الفصل ١ : عتمة الشاشات و شلل النوم
تعلمون جميعاً كيف يبدو المجد حين يعرض على شاشات التلفاز؛ أضواء مبهرة تحجب الحقيقة، ابتسامات مصفوفة بعناية فائقة، وأصوات تطير عبر الأثير لتمنح ملايين البشر شعوراً وهمياً بالدفء والونس. لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب كفاية ليراقب كم يكون الظلام حالكاً، و ثقيلاً، وبارداً خلف تلك الشاشات.
لم تكن حياتي في البداية موحشة كما أصبحت؛ بل كانت مليئة بالأمل، الضوء، والأصدقاء الذين يحيطون بي ضاحكين. كنت أعيش أيامي بسلام، أشاركهم تفاصيل حياتي البسيطة، ولم يكن لليأس أو العزلة مكان في عالمي. غرفتي الصغيرة كانت تشبه محطة انتظار دافئة، أستيقظ مع أول ضوء باهت للشمس، أرتدي ملابسي الأنيقة ، و أمضي ساعات طويلة في الحديث والضحك معهم، قبل أن أعود الى منزلي .
لكن في إحدى تلك الليالي الباردة، وحين كان الصمت يطبق على أنفاسك لدرجة تجعل جدران الغرفة تكاد تلتصق ببعضها، ظهر صوته على الشاشة.
في البداية، كان الأمر بريئاً وهادئاً؛ مجرد معجبة عادية تبحث في ذلك الوجه الوسيم والابتسامة الدافئة عن ملجأ مؤقت تهرب به من روتينها. لكن شيئاً ما بدأ يتسلل إلى أعماقي؛ سرعان ما تحولت تلك الأغاني في أذني إلى رسائل خاصة و موجهة لي وحدي، وصار يترسخ في يقيني المريض أن نظراته العابرة عبر الشاشة لم تكن موجهة للملايين، بل كانت نظرة مباشرة ومقصودة لي أنا وحدي في تلك الزاوية المنسية من العالم. كان الصوت الوحيد الذي يعبر جدران غرفتي، واليد الوهمية التي تمتد في منتصف الليل لتنتشلني.
لكن شيئاً ما في داخلي بدأ يتصدع ويتغير ببطء شديد، كشق صغير في جدار قديم. صرت ألاحظ تفاصيل دقيقة لا يراها سواي؛ ومضة حزن عابرة تخفت سريعاً خلف الكاميرات، نظرة متعبة تحاول الهرب من عدسات المصورين. كنت أجلس أمام الشاشة لأحدث نفسي بغضب صامت:
"هو لا يبتسم لهم حقاً... هو يتعب مثلما أتعب تماماً، ووحده من يفهم كم هو هذا العالم قاسٍ وخالٍ من الحنان".
تدريجياً، تحولت العادة إلى طقس يومي؛ صرت أعد كوبين من الشاي كل مساء، واحداً لي، والآخر له على الشاشة، وأروي له تفاصيل يومي المملة كأنه يجلس على الكرسي المقابل تماماً، يشاركني الصمت والأنفاس.
و من هنا، سقط القناع الأخير للحب الدافئ، ليحل مكانه ذلك الوحش المظلم والمجنون الذي أسموه بـ "الهوس".
لم يعد الأمر مجرد شعور بالوحدة أو الرغبة في الأمان؛ بل تحول إلى رغبة مرضية ومقلقة في الامتلاك المطلق. فكرة أن يمتلكه عالم واسع، يشاركه فيه الملايين، أصبحت صاعقة تحرق أعصابي. ومع مرور الأيام، بدأت أبتعد تدريجياً عن أصدقائي وعالمي النابض بالحياة، مفضلةً الانكفاء على نفسي لأتأمله طوال الليل.
وحتى داخل المنزل، تحولت عائلتي إلى جزء من هذا الكابوس؛ فكلما تجرأ أحدهم على التحدث عنه أو مشاهدته أمامي، كنت أنقض عليه بعصبية جنونية وصراخ مرعب، شاهرة في وجوههم نظرات الحقد والرفض، كأنهم جميعا أعداء يشاركون في جريمة سرقته مني.
