البداية
كبرت وأنا أظن أن المكان يحفظنا أكثر مما نحفظه. الأزقة، العتبات، الممرات الضيقة، كانت تعرف خطواتنا. حين أعود بعد غياب، أشعر أن الجدار يحدّق فيّ كما لو أنه يسأل: أين كنت؟
قرأّت لاحقًا لـ Gaston Bachelard عن “جماليات المكان”، فأدركت أن البيت ليس مساحة بل خزان ذاكرة. الزاوية التي كنت أختبئ فيها طفلة، لم تكن مجرد زاوية، بل شكلٌ مبكر لفهمي للخوف والأمان. المكان لا يحيط بالجسد فقط؛ إنه يدرّبه على الشعور.
في كل انتقالٍ سكنيٍّ لاحق، كنت أفقد شيئًا من نفسي. كأن جزءًا مني يظل عالقًا في مفصل بابٍ قديم. تعلّمت أن الهجرة ليست حركة في الجغرافيا، بل إعادة ترتيب للذاكرة.
لم أفهم العادة بوصفها قيدًا إلا حين حاولت كسرها.
في طفولتي، كان النوم في ساعة محددة، الجلوس بطريقة معينة أمام الكبار، خفض الصوت عند المرور بجوار غرفة الأب، أفعالًا لا تُناقش. العادة كانت قانونًا غير مكتوب.
قرأت لـ Pierre Bourdieu عن “الهابيتوس”، ففهمت أن أجسادنا تحمل المجتمع في حركاتها الصغيرة. كيف نجلس، كيف نضحك، كيف نخاف. العادة ليست تكرارًا أعمى؛ إنها ذاكرة متجسدة. نحن لا نؤدي الطقوس، بل الطقوس تؤدينا









