يمه وعدتك ما ألين بزماني لو شال قلبي من عذابك ثقيل by 𖤍 اڵـــڪَـــاﭠِـــﺒَـــة♡ﭠَـــــﯿْـــــھ𖤍 at Inkitt
Customize readability
Aa

يمه وعدتك ما ألين بزماني لو شال قلبي من عذابك ثقيل

All Rights Reserved ©

Summary

الوصف بسبب وعدٍ قديمٍ قطعته لقلبٍ غالي، طوقت عينيها بالقوة والكبرياء.. ولم تستطع البكاء عندما كان يلزمها البكاء، فهي لن تضعف حتى لو أرادت ذلك، إذ يقف ذاك الوعد كحاجزٍ صلب يمنعها عن الهوان.. لكل شيءٍ في هذا الكون طاقة تحمل، وتلك سُنةٌ وفطرةٌ فطرنا الله تعالى عليها؛ فالحديد يلين مع الحرارة، والصخر يتآكل مع الأيام، وهي كذلك.. تحملت وواجهت كل ما اعترض طريقها بقوةٍ وصلابةٍ تفوق قدرة جسدها الصغير. خاضت معاركها الصامتة بواجهةٍ لا تهتز، وكبرياءٍ يرفض الخضوع. ولكن، عندما تتعدى الأوجاع حدود الفطرة، تنفد الطاقة، وينهد الحيل، وتجد الروح نفسها منهكةً تحت ثقلٍ لا يُطاق. ليست قسوةً منها، بل لأن البشر طين، وللطين حدٌّ قبل أن يتشقق.. ومع ذلك، لم تكن لتستمر وحدها؛ فلولا رحمة الله، ثم وجود أرواحٍ أليفة شدّت على يدها وساعدتها على الوقوف كلما مالت بها الأيام—أرواحٍ كانت لها السند والضماد—لما استطاعت التحمل ولا مواصلة الطريق. أيدٍ امتدت لترمم ما انكسر، وقلبٌ أطلّ من بين الركام ليكون أمانها بعد الخوف.. وهنا، بين أسرار الوعد وجمر الصمود، تبدأ حكاية... يمه وعدتك ما ألين بزماني لو شال قلبي من عذابك ثقيل

Chapter 1الفصل

   《لَا تَدَعُوا الرُوًاْيَةُ تُلْهِيْكُمُ عًنْ ذِكْرِ اللهِ》

𖤍 اڵـــڪَـــاﭠِـــﺒَـــة♡ﭠَـــــﯿْـــــھ𖤍

𖤍 𝕋𝕙𝕖 ♡ 𝕎𝕣𝕚𝕥𝕖𝕣 ♡ 𝕋𝕒𝕪𝕙 𖤍

الفصل الأول: أنوارُ الصَّبَاحِ الدافِئَة وَشَغَفُ البِدَايَات


كان لشمس الصباح في ذلك البيت نكهة خاصة؛ تتسلل أشعتها الذهبية بخفة ولطف من بين ستائر النافذة المطرزة، لتوقظ زوايا الغرفة وتداعب وجه الصغيرة. كانت الرائحة الفواحة للهيل والخبز الدافئ تملأ الأرجاء، كأن البيت كله يستعد لحدث استثنائي.


فتحت «غروب» باب الغرفة بهدوء، وعلى وجهها ابتسامة حنونة تشبه الضوء. اقتربت من السرير الصغير حيث تنام صغريتاها اللتين يبلغا من العمر 6 سنوات. وعلى الرغم من حنانها المتدفق نحو الجميع، إلا أن عينيها كانت تلمعان ببريق خاص ومختلف كلياً عندما تقعان على «فجر». كانت فجر بالنسبة لغروب ليست مجرد طفلة، بل كانت المهجة والروح والمفضلة الغالية التي تحيطها بعناية ورعاية تفوق كل شيء.


جلست غروب بجانب السرير، ومسحت بيدها الدافئة على شعر فجر ببطء ولطف، وقبلت خدها قبلة طويلة، ثم ربتت بخفة و حنان على كتف «أحلام»، وقالت بنبرة ناعمة يملؤها الحب:

– "صباح الخير يا عصافيري الحلوين.. قوموا يا بعد روح أمكم، اليوم مو أي يوم عادي، اليوم أول يوم مدرسة بالصف الأول الابتدائي!"


