فوق أطراف الأثاث الخشبي. ساد هبوط مفاجئ في الضغط الجوي، واختفت نغمات الرياح العذبة لتستبدل بطنين مكتوم يبث الرعب في الأرواح.
قفز كيلين من مقعده، مسقطاً
عندما وضع كيلين يديه على سور الشرفة المنيع، اتسعت حدقتا عينيه برعب شديد. على بعد عدة أميال في الأفق الغربي، كانت "جزيرة الكريستال" — إحدى الجزر السبع الرئيسية التي تشكل عالم سيليستيا — تتذبذب في الهواء بشكل مرعب.
كانت البلورة الضخمة التي تتوسط القلعة المركزية للجزيرة تطلق شرارات حمراء قاتمة بدلاً من نورها الذهبي المعتاد. وفي غضون ثوانٍ معدودة، انطفأ النور كلياً، وتحولت البلورة السماوية إلى كتلة حجارة سوداء متفحمة وميتة. وبدون قوة الطفو الأسترالية، بدأت الجزيرة الشاهقة بغاباتها وأبراجها تغرق ببطء شديد نحو "البحر السحابي الأسفل"، محاطة بدوامة ضخمة من الدخان والظلال القاتمة.
"لا... ليس ثانية!" زمجر صوت صارم وعميق من خلف كيلين.
التفت كيلين بسرعة ليرى أستاذه العجوز وشيخ المرصد الحكيم "أوريونوس" (Orionus) يقف عند مدخل الشرفة. كان أوريونوس يرتدي عباءته الأسترالية المذهبة، ويمسك بعكازه المصنوع من خشب الأبراج القديمة، لكن وجهه كان يبدو شاحباً للغاية والذعر يرتسم في ثنايا تجاعيده.
قال كيلين بصوت مرتعش وهو يشير نحو الأفق المظلم: "أستاذي أوريونوس! الجزيرة السابعة تسقط! الأسترالون الخاص بها مات كلياً!"
اقترب أوريونوس بخطوات ثقيلة، ونظر إلى الهاوية السحابية التي ابتلعت الجزيرة. قال بنبرة مشحونة بالألم: "إنهم كائنات 'النوكساري' (Noxari)... سادة الظلال. لقد بدأوا هجومهم النهائي. ينطفئ النجم السابع اليوم، ولم يعد يفصل عالمنا عن الانهيار الكامل والسقوط في الفراغ الأبدي سوى شظية واحدة."
أخرج أوريونوس من طيات عباءته صندوقاً فضياً صغيراً منقوشاً بطلسم حماية معقد. عندما فتح الصندوق، انبعث منه ضوء ذهبي ناصع أضاء جدران الشرفة الشاحبة. كانت داخل الصندوق بلورة أسترالية صغيرة، لكنها نقية للغاية وتتوهج بنبض منتظم يشبه دقات قلب طفل ولد للتو.
صدم كيلين من شدة الضوء وشعر بذاك الحرارة الدافئة تنبعث من البلورة. قال بذهول: "هل هذه...؟"
أجابه أوريونوس بثبات وهو يغلق الصندوق ويربطه بسلسلة جلدية متينة: "هذه هي شظية 'أستريا النظيفة' الأخير المتبقية في كافة أبراج سيليستيا. إذا سقطت هذه الشظية في أيدي النوكساري،
أمسك أوريونوس بكتفي كيلين بقوة، ونظر في عينيه المليئتين بالتساؤلات.
قال الحكيم العجوز نطقاً كأنها وصية أخيرة: "يا كيلين... لقد أمضيت سنوات تدرب عقلك على حل أسرار المخطوطات القديمة، لكن القدر اليوم يطالبك بأكثر من الفهم الشفهي. يجب أن تأخذ هذه الشظية وتنطلق فوراً نحو 'أبيكس سباير' (Apex Spire). الحكيم الأخير للبرج هناك يستطيع إعادة ربط الطاقة بالشبكة الأسترالية الشاملة قبل فوات الأوان."
قال كيلين والتردد يمتلكه: "ولكن يا أستاذي... أنا مجرد مساعد في الأرشيف! لست فارساً ولا أمتلك مهارات القتال بالسيوف أو السحر الأسترالي عالي المستوى!"
ابتسم أوريونوس ابتسامة دافئة رغم الخطورة الداهمة، وقال: "النور لا يختار الأقوى درعاً يا بني، بل يختار الأصفى قلباً والأقدر على حمل الأمانة. المخطوطة اختارتك لأنك تفهم روح سيليستيا."
وقبل أن يتمكن كيلين من الرد، دوت انفجارات هائلة عند البوابات السفلية لمرصد نيفاليس. انحطت تعاويذ الحماية الحجرية لتتطاير الشظايا في القاعات الكبرى، وتعالت صرخات الحراس ومارشات القوات المظلمة. انسكب ظلال كالح من الأسقف والجدران، وتجمعت على هيئة فرسان مقنعين يحملون سيوفاً مسمومة ينبعث منها دخان أسود.
صرخ أوريونوس وهو يرفع عكازه السحري ليطلق شعاعاً ضوئياً ردع الفرسان الأوائل: "لقد وصلوا! لا وقت لديك يا كيلين! خذ الصندوق واندفع عبر ممر السراديب السفلية نحو رصيف سفن 'الزفير' الطائرة!"
علق كيلين الصندوق الفضي حول عنقه وأدخل المخطوطة القديمة في حقيبته الجلدية. نظر إلى أستاذه العجوز الذي كان يقاتل بشجاعة لإيقاف فرسان النوكساري المظلمين.
قال كيلين وعيناه تفيضان بالدموع والعزم: "أعدك يا أستاذي أوريونوس... لن أسمح لهم بإطفاء الشعلة الأخيرة!"
اندفع كيلين نحو الممر الخلفي المظلم بينما تهاوت أسقف المرصد خلفه تحت ضربات السحر الأسود، لينطلق في أزقة الأبراج العائمة، تبدأ معها ملحمة البحث عن السيرة الخالدة لأسرار سيليستيا والوصول إلى "أبيكس سباير" قبل السقوط الأبدي. فسوف ينفرط عقد الجزر العائمة وستسقط جميعها في البحر الأسفل لتتلاشى للأبد." حابرته القديمة، واندفع نحو الشرفة الحجرية المفتوحة على الفضاء الشاسع.