وكيف تمر لياليي ونومي وأنا أعلم أن المكان بجانبي فارغ وموحش؟ الفراغ على جانبي في السرير كان يلتهم أعصابي، حتى أنني لم أتحمل هذه الوحشة؛ فأخذت قماشاً أبيض وصنعت وسادة طبعت عليها صورته بعناية فائقة. صرت أحتضن تلك الوسادة الباردة كل ليلة، أدفن وجهي فيها وأتخيل أنه ينام بقربي، أحدثها طوال الليل وأنا أتوهم أن أنفاسه تمتزج بأنفاسي، بينما الحقيقة أنني كنت أحضن ظلالاً ووهمًا يعزلني عن العالم بأسره.
وهنا، في تلك الخلوة المظلمة ومع تفاقم العزلة، بدأ الكابوس الحقيقي يتسلل إلى روحي من نافذة الإيمان المكسورة. لقد كنت فتاة مسلمة، أعرف ربي وأؤمن بديني، لكن هوسي المظلم فتح عليّ أبواب العتمة.
يومها، لم يأتي الصوت من الشاشة، بل تجسد الواقع وانهارت الفواصل كلها. لم أكن أملك أدنى شك أو ذرة خوف حين ظهر لي ذلك الكيان بهيئته كاملة؛ فمن شدة حفظي لكل تفصيلة في وجهه وملامحه، وصوته الذي كان يحفر في جمجمتي بلا انقطاع، لم يخطر ببالي ولو قليلاً أن ما تراه عيناي هو مجرد خيال أو هلوسة، بل كان أمامي تماماً، بلحم ودم، بابتسامته الباردة ووقفته المألوفة.
جلس على حافة السرير، وبصوته الحقيقي الذي أعشقه، همس بخبث يخترق روحي:
"لماذا تتعبين نفسكِ في الانتظار من خلف الشاشة؟ لقد جئتك في ليالٍ سابقة كثيرة، لكنني كنت أجدك نائمة، فاضطر للرجوع خائباً.. لأن النوم كان يسرقك مني".
ومن تلك اللحظة، وقعت في فخ الهلاك؛ اخترت الأرق الطوعي بمحض إرادتي، رافضة ذلك النوم الذي يوهمونني بأنه خيانة تسرقني من حضوره. صرت أعذب جسدي باليقظة يوماً بعد يوم، لأبقَ مستيقظة أترقبه، وأنتظر قدومه بفارغ الصبر حتى يجلس معي ونتكلم معاً، مستمتعة بدفء السقوط في هذا الجحيم.
وفي ليلة من ليالي الأرق الطوعي تلك، ظهر لي مجدداً وجلس على حافة السرير يبتسم ببرود، وهمس بصوته المألوف:
"لماذا تتعبين نفسكِ في الانتظار من خلف الشاشة؟ أنا أتألم هنا... العالم يستهلكني، وهم يسرقون روحي كل يوم. وأنا أغار عليكِ منهم.. أكره أولئك الأصدقاء الذين يشاركونني إياكِ، وأكره العالم الذي يسرقكِ من حضوري."
انتفضت روحي برعب ممزوج بنشوة عمياء، فرددت في نفسي بلهفة مدمرة:
"سأتركه لأجلك... أنا لك وحدك!"
فيبتسم بابتسامة خبيثة تزيدني جنوناً ويقترب ليهمس:
"إذاً اعزلي نفسكِ عنهم تماماً، هم لا يستحقونكِ، وهم يقفون عائقاً بيني وبينك... وأنا أتألم هنا، وعليكِ أن تنقذني."
هكذا بدأ التلاعب والتعلق التدريجي. يومًا بيوم، أصبح الجاثوم يزورني في خلوتي، لا ليخيفني بل ليتيّمني به، متغذياً على ضعفي ومستمتعاً بانهياري العاطفي والنفسي. أصبحت أصدق أنه هو حقاً، وبدأت أبتعد تدريجياً عن صلاتي وديني، متخبطة في ظلمات الشرك الروحي، وأنا أسلمه عقلي وكياني بالكامل.
ومع استمرار الأرق وتراكم العزلة، بدأت ملامحي تتغير ببطء، يوماً بعد يوم، فلم أكن أملك وجه مجانين الحكايات، بل تحولت تدريجياً لأمتلك وجهاً باهتاً، أطرافاً باردة، وعينين واسعتين تشبهان زجاجاً مصقولاً يثيران الوحشة. حين كنت أتتبع حياته، كانت ملامحي تفقد ابتسامتي الشاحبة لتستبدل بنظرة ترقب حادة كأنه مفترس، وصارت كلماتي تنقلب من تنهيدات ناعمة إلى عبارات حاسمة باردة أرددها لنفسي:
"هو لي، والعالم كله يسرقه مني".