فتحت فجر عينيها الصغيرتين بسرعة، والبهجة تموج في حدقتيها والدنيا مو واسعتها من الفرح. قفزت من سريرها وهي تضحك، وتطالع مريولها الكحلي الجديد المفرود على الكرسي بجانب الشنطة الكبيرة والألوان والدفاتر ذات الأغلفة الزاهية:

– "يمه! صدق اليوم أروح المدرسة؟ ألبس الشنطة وأحط الألوان وأمسك يد أحلام؟"


احتضنتها غروب بشدة، ورفعتها في الهواء بضحكة دافئة:

– "أكيد يا قلب أمك وروحها! العروسة فجر وأختها الغروسة أحلام كبروا وخلاص بيبدؤون يقرؤون ويكتبون ويكبرون بعيوني."


بدأت غروب تساعدهما في ارتداء الملابس، لكن اهتمامها ودقتها في ترتيب مريول فجر وتسريح ضفيرتيها كان ينبض بتمييز محبب؛ تجديل بعناية وقبلات متتالية على جبينها. ثم أخذت بيديهما وتوجهت بهما نحو الصالة الكبيرة حيث يتجمع الجميع.


كان المجلس يضج بالحركة والصخب الصباحي. «مازن» الصغير، صاحب 4 سنوات، يركض في الصالة وهو يحاول لبس فردة حذائه بالمقلوب ويتعثر في أطراف الثوب. والتوأم المشاكس «محمد» و«أكرم» (بعمر 10 سنوات) يتدافعان على الكنبة بضحكات عالية، كل منهما يحاول الاستحواذ على صحن القشطة والعسل.


دخل الأب «ياسر» بخطواته الهادئة والثقيلة، وجلس في رأس الطاولة يتأمل هذا الصباح بعينين ساكنتين لا تعكسان الكثير من المشاعر. أخذ استكانة الشاي، واكتفى بالابتسام بوقار وصمت حذر، متابعاً المشهد دون أن يتدخل في زحمة الحديث أو مشاحنات الكبار.


في هذه الأثناء، أقبل الإخوة الكبار؛ «صالح» (21 سنة)، و«سامر» (19 سنة)، و«خالد» (17 سنة). كانت ملامح صالح وسامر متجهمة نوعاً ما، يسودها جفاء واضح ونوع من الحنق المكتوم الذي يظهر في نظراتهم ونبرة أصواتهم.


جلس صالح على الكرسي بجانب أبيه، ونظر بطرف عينه بنوع من الضيق إلى فجر وهي تجلس في حضن أمها وتتضاحك معها، فنطق بنبرة حادة وفيها انزعاج غير مبرر:

– "يمه.. لهالدرجة كل هالهيصة والزيطة عشان رايحين الصف الأول؟ تراها بنت، ومصيرها للبيت، كل هالدلال والدوشة مالها أي داعي!"


وانضم له سامر وهو يحرك ملعقة الشاي بجفاف واستهزاء:

– "صالح صادق يمه.. البيت كله واقف على حيله عشان هالبنت! والاهتمام كله والدلال رايح لها، كأن ما في بالبيت إلا هي، والباقين مالهم وجود!"


توقفت غروب عن سكب الشاي فوراً، وتغيرت معالم وجهها. التفتت إليهم بنظرة حازمة وممتلئة بالشخصية والقوة، وضعت القورية على الطاولة بصوت مسموع، وقالت بعتاب صارم وأمومة ملؤها الدفاع والغيرة على طفلتها المفضلة:

– "صالح! سامر! وش هالحكي اللي تسولفون فيه من صباح ربنا؟ فجر بنيتي الغالية، وقرة عيني، وما أسمح لكم ولا لغيركم تتكلمون بكلمة واحدة أو تطالعونها بنظرة قسوة أو جفاء! البنت ما لها ذنب ولا علاقة بأي شيء في الدنيا عشان تحطون حنقكم وعقدكم عليها! هذه بنيتي، واللي يمسها أو يزعلها بكلمة كأنه مسني أنا وزعلني أنا"


أما «خالد»، الإبن الثالث، ففضل السكوت، واكتفى بمراقبة الموقف بنظرات هادئة ومحايدة دون أن ينبس ببنت شفة. بينما استمر الأب «ياسر» في سكونه المعتاد، يتابع المشهد بجمود ورصانة، يفضل أن يترك زمام حماية البيت والأطفال في يد زوجته غروب.


