Customize readability
Aa

الروح السوداء

All Rights Reserved ©

Summary

أنها أبنة الساحرة مستقبلها ساحرة. هل سيهمك معرفة اسمها؟ كلا. فقط نادها " أبنة الساحرة"

Status
Ongoing
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
16+

فرصة لحياة أخرى

"حقاً...؟ من أنا؟... أنا... ابنة الساحرة."

"لا أظن من الضروري معرفة اسمي.. نادني بـ 'ابنة الساحرة' كما يفعل الآخرون."

أجابت ببساطة وهي مستلقية على سريرها الذي يتسع لشخص واحد في غرفتها الصغيرة التي تحيطها أربعة جدران بيضاء. عُلقت على الحائط شهادات تقدير، وتحتوي الغرفة على مكتب دراسة في الزاوية مع حاسوب على المكتب، تضيء شاشته وتنير على موقع للاشتراك في مسابقة حساب ذهني.

"آه.. يا أنسة.. لا يمكنك استخدام ألقاب للاشتراك، نحتاج معلوماتك الحقيقية.. أتمنى منك التعاون.."

أجابها الموظف من الجهة الأخرى من المكالمة الهاتفية، ويحمل صوته بعض الريبة والتوتر وهو يستمع لكلماتها الغريبة. ضغطت بقوة بأبهامها وسبابتها على جسر أنفها وأغلقت عينيها لثوانٍ معدودة دون أن تتحدث، ولا تزال مستلقية، لتُذكّر نفسها أنها في مكالمة هاتفية رسمية، لا حديث عابر أو خطاب مع نفسها. بعد لحظات أجابت بصوت منخفض مُثقل مع لمحة إحراج طفيفة في نبرتها

"نعم.. أنت محق. لقد كنت مشوشة.. اسمي هو..."

..

"مارلين."

بعد الانتهاء من التقديم وإغلاق المكالمة مع الموظف، تنهدت بتعب ورَمَت هاتفها جانباً. اعتادت الاشتراك في مسابقات كهذه، وتحقيق المركز الأول، وفي بعض المسابقات تحصل على جوائز مالية. على الرغم من أنها ابنة ساحرة، إلا أنها كانت جيدة في الرياضيات، لكنها لا تزال تؤمن أن بإمكانها القيام بعمل أفضل. لكن.. ما حكاية لقب "ابنة الساحرة" هذا؟ تقف مارلين من على سريرها وتطرد الأفكار، متجهة نحو مكتب دراستها الصغير. احتوى المكتب على رف صغير به العديد من الدفاتر ومرآة معلقة على الحائط. حتى إن ملاحظاتها وكتبها كانت مرتبة على الرف، وهناك الدفتر الصغير الذي كتبت فيه قصتها.. تلك القصة التي كانت بنظرها لا تستحق أن تُقرأ، ويجب أن يُحرق هذا الدفتر. وقبل أن تتجه نحو الرف وقفت أمام مرآتها ونظرت إلى نفسها بصمت. كانت ترتدي نظارة طبية صغيرة بشعر أسود متوسط الطول مرفوع وغرتها متفرقة ومبعثرة بسبب استلقائها السابق على سريرها. بدت عيناها مرهقتين من الدراسة المستمرة، والهالات السوداء تحت عينيها واضحة من قلة النوم والأرق. ابتعدت عن المرآة ووقفت أمام المكتب ووضعت الدفتر الصغير على الطاولة لتفتح إحدى صفحاته وتقرأ بصمت.

"...أمي ساحرة. على الرغم من أنها كانت فائقة الجمال على عكسي، إلا أنه تم كرهها لأنها تحب كل ما يتعلق بالسحر... لقد كانت دائماً تحب قراءة كل شيء عن السحر وعن...

'عالم القدرات'،

تلك الأسطورة المريبة أو ما تسميها هي. عندما علم والدي بذلك.. قام بهجرنا. لقد تحطمت والدتي في ذلك الوقت، لكنها استطاعت تخطي ذلك والوقوف من جديد، لأجلي ولأجل شغفها بالسحر. لقد تخلت والدتي عن حب حياتها لأجل مسمى السحر، وحتى مع كل هذا.. لا تزال تحبني وترعاني بكل حب... أخبرني الجميع دوماً بأنني سأصبح ساحرة مثل والدتي يوماً ما. عندما أفكر بالأمر لا أستطيع تقبله، لكنهم يستمرون بتكرار تلك الجملة اللعينة.

'الفتاة تكبر لتصبح كوالدتها'.

لكن الآن.. انهدم كل إصراري. أنا أؤمن أنني لن أكون أي شيء آخر في هذا العالم سوى ابنة ساحرة."

أنهت مارلين قراءة الصفحة، فأدارتها إلى واحدة أخرى كتبتها في اليوم السابق. لا تزال قطرات الدموع التي تساقطت على الورقة واضحة؛ جفت لكنها تركت علامة لن تُمحى في دفترها.. وفي قلبها. ستتذكر دائماً ما كتبته في هذه الصفحة.

"في تاريخ هذا اليوم..

21 / 5 / 2022،

والدتي قررت التخلي عن المنزل.. وعني.. لتذهب إلى مدينة أخرى فقط لتحلق بحلمها في استكشاف أعماق السحر، وتتركني لوحدي في هذا المنزل الموحش. لكن... ماذا عن ابنتها التي وعدتها بأن تضمها دائماً وترعاها...؟ ماذا سيحل بي...؟ لقد خسرت اليوم كل ما تبقى لي في هذا العالم."

الآن وبعد انتهائها من قراءة ذكرياتها، تجلس مارلين خارج المنزل الذي تركته لها والدتها خالياً من أي روح، فقط أثاث لا معنى له، وطعام بارد خالي من أي نكهة. الوقت الآن منتصف الليل. تجلس على حافة الرصيف وهي تشاهد دفتر مذكراتها يحترق بصمت وتنظر إليه بعيون خالية؛ لم يكن لهذا الدفتر أي معنى على أي حال، فلم يكن يحمل سوى الألم والحقيقة التي تحاول التخلص منها. ، أمضت الليل بطوله وهي تشاهد الدفتر يحترق وتراقب رماده وهو ينتهي به المطاف طائراً في الهواء، حاملاً كل المشاعر السيئة التي وضعتها فيه. لكن تلك المشاعر لا تزال مرتبطة بها بقوة، ولن تتركها بسهولة. في صباح اليوم التالي دخلت مارلين إلى أكاديميتها بوجه متعب ومنهك، وكان الأمر واضحاً من الهالات السوداء أسفل عينيها. اتجهت بصمت وخطوات ثقيلة نحو خزانتها. بينما كانت تبحث عن مفتاح الخزنة في حقيبتها، استطاعت سماع بعض الفتيات على الجهة الأخرى يتهامسن فيما بينهن ويرمقنها بنظرات خاطفة بين لحظة وأخرى. حاولت مارلين تجاهلهن بصعوبة. فمن المفترض أن تكون معتادة، لكن من الصعب الاعتياد على كلمات البشر القاسية. لطالما كان البشر هكذا. مهما كان نسبهم، عرقهم، أصلهم، موطنهم.. كلهم يملكون تلك "الأرواح السوداء" بداخلهم، التي تحثهم على الفعل والقول السيئ، وعلى الطعن بالأقربين لهم، والكره والغيرة ومختلف الأمور. فكرت مارلين بداخلها بحسرة

"ألا يمكن التخلص من تلك الأرواح السوداء بالسحر الذي تخلت والدتي عني لأجله؟..."

أخرجت مفتاحها بهدوء وفتحت الخزنة. استمرت بترتيب أغراضها وهي تستمع لحديثهن الجارح حولها

"لمَ على فتاة مثلها المجيء لمدرستنا..؟"

"إنها حقاً... قبيحة.. لا توجد ذرة من الجمال في ذلك الوجه الكئيب."

"ما خطب تلك النظارات السيئة؟ مقرفة.."

أغلقت مارلين خزانتها بقوة مما أدى إلى إصدار صوت عالٍ، ورمقتهم بأنزعاج. علمن أنها قد سمعت كل حديثهن بالفعل، مما جعلهن يتجمدن بمكانهن ويغلقن أفواههن في لحظة، حتى همست إحداهن لبقية الفتيات

"دعونا نغادر قبل أن ترمي علينا لعنة بسحر والدتها."

انسحبت الفتيات بصمت وهن ينظرن إليها للمرة الأخيرة. وقفت مارلين هناك غير قادرة على الحراك أو التحدث. ما قالته تلك الفتاة قد يبدو عادياً للوهلة الأولى، لكنه يؤلم بشدة. ارتسمت على وجهها ملامح الانكسار والحزن

"هل عليهن حقاً أن يتصرفوا بهذه الطريقة..؟ لمجرد أني ابنة ساحرة."