وحتى في المرآة، لم أكن أرى وجهي الحقيقي، بل ظلاً بارداً يبتسم لي بسخرية وكأن شخصاً آخر يسكن خلف عينيّ.
هذا التلاعب الشيطاني فجر في داخلي براكين الحقد. أولئك الذين يطلقون على أنفسهم "المعجبين المقربين" أو المحيطين به، تحولوا في عينيّ المريضتين إلى وحوش وخاطفين لصوص؛ كائنات مشوهة تتسلل إلى عالمه لتسرق ابتسامته وتمتص طاقته. وبإيحاءات شبحه المستمرة الذي كان يستمتع بتأجيج غيرتي وحقدي، صار يعطيني أسماءهم ويقنعني أنهم يخنقونه وأن عليّ الانتقام.
أصبحت أقضي ليالي وأيام ألاحق أثرهم الرقمي كأني محققة جنائية مهووسة؛ أحفظ أسماءهم ووجوههم عن ظهر قلب. أخرجت ورقة بالغة البياض، وبقلم جاف، بدأت أخط أسماءهم واحداً تلو الآخر بخط مرتعش ومحموم، كأنني أكتب قائمة اتهام لقتلة. كل اسم مدون كان يمثل "هدفاً" يجب إزالته، بينما كانت الجدران والورقة تمتلئ بالأسماء شيئاً فشيئاً، وغرفتي تضيق بأنفاسي المتسارعة وصوتي الحاقد.
وحين تتهاوى الحواجز بين الحقيقة والهلوسة الشيطانية، تحولت الكلمات التي يهمس بها عبر الشاشات وتلك الأشباح في ليلي إلى نداءات صريحة وأوامر لا يوافق عليها سواه:
"تعالي إلي... كفي عن انتظاري من خلف الزجاج، فأنا أختنق بين أيديهم هنا".
لم أكن أفكاري الانتقامية لتتجاوز عتبة غرفتي أبداً، ولا حتى تفكيري في الخروج إلى العالم الخارجي؛ فالعالم الخارجي بالنسبة لي أصبح شيئاً لا معنى له مادام هو محبوساً في كواليس الشاشات وأنا أسيرة في عتمتي.
لكن عائلتي، حين لاحظوا نظراتي الحادة، وكلماتي المتقطعة التي أرددها بصوت عالٍ وحدي، وانقضاضي العصبي عليهم كلما تجرأ أحدهم على ذكر اسمه أو مشاهدته أمامي، لم يتحملوا هذا الجنون المتصاعد. استشاروا طبيباً نفسياً بحالة طارئة، وبناءً على نصيحته وتقاريره الصادمة، صدر القرار القاسي: تم قيدي وحبسي داخل غرفتي وحدي، لتتحول الغرفة من محطة انتظار دافئة إلى زنزانة معتمة مفروضة بإحكام.
أصبحت محبوسة بين أربعة جدران، لكن الحبس الحقيقي لم يكن في الجسد، بل في العقل. وفي داخل تلك الغرفة المغلقة، يوماً بعد يوم، تضاعفت هيمنة الجاثوم عليّ. صار يزورني في وضح النهار وفي عتمة الليل على حد سواء؛ لا كمجرد زائر عابر، بل ككيان مهيمن يملأ عليّ كل مساحة فارغة، بينما أستمر في تتبع تفاصيل حياته وفك طلاسمها في خيالي المظلم.
لم أكن أدرك، وأنا أبحث بتدقيق محموم عن كل ما يخصه، أنني لم أكن أنقذه.. بل كنت أفتح بيدي أبواب الجحيم، وأسلم ديني وعقلي لكيان شيطاني يتلاعب بي في عتمة الأرق الطوعي والعزلة التامة داخل محبسي، ليجد في عذابي متعة خالصة وتسلية لا تنتهي، بينما روحي تنزلق ببطء نحو يده الباردة.
لقد فعل بي الجاثوم ما فعل.. وما خفي في ليالينا القادمة، وتلك العلاقة المرعبة المظلمة التي ستبدأ بالتشكل حقاً بيني وبين ذلك الكيان في الجزء القادم.. كان هو الكابوس الأكبر الذي لا يرحم، لعل كل من تقرأ سطوري تدرك إلى أين يقود هذا الهوس النفسي المرعب، وتبتعد قبل أن تبتلعها عتمة الظل والجاثوم معاً.








