part
فردت الشمس فستانها البرتقالي على المدينة كالأميرة الراحلة.
كان ليفر يمشي عائدًا من العمل، يرتدي جاكيتًا بنيًا طويلًا، ويحمل حقيبة سوداء بيده، بينما يضغط على هاتفه باستمرار.
التفت عندما سمع صوت صراخ قريب منه.
كان رجل مسن أصلع الرأس يجلس على مقعد يهتز ببطء.
ابتسم ليفر واستدار نحوه:
«مرحبًا أيها الجار كمال.»
ابتسم كمال بخفة:
«لقد عدت متأخرًا كعادتك.»
وضع ليفر الهاتف في جيبه و رد:
«نعم، يجب علي جني المال.»
كمال بتسائل:
«من أجل رواياتك؟»
أنزل ليفر نظره قليلًا:
«أجل... نوعًا ما.»
صرخت امرأة كانت تقف في الشرفة وتنفض البطانية:
«يجب عليك أن تتوقف عن كتابة تلك الروايات، لقد مرت ست سنوات وأنت على هذه الحال.»
ضحك كمال بخفة وقال:
«إنها محقة يا ليفر، يجب عليك أن تنظر لمستقبلك بجدية وتتزوج امراة جميلة، تساعد والدتك في أعمال المنزل.»
ابتسم ليفر، فالسيد كمال والسيدة أسيل كانا جيرانه منذ أن كان صغيرًا، ولم يتوقفا عن نصحه والمزاح معه طوال السنوات الماضية.
قال ليفر:
«نعم، سأفعل بالتأكيد... أراكما لاحقًا.»
أشار له كمال بيده، بينما صرخت أسيل لتوديعه.
✦✦
تشير الساعة إلى الخامسة وخمس وأربعين دقيقة.
كانت أم ليفر، سيلينا، تعد العشاء بالمطبخ بهدوء.
كانت امرأة في منتصف العمر، ممتلئة قليلًا، ترتدي ملابس منزلية بسيطة. جمعت شعرها على شكل كعكة، وكانت هناك خصلات بيضاء خفيفة تختلط بسواده.
التفتت نحو الباب بعد أن سمعت عدة طرقات عليه.
مسحت يديها المبللتين، ثم تقدمت لفتحه.
......
في زاوية مظلمة من المنزل، كان هناك باب مغلق يقود إلى غرفة مظلمة، ستائرها مغلقة، والأوراق مبعثرة في كل مكان.
يجلس ليفر أمام الحاسوب، يرتدي نظاراته، وملامحه شاحبة. كان شعره مبعثرًا وعيناه مرهقتين، بينما انعكست إضاءة الشاشة على عدسات نظارته.
كان ينتظر الرسالة التي ستحدد مصيره.
مرت الثواني ببطء، وهو يدق بإصبعه على الطاولة.
وأخيرًا...
وصلت رسالة جعلت أنفاسه تثقل.
تجمد في مكانه، وثبت نظره على ملف الرسائل.
لقد تلقى العديد من رسائل الرفض سابقًا، لكن هذه المرة لم تكن مجرد رسالة عادية... بل كانت ستحدد الطريق الذي سيسلكه لاحقًا.
مد يده نحو زر فتح الرسالة، وقد ارتجفت قليلًا.
ضغط عليه، وبدأ يمرر عينيه على الكلمات.
تجمد للحظة.
كان مكتوبًا فيها:
¦¦
سيد ليفر، نعتذر، ولكن تم رفض روايتك من شركتنا بسبب عدم امتلاكك الدعم المناسب والدخل الكافي.
نتمنى لك حظًا أوفر في المرة القادمة.
¦¦
شحب وجهه وزفر بضيق.
وضع نظاراته على الطاولة، ثم مرر أصابعه بين شعره وأعاد رأسه للخلف.
شعر بانقباض في صدره، وحدق بالسقف للحظات، ثم مال برأسه نحو ملفات روايته وقال في نفسه:
«يبدو أنني سأحتفظ بك لنفسي أيضًا.»
رغم العمل الشاق الذي بذله في سبيل الكتابة، ورغم ابتعاده عن البشر حتى أصبح شخصًا منعزلًا دائمًا...
تساءل في داخله:
لماذا افشل دائمًا؟ ما السبب؟
مرت الدقائق وهو مستلقٍ على الكرسي، يفكر فيما يحدث معه.
أخيرًا رفع رأسه، وأعاد ارتداء نظاراته، ثم ضغط على أزرار الحاسوب ودخل يبحث عن وظيفة جديدة.