وفي تلك اللحظة المؤثرة، ولتلطيف الجو المكهرب، قفز الثلاثي المشاكس: التوأم «محمد» و«أكرم» والصغير «مازن».

سحب محمد قطعة الخبز من أمام صالح وقال بضحكة واستفزاز لطيف:

– "خلاص يا صالح ولا يهمك لا تزعل! إذا ما تبي الفطور والشاي أنا بآكله عنك وبدالك!"

وقفز أكرم يقلد حركة مازن وهو يترنح بحذائه المقلوب، فصرخ مازن بصوت طفولي: "يمه شوفيهم يضحكون علي ويقلدوني!"


التفتت غروب نحو الثلاثي المشاكس بتظاهر الغضب والصرامة، وهي تمسك بالملعقة الخشبية وتهددهم بها بابتسامة تحاول إخفاءها:

– "يا شياطين أنت وهو! بسكم مشاغبة  ولعب بالأكل من الصبح! يلا قدامي كل واحد يشيل شنطته، وراكم مدرسة!"


جلست فجر وأحلام تكركران وتضحكان بحرارة من شكل أمهم غروب وهي تتظاهر بالشدة على إخوانهم الثلاثة المشاكسين. كانت فجر تطالع أمها بعيون مليئة بالأمان، تدس رأسها الصغير في جانبها، وتتلقى منها كل بضع دقائق مسحة دافئة على شعرها أو همسة مشجعة.


أمسكت غروب بيدَي فجر الصغيرتين، ونظرت في عينيها بحنان وقالت:

– "يلا يا روح أمك ونبضها.. أملي عينك بالفرح، وكلي فطورك كامل. اليوم تبدأ أول خطوة لك في العلم، وأبيك تكونين الشاطرة والمرفوعة الراس دائماً، وما أحد يقدر يكسرك ولا يقلل منك أبداً."


انتهى الفطور وسط ضحكات الصغار ومعاندات التوأم. خرج الجميع إلى الممر؛ مسكت فجر يد أحلام بإحكام، بينما أحاط التوأم محمد وأكرم بـ فجر من الجانبين كأنهما حارسان صغيران يدافعان عنها. مشت فجر بخطواتها الصغيرة الأولى نحو باب الشارع، وراءها دعوات غروب التي كانت تقف عند العتبة تطالعه بنظرات حب لا ينتهي، وقبلة أرسلتها له في الهواء جعلت فجر و أحلام تبتسما وتلوحا بيدهما المنقوشتان بأمل البدايات.


تَابِع الفَصْل الأَوَّل: سَنَوَاتُ الدِّفْءِ وَالسِّرُّ المُخَبَّأ


مرت الأيام والسنوات هادئة ناعمة كسرعة غيمة بيضاء، وحافظت «فجر» على تفوقها وضحكتها الشقية التي كانت تملأ البيت أُنساً. كانت تدرس جنباً إلى جنب مع «أحلام»، ومضت الصفوف الأولى؛ والثانية، والثالثة، كأيام دافئة تحرسها عين «غروب» وتغمرها بحنان لا ينتهي.


كان وضع البيت مادياً ممتازاً جداً؛ فالأب «ياسر» كان يشغل منصباً رفيعاً ويملك حصة في شركة كبرى من الشركات العائلية المرموقة، بينما كانت «غروب» امرأة ذات شأن، وتملك في تلك الشركة حصة قدرها 30% من الأسهم باسمها الخاص.


ولأن البيت كان كبيراً وشبيهاً بـ "مجمع عائلي" فاخر، فقد كان لكل واحد من الإخوة الكبار (صالح، وسامر، وخالد) وحتى الصغار جناحهم الخاص أو شقتهم الخاصة المستقلة داخل حدود السور العريض. ما عدا فجر... فقد اختارت لها غروب شقة مميزة جداً ومفروشة بأجمل الأثاث، كانت تسمى داخل القصر «شقة غروب»، وظلت غروب تكتم هذا التجهيز والتدليل الخاص وترفض تسليم الشقة رسمياً لـ فجر حتى تكبر وتصل للوقت المناسب، كهدية خاصة ومأمن لها للزمن.


