"النظرة الأولى"
في ليلة من ليالي الشتاء الباردة، كنتُ أجلسُ على سريري وأشاهدُ من نافذة غرفتي المطلة على فناء منزلنا حركة الرياح وهطول المطر الغزير، وكأن السماء تبكي حزناً على فقيد لها. وأوراق الأشجار تتطاير في كل اتجاه كأنها طفل ضائع يبحث عن عائلته في كل مكان حتى ينتهي بها المطاف ملقاة على حاشية الرصيف أو على أسطح المنازل وأفنيتها، والثلوج تتساقط بصلابة وهدوء كأنها تواسي الأشجار وتعزيها على فقدها لأوراقها وتدفن أغصانها البائسة.
وقد لفت نظري مرور جارنا من الشارع المقابل لمنزلنا؛ فقد كان رجلاً طويل القامة، أسمر البشرة كأنه بُنّ يمني، ويغزو رأسه شعر أسود كثيف. كان وجهه غامض الملامح لا تعلم حزنه من فرحه، إلا أنها كانت ترتسم على وجهه ابتسامة من حين إلى آخر كأنه يجامل بها العالم لكي يخفي ما بداخله من أحزان.
كان خروجه بهذا الوقت وهذا الطقس مدعاة للفضول بالنسبة لي، ما جعلني أنهض باتجاه النافذة لأمعن النظر فيه. بدا لي كأنه يلتقط أنفاسه بصعوبة كغريق يحاول النجاة، سرعان ما سقط على ركبتيه مستسلماً لقطرات المطر الهائل كأنما يرغب منها أن تطهر روحه من الخطايا كما يُطهَّر الثوب الأبيض من الدنس.
أثَّر في نفسي ذلك المشهد وفاضت عيناي بالدمع، كأنما هناك شيء بداخلي قد تعاطف معه ورأف بحاله. وبعد حين من الحزن والإزدراء، جاءت عيناي بعينه ورشقني بنظرة شعرتُ كأني أقرأ ما بداخله؛ كأنه طائر سجین في قفص من المآسي والأحزان كأنه يطلب النجدة، ولكن بصمت، فأنفته وكبرياؤه يأبيان الإنكسار رغم كل شيء.
كانت عيناه البنيتان كأنهما نجمين منطَفِئَين لم يبقَ إلا طيفهما يحلق في سماء من الغمام، يتطلعان لبصيص من الأمل يجدد بريقهما ويُشعل وهجهما. كانت لحظة من تبادل النظر لكنني شعرتُ وكأن معرفتي به قديمة الجذور، وما إن صحوتُ من سهوةٍ إذ به قد انصرف إلى بيته وانصرفت معه قطرات المطر ونسيم الرياح كأن الله قد أرسلها خصيصاً له.
بينما كانت مستغرقةً في لُجّة الذكريات والمطر ينفضُّ خارجاً، إذ باغتَها صوتُ الهاتف مخترقاً هدوء محرابها ليعيدها قسراً إلى مسرح الواقع على وقع نغمة مفاجأة. وبعد أن ثابت إليها روحها، رمقت الهاتف بنظرة مذعورة كأنها تستنطقُه عن سر اقتحامِه سكينتَها؛ لحظةٌ اختلط فيها الاستغراب بالحيرة ثم نبسةٌ بكلمات مبهمة. وبحركة سريعة أعدلت جلستها، استبدّ بها الفضول والترقّب، متسائلةً عن هوية المتصل في مثل هذا الوقت المتأخر، ثم أجابت بصمتٍ ترددٍ يخالجها التساؤل عن الدافع وراء هذا الاتصال.
المتصل: "ليس كلّ من إلتحفَ الظلام كارهٌ لضياء الشمس، فربما نُضطرّ للإختباء من سطح الحقيقة لئلا نكتوي بنار الندم."
في لحظة هدوءٍ مطبق، كسرَتْه هي بسؤالٍ كان قد إكتسح عقلها: "وما هي الحقيقة التي تختبئ منها أنت خلف ستار الظلام؟"
المتصل: "ممم... سؤالٌ حصيف. إن زَمَتُّ له مني جواب، فإنني أدعوكِ لمشاركتي لذيذَ القهوة في رحابكِ المفضّل."
هي: "وهل يُعقل أن أقبلَ دعوةً دون أن أعرفَ صاحبها؟"
المتصل: "إنّ إجاباتِ كلّ ما يدورُ في عقلكِ تقتصرُ على قبولكِ بطلبي الصغير."
هي: "ليست من عادتي أن أضعَ نفسي تحت الأمر الواقع، ولكنّ الفضولَ أصبحَ سيّدَ الموقف الآن."
المتصل: "أفهمُ من قولكِ أنكِ ستأتين؟"
هي: "غداً الساعة 9:00 في ساحة البريد المركزي... حسناً، أراكَ هناك يا خفّاش الظلام، إلى اللقاء."