بعد الظهيرة، عادت مارلين للمنزل بخطوات ثقيلة، بالكاد كانت تقف على قدميها، منهكة وهي تحمل بداخلها ألم الفقدان والوحدة. بينما كانت متجهة للدرج الذي يؤدي إلى غرفتها، لمحت عيناها ضوءاً مشعاً بلون أزرق قادماً من الأسفل عند القبو. نظرت بفضول إلى هناك. وبالفعل لقد تذكرت.. لطالما كانت والدتها تستعمل ذلك القبو لأعمال السحر والتجارب.. ربما كان ذلك آخر ما صنعته والدتها قبل رحيلها. لم تستطع منع فضولها، فسحبها للنزول للأسفل لتخطو على الدرج المؤدي للقبو بخطوات حذرة بينما يصدر الدرج صريراً خفيفاً مع كل خطوة تنزلها. وقفت في القبو بصمت وتوسعت عيناها بدهشة وهي تنظر للبوابة العجيبة أمامها. كانت ضخمة تشع بنور أزرق أضاء القبو بالكامل. إلى أين ترشد هذه البوابة..؟

"ربما.. خلف تلك البوابة عالم أفضل..؟ أو ربما ينتظرني جحيم.." ترددت مارلين بالدخول وابتعدت خطوة للوراء بحذر وهي تنظر بتردد، لكن الفضول كان يسيطر على عقلها بالكامل. اقتربت أكثر من البوابة ولا تزال مترددة، فمدت يدها للداخل لترى ما الذي قد يحصل. لكن في نفس اللحظة، سحبتها البوابة للداخل بقوة. لم يكن لديها الوقت لتنسحب أو تدرك حتى ما حصل. اشتد الظلام حولها، وكل شيء كان حالك السواد ولا يمكنها رؤية شيء، ولم تستطع التحرك ولا حتى تحريك إصبع واحد. شعرت وكأنها تطير في الهواء، لكن لم يكن هناك أي منظر سوى السواد. ربما قد انتهت حياتها هنا وماتت عن طريق أعمال والدتها السحرية. أمر مثير للسخرية، لكنه يؤلم في الوقت ذاته. لكن ظهر النور مرة أخرى، ثم خرجت من البوابة لتجد نفسها تحت سماء حمراء ودخان يملأ المكان، قبل أن تدرك أنها في صحراء. سقطت من السماء نحو الأرض واصطدمت بها، لكنها لم تتأذ يبدو أن قوى مريبة شعرت بها لوهلة قامت بحمايتها من الأذى. فتحت عينيها قليلاً لترى فتاة تقف أمامها وتنظر إليها للأسفل بوجه مليء بالجروح ومشوه، الدماء تملأ جسدها وعيناها نصف مفتوحة وخالية من أي ضوء يدل على أنها على قيد الحياة. كانت يدها مقطوعة ويتصبب منها الدم، وملابسها مهترئة ومتسخة بتراب الصحراء ودمائها -ربما ليست دمائها- والكدمات واضحة على قدمها. انكتمت أنفاس مارلين في تلك اللحظة وعقلها كان يرفض تصديق الصورة التي أمامها. حدث كل شيء في لحظة واحدة ويصعب استيعابه، حاولت فتح فمها لكن الكلمات كانت أصعب من أن تخرج، غير قادرة على قول كلمة واحدة. لكن الفتاة أمامها تحدثت نيابة عنها وقالت بصوت خافت متعب

"أنتِ... بشرية...؟"

ما إن أردفت بتلك الكلمتين حتى أُغمي على مارلين من أثر الصدمة القوية. ركعت الفتاة أمامها على ركبة واحدة ومدت يدها السليمة لترجع شعر مارلين للخلف وتمعن النظر بوجهها فاقد الوعي، فخاطبت نفسها مؤكدة الأمر

"إنها حقاً بشرية..."

أبعدت يدها ببطء وحذر عن وجهها واتجهت لتمسك بيد مارلين على الأرض. أمسكت بها بقوة وظهر ضوء ساطع حول يديهما وبدأت بسرقة طاقة من جسد مارلين لتتغذى بها وتسيطر عليها بالكامل. بعد لحظات بدأت جراحها تشفى تدريجياً من الأقل خطورة، حتى استعادت يدها المقطوعة. تنهدت براحة ثم وقفت، واتجهت يدها نحو ظهر مارلين والأخرى خلف ركبتيها، وبحركة واحدة رفعت مارلين وكأنها لا تزن شيئاً، وقالت بصوت منخفض تخاطب جسداً غير مدرك لما حوله

"دعينا نأخذك للمنزل الآن.. أيّتها البشرية."

مضت الفترة التالية بهدوء تام، ومرت الساعات بصمت عالي. بحركة بطيئة رفرفت مارلين بأجفانها وفتحت عينيها ببطء وحذر حتى انعكس الضوء إلى عينيها المرهقتين. عدّلت رأسها ليستقيم وشعرت بألم رقبة حاد، فحاولت تحريك رأسها يميناً ويساراً بصعوبة وألم. كانت نظراتها مشوشة ولم تكن ترتدي نظارتها الطبية مما يصعب الرؤية، لكنها استطاعت تمييز المكان لقد كان قبو منزل. كانت مقيدة على كرسي في منتصف القبو، قدماها مربوطتان بإحكام ويداها خلف ظهرها مربوطتان ببعضهما بقوة وبشكل ضيق مما سبب احمراراً وتورماً لكفيها. حاولت مارلين بصعوبة فك القيد لكنها فشلت. وقبل أن تدرك ما يحدث، سمعت صوت فك قفل باب القبو والصرير الخافت الذي جاء من خلال فتح الباب، لكنها لم تستطع رؤية شيء كان الباب خلفها مع درج يؤدي للأسفل إلى حيث كانت هي، ومارلين بالكاد يمكنها تحريك رأسها. سمعت صوت إغلاق الباب بحدة مما سبب رجفة لجسدها، وفي اللحظة التالية سمعت خطوات نزول الدرج ببطء مع دوي كعب الحذاء على الدرج. وبثوانٍ ظهرت الفتاة نفسها التي قابلتها مارلين قبل ساعات، لكن بشكل مختلف. كانت تقف الآن أمامها بابتسامة صغيرة تعلو وجهها لم تكن لطيفة، بل كانت تبدو وكأنها على وشك التهام وليمة. تفحصت جسد مارلين بالكامل من قدميها إلى رأسها ويدها على خصرها والأخرى حرة. نظرت مارلين للفتاة بحذر وفضول بعيون ضعيفة، وشعرت بإرهاق شديد بالكاد تستطيع إبقاء عينيها مفتوحتين، بينما الفتاة أمامها كانت متزينة بكامل أناقتها: تمتلك شعراً أسود حريرياً طويلاً، غرتها وأطراف شعرها باللون البرتقالي النحاسي الأنيق. قررت الفتاة كسر الصمت بينهما وتحدثت بصوت مليء بالثقة "أنا مينجي."

حدقت بها مارلين بصمت ولم تجبها. بدت مينجي كأنها تملك المزيد لقوله، ثم انحنت إلى مستوى نظر مارلين وقالت بنفس النبرة مع إضافة بعض القسوة

"وأنتِ... فريستي."

استمرت مارلين بالنظر وكانت عيناها تملؤهما الحيرة والقلق. أين هي؟ ومن هذه مينجي؟ وما ذلك الشعور المريب حول هذا القبو؟ وهذه مينجي... كل تلك الأفكار تدور في عقل مارلين بلا توقف حتى سببت لها الصداع. تمتمت مارلين بصوت ضعيف حائر

"أين أنا... وما أنتِ..؟"

اتسعت ابتسامة مينجي أكثر بطريقة ماكرة، وأجابت ببساطة كأنها تتحدث عن طقس اليوم

"أنا لعنة.. وأنتِ قد سقطتِ داخل عالم القدرات."

أمالت مارلين رأسها للجانب وهي تستوعب الكلمات التي خرجت من فم مينجي، وكررت كلماتها وكأنها تحفظ الاسم على لسانها "عالم القدرات...؟"

تذكرت مارلين.. كان هذا العالم هو الموضوع الرئيسي لوالدتها دائماً. لهذا السبب بدا الاسم للوهلة الأولى مألوفاً. بحركة سريعة استقامت مينجي ولا تزال تلك الابتسامة المريبة على وجهها، ونادت بصوت عالٍ كمقدم برنامج ترفيهي

"إجابة صحيحة!"،

وقالت وهي ترفع إصبعاً للسماء، ثم أمالت نفسها مرة أخرى نحو مارلين وكلتا يديها على خصرها وتحدثت بطريقة ساخرة

"أنتِ حقاً تجهلين كل شيء.. كطفل في السادسة من عمره يكتشف معنى الحياة."