حينها لمح ملفًا يحتوي على الوظائف التي عمل بها سابقًا، مثل التوصيل، وخدمة العملاء، والحراسة الليلية، والوظائف الجزئية.
لقد عمل بها جميعًا، لكنه أصبح يحتاج إلى البحث عن وظيفة أكثر استقرارًا.
بدأ يمرر ألفارة يمين ويسار بانسجام، لكنه توقف عندما التفت نحو صوت فتح الباب.
تسلل ضوء خافت من الخارج.
كانت والدته سيلينا.
قالت بصوت منخفض:
«بني... لقد أتى السيد سيلاس ويريد مقابلتك.»
رفع يده ورد:
«حسنًا... سأتي حالًا.»
نهض من الكرسي، واتجه نحو الحمام، ثم غسل وجهه وحدق في المرآة قليلًا.
كانت قطرات الماء تنهمر من خصلات شعره الأسود.
استدار وخرج، وكان ظهره مائلًا قليلًا كالمسنين، وكان يجفف شعره بأصابعه.
اتجهت والدته إلى المطبخ.
أما هو فخرج إلى الحديقة.
كان يعيش في منزل قديم من طابق واحد، تحيط به حديقة صغيرة تحتوي على طاولة وبعض الكراسي.
كان يجلس على أحدها رجل مسن ذو ملامح مجعدة، يحمل كوب قهوة قدمته له سيلينا مسبقًا، بينما يحدق بسياج المنزل بشرود.
تقدم ليفر منه وجلس بجانبه.
وعندما رآه، وضع كوبه وابتسم.
رحب به ليفر بصوت مبحوح وهادئ:
«أهلًا سيلاس.»
سيلاس بشتياق:
«أهلًا ليفر... كنت أنتظرك.»
جلس ليفر على احد المقاعد بجانبه:
«لماذا أتيت فجأة؟ هل هناك خطب ما؟»
ابتسم سيلاس:
«لا، لقد أتيت لأحضر لك شيئًا.»
أخرج كيسًا ورقيًا غريبًا كان بجانبه، ووضعه أمام ليفر على الطاولة، ثم حدق به وقال:
«كان شيئًا مهمًا لي... والآن أصبح لك. احتفظ به جيدًا.»
نظر ليفر إلى الكيس باستغراب.
«ما هذا؟»
ارتخت ملامحه قليلًا، ولمس الصندوق الورقي بأطراف أصابعه بحنية.
و رد :
«تحلَّ بالصبر قليلًا، ستعلم قريبًا... فقد حان الوقت.»
مرر ليفر نظره بين الصندوق وسيلاس باستغراب.
«وقت ماذا؟»
أخذ سيلاس نفسًا عميقًا وقال:
«وقت رحلتي. سأذهب في رحلة قصيرة إلى الجبال، وسأغيب فترة، لذلك قررت أن أعطيك هذا كتذكار قبل مغادرتي.»
هز ليفر رأسه بتفهم، ثم حدق بالصندوق وكأنه يرى فيه حنان سيلاس ولطفه.
سيلاس رجلًا مسنًا يمتلك مكتبة صغيرة، يكتب فيها العديد من الألغاز والقصص الغريبة. كان ليفر يتردد إليه كثيرًا بعد وفاة والده، ومنذ ذلك الوقت لم يتوقف سيلاس عن زيارته، أو إعطائه الهدايا، أو الاعتناء به وكأنه أحد أفراد عائلته.
نظر إليه ليفر وقال بحنين:
«كم ستستغرق رحلتك؟»
حك سيلاس أنفه قليلًا وأجاب:
«ما يقارب أسبوعًا.»
ابتسم ليفر بخفة:
«حسنًا إذن... أتمنى أن تعود سالمًا.»
خلال حديثهما، خرجت سيلينا وتقدمت نحوهما بوجه مشرق.
«ادخلا... لقد أعددت العشاء.»
نهض سيلاس:
«أعتذر، لكن يجب علي الذهاب... سيكون من دواعي سروري تناول العشاء معكما في المرة القادمة.»
نظرت إليه سيلينا بحزن وقالت:
«لماذا تقول هذا؟ لقد طبخت الكثير من الطعام، أرجوك تفضل.»
ابتسم ورد:
«أعتذر، يجب علي الاستعداد للرحلة.»
زفرت بضيق وقالت:
«حسنًا، يسعدنا قدومك في اي وقت.»
أومأ سيلاس لها، ثم وضع يده على كتف ليفر مودعًا إياه وغادر المكان.
نهض ليفر ودخل المنزل، وحملت والدته الهدية ودخلت خلفه.