في تلك السنوات، كان التوأم «محمد» و«أكرم» ومعهما الصغير «مازن» هم الحصن والرفاق لفجر وأحلام؛ يدرسون معاً، يلعبون في باحة البيت الفسيحة، ويدافعون عن فجر أمام نظرات الجفاء المكتوم التي كانت تظهر أحياناً في عيون الأخوين الكبار 《صالح》 و《سامر》 و《خالد》.


حتى جاء ذلك اليوم، حين كانت فجر في الصف الرابع الابتدائي...


في يوم مدرسي مشمس، كانت المعلمة تتفقد أسماء الطالبات في الفصل لإعداد قوائم الاختبارات الرسمية. وقفت المعلمة تنادي الأسماء:

– "أحلام ياسر آل دُرَيْد؟"

رفعت أحلام يدها بابتسامة: "نعم أستاذة."


ثم التفتت المعلمة لورقة الأسماء وقرأت:

– "فجر ...................... ؟"


رفعت فجر يدها بحيرة واستغراب، وقالت بصوت طفولي ناعم:

– "أستاذة.. أنا فجر ياسر آل دريد! أخت أحلام."


نظرت لها المعلمة بابتسامة دافئة وقالت

– "يا حبيبتي هذا الاسم مكتوب كذا، أكيد فيه خطأ مطبعي من الإدارة، كلمي أمك او أبوك يتواصل معنا عشان نشوف الإسم و نعدله."


طوال الطريق إلى البيت، كانت الأفكار تتضارب في رأس فجر الصغير. مسكت يد أحلام وسألتها ببرود واندهاش:

ردت فجر قائله: حاضر يا استاذه بروح و اقول لأمي.:

انتهى اليوم الدراسي وصار رجعت الطلاب على البيت "و بمجرد وصول فجر و أحلام إلى البيت، ركضت فجر نحو المجلس حيث كانت أمها تطرز إحدى الوسائد، ويجلس بجانبها الأب «ياسر» يقرأ بعض أوراق شركته.


قفزت فجر إلى حضن أمها غروب وتوسدت يدها، ثم نظرت إلى وجهها بعيون مليئة بالتسائل البريء:

– "يمه.. الأستاذة اليوم في المدرسة قرأت اسمي غلط، وقالت إن لقبي '..........' فيه خطأ مطبعي ولازم تتواصلون مع إدارة المدرسة عشان تعديل الإسم ؟"


في تلك اللحظة بالذات... تجمدت يد غروب فوق القماش، وتغيرت ملامح وجهها لثوانٍ معدودة قبل أن تستعيد ثباتها بحنان حذر. أما الأب «ياسر»، فقد رفع رأسه ببطء من بين الأوراق، ونظر إلى غروب ثم إلى فجر بنظرة ساكنة وعميقة تحمل سرّاً كبيراً، ثم عاد لسكوت هادئ دون أن ينطق بكلمة.


مسحت غروب على شعر فجر ببطء، وقبلت رأسها بحرارة لتغطي على الارتباك، وقالت بنبرة دافئة ومطمئنة:

– "يا روح أمك وأغلى ما عندها... لا تشغلين بالك بهالأمور الصغيرة يا يمه.. أنتِ بس اهتمي لدراستك وخلي الباقي علي.."


تنفست فجر براحة. ابتسمت وقبلت يد أمها ثم ركضت مع أحلام ليلعبا مع محمد وأكرم في الحديقة.


ولم تكن الطفلة ذات السنوات التسع تعلم أن هذه هي البدايه فقط ولم يكن ما حدث اليوم سوى خيط صغير جداً يُسحب من طرف ستارة كبيرة تُخفي خلفها سرّاً كتمته السنون، وسيكشف حقائق تغير مجرى حياتها مستقبلاً.


الفَصْل الأَوَّل (الجُزْء الثَّانِي): بَيْنَ نَافِذَتَيْنِ، عَاصِفَةُ الغَيْرَةِ، وَالغرُوبُ الأَخِير


في ذلك الصيف الذي سبقت فيه الأسئلةُ أجوبتها، لفتح القدر باباً لرفقةٍ غيرت لون أيام فجر..


انتقلت عائلة جديدة إلى الشارع المجاور لقصـر آل دريد، وسكنوا في المنزل المقابل تماماً. وفي الظهيرة ، عندما فتحت فجر باب شرفتها المنسدلة على الحديقة، لمحت صبياً صغيراً بملامح حادة وعينين ذكيتين يقف في الشرفة المقابلة لشرفتها تماماً. كان اسمه «نديم».


لم تكن الفاصلة بين الشرفتين سوى أمتار معدودة، أمتار كانت كافية لتنسج أمتن حبال الصداقة الطفولية. صار النداء المكتوم عبر الشرفة، وتبادل الابتسامات، والحديث الطويل الذي يستمر حتى هبوط العتمة، هو الطقس الأحب لنفسيهما. كان نديم يستمع لضحكات فجر وشقاوتها، وهي تجد فيه صوتاً يفهم براءتها ويبدد الوحشة التي كانت تلمحها أحياناً في نظرات إخوتها الكبار.


ومع اقتراب اختبارات نهاية العام للصف الرابع الابتدائي، تجلّى اهتمام «غروب» المفرط والعميق بفجر بشكل ملفت ومستفز لباقي أفراد البيت. كانت غروب تقضي الساعات الطوال بجانب فجر؛ تعيد معها مراجعة الدروس، تعد لها العصائر، وتسهر على راحة بالها، في حين تركت مهمة تدريس «أحلام» و«مازن» للإخوة الكبار، وخاصة «صالح» و«سامر» و«خالد».


هذا التمييز غير المبرر في نظرهما أشعل شرارة الحنق والغيرة في قلوب الإخوة الكبار. كان صالح يتأمل اهتمام أمه بفجر وينطق بعتاب مشحون أمام سامر:

– "شوف أمي كيف مجندة نفسها طول اليوم عشان فجر! تدرسها، وتطعمها، وتداريها.. وأحلام ومازن تاركتهم علينا نراكض ورا دروسهم ومذاكرتهم! كأن البيت ما فيه إلا فجر!"


وعندما ظهرت النتائج الرسمية للمدرسة، وقعت الواقعة؛ حصدت فجر المركز الأول على مستوى المدرسة، بينما جاءت أحلام في المركز الثالث.


لم يمر الخبر بسلام على الأب «ياسر». في تلك الليلة، انقلب هدوء المجلس إلى مشادة كلامية حادة بين الأب وغروب. جلس ياسر في صدر المجلس، ووجهه يطفح بالعتاب الشديد:

– "هذه نتيجة التمييز يا غروب! البنتين في نفس الصف ونفس البيت، فجر تجيب الأولى وأحلام الثالثة؟ مهتمة بـ فجر وتركِتِ أحلام ومازن لإخوانهم؟ هذا مو عدل، وأنا ما أرضى بالتقصير في حق أحلام و مازن والباقيين!"


ردت غروب بقوة ودفاع مستميت، وهي تضم فجر المحتمية بظهرها:

– "أنا ما قصرت مع أحد يا ياسر.. وأنت أكثر واحد عارف سبب تعلقي بفجر وكلهم أطفالي و أحبهم.! وأحلام تجيب الثالثة هذا جهدها.!


ظل البيت مشحوناً بالتوتر والجفاء ليومين كاملين؛ سلامٌ بارد على طعام العشاء، ونظرات حادة يرميها صالح وسامر و خالد وفجر تسير بين الغرف دون أن تفهم سر هذا الذنب الذي لم تقترفه.


ثم جاء يوم عيد ميلاد فجر وأحلام...


ولأن غروب كانت تحتاط لكل شيء حتى لا يُفتح باب الغيره مره أخرى فلقد ساوت بين فجر و أحلام بكل شيء واعتنت بهما الاثنتين؛ ليقتنع الجميع بأن المناسبة واحدة، و بأنها تحب الجميع فتغلق باب الشكوك قبل أن يفتح.


أقامت غروب حفلاً بهيجاً في الصالة الكبيرة، وأجبرت جميع أبنائها -بمن فيهم الكبار الحانقون- على إحضار هدايا متماثلة وفخمة لـ فجر تماماً كما جلبوا لـ أحلام، مصرةً على المساواة الظاهرية و الداخليه أمام الجميع.