رمشت مارلين بدهشة وأعلنت وهي تحاول تفادي التواصل البصري

"أملك بعض المعلومات عن هذا العالم.."

توسعت عينا مينجي بدهشة وسعادة وطبقت يديها بمرح حتى أصدر تصادم يديها صدى في القبو وهتفت بحماس

"أطلعيني على ما تعرفينه!"

نظرت مارلين نحو زاوية عشوائية في القبو وانخفضت أجفانها قليلاً وهي ترتب الكلمات في ذهنها، وبدأت الشرح

"حسناً... يوجد في هذا العالم خمس ممالك مملكة الشياطين، مملكة الملائكة، ومملكة القدرات. هؤلاء يملكون الطاقة والقدرة. وفي الجهة الأخرى مملكة اللعنات ومملكة الجن، وأتذكر أنهم يملكون الطاقة والقوة... وأيضاً.. يعيش بعض من الملائكة والشياطين بسلام في مملكة القدرات على عكس العداوة الحاصلة بين المملكتين."

قاطعت مينجي مارلين التي كانت منغمسة في الشرح وقامت بإلباسها نظارتها الطبية مما أعاد مارلين من غفلتها، ثم أردفت مينجي قبل أن تسمح لمارلين بالتحدث

"ولأكون دقيقة.. جميع الممالك في عداوة وكره مع بعضهم البعض." مرت ثوانٍ من الهدوء قبل أن تسأل مينجي

"إذاً ماذا كان اسمكِ؟"

أجابت مارلين بكلمة واحدة مترددة

"مارلين..."

عادت ابتسامة مينجي المريبة مرة أخرى وأكدت

"كنت أعلم أنكِ ذكية يا مارلين.. بدا ذلك واضحاً من مظهركِ." نظرت مارلين باستغراب ولم تتجرأ على التعليق، وفكرت مع نفسها بفضول واستغراب شديد حتى ظهرت على وجهها ملامح الاستغراب

"لقد لقبتني بالجاهلة قبل دقائق..."

بحركة خاطفة وقفت مينجي باستقامة وبدا عليها النشاط مما أفزع مارلين للحظات، ثم أنهت مينجي المحادثة الصغيرة بينهما وقالت

"إذاً يا سجينتي الذكية.. اجلسي هنا بأدب ولا تحاولي فعل شيء سخيف."

قالت مينجي جملتها الأخيرة بنبرة تحذيرية أشبه بتهديد خلف قناع المرح، ثم عادت إلى نبرتها الحيوية وأكملت

"سأعود بعد ساعات مع وجبة خفيفة لذيذة!"

وقبل أن تحاول مارلين أن تنطق بكلمة، ابتعدت مينجي وأصدر حذاؤها صوت خطوات عالٍ وهي تدندن أغنية مع نفسها. راقبتها مارلين بصمت وحيرة، وظهرت تعابير الحيرة والاستغراب على ملامحها متسائلة إلى أي مدى يمكن أن تصبح تلك اللعنة غريبة.

مرت النصف ساعة التالية ببطء شديد، حيث جلست مارلين مقيدة تراقب الأرض أسفلها وفكرت مع نفسها بصمت"ربما قد غادرت مينجي المنزل.. لا أسمع أي أصوات خطوات عالية ولا ألمس طاقتها المريبة حولي..." تنهدت مارلين بإرهاق وخاطبت نفسها بصوت منخفض

"عالم القدرات... من كان يعتقد أن أحاديث والدتي الخيالية ستكون مصيري؟"

فحصت مارلين القبو بعينيها بحثاً عن شيء قد يساعدها على الهروب، لكن القبو كان خالياً من أي شيء سوى طاولة صغيرة بجانبها، ونافذة مغلقة عالية الارتفاع تعكس ضوء شمس خافت، يمكنها سماع صوت الحركة خارج أبواب النافذة ومن الواضح أنها تؤدي للمخرج بسهولة. تراجع رأس مارلين بإرهاق وهي تتنفس ببطء. في تلك الأثناء، شعرت يداها بشيء في جيبها الخلفي، وباستخدام يديها المقيدتين أنتزعته من جيبها بصعوبة. لقد كان سكيناً صغيراً نسيتْه في جيبها منذ حصة الفن في وقت سابق. أمسكت به بقوة حتى أبيضت أطراف أصابعها وحاولت قطع الحبل الذي يقيد يديها. كان الحبل سميكاً وشديد المتانة لكنها لم تتوقف واستمرت وهي تحبس أنفاسها بقوة. مرت دقائق من المحاولة المستمرة حتى زفرت بقوة وسقط الحبل على الأرض.

"أخيراً... ظننت أنه لن ينقطع أبداً."

نظرت مارلين إلى يديها وكانت علامات الحبل تحيطهما وملمسها مؤلماً يحرق عند لمسه. دلكت مارلين يديها بألم، ثم انتقلت لقطع الحبل عن قدميها اللتين تربطانهما بالكرسي. وما إن تخلصت أخيراً من قيودها حتى وقفت باستقامة ولا يزال السكين بيدها تتمسك به بقوة وكأنه سيختفي إن خفضت يدها. حتى اجتاحها صداع شديد ورائحة مريبة ملأت أنفاسها قادمة من القبو. تفحصت مارلين القبو مرة أخرى بدقة أكثر، لكن لم يكن هناك أي شيء سيساعدها على الهرب. أعادت تركيزها إلى النافذة فوجدتها مغلقة باستخدام حبل مشدود على المقبض. ضاقت عينا مارلين وهي تفكر

"هذه اللعنة تستخدم الحبال لكل شيء"

مرت دقائق من التفكير، عندها وجدت مارلين طريقة للوصول للنافذة. حملت الطاولة الصغيرة الخشبية برَفعة واحدة كانت ثقيلة وملمسها خشناً، لكنها استطاعت إيصالها نحو النافذة. بعدها قفزت مارلين فوق الطاولة لكنها لا تزال لا تستطيع الوصول نحو النافذة.

"أحقاً أنا قصيرة جداً؟"

تمتمت بسخرية وهي تنظر نحو النافذة، ملجئها الوحيد للهروب. أدارت رأسها فوجدت الكرسي الذي كانت مقيدة به قبل لحظات. أعادت سكينها إلى جيبها ونزلت بحذر من الطاولة وحملت الكرسي. كان أقل وزناً من الطاولة ولكنه أخشن، فوضعته فوق الطاولة ثم صعدت مرة أخرى، وأصبحت الآن مقابلة للنافذة. وقبل أن تقطع الحبل لاحظت العالم من حولها في الخارج لقد كان حياً سكنياً، وكانت البيوت كبيرة جداً وبحدائق واسعة، ومن الممكن أنها كانت منطقة سكنية للأثرياء. تساءلت مارلين وهي تشاهد الشارع في الخارج عن نوع الأشخاص الذين تنتمي إليهم مينجي هذه. استعادت مارلين تركيزها، أخرجت سكينها وبدأت بالعمل على قطع الحبل، وبعد محاولات استطاعت فكه، ثم دفعت بيديها النافذة بكل قوة، ليصدر صوت اندفاع عند فتح الباب، وضرب الهواء البارد من الخارج بشرتها. بدا الأمر مريحاً للوهلة الأولى على عكس الموقف الذي هي فيه الآن. أمسكت بكلتا يديها حافة النافذة وكان ملمسها حديدياً، تشبثت به بقوة ونظرت خلفها للقبو الفارغ للمرة الأخيرة ثم أعادت نظرها للخارج. لم تكن المسافة عالية لذا قفزت بلا تردد حتى لامست قدميها الأرض بقوة وأصدرت صوت اصطدام مع تناثر بعض التراب حولها. تعثرت للخلف لكنها استعادت توازنها قبل أن تسقط ورَفعت قلنسوتها إلى رأسها للحذر. رفعت رأسها للسماء فكانت السماء حمراء بمزيج من البرتقالي الداكن، وما إن شاهدت السماء حتى تذكرت كلام والدتها الذي سمعته منذ زمن

"مارلين، أتعرفين كيف تبدو سماء مملكة الشياطين؟"

أجابت مارلين الصغيرة بفضول بريء

"هل هي زرقاء مثل سماء عالمنا؟"

ضحكت والدتها بخفة وصححت

"كلا، إنها مزيج من الأحمر والبرتقالي."

استعادت مارلين هذه الذكرى حتى أدركت أنها الآن في مملكة الشياطين. ودَاعَب هواء المملكة البارد أطراف أصابعها وبشرتها متناقضاً مع جو السماء الأحمر، وكانت رائحة أوراق الشجر المنعشة تداعب حواسها وهي تمشي بهدوء وحذر. استمرت مارلين بالمشي نحو نصف ساعة حتى وصلت إلى الشارع الرئيسي: أصوات محركات السيارات العالية، وأحاديث الناس من حولها، ورائحة المخبوزات من الأفران المجاورة. لم تكن الحياة مختلفة هنا، إنه أشبه بالمشي في عالمها في يوم عشوائي، لكن المكان هنا أكثر تطوراً. شاهدت مارلين بدهشة وهي لا تصدق ما تراه عيناها، واستمرت بالمشي وهي تحاول عدم لفت الانتباه أو إثارة الشكوك حتى توقفت أمام مبنى أكاديمية كانت مكتظة بالناس. حاولت مارلين الابتعاد بخطوات سريعة قبل أن يراها أحد، وما إن تحركت حتى أوقفها رجل بزي رسمي تشع منه رائحة العطور الفاخرة، واعتلت ملامحه ابتسامة صغيرة. توقف أمامها مباشرة وهو يحمل لوحاً معلقاً عليه كومة من الأوراق يعانقه حول صدره، ويده الأخرى تحمل قلماً جافاً. بدأ الحديث برسمية: "أيّتها الآنسة الصغيرة، تبدين في الـ 17 من عمركِ، هل قررتِ إلى أي أكاديمية ستذهبين؟"

نظرت مارلين بحيرة وأدركت مجرى الحديث

إنه يعمل لدى هذه الأكاديمية، فأجابت ببطء وتردد وهي تنظر حولها راجية ألا ترى مينجي

"أنا في الـ 18 من عمري، وأنا لست من هذه المملكة."

أومأ الرجل برأسه بتفهم وأكمل

"إن هذا واضح، لقد شعرت بطاقتك غير المألوفة بعض الشيء." حدقت مارلين بفضول وهي تحاول تذكر معنى "طاقة"، لكنها لم تتجرأ على السؤال، وبدلاً من ذلك سألت شيئاً آخر وهي تنظر بعيداً بحرج

"أنا لا أملك مكاناً للمبيت.."

نظر الرجل بفضول وتلاشت ابتسامته، لكنه سرعان ما استعادها ولوح بكلتا يديه مطمئناً

"أهذا صحيح؟ لا تقلقي بشأن هذا. إذا تقدمتِ للاختبار ستحصلين على مكان للإقامة في سكن الأكاديمية، وإذا كان ملفك مليئاً بالامتيازات ستتكفل الأكاديمية بنفقتك كذلك." فكرت مارلين بكلامه لثوانٍ وأجابت

"ماذا لو... لم أملك ملفاً خاصاً بي..؟" تهجمت ملامح الرجل ونظر إليها بارتياب وبدا صوته متقطعاً ومتردداً في إكمال الحديث

"إذاً... كيف..؟"

أجابت مارلين ببساطة

"لقد سُرِق..."

اتسعت عينا الرجل وهو يحدد بدهشة، ثم ابتسم بلطف وهو ينقر بالقلم على اللوح

"لا بأس.. يمكن لقسم السحرة الخاص بالأكاديمية مساعدتك.." وضعت مارلين يدها أسفل ذقنها وهي تفكر في عرضه حتى قاطع الرجل أفكارها

"لديك طاقة مميزة حقاً.. لا تفكري بشأن ملف أو أي شيء من هذا، فما إن يرى مدراء الأكاديمية طاقتك حتى سيوافقون فوراً."

لمعت عينا مارلين ببعض الأمل وتنهدت بارتياح

"متى بإمكاني التسجيل..؟"

اتسعت ابتسامة الرجل وأجاب بحماس

"الآن!"

مد إليها اللوح والقلم وأشار إلى مكان التوقيع في الورقة وقال برسمية

"فقط وقّعي هنا مع كتابة اسمكِ ويمكنكِ الدخول للتسجيل." أمسكت مارلين بالقلم وترددت يداها حول اللوح قبل أن تستسلم وتوقع. وما إن انتهت حتى قرأ الرجل الاسم على الورقة: (مارلين لوران)، ثم أشار بيده نحو باب الأكاديمية مشيراً إليها بالدخول أولاً: "آنسة مارلين، تفضلي بالدخول من هنا." بينما كانت مارلين تتبع الرجل وتمشي بهدوء خلفه وهو يستمر بالتحدث عن مميزات الأكاديمية مع ذكر اسمها

"مارشيل أكاديمي للفتيات"

لم تهتم مارلين بهذا كله، بل ما كان يشغل بالها حقاً هو السرعة التي وافق بها الرجل على كل ما قالته بلا تردد. ومن خلال تصرفاته تسلل إلى مارلين شعور بالريبة والحذر، فأدخلت يدها في جيب سترتها الذي يحمل السكين مستعدة لأي حركة قد تحصل، حتى مع معرفتها أنها لا تجيد القتال لكنها مستعدة لحماية نفسها حتى تجد طريقها للعودة إلى عالمها. أيقظها صوت الرجل من أفكارها وهو يشير بيده نحو باب كبير قائلاً

"هذا هو مكتب الإدارة. عليكِ الانتظار عند مقاعد الانتظار، وبعدها سينادون عليكِ ويسألونك بعض الأسئلة. حظاً موفقاً!" أومأت مارلين برأسها وشاهدت الرجل يعود أدراجه ليكمل عمله، بينما هي أخذت مقعداً عند أحد المقاعد أمام المكتب. جلست مارلين بهدوء تنظر إلى يديها، ولم تعد تشعر بأي شيء سوى الفضول

"إلى أين ستكون وجهتي التالية؟"

كان هذا السؤال الوحيد الذي يشغلها. رفعت بصرها لتراقب الطلاب من حولها. كان التوتر واضحاً على الجميع فتاة كانت تقبض على ملفها بقوة حتى كادت تمزقه، وآخرى تعض شفتها حتى سال منها خيط رفيع من الدم، بينما كانت فتاة تقرع بكعب حذائها على الأرضية الرخامية بلا توقف في إيقاع يعكس قلقها. مر الوقت ببطء حتى بقيت مارلين آخر طالبة في الممر لوحدها. ثم ظهر صوت امرأة من مكبرات الصوت القريبة لتنادي على اسم الطالبة الأخيرة

"مارلين لوران.. إن الإدارة في انتظارك."

وقفت مارلين وزفرت وهي تستجمع شتات نفسها ودخلت المكتب. فتحت الباب ببطء وهي تنظر إلى الداخل كانت الغرفة واسعة وفي المنتصف يجلس ثلاثة مدراء بتعابير صارمة. رجلان وامرأة واحدة ترتدي نظارة طبية كبيرة وبدت أكثرهم صرامة. جلسوا أمام طاولة طويلة وأمامهم كرسي واحد فارغ مخصص للطالبة. أغلقت مارلين الباب خلفها واتجهت بتردد نحو الكرسي. كانت عيونهم تدرس كل خطوة لها ويدونون في ملاحظاتهم كل ما يرونه ويعتقدونه. كان الجو في الغرفة ثقيلاً ومليئاً بالطاقة السلبية. وما إن جلست مارلين حتى نظرت للأسفل إلى يديها اللتين جلستا في حجرها وهي ترتجف. كسر أحد المدراء الصمت وقال بحدة

"مارلين، أين ملف الطالب الخاص بكِ؟"

لم تجب مارلين فوراً، ونظرت بتوتر إليهم ولا يزال رأسها منحنياً للأسفل.

"ليس لدي..."

اتسعت عيونهم بدهشة ونظروا إلى بعضهم قبل أن يسأل المدير الآخر

"هل يمكنكِ الإيضاح أكثر؟"

عضت مارلين على شفتيها قبل أن تجيب بصوت خافت

"لقد سُرق مني.. وأنا لست من هذه المملكة..."

نظر الثلاثة إلى بعضهم بحيرة وبدأوا بالتدوين مرة أخرى قبل أن يتحدث أحد المدراء

"هل تتوقعين منا قبولك بلا أي معلومات؟"

نظرت مارلين للأسفل وأجابت ببطء وتأنٍ وتشنج كتفها

"أنا لا أملك مسكناً أو شخصاً هنا لمساعدتي.. يعتمد مستقبلي على هذه الأكاديمية..."