توجه إلى المطبخ وبدأ بسكب الحساء في الصحون.
اندفعت نحوه سيلينا:
«ما الذي تفعله؟ سأهتم بالأمر، اذهب لترتاح قليلًا.»
رد وهو يضع الصحون على الطاولة:
«لقد أعددته، وأنا من سيقدمه»
ثم أعاد المقعد للخلف:
« تفضلي بالجلوس.»
ابتسمت سيلينا وجلست على المقعد بهدوء كـ ألاميرات.
جلس ليفر على أحد الكراسي امامها وأرخى جسده كطفل متعب.
بدأت سيلينا بتناول الطعام، و قالت:
«يبدو أنك متعب... أنهِ طعامك وخذ قسطًا من الراحة.»
رد بصوت مرهق يحاول التماسك:
«لا أملك وقتًا لهذا، يجب علي الذهاب إلى الحراسة قبل أن يحل الظلام.»
وضعت سيلينا الملعقة على الطاولة وقالت بقلق:
«هل أنت مضطر للعمل هناك؟ أعتقد أن العمل بدوام جزئي يكفي.»
تابع ليفر تناول طعامه وقال:
«يجب علي بذل المزيد من الجهد... لكي نعيش حياة أفضل، يجب أن أبدأ حياة جديدة.»
أشاحت سيلينا نظرها بألم، ثم سألته:
«هل تم قبول روايتك؟»
توقف للحظة، ثم أجاب دون أن ينظر إليها:
«لا.»
قالت وهي تحاول تحفيزه:
«حسنًا... لا بأس، سيتحسن كل شيء يومًا ما... حتمًا.»
هز راسه بتفهم، وأكمل تناول طعامه بصمت.
عادت سيلينا إلى تناول طعامها، ولم يفتح أيٌّ منهما موضوعًا آخر بعدها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ارتدى ليفر ملابس الحراس، ووضع الكشاف في جيبه، ثم ارتدى قبعته.
أخذ هاتفه، نظر إلى الساعة، ثم أغلقه ووضعه في جيبه.
وحين كان على وشك المغادرة، لمح الكيس الذي أعطاه سيلاس.
ابتسم قليلًا، ثم تقدم نحوه وفتحه.
كانت رائحة عطر سيلاس تفوح منه.
في الداخل، كان هناك صندوق أحمر عليه نقوش غريبة، وبجانبه مفتاح قديم يحمل النقوش نفسها.
شعر ليفر بشيء غريب حوله، وكأن الصندوق يجذب انتباهه بطريقة غير مفهومة.
قطب حاجبيه، حمله وحدق به لثوانٍ، ثم فتحه.
كان بداخله...
ثلاث أوراق قديمة عليها نقوش ورموز غريبة، يميل لونها إلى البني المصفر، وأطرافها ممزقة .
وبجانبها صندوق صغير وورقة تبدو جديدة.
أخذ الورقة وفتحها.
كان مكتوبًا عليها:
¦¦
ليفر، ارتدِ الخاتم. لقد تم اختبارك، وسيكون البرق مرشدك.
حينها قم بحماية مملكة سلاريا، وخذ العروس أوليفيا، ابنة الطاغي أولاف، واعثر على الكتاب المدنس وأعد له بريقه.
¦¦
أعاد ليفر قراءة الكلمات مرة أخرى، لكنه لم يفهم شيئًا.
وضع الورقة جانبًا وقال في نفسه:
«ما هذا؟ هل هو لغز جديد من سيلاس؟»
فتح الصندوق الصغير.
كان بداخله خاتم قديم لم يرَ مثله من قبل، يحمل نقوشًا غريبة وشعورًا غامضًا.
قلبه بين يديه، وظل يحدق به للحظات.
ثم ارتداه.
شعر بشيء ثقيل ودافئ في الوقت نفسه.
لكن الشعور لم يمنحه الراحة، فنزعه بسرعة.
تذكر سيلاس ولهفته عندما أعطاه الهدية، وتذكر أنه كان بمثابة والد آخر له.
لذلك لم يدع شعورًا غريبًا يمنعه من ارتدائه.
أعاد الخاتم إلى إصبعه.
حينها شعر بحرارة غريبة تسري داخله، وبدأ عدم الارتياح يسيطر عليه.
حاول تجاهل الأمر وقال بصوت منخفض:
«لا بأس... إنه مجرد خاتم.»
زفر محاولًا تهدئة نفسه، ثم نهض واتجه إلى عمله، والخاتم في إصبعه.
✦✦
تقدم ليفر نحو منطقة المستودعات والمخازن.