وفي خضم الحفل وضحكات الأطفال، دخل الصغير «نديم» يحمل في يديه علبة صغيرة مغلفة بشريط أحمر جميل. تقدم بخطوات واثقة ونظرات طفولية بريئة نحو فجر، ومد لها الهدية قائلاً بابتسامة:

– "كل سنة وأنتِ طيبة يا فجر.. هذه هديتك مني."


فرحت فجر بالهدية كثيراً، لكن الموقف لم ينتهِ هنا؛ إذ وقف نديم بجمود ولم يقدم أي هدية لـ أحلام، بل لم يعرها اهتماماً كبيراً. انكسرت ملامح أحلام الصغيرة، وشعرت بالحزن والغيرة وهي ترى أختها تتلقى اهتماماً خاصاً حتى من الصبي المقابل لبيتهم.


ثار صالح فوراً واستغل الموقف ليفجر العاصفة بوجه أمه:

– "شوفوا المهزلة! حتى عيال الحارة صاروا يعاملون فجر غير عن أحلام! هذي نتاج دلالك يمه، كرهتِ الناس بأحلام وفضلتِ فجر عليها قدام الكل!"


وانقضت الحفلة على شجار عائلي جديد، وتفرّق الجميع بقلوب مليئة بالحسرة والغل، بينما وقفت فجر مع هدية نديم الصغيرة، تطالع أمها غروب التي كانت تنظر إليها بحنان مشوب بحزن حائر

ذهبت فجر وأعطت أحلام هديتها... وقالت:

لاتزعلي يا أحلام ولا يهمك انا وانتي واحد و هديتي خذيها لك ما أبيها

ابتسمت أحلام و حضنت فجر وقالت: خلاص بنقسمها بالنص

مرت الأيام و الشهور و جاء شهر رمضان المبارك، وحلّ معه سكونٌ مؤقت على البيت. كفّ الإخوة الكبار عن المشاحنات احتراماً لحرمة الشهر، وعمّ الهدوء والأنس أرجاء المنزل. كانت فجر تطوف بين المطبخ والمجلس، تساعد غروب في إعداد الإفطار، وتجلس بعد المغرب في الشرفة لتبادل التهاني الرمضانية مع نديم بصوت خفيض.


حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم... ليلة عيد الأضحى المبارك.


كانت رائحة البخور تختلط بعبير الحناء في كل زاوية، وأصوات التكبيرات تطلع هادئة من المذياع تعلن ثبوت العيد. في زاوية المجلس، كانت «فجر» تجلس مع نقشها الأسود الناعم الذي يزين كفيها الصغيرين، والدنيا مو سايعتها من الفرحة وهي تتأمل يديها المنقوشة.


جاءت «غروب» وجلست جنبها، تطالع وجه فجر بنظرات دافئة فيها بحة غريبة ونبرة وداع ما فهمتها الصغيرة بوقتها. مسكت غروب يد فجر، وضغطت عليها بكفوفها الحنونة، وقالت بصوت هادئ بس مليان حزم وحرارة:

– "سمعيني يا فجر.. وحطي كلامي هذا حلقه في إذنك وما تنسينه طول ما أنتِ حية. الدنيا هذه ما ترحم الضعيف، وأنا ما أسمح لأي أحد كائن من كان إنه يكسرك أو يأذيك. ولا أسمح لك تبكين.. حتى بينك وبين نفسك، إياك ودموعك تنزل! الدموع سلاح الضعفاء، والناس يستغلون الشخص اللي يبكي ويشوفونه مكسور. كوني قوية، قوية وقاسية على الوداع والوجع."


ابتسمت فجر بعفوية وهي تطالع نقشها:

– "أنا قوية يمه، بس ليه تقولين كذا الحين؟ العيد بكرة!"


نظرت لها غروب بنظرة عميقة مليئة بالأسرار، ورجعت كملت بنفس النبرة الصارمة:

– "ولو جاك يوم، وأحد قال لك كلام يغثك.. إياك تصدقين! أنتِ بنيتي وقرة عيني، وافهمي إن مالك أمان إلا قوتك بنفسك."


ما كادت غروب تخلص كلمتها الأخيرة حتى تغير لون وجهها فجأة، وحطت يدها على صدرها وهي تتنفس بصعوبة بالغة. وفي لحظات سريعة خاطفة، طاحت على الأرض بجانب الكنبة، وانقطعت أنفاسها تماماً بدون أي مقدمات أو سبب معروف.


تجمدت الدموع في عين فجر، وفزعت وركضت لها وهي تصيح بصوت يقطع القلب:

– "يمه! يمه قومي! يمه النقش لسه ما جف يمه🥺!"


ولما ما شافت أي استجابة، طلعت فجر تركض في الممر زي المجنونة للغرفة الخارجية عند إخوانها الكبار. فتحت الباب وهي ترتجف وصوتها يقطع:

– "يا صالح! يا سامر! يا خالد! أمي أمي طاحت وما تتحرك تعالوا بسرعة!"


فزعوا الأخوه الثلاثه وركضوا للمجلس مسرعين؛ وبعد دقائق من الذهول، تأكد صالح إن أمه توفت. وفي تلك اللحظة المؤلمة، تراجع صالح للخلف وقال: "ماتت" و ما عاد نطق بحرف زايد... راح جلس على الكنبه رفع يديه إلى وجهه،! و أجهش بالبكاء ومن ثم ارتفع بكاء جميع من كانوا بالمجلس..

دخل ياسر مسرعاً عندما علم بما حدث.......       نظر للجميع كانوا يبكون وكل شخص كان معتزل بنفسه ويبكي.... أما فجر كانت فقط تنظر إلى جثة والدتها بكل هدوء خارجي،، ولكن داخلها كان يحترق من ألمها على أمها وهي واقفه في زاوية المجلس..

تقدم ياسر بخطوات ثقيله حتى وصل إلى جثة زوجته وحبيبته غروب جلس على ركبتيه ونظر إليها جيدا ثم أجهش بالبكاء كان يقول بصوت متقطع بسبب شهقات بكائه: ليه ليه تركتيني.. ليه رحتي.. بدري والله العظيم لسا بدري على الروحه.. كنت احسب إني بموت قبلك قلت لك ما أقدر ما أقدر افكر بالموضوع حتى تفكير إنك تموتي قبلي تذكري تذكري ذاك اليوم لما قلتي لي جعل يومي قبل يومك وقتها عصبت منك كثير بس كنت خايفه عليك عشان كذا عصبت كنت خايف تروحي عني وهذاك رحتي اللحين مين بيقعدني الصبح مين بيهتم فينا بالهبيت قولي مين قولي و أجهش في بكاء مرير فلقد فقد زوجته و طفلته و حبيبته لقد عاش معها أكثر لحظات عمره تشاركا السعاده والحزن و قفت إلى جانبه في كل أموره و لم تتخلى عنه كيف يستطيع العيش بدونها الان كيف سيربي أحلام و فجر ومازن و محمد و أكرم كيف سيتصرف لم يعد يعلم ماذا يفعل ..


في يوم العيد أول أيام عيد الأضحى المبارك تحولت فرحة العيد إلى حزن و كانت الدار تخنقها هيبة الموت، وصوت العويل في الصالة يخالط وهم الخُطى. رحلت «غروب»، ورحل معها الضوء الذي كان يرمم شروخ بيت «آل دريد».


الأب ياسر جالس في الزاوية، وجهاً لكسرة الروح، يفرك يديه بذهول كأنه ينتظرها تخرج من غرفتها. صالح وسامر وخالد والتوأم مجتمعون حول جثتها، وملامحهم مهدودة ببكاء مكتوم وحشرجة حزن تسد الحلاقيم. الجميع يبكي والدار تنتحب.


وسط كل هذا الصخب والدموع المسكوبة، كانت فجر واقفة كالرمح في زاوية الغرفة من البارحة فهي لم تتحرك من مكانها أبدا .. لقد اخذو أمها ليتم غسلها وظلت هي مكانها حتى عادوا بأمها من جديد ظلت تنظر إلى أمها بعينان واسعتان يقتلهما الجفاف، وتحترق فيهما الجمرة دون أن تفر دمعة واحدة من عينيها.. حنجرتها تغلي بالغصة، وجوفها يتمزق من كتمان الفاجعة، لكنها كانت تضغط على أسنانها وتشد على يدها حتى أبيضت أناملها.. تتذكر وصية «أمها» الأخيرة ونبرتها وهي تهمس لها: (ما أبي دموعك تطيح يا فجر، خلك قوية).


انقباضة صدرها كانت أشد من كل العويل المحيط بها. اقتربت أحلام وهي تنتحب بحرارة وضمتها، متسائلة بين دموعها كيف تقف فجر بهذه الصلابة أمام جثة أمهما، بينما كان صالح يرمق فجر من بين دموعه ونحيبه بنظرات ذهول جافة؛ حزنهم الشديد وفقدانهم لتوازنهم جعله يستكثر عليها هذا الصمود العجيب، ليرى في جفاف عينيها وقسوة صمتها في هذه اللحظة بالذات شيئاً لا يشبه حزنهم.


اقترب صالح بخطوات ثقيلة يجرها الذهول والوجع، وصوته يخرج متقطعاً بحشرجة البكاء الحارق وهو يطالع ملامح فجر الجامدة:

– «كيف واقفة كذا؟ أمك راحت يا فجر.. أمك اللي كانت تحميك وتحطك بعيونها راحت خلاص!!! الناس كلها حزينه وتبكي من شدة حزنها، وأنت واقفة كأن الأمر ما يعنيك؟! ولا نقطة ولا دمعة واحدة من عينك نزلت يا فجر.. ما جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! انطقي ردي وش فيك ساكته هاه.»


كانت الكلمات تنزل على جوف فجر كالجمر المشتعل. لم تكن تحس بأطرافها، وجوفها يحترق بحسرة أشد من كل هذا النحيب حولها، لكن صورتها وهي تمسك يد أمها الأخيرة كانت مكسورة في ذاكرتها.. كانت تسمع صوت «أمها» يتردد في أذنها: (اخفي وجعك يا فجر.. وانسجي قوتك من صمتك).


شابكت أناملها خلف ظهرها وتنفست ببطء وثبات، بينما اتسعت عينا أحلام بالذهول وهي تقف بينهما وتصرخ بنبرة مبحوحة من البكاء:

– «حرام عليك يا صالح! وش تحس فيه أنت لما تحب تجرح فجر كذا؟! اختي موجوعة ومصدومة مثلنا مثلها، كيف تتهمها وهي بأصعب لحظة بحياتها؟!»


لكن صالح لم يلتفت لأحلام، بل بقيت نظراته معلقة على وجه فجر المتماسك، ينظر إليها بعيون يملأها الانكسار والغضب المكتوم؛ حزنه الشديد وفقدانه لأمه جعل تفكيره يرتطم بهذا الصمود الصلب الذي لا يفهمه، وكأن جفاف عينيها في هذه اللحظة تحديداً كان الشرارة الأولى لخيط الجفاء الذي سيمتد بينهما.


تدخل سامر بجمود وهو يسحب صالح من كتفه بعيداً:

– «خلاص يا صالح.. مو وقت الحكي هذا الحين، ادعِ لأمك وخلنا نستر اوجاعنا.»


انسحب الجميع ليغرق البيت في موجة جديدة من البكاء والعزاء، بينما بقيت فجر في مكانها.. رمحاً لا ينحني، تخفي خلف جليد عينيها بركاناً من الوجع لا يعلم بسعيره إلا الله.


الفقد والحزن على غروب هو الأساس الذي زلزل الجميع والبيت كله يبكي. مودعاً إياها..


اتهام صالح أو نظرته القاسية تنبع من تحول حزنه وفقدانه لعقله إلى استغراب جفاف عينيها.


فجر لا تبكي أبداً؛ حزنها داخلي، محتبس، وجوفها يحترق وفاءً لوعد ..

Let 𖤍 اڵـــڪَـــاﭠِـــﺒَـــة♡ﭠَـــــﯿْـــــھ𖤍 know what you thought about this chapter!
Love this

1

Love this

Funny

0

Funny

Spicy

0

Spicy

Suspenseful

0

Suspenseful

Emotional

1

Emotional

Profound

0

Profound

Heartwarming

0

Heartwarming

Shocking

0

Shocking

Good Writing

0

Good Writing

Compelling Plot

0

Compelling Plot

Great Character

0

Great Character

Strong Dialog

0

Strong Dialog

author

اذا فيه اغلاط إملائية سامحوني عليها واعتذر كمان لو كان وصف المشاعر ليس مناسب أول رواية لي واتمنى تنال اعجابكم

16 days

Further