الفصل الأول: الصورة التي لا يجب أن تكون هناك
لندن – نوفمبر
لم أكن أؤمن بالصدف، ولم أكن أظن أن الأشياء القديمة قادرة على تغيير حياة الإنسان، حتى وجدت تلك الصورة.
كانت السماء رمادية كعادتها، والمطر يطرق نوافذ المنزل بإيقاع هادئ ومزعج في الوقت نفسه. وقفت أمام النافذة أراقب قطرات الماء وهي تنزلق على الزجاج، بينما كنت أحاول إقناع نفسي بأن الانتقال إلى لندن لم يكن فكرة سيئة.
مدينة جديدة، منزل جديد، جامعة جديدة… وحياة مختلفة تماماً.
على الأقل، هذا ما قاله والداي.
لكنني لم أكن أشعر بأن شيئاً قد تغير بالفعل.
اسمي ليان كارتر، أبلغ التاسعة عشرة من عمري. لا أعتبر نفسي شخصاً اجتماعياً، ولا أجد أي مشكلة في ذلك. أحب الهدوء، وأكره الأسئلة الكثيرة، خصوصاً تلك التي لا أملك إجابات عنها.
يقول البعض إنني باردة، ويقول آخرون إنني متكبرة.
لا يهمني رأيهم.
أحياناً يكون الصمت أفضل من محاولة شرح نفسك لأشخاص قرروا مسبقاً من تكون.
«ليان! هل يمكنك النزول قليلاً؟»
كان صوت أمي يأتي من الطابق السفلي.
أغمضت عيني للحظة، ثم ابتعدت عن النافذة.
«قادمة.»
نزلت الدرج ببطء، فوجدت أمي تقف في منتصف غرفة الجلوس، تحمل بعض الأوراق، بينما كان أبي يتحدث عبر الهاتف قرب المدفأة.
«أحتاج منك أن ترتبي الصناديق الموجودة في الغرفة القديمة. لم نتمكن من تفريغها كلها أمس.»
نظرت إليها دون اهتمام كبير.
«لماذا أنا؟»
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
«لأنك لا تفعلين شيئاً منذ الصباح.»
رفعت حاجبي.
«كنت أراقب المطر.»
ضحكت أمي بخفة.
«إذن اعتبري هذا تغييراً في نشاطك اليومي.»
لم أجبها. أخذت المفاتيح الصغيرة التي وضعتها فوق الطاولة، ثم اتجهت نحو الغرفة الموجودة في نهاية الممر.
كانت تلك الغرفة مختلفة عن بقية المنزل. جدرانها مغطاة بورق قديم بلون بيج، وأرضيتها الخشبية تصدر أصواتاً خفيفة مع كل خطوة. لم تكن تحتوي على أثاث تقريباً، باستثناء خزانة كبيرة وبعض الصناديق المتراكمة في الزاوية.
أشعلت المصباح، ثم بدأت بفتح الصناديق واحداً تلو الآخر.
كتب قديمة، أغطية، ألبومات صور، وأشياء لم أرها من قبل.
لم أكن مهتمة كثيراً بمحتوياتها، حتى سقط صندوق صغير من أعلى الخزانة.
ارتطم بالأرض، وانفتح غطاؤه.
تنهدت بانزعاج، ثم انحنيت لجمع ما تناثر منه.
كانت هناك رسائل قديمة، ساعة يد متوقفة، ومجموعة من الصور بالأبيض والأسود.
التقطت إحداها.
كانت صورة لمنزل كبير تحيط به الأشجار. بدا المكان قديماً وفخماً، وأمام المنزل وقف خمسة أشخاص.
ثلاثة رجال وامرأتان.
قلبت الصورة لأرى تاريخ التقاطها.
1998.
لم يكن ذلك غريباً في حد ذاته، لكن شيئاً ما في الصورة جعلني أتوقف.
أحد الرجال كان يقف في الخلف، بعيداً قليلاً عن المجموعة. لم تكن ملامحه واضحة تماماً، لكنه كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا.