قاطعت المديرة كلام مارلين وأجابت بصرامة وهي تعدل نظارتها

"هل تعتقدين أننا نقبل الطلاب بدافع الشفقة؟ هذا ليس نظامنا يا مارلين."

أراح المدير الذي يجلس في المنتصف ذراعه على الطاولة ووضع ظهر يده أسفل ذقنه وسأل بهدوء

"تملكين طاقة مثيرة للإهتمام بالفعل. مارلين، هل تختارين العقل أم القوة؟"

نظر المديران الآخران إليه بدهشة بينما عادت لمحة من الأمل في عيني مارلين وهي تنظر إليه وتفكر في سؤاله بدقة. كان هذا السؤال ما يحدد مصيرها في هذه الأكاديمية. فكرت مارلين و تذكرت .

" سألتني والدتي هذا السؤال ذات مرة...

العقل... حيث أختار الدراسة وتنمية مهاراتي العقلية والحصول على منح في جامعات مرموقة.

القوة... هي تدريب القدرة وتعزيز الطاقة والقدرة لتصبح أقوى، ويصبح المرء مستعمل قدرة يحمي مملكته."

أخذت مارلين نفساً وأجابت

"العقل.."

دهش الثلاثة من اختيار مارلين. فقد كانت تملك طاقة عالية يمكنها قتل اللعنات والجن في لمحة بصر، إلا أنها اختارت العقل؟ تردد المدير في الإكمال، لكنه أجاب على قرارها

"لديكِ طاقة عالية بالفعل، لمَ تفضلين العقل على القوة؟" تجمدت مارلين في مكانها وهي تفكر في طريقة للإجابة. كيف يمكنها الكذب والإفلات كما فعلت في المرة السابقة. عندما كذبت بشأن ملف لم تملكه و كونها بشرية في عالم يمنع عليها دخوله . "أنا... لا أستطيع التحكم في قدرتي بشكل جيد، لكنني ماهرة بالعلوم والرياضيات.. لهذا السبب."

بعد ثواني من الصمت . وقفت المديرة من مكانها واتجهت نحو درج وأخرجت منه ورقة اختبار، ثم عادت ووقفت أمام مارلين ووضعت الورقة أمامها وقالت وهي تنظر بحدة

"إذا أجبتِ بشكل صحيح بالكامل على هذا الاختبار سنوافق على دخولك، وسيتم اعتبار ملفك المفقود استثناءً."

قرأت مارلين محتوى الاختبار

كان أمامها ثلاثة أسئلة فقط عن الهندسة الأولمبية ونظريات الأعداد والتوافقيات، وكلها مواضيع معقدة وتحتاج للتفكير العميق. لكن مارلين قد درست كل هذا بالفعل. استجمعت مارلين ثقتها ونظرت بثقة إلى المديرة وهي تبتسم بحماس

"أريد الاختبار."

ابتسمت المديرة وخفت ملامحها وبدا عليها الرضا، فقدمت لمارلين قلماً ودفتراً للحل، ووقفت أمام مارلين وهي تضع مؤقتاً تنازلياً على الطاولة: "أمامكِ 90 دقيقة حتى تنهي الأسئلة الثلاثة." ثم ضغطت على زر البدء وبدأ الاختبار بالفعل. أمسكت مارلين بقلمها ولم يظهر على وجهها أي انفعال. أخذت نفساً بطيئاً وشُدّت يدها على القلم. لم تبدأ بالكتابة فوراً. أمضت الدقائق الأولى تحدق في المسألة الأولى وكأنها تعيد ترتيبها داخل عقلها. كانت تعرف أن الخطأ الأول قد يقود إلى سلسلة كاملة من الأخطاء. دونت سطراً واحداً فقط ثم توقفت. راجعت الفكرة، شطبتها، وكتبت حلاً مختلفاً. مرت الدقائق بصمت ثقيل لا يُسمع فيه سوى احتكاك الأقلام وصوت المؤقت بجانبها. أما المدراء الثلاثة فلم يحيدوا بأعينهم عنها لحظة واحدة، يراقبون طريقة تفكيرها أكثر من إجاباتها. بعد أن انتهت من السؤال الأول انتقلت إلى الثاني دون تردد، بينما بقي أمامها أقل من ساعة. قرأت مارلين السؤال التالي أكثر من مرة. كان يتحدث عن نظرية الأعداد. فكرت مارلين طويلاً قبل أن تكتب الخطوات الأولى، ثم توقفت وعضت على نهاية القلم وهي تفكر بعمق.. عادة قديمة اعتادت فعلها وهي تفكر بمسألة رياضية. أخذت مارلين الـ 90 دقيقة وهي سارحة في أفكارها وتصب كل جهدها على المسائل الثلاث أمامها. كانت الرياضيات شغف مارلين منذ الصغر، واعتادت دراستها طوال الوقت حتى أصبحت جزءاً من يومها. وما إن أنهت المسائل الثلاثة حتى تبقى لديها 5 دقائق قبل انتهاء الوقت. لا يزال المدراء أمامها يدققون في كل نظرة وكل حركة منها. أعادت مارلين قراءة الأسئلة ومراجعة إجاباتها وابتسمت بثقة وهي تعرف جيداً أن إجاباتها صحيحة، فقد حلت نفس هذه المسائل مرات عديدة في وقت مضى. الآن تبقى دقيقة واحدة قبل أن ينتهي اختبارها، فقدمت مارلين دفتر إجاباتها للمديرة بثقة. نظرت المديرة بفضول وتركيز

"تبقى أمامكِ دقيقة واحدة."

هزت مارلين رأسها ولا تزال تبتسم

"لا بأس.. لقد انتهيتُ بالفعل."

ضاقت عيون المديرة قبل أن تقبل الدفتر من مارلين. عادت المديرة لمكانها وبدأت تقرأ الإجابات مع باقي المدراء بجانبها، واتسعت عيونهم صدمة. هذه الفتاة الغريبة أمامهم كانت مليئة بالمفاجآت

اعتقدوا أنها تكذب بشأن خبرتها بالرياضيات، لكنها كانت صادقة

كانت جميع خطوات حلها مطابقة للإجابات النموذجية، ولم تكن هناك أي أخطاء ولا حتى في خطوة واحدة. نظر الثلاثة إليها قبل أن يعيدوا النظر للإجابات. أخذ منهم الأمر 15 دقيقة للنقاش فيما بينهم وهم يدققون الإجابات. عندها أعادوا انتباههم لمارلين، وعدلت المديرة نظارتها مرة أخرى وتحدثت

"مارلين لوران.. حسناً، على الرغم من أنكِ لا تملكين ملف الطالب الخاص بكِ، إلا أننا دهشنا من دقة إجاباتكِ على الاختبار، لذا نحن نعتذر.."

انقبض قلب مارلين وتسمرت ملامحها قبل أن تكمل المديرة كلامها

"هل تعتذر عن رفضي..؟"

هذا ما دار في بال مارلين في تلك اللحظة. تنحنحت المديرة وأكملت

"نعتذر لأننا شككنا في قدراتكِ في وقت سابق، فقد اعتقدنا أنكِ مشردة تحاول تضييع الوقت."

صفق المدير بيده وابتسم لمارلين بلطف

"لقد تم قبولكِ في أكاديمية مارشيل!"

ابتسمت مارلين بسعادة ولمعت عيناها

"حقاً! شكراً لكم!"

قاطعت المديرة فرح مارلين قائلة

"سنطلب من قسم السحرة الخاص بنا إعادة كتابة ملفكِ. وبما أنكِ ذكرتِ سابقاً بأنكِ لا تملكين مسكناً، ستتكفل الإدارة بمسكنكِ في السكن الجامعي الخاص بأكاديمية مارشيل، وبنفقتكِ كذلك." أومأت مارلين بالموافقة بسعادة غامرة. وفي وقت لاحق كانت مارلين قد وصلت إلى موقع السكن بمساعدة أحد الموظفين. كان السكن يبعد دقائق سيراً على الأقدام عن الأكاديمية. وقفت مارلين أمام موظفة الاستقبال، وهي امرأة شابة لطيفة ابتسمت لمارلين بحنان بينما تنتظر مارلين الحصول على مفاتيح مسكنها. بحثت موظفة الاستقبال في حاسوبها عن اسم مارلين، وما إن وجدت اسمها حتى قالت بصوت لطيف: "مارلين، مسكنكِ رقم 402 في الطابق الرابع." قالت ذلك وهي تمرر لمارلين مفتاحها الذي يحتوي كذلك على رقم مسكنها. أخذت مارلين المفتاح بإيماءة صغيرة، وما إن استدارت للذهاب إلى المصعد حتى نادت الموظفة ولا تزال تحمل ابتسامة لطيفة: "إذا شعرتِ بالجوع، يوجد عشاء مخصص للطلاب في الطابق الأول." حدقت مارلين بتعب وقالت بصوت خافت متردد، وقد شعرت بالحذر من لطف المرأة أمامها

"شكراً لكِ.."

وعند وصول مارلين لمسكنها فتحت الأنوار وصُدمت مما رأته توقعت أن تكون غرفة ضيقة، لكن هذا المسكن كان على مستوى آخر. عند دخولها استقبلها ممر قصير، وما إن سارت قليلاً حتى وجدت مطبخاً صغيراً مفتوحاً وأمامه أريكة بيضاء واسعة وأمامها تلفاز. وفي الناحية الأخرى وجدت ثلاث غرف موزعة. أول غرفة كانت حماماً، والأخرى كانت مجرد غرفة فارغة. فكرت مارلين بالاحتمالات التي يمكنها فعلها بهذه الغرفة مستقبلاً وظهر على وجهها الحماس.

"أوه، يمكنني حتماً إنشاء مكتبة خاصة بي هنا!"

اتجهت مارلين نحو الغرفة الأخيرة. لقد كانت تلك غرفة نومها. كانت صغيرة لكنها مناسبة جداً. كان هناك سرير واحد، لذا من الواضح أنها لا تملك شريكة في هذا المسكن. جلست على السرير وشعرت بنعومته، وأمامها مكتب مع حاسوب حديث، وبجانبه خزانة ملابس واسعة مع أدراج صغيرة. استلقت مارلين براحة على السرير وهي تستسلم للتعب. كان يوماً واحداً لكنه مليء بالأحداث.. فكرت مارلين وهي تحدق بالسقف المطلي بالأبيض. "الحياة هنا تبدو أسهل من عالمي... في اختبار واحد حصلت بالفعل على مسكن."

جلست مارلين باستقامة وأخرجت من جيبها السكين وظرفاً يحتوي على مالها لأول شهر في الأكاديمية، وكانت قد حصلت عليه من الموظف في وقت سابق بعد قبولها. فتحت الظرف وأخرجت المال وبدأت تفكر في خطوتها التالية

"سأحصل كل شهر على 500$.. هذه الأكاديمية كريمة بشكل مثير للريبة.. غداً عليّ الذهاب للأكاديمية ليومي الأول. سأتوجه للمكتبة، فربما أجد شيئاً يساعدني في العودة لعالمي..."

نهضت مارلين من سريرها وفتحت الخزانة فدهشت من وجود ملابس نوم وزيها المدرسي وكل شيء مطوي ومرتب

"هذه الأكاديمية متكاملة..."

قالت بسخرية وهي تخرج ملابس النوم من الخزانة. وبينما كانت تفعل ذلك، اجتاحتها فكرة أوقفتها عن الحركة

"كيف سيكون رد فعل والدتي إن علمت أنني هنا... في العالم الذي حلمت به دائماً...؟"

بدأت مارلين تتخيل في عقلها مشهد والدتها وهي تبتسم بسعادة وحماس، وبدأت تبتسم لاإرادياً حتى تذكرت أن والدتها قد غادرت منزلهم قبل وقوعها المفاجئ هنا. عانقت مارلين ثياب نومها وفكرت بصمت

"لو خرجت من هذا العالم... هل ربما... ربما سأجد والدتي هناك في انتظاري...؟ وستعانقني بقوة وتخبرني أنها آسفة لرحيلها بدوني... يمكننا الذهاب معاً لأي مكان ترغب به.. فقط.. معاً..."

مر الوقت حتى تسلل خيط من شمس الصباح على نوافذ الأكاديمية. كانت مارلين تمشي في ممرات الأكاديمية بصمت لوحدها بزيها المدرسي الجديد قميص أسود مدرسي أنيق، وربطة عنق زرقاء داكنة، وتنورة قصيرة زرقاء أنيقة. خلال طريقها اكتشفت مارلين عن طريق الصدفة أن هذا هو الفصل الثاني من السنة الدراسية الحالية. مع ذلك اجتاحها شعور بالراحة، فهنا لم يكن هناك أي شخص ينظر إليها بازدراء أو يتكلم عنها بالسوء من خلف ظهرها، ولن تسمع بلقب "ابنة الساحرة" بعد الآن. قطعت طريقها فتاة طويلة شعرتها الأسود الناعم ينسدل على كتفيها بشكل يبهر العين وملامحها أشبه بلوحة فنية، وعيناها بلون برتقالي لامع يخطف الأنفاس. انفردت شفتا مارلين باندهاش من الفتاة أمامها، وتجمدت ونسيت كيف تنطق الحروف. ابتسمت الفتاة بخفة وكلتا يديها متشابكتان خلف ظهرها، وقالت بصوت عذب

"مارلين، أنتِ الطالبة الجديدة صحيح؟"

تراجعت مارلين خطوة وشدت يديها حول الكتب التي كانت تحملها بيدها بلمحة من القلق والتوتر، وهزت رأسها بموافقة سريعة بلا وعي وهي تحدق بإعجاب بالفتاة أمامها. ضحكت الفتاة على تصرفات مارلين وأكملت

"أنا بياترك باريت، سأكون زميلتكِ في الفصل ومرافقتكِ لوقت قصير حول المدرسة."

وافقت مارلين على الجولة القصيرة مع بياترك. وبينما مشى الاثنان معاً كانت الأنظار جميعها على بياترك، فسألت مارلين بصوت فضولي لا يسمعه أحد سوى بياترك

"جميع الفتيات هنا يحدقن بكِ.."

نظرت بياترك إلى بعض الفتيات حولها وابتسمت بثقة واضحة "يعتقد الجميع أنني مثال المرأة الناجحة هنا. ولأكون واضحة، أنا هي الرقم واحد هنا."

حدقت مارلين بإعجاب مع مزيج من الدهشة. بدأت تعجب بشكل كبير بالفتاة التي تمشي بجانبها وهي بالفعل زميلتها في الفصل. شعرت مارلين بحماس كبير بالكاد تستطيع كتمه بداخلها، لكن هذا الحماس انكسر لحظة انضمام فتاة أخرى إليهم. وقف كل من مارلين وبياترك يشاهدان الفتاة تركض نحوهما وشعرها زيتوني اللون يتطاير في الهواء مع سرعتها، وتوقفت مباشرة أمامهما وظهرها ينحني للأسفل وتستقر يداها على ركبتيها وهي تلتقط أنفاسها المتقطعة، وخداها محمران من إرهاق الركض. ابتسمت بياترك برضا ووضعت يدها على فمها وانطلقت منها ضحكة خافتة وهي تشاهد الفتاة أمامها، على عكس مارلين التي بدت قلقة بشأن الفتاة، وحامت يدها وحاولت التربيت على الفتاة لتهدئتها لكنها تراجعت قبل ان تفعل وأعادت يدها، ثم قالت مخاطبة بياترك بصوت منخفض

"إيه... أعتقد أن هذه الفتاة على حافة الموت هنا..."

أجابت الفتاة بين أنفاسها المتقطعة وغرتها تنسدل على وجهها "كلا... إن.. إن هذا.."

وقفت باستقامة بسرعة ونظرت إلى مارلين بحزم مع خدين متوردين، وقالت بإصرار وهي تقبض على يدها بقوة

"هذا جزء من تدريبي!"

نظرت إليها مارلين بتردد وحامت يداها في الهواء تتردد بشأن ما يجب فعله، ثم سألت حائرة

"تدريب على الموت؟"

ضحكت بياترك على تعليقها ونظرت إلى مارلين بنظرة أم حنونة تشاهد صغيرها

"إنها تتدرب على لياقتها."

تجولت نظرات مارلين بين بياترك والفتاة بإدراك، وعندها أدركت بياترك أنها نسيت تعريفهما على بعضهما، فتقدمت ووقفت في المنتصف

"لقد نسيت بالفعل أن أعرفكما."

نظرت إلى مارلين وابتسمت نفس ابتسامتها المعتادة وهي تشير نحو فتاة الشعر الزيتوني

"مارلين، هذه هانا روكوارتز، زميلة في فصلنا وكذلك هي مساعدتي الشخصية الموثوقة."

ثم اتجهت نظراتها نحو هانا

"هانا، هذه هي مارلين. خذيها في جولة حول أرجاء المدرسة وأحسني معاملتها."

نظرت إليها بياترك بنظرة أمر وتأكيد، فأومأت هانا برأسها كحارس شخصي وتقابلت عيناها مع مارلين. كانت مارلين تنظر إليها بفضول تحاول أن تحفظ وجهها، بينما هانا تنظر بحذر والكثير من الشك. قاطعت بياترك نظراتهما وقالت

"حسناً، سأترككما معاً وأرحل، لدي عمل عند مجلس الطلاب." اتسعت عيون مارلين قليلاً وأرادت إيقافها لكنها تراجعت قبل أن تفعل. فشاهد كل من هانا ومارلين ابتعاد بياترك. سألت مارلين بفضول وهي تحاول التعلم عن أرجاء الأكاديمية بينما عيناها لا تزالان نحو بياترك

"إذاً هل تعمل بياترك في مجلس الطلاب؟"

شبكت هانا ذراعيها وهي تشاهد بياترك

"كلا، آنستي بياترك لا تعمل في المجلس الطلابي، لكنها تدير شؤون فصلنا، ولهذا علينا تقدير هذا المجهود الذي تبذله لأجلنا." قالت هانا الجزء الأخير ويدها على صدرها وهي تمجد بياترك بشكل مبالغ فيه وفي عينيها تقدير كبير. نظرت مارلين إليها بحيرة وهي تبتسم بتوتر، وكانت غير قادرة على معارضة هذا التقدير الواسع. فبياترك كانت تبدو كشخصية قيادية عظيمة بالفعل. بدأ الجو يصبح محرجاً بينما هانا استمرت بالإعجاب ببياترك وهي تختفي في الممر، فقررت مارلين كسر الصمت قبل أن يصبح محرجاً أكثر

"هل يمكننا بدء الجولة؟"

نظرت هانا نحو مارلين وعادت نظراتها السابقة التي توحي بالانزعاج والفتور، وأجابت بضجر وكأن الحديث ثقيل عليها "صحيح، لقد نسيت هذا الجزء.. دعينا نبدأ جولتك."

استدارت هانا وبدأت بالتحرك بالفعل للأمام مبتعدة عن مارلين متوقعة منها اللحاق بها. وبالفعل رافقتها مارلين ومشتا جنباً إلى جنب. ساعدت هانا مارلين على استكشاف الأكاديمية ومعرفة طريقها جيداً على الرغم من أن تعابيرها كانت متشائمة. بعد فترة من المشي وصلتا إلى المكان الذي رغبت مارلين برؤيته بشدة. مكتبة الأكاديمية. سألت مارلين بحماس وكأن جائزة تنتظرها في الداخل

"هانا، ما نوع الكتب التي تحتويها مكتبة الأكاديمية؟"

توقفت هانا في منتصف طريقها قبل أن تفتح باب المكتبة الأبيض الضخم ونظرت إلى مارلين وهي تفكر

"آه حسناً..." فكرت هانا بسؤالها وإبهامها أسفل ذقنها، ثم أجابت "كتب المنهج بالتأكيد، وهناك كتب عن تاريخ عالم القدرات كذلك، وعلى ما أعتقد أن هناك روايات وكتباً علمية. إنها مكتبة كبيرة جداً وتحوي الكثير، فهي أكبر مكتبة بين جميع الممالك." ازداد حماس مارلين مع سماع هذه المعلومة. وما إن دخلت الاثنتان حتى اتسعت عيون مارلين من ضخامة هذه المكتبة كانت أشبه بمتحف، لكن بدلاً من الآثار كان هناك شيء أعظم. الكتب! .في كل زاوية احتوت على قسم مختلف من الكتب. كانت المكتبة مكونة من طابقين ومساحة ضخمة مليئة بالرفوف، وهناك أرائك بيضاء للاستراحة. كانت المكتبة مزينة بالكامل باللون الأبيض والنباتات الخضراء.. منظر مريح للعين. حطمت هانا اندهاش وإعجاب مارلين وقالت

"يُقال إن بعض الكتب هنا يُمنع استعارتها، مثل كتب السحر." نظرت مارلين بتساؤل وسألت

"إذاً لماذا يضعونها هنا؟"

أجابت هانا وهي تتمشى في المكتبة وتتحدث بصوت منخفض لعدم تشتيت بقية الطلاب

"وُضعت هنا لأنه يُعتبر مكاناً آمناً. فلا أحد يستطيع دخول الأكاديمية سوى الطلاب والإدارة. لكن كتب السحر مغلقة بقفل لا تُفتح إلا به فقط."

أخذت مارلين لحظات ترتب المعلومات في عقلها بينما عيناها تجولان حول الرفوف الضخمة العالية، وكان تفوح في أرجاء المكتبة رائحة العود التي ملأت حواس مارلين بطريقة مريحة. ثم سألت مارلين من باب الفضول

"لماذا تخبرينني بهذا؟"

نظرت إليها هانا باستغراب وترددت بالإجابة. في داخلها كان هناك شك تجاه مارلين، وقد أدركت بالفعل الطاقة الغريبة القادمة منها، فأجابت وعيناها ترفضان التواصل البصري

"حسناً.. اعتقدتُ ربما قد تكونين مهتمة بالكتب.. شيء من هذا القبيل..."

هزت هانا يديها بالهواء وكأنها تزيح الموضوع بعيداً وقالت بنبرة تحمل حدة وانزعاجاً

"انسَي الأمر، يمكنني قول ما أريد.. دعينا نذهب لغرفة التدريب قبل بدء الدرس."

شعرت مارلين بالنفور الصادر من هانا وكيف غيرت الموضوع فوراً، فتسلل إليها شعور سبق وأن حاولت دفنه في الماضي. الاضطراب وعدم الانتماء لما حولها. انخفض رأسها للأسفل ونظرت بعيداً وقالت بصوت خافت ممزوج بخيبة أمل

"أنا هنا لأجل التعليم.. لا للتدريب..."

فهمت هانا بسرعة أن مارلين أدركت انزعاجها منها. امتلكت هانا عيناً حادة تلاحظ أدق التفاصيل، وارتجف جسدها من الجو المشحون بالتوتر. وبدلاً من تبرير موقفها، استدارت وغادرت المكتبة بخطوات ثقيلة وقالت متوقعة من مارلين تتبعها

"لا توجد أي محاضرات نظرية في اليوم الأول." ترددت مارلين في تتبعها لكنها لم تملك خياراً آخر. بدأت بالمشي خلف هانا بصمت متجنبة إزعاجها، فأعاد عقل مارلين تصوير ذكرى سابقة. كانت مارلين تتبع والدتها من الخلف بصمت في كل مرة انزعجت والدتها منها. اعتادت مارلين هذه الطباع ولم تدرك أنها كانت تكرر هذه التصرفات الآن بلا وعي، لكنها استمرت بالمشي خلف هانا بصمت ورأس منخفض مع شعور بالذنب. كان الطريق إلى غرفة التدريب هادئاً بشكل محرج. وما إن وصلتا إلى الباب حتى توقفت هانا ونظرت إلى مارلين من فوق كتفها

"مارلين، كوني حذرة مما ينتظركِ في الداخل."

اتسعت عيون مارلين بفضول، وبشكل مفاجئ شعرت بحماس يجري في دمها. في نفس اللحظة دوت أصوات عالية من داخل غرفة التدريب. أصوات حديد يتصادم بقوة وتصادمات بدأت تهز باب الغرفة الحديدي. تهجم وجه هانا بشكل ساخر وهي تنظر إلى مارلين

"في الداخل.. إنهم أشبه بكائنات برية."

نظرت مارلين إليها وهي تحافظ على قناع ثابت محاولة ألا تضحك. ما إن فتحت هانا الباب ودخلت، تبعتها مارلين بحذر شديد. وقفت أمام الباب، واتسع فمها من الصدمة والمشهد أمامها. لم تستطع عينا مارلين التركيز على المنطقة الواسعة حولها، بل ركزتا على الشخصية التي كانت أمامها. كان هناك ثلاث فتيات. اثنتان ضد واحدة أمام ناظري عينيها يتدربن، لكن الأمر بدا أشبه بقتال بين وحوش. وما جذب انتباهها هي الفتاة ذات العيون الزرقاء التي قاتلت لوحدها ضد الفتاتين الأخرتان. نظرت بحدة للخصم أمامها وبدت كأنها تدرك تحركاتهما قبل أن تتقدما بالفعل. خطتهما مكشوفة بالكامل. كانت هي من تسيطر على القتال بحركاتها المتقنة ومرونتها، والطريقة التي أمسكت بها بسيفها كانت أشبه بأنها مستعدة للقتل لا للتدريب فحسب. بينما تقدمت إحدى الفتاتين ولوحت بسيفها للهجوم عليها، صدتها بقوة ودفعتهما للخلف ورمتها على الأرض حتى سقط سيفها أرضاً. استغلت شريكتها الأخرى التشتت وقررت الهجوم من الخلف بمخلبها المعدني، لكن بحركة خاطفة استدارت ذات العينين الزرقاوين وصدت الهجوم. وثبتت الخصم أمامها مانعة أياها من التحرك. وقالت بنبرة صارمة وحازمة وبدا عليها الاستياء من ضعف الفتاتين أمامها

"رد فعلكِ بطيء، كان يجب أن تتحركي في وقت أبكر."

الفتاة الأخرى ذات المخالب كان وجهها يتشنج من ألم يديها اللتين تسيطر عليهما المرأة الزرقاء بسيفها وتمنعها من الحراك. لو تحركت حركة خاطئة لقضت عليها خصمها. ثم بحركة صادمة استخدمت المرأة الزرقاء قدمها وركلت الفتاة بقوة كبيرة مما أدى إلى رميها بعيداً واصطدامها بالحائط. سقطت أرضاً ولم تستطع الحراك من ألم ظهرها. فتقدمت إليها المرأة الزرقاء مستعدة للضربة القاضية، وكانت طاقتها الكبيرة تطغى على غرفة التدريب الضخمة بالفعل، لدرجة أن مارلين شعرت بأنها صغيرة جداً في هذه الغرفة وأشبه بفأر سيتم التهامه على يد أسد. ما إن وقفت المرأة الزرقاء أمام الفتاة الراقدة على الأرض، وكانت مستعدة للتلويح بسيفها وطعنها، حتى نظرت إليها الفتاة بضعف وقالت بخوف صادق وصوت يائس.

"أرجوكِ يا ليندا! أنا أستسلم!!"

ليندا... سمعت مارلين كلام الفتاة وأدركت. هذه الفتاة الغامضة ذات العينين الزرقاوين وملامحها التي تبدو كحاكم أرضه.. اسمها هو ليندا... توقفت ليندا وعقدت ذراعيها ونظرت إليها بحدة أخف من السابقة وتحدثت بتذمر.

"أتستسلمين؟ لم أصل إلى الجزء الجيد حيث أطعنكِ حتى الموت..."

تجمد الدم في جسد الفتاة أمامها وتحول لون جلدها إلى الأبيض وتمتمت بخوف.

"إلى أي مدى ستصبحين مرعبة..."

ثم تحدثت شريكتها التي كانت مستلقية على الأرض غير قادرة على الإمساك بسيفها حتى.

"أفضل قتال لعنة ولا أن أواجه ليندا في تدريب قاسٍ كهذا..." نظرت إليها ليندا من الخلف بتذمر وأدارت عينيها غير مبالية بتعبهما. فما تراه أمامها سوى ضعفاء، ثم أهانتهم بصوت منخفض متذمر.

"حفنة من الحثالة..."

تجولت نظرات ليندا نحو هانا والفتاة الجديدة بجانبها، لكن سرعان ما تجاهلتهما وعادت لتوبيخ الفتيات أمامها. نظرت هانا إلى مارلين ورأت الاندهاش الكبير والإعجاب بعينيها. كان النظر إليها بالنسبة لهانا أشبه بمشاهدة شخص كان يعيش أسفل حفرة غير واعٍ بالعالم حوله، فقالت بارتياب وحيرة يظهران بوضوح على وجهها.

"هذه أول مرة تشاهدين فيها تدريباً؟"

نظرت إليها مارلين وأومأت بحماس شديد وهي تقبض على يدها

"لم أتوقع مشاهدة شيء رائع كهذا!"

ازدادت شكوك هانا حول مارلين أكثر وسألت بحيرة أكبر.

"من أي مملكة أتيتِ بالتحديد؟"

تحولت تعابير مارلين إلى توتر وحامت يدها خلف رقبتها

"أنا.. ربما كنتُ انعزالية قبل مجيئي إلى هنا."

كذبتها واضحة. من لغة جسدها إلى نبرتها المتوترة. في عين هانا كانت مارلين أسوأ شخص يحاول الكذب قابلته حتى هذه اللحظة. تنهدت ونظرت نحو ضوضاء الفتيات، وقبل أن تتحدث سَمِع الاثنان صوت إحدى الفتيات اللاتي تدربن مع ليندا تنادي للأعلى نحو الشرفة.

"هاي مينجي! هل وثقتِ كل التدريب؟"

مينجي...؟ بقي صدى هذا الاسم عالقاً في ذهن مارلين. هل هي نفسها تلك اللعنة المجنونة..؟ أم أنه مجرد تشابه في الأسماء...؟ قاطع أفكار مارلين المضطربة صوتٌ من أعلى الشرفة المطلة على ساحة التدريب الواسعة.. صوت مألوف.

"لقد وثقتُ كل شيء بالفعل."

تجرأت مارلين ونظرت ويداها ترتجفان نحو مصدر الصوت. وقفت مينجي هناك في الأعلى تحمل كاميرا. كانت واقفة هناك طوال الوقت توثق التدريب بتلك الكاميرا. نظرت إلى مارلين بعينيها ذات المزيج البرتقالي والأحمر المميز. ضاقت عيناها ولمعتا بخبث وابتسمت وقالت ببطء يحمل في طياته نوايا سيئة واضحة تجاه مارلين.

"أنا أوثق كل حركة.. بدقة عالية."

اتسعت عينا مارلين وأظلم وجهها بالكامل، وتراجعت خطوة للخلف بذعر. لاحظت هانا الذعر على وجه مارلين وأمالت رأسها للجانب وهي تراقبها.

"هاي أنتِ.. هل تعرفين الثلاثة الكبار في هذه الأكاديمية؟" نظرت إليها مارلين بذعر غير قادرة على التفكير سوى بالمصيبة التي أمامها

"ها- هاه؟"

قالت هانا وهي تنظر إلى ليندا التي تقف مع بقية الفتيات

"لدينا ليندا أرشلان هنا، إنها تتنافس مع آنستي بياترك باريت على المركز الأول هذا الفصل كأفضل فتاة في هذه الأكاديمية، لكن في الفصل السابق كانت هي من تحتل المركز الأول بينما آنستي بياترك في المركز الثاني. وفي المركز الثالث..."

...

صمتت هانا ونظرت للأعلى باتجاه مينجي التي كانت عيناها تخترقان روح مارلين، ثم أكملت هانا الجزء الأخير:

"مينجي مالون..."

- نهاية الفصل -

Let M_A_R_L_I_N_A know what you thought about this chapter!
Love this

0

Love this

Funny

0

Funny

Spicy

0

Spicy

Suspenseful

0

Suspenseful

Emotional

0

Emotional

Profound

0

Profound

Heartwarming

0

Heartwarming

Shocking

0

Shocking

Good Writing

0

Good Writing

Compelling Plot

0

Compelling Plot

Great Character

0

Great Character

Strong Dialog

0

Strong Dialog

Further Recommendations

MATED TO THE CAJUN ALPHA

truben21: I have to say, this is so different to any other wolf story I have read, and I loved it. It has spice, fire and brimstone all wrapped up into a brilliant ideology. I can't wait to read the next instalment. Bravo author well done.

Read Now
A Blessing in Disguise

Miriam0011: Hi there! I really enjoyed reading your story, it was both interesting and well written. Your style feels very natural and easy to connect with. Do you usually write in this genre, or do you explore others as well?

Read Now
Silver's Second Chance

Clare: Loved the second chance mate story line. But loved even more the strong female lead. Would love to a mini fic of this couple a few years down the line.

Read Now
Gwen (Book 1.5 of The Land of the Forgotten Series)

Roxann: Just loved this book. The characters and plot are awesome. So happy Gwen found Zaire. I just love your books. You are an amazing writer ❤️. On to the next book. Thank you

Read Now
Werewolf Hollow

ohoney2004: This is a very good novel.Well written, great story line, and the characters are so interesting to me. I enjoyed their story so much.

Read Now
The Alpha's Exiled Mate

Sonakshi: I like the characters and emotions that was so good and perfect and the story was definitely amezing

Read Now
His Blood Mate

Saraa: really enjoyed the atmosphere you created in this story. It felt like there was a lot of thought behind every scene, even the smaller details. Was there a particular scene that you had the most fun writing?

Read Now
The Alpha and the Medic (Working Title)

Amanda: This is a very intriguing story. I look forward to the next chapters. Overall im not focused on grammer so much as the story itself. Though im not seeing any major issues with Grammer.

Read Now