كان المكان مظلمًا، لا يضيئه سوى نور القمر الخافت، بينما كانت الغيوم تسبح في السماء.
دخل غرفة المراقبة الصغيرة.
كان بداخلها تلفاز قديم، وآلة لصنع القهوة، وحاسوب.
خرج يتفقد المكان.
كانت رائحة الغبار العتيقة تملأ الأرجاء، وصوت خطواته يتردد بين الممرات، بينما يحرك ضوء المصباح حوله.
كان كل شيء آمنًا...
لكن هناك شيئًا ما جعله يشعر بعدم الارتياح.
عاد إلى غرفة المراقبة، وذهب ليصنع كوب قهوة حتى يهدئ أعصابه.
وحينها لمح الخاتم في يده.
حدق به لثوانٍ، وشعر بأن هناك أمرًا غير طبيعي يتعلق به.
وضع الكوب على الطاولة، وأخرج هاتفه واتصل بسيلاس.
وضع الهاتف على أذنه.
رن لعدة ثوانٍ...
لكنه لم يجب.
حاول الاتصال مرة أخرى.
رفع الهاتف إلى أذنه، لكنه سقط من يده قبل أن يصل.
تجمدت يده في الهواء.
حاول إنزالها ببطء، لكنه اكتشف أن أصابعه أصبحت ثابتة، وبدأ لون يده يصبح شاحبًا، وقد أرتفعت حرارتها.
نظر إلى الخاتم.
وقد ضغط على إصبعه بقوة.
مد يده محاولًا نزعه...
لكنه كان عالقًا.
قطب حاجبيه وحاول مرة أخرى.
لكن حينها...
توهج الخاتم.
وبدأ يضيق تدريجيًا.
اشتد الضغط، وكأنه يلتصق بجلده.
بدأ الألم يزداد، وشعر بأن يده أصبحت ثقيلة.
حاول نزعه بكل قوته، لكن دون فائدة.
سقط على ركبتيه.
«ما هذا...؟»
تصبب العرق من جبينه.
لم يكن هذا ألمًا عاديًا.
استمر الأمر حتى خرج الدم من إصبعه، وغطى الخاتم بالكامل.
حينها...
اهتز الهواء.
ودخلت من النافذة خيوط ضوء قوية.
نهض بصعوبة واتجه إلى الخارج.
رفع رأسه، وفتح عينيه بصدمة.
كانت الغيوم قد انقسمت، وفي وسطها ظهر شق حاد وثابت، مفتوح كأنه جرح في السماء.
أصبح المكان مضيئًا كأنه في منتصف النهار.
بدأت نقوش الخاتم تتوهج، وكأنها تستجيب لذلك الشق.
لم يفهم ما يحدث.
بدأ الضوء يبتلع الظلال من حوله.
تراجع خطوة...
لكن جسده لم يتحرك كما أراد.
انفجر الرعد.
كخيط عملاق من الضوء، نزل نحوه مباشرة.
رفع يده بوضعية دفاع.
اصطدم به البرق مباشرة.
لكنه لم يحترق...
بل...
اختفى.
✦✦
أشرقت الشمس ببطء من خلف الجبال، ونشرت نورها على القمم، لتمنح الحشائش الخضراء بريقًا هادئًا.
كانت هناك غابة كثيفة تمتد فوق أحد التلال، تركض فيها الغزلان بين الأشجار، وتحلق الطيور فوق الأغصان، بينما كانت أصوات الأنهار الصغيرة تتردد في المكان.
كان ليفر مستلقيًا على الأرض بالقرب من جرف صخري.
تجمعت حوله بعض الحيوانات، تحدق به باستغراب، وكأنها تحاول معرفة ما هو هذا الشيء الغريب الذي ظهر فجأة في عالمها.
وبمجرد أن بدأ بالحركة، هربت الحيوانات مبتعدة عنه.
فتح ليفر عينيه ببطء، ثم أمسك رأسه وجلس بصعوبة.
لكن...
توقف فجأة.
نظر أمامه.
في البعيد، ظهرت مدينة واسعة تمتد على مد البصر.
كانت مختلفة تمامًا عن أي مدينة عرفها من قبل.
مبانٍ متلاصقة، بعضها مائل وكأنها بنيت دون تخطيط، وألوان باهتة تغطي الجدران، بينما كان دخان خفيف يتصاعد من أماكن متفرقة.
ظل يحدق بها للحظات، ثم رفع نظره أكثر.
فوق المدينة، على قمة جبل مرتفع...
كان هناك قصر ضخم.
مختلف عن كل شيء حوله.
كأنه لا ينتمي إلى هذا المكان.
يقف فوق الجبل، يراقب المدينة بأكملها من الأعلى.
تراجع ليفر قليلًا، وبدأ يلتفت حوله محاولًا فهم المكان.
همس بصوت منخفض:
«...أين أنا؟»
استقام وهو يمرر نظره في جميع الاتجاهات، وعلامات الارتباك واضحة على وجهه.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم استدار وبدأ بالسير.
كانت الحيوانات تراقبه من خلف الأشجار والصخور، وكأنها تخشى الاقتراب منه.
بدأ بالنزول من التل، لكن الحصى انزلق تحت قدميه فجأة.
كاد أن يسقط، لكنه تمكن من تثبيت نفسه بسرعة ممسكًا بجذع شجرة قريبة.
تنفس بضيق.
كان النزول أصعب مما توقع.
الأرض غير مستقرة، والأشجار كثيفة، والرياح تحمل أصواتًا غريبة بين الأغصان.
بعد فترة، وصل إلى نهر قريب.
انحنى وغسل وجهه بالماء، ثم نظر إلى انعكاسه للحظات.
ظل صامتًا.
لم يكن يستطيع تصديق ما يراه.
هل هو داخل حلم؟
هل ما يحدث حقيقي؟
نهض ببطء واتجه نحو المدينة، يبحث في طريقه عن أي شخص يمكنه مساعدته.
كانت الأشجار شاهقة، والأرض مغطاة بالأوراق، وكانت الغربان تقف فوق الأغصان وتراقبه بصمت.
كلما اقترب، أصبحت أصوات المدينة أوضح.
أصوات الخيول، وعجلات العربات، وضجيج الناس المختلط ببعضه.
اختبأ خلف أحد المباني وبدأ يراقب بحذر.
كانت الشوارع مزدحمة.
الناس يرتدون ملابس غريبة بالنسبة له، والأسواق مليئة بالتجار، والنساء يتجمعن حول بائعي الملابس ويتفحصن القطع المختلفة.
خرج ليفر من خلف المبنى وبدأ بالسير ببطء، محاولًا فهم المكان.
كان الناس يمرون بجانبه وينظرون إلى ملابسه باستغراب، بينما كان هو ينظر إليهم بنفس الاستغراب.
تعمق أكثر في المدينة.
رأى شخصًا يوزع الصحف، وآخر يقدم عروضًا بهلوانية مقابل المال، وأطفالًا يبيعون الخبز والحلوى، وأثرياء يسيرون بتكبر في الشوارع.
كان عالمًا يجتمع فيه الفقر والغنى، الفرح والحزن، في المكان نفسه.
توقفت عيناه عند مجموعة من الأطفال النائمين في إحدى الزوايا.
كانت ملابسهم بالية ومتسخة.
نظر إليهم بحزن، ثم أشاح بصره محاولًا معرفة المزيد عن هذا المكان.
ابتعد عن السوق، وبدأ يتفحص الأزقة والمباني القديمة، والملابس المعلقة في كل زاوية.
كان المكان أكثر هدوءًا.
لكن فجأة...
سمع صوتًا يصرخ خلفه.
التفت.
كان هناك جندي يرتدي درعًا، وعلى خصره سيف، ويحمل في يده قنينة نبيذ.
تقدم نحوه، ثم بصق على الأرض وقال بتعالٍ:
«أنت... من تكون؟»
نظر إليه ليفر بهدوء وقال:
«تائه... هل تعرف أين أنا؟»
ضحك الجندي بصوت مرتفع، ثم توقف فجأة عندما راى ان ليفر جاد بكلامه حدق بملابسه الغريبة.
قطب حاجبيه وصرخ.
«ألا تعلم أين أنت؟ هل تمزح معي؟»
رد ليفر بنفس نبرته الهادئة المعتادة:
«توقف عن الصراخ... أستطيع سماعك بوضوح.»
تغيرت ملامح الجندي بانزعاج.
«يبدو أنك تملك لسانًا سليطًا، أيها الأحمق.»
لم يرد ليفر.
فقط ظل ينظر إليه بصمت.
شعر الجندي بالإهانة من تجاهله، فابتسم ابتسامة خفيفة، ثم رمى القنينة على الأرض.
اقترب منه أكثر، وأمسك غمد سيفه ثم سحبه ببطء.
وقال بتغطرس:
«سأعطيك فرصة واحدة... أعطني سببًا يجعلني لا أقطع رأسك هنا... والآن.»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النهاية اركم في الفصل القادم🌷