كان يحمل شيئاً في يده.
اقتربت من الصورة أكثر.
لم أستطع معرفة ما الذي كان يحمله، لكنني لاحظت شيئاً آخر.
كانت هناك امرأة تقف بجانب الرجل، ووجهها مشطوب بقلم أسود.
تجمدت للحظة.
من الذي قد يشطب وجه شخص من صورة قديمة؟
قلبت الصورة مرة أخرى.
هذه المرة لاحظت كتابة صغيرة في الخلف، بحبر أزرق باهت.
«بعض الحقائق من الأفضل أن تبقى مدفونة.»
وتحت العبارة كان هناك اسم:
E. BLACKWOOD
وتاريخ:
17 – 11 – 1998
لم أفهم شيئاً.
Blackwood؟
كان الاسم مألوفاً بطريقة غريبة، لكنني لم أتذكر أين سمعته.
وضعت الصورة جانباً، ثم عدت إلى الصندوق بحثاً عن أي شيء آخر قد يفسر الأمر.
وجدت ظرفاً أبيض صغيراً، مغلقاً بإحكام.
لم يكن عليه اسم أو عنوان.
فتحته بحذر.
في داخله ورقة واحدة، مكتوب عليها بخط اليد:
«إذا وصلت هذه الصورة إلى ليان، فهذا يعني أن الأمر بدأ من جديد.»
قرأت الجملة مرة.
ثم مرة ثانية.
وثالثة.
ليان؟
اسمي؟
شعرت بانقباض غريب في صدري.
كيف يمكن لرسالة قديمة أن تحمل اسمي؟ ومن كتبها؟ ولماذا؟
قبل أن أتمكن من التفكير أكثر، سمعت صوت أمي خلفي.
«ليان؟ ماذا تفعلين؟»
استدرت بسرعة، وما زالت الورقة بين أصابعي.
كانت أمي واقفة عند الباب، لكن ابتسامتها اختفت بمجرد أن وقعت عيناها على الصورة.
لم تقل شيئاً.
كانت تنظر إليها وكأنها رأت شيئاً لم تتوقع رؤيته مرة أخرى.
«أمي؟»
لم تجب.
اقتربت مني وانتزعت الصورة من يدي، ثم قلبتها وقرأت ما كُتب خلفها.
تغير وجهها.
«من أين وجدتِ هذه؟»
نظرت إليها باستغراب.
«كانت داخل الصندوق. ما الأمر؟»
حاولت إخفاء ارتباكها، لكنها لم تنجح.
«لا شيء. مجرد صورة قديمة.»
«إذن لماذا تبدين وكأنك رأيتِ شبحاً؟»
رفعت عينيها نحوي.
«ليان، أرجوكِ. لا تبدئي بأسئلتك الآن.»
عقدت ذراعي أمام صدري.
«أنا لا أطرح أسئلة بلا سبب.»
وضعت الصورة داخل الظرف بسرعة.
«انسَي الأمر.»
ضحكت بسخرية خفيفة.
«من السهل قول ذلك عندما تكونين أنتِ من يعرف الإجابة.»
لم ترد.
خرجت من الغرفة وهي تحمل الظرف معها.
بقيت واقفة في مكاني، أحدق في الباب المفتوح.
كان ذلك أول شيء غريب يحدث منذ وصولنا إلى لندن، وكنت متأكدة من أن أمي تعرف أكثر مما تريد الاعتراف به.
في المساء، كان المنزل هادئاً.
جلست إلى طاولة العشاء، بينما كان أبي يتحدث عن بعض الأعمال التي اضطر إلى تأجيلها بسبب الانتقال.
أما أمي، فكانت بالكاد تلمس طعامها.
راقبتها للحظات قبل أن أقرر كسر الصمت.
«أبي، هل تعرف عائلة Blackwood؟»
توقفت يده عن الحركة للحظة قصيرة.
كانت لحظة صغيرة جداً، ربما لم يكن أحد ليلحظها غيري.
لكنني لاحظتها.
نظر إليّ.
«لماذا تسألين؟»
«وجدت اسماً على صورة قديمة.»
تبادل والداي نظرة سريعة.
كانت تلك النظرة كافية لتجعلني أكثر اهتماماً.
قال أبي بهدوء:
«ليان، هناك أمور قديمة لا تستحق أن نعود إليها.»
«لم أسألك إن كانت تستحق أم لا. سألتك إن كنت تعرفهم.»
تنهد أبي، ثم وضع الملعقة جانباً.
«نعم، أعرف الاسم.»
«ومن هم؟»
نظر إلى أمي قبل أن يجيب:
«عائلة معروفة في لندن.»
انتظرت أن يكمل، لكنه عاد إلى طعامه وكأن الحديث انتهى.
لم أكن راضية عن الإجابة، لكنني لم أصرّ على السؤال.
ليس لأنني اقتنعت.
بل لأنني تعلمت أن بعض الأشخاص لا يقولون الحقيقة مهما حاولت.
في وقت متأخر من الليل، كنت مستلقية على سريري أتصفح هاتفي عندما وصلني إشعار برسالة من رقم مجهول.
فتحتها دون اهتمام.
رقم مجهول:«هل وجدتِ الصورة؟»
تجمدت أصابعي فوق الشاشة.
حدقت في الرسالة طويلاً.
لم يكن لدي أي فكرة عن هوية المرسل.
كتبت:
«من أنت؟»
وصل الرد بعد ثوانٍ قليلة.
«شخص يعرف أن عليكِ التوقف عن البحث.»
اعتدلت في جلستي.
«عن ماذا تتحدث؟»
ظهرت علامة الكتابة، ثم اختفت.
وبعد لحظات وصلت رسالة أخرى.
«لا تثقي بكل ما يخبرك به والداك.»
شعرت بالغضب أكثر من الخوف.
«إذا كنت تملك شيئاً لتقوله، فقله بوضوح.»
لم يصل أي رد.
انتظرت دقيقة، ثم دقيقتين.
أخيراً أغلقت المحادثة ووضعت الهاتف فوق الطاولة.
كنت على وشك إطفاء المصباح عندما وصل إشعار جديد.
لم تكن رسالة هذه المرة.
بل صورة.
فتحتها.
كانت الصورة نفسها التي وجدتها في الصندوق.
لكنها لم تكن النسخة القديمة بالأبيض والأسود.
كانت صورة أوضح، وكأن أحدهم التقطها قبل سنوات قليلة.
كبرت الصورة بإصبعي.
ثم توقفت عند الرجل الواقف في الخلف.
هذه المرة استطعت رؤية وجهه بوضوح.
كان شاباً بملامح حادة، وشعر داكن، ونظرة ثابتة.
لكن الشيء الذي جعلني أبتعد عن الشاشة لم يكن وجهه.
بل الشخص الذي يقف بجانبه.
كانت أمي.
أمي، في صورة التُقطت قبل سنوات من ولادتي.
وتحت الصورة ظهرت رسالة أخيرة:
«اسألي والدتك عن آدم بلاكوود.»
وضعت الهاتف ببطء.
لم أعد أسمع صوت المطر، ولا حركة الرياح خلف النافذة.
كل ما كان يدور في رأسي هو سؤال واحد:
من هو آدم بلاكوود؟
ولماذا يبدو أن الجميع يعرف قصته… إلا أنا؟
لم أكن أعلم أن هذا الاسم سيصبح جزءاً من حياتي، ولا أن لقائي الأول بصاحبه سيكون أبعد ما يكون عن الهدوء.
كل ما كنت أعرفه في تلك اللحظة هو أن الصورة لم تكن مجرد صورة قديمة.
كانت بداية شيء لم أكن مستعدة له.
نهاية الفصل الأول.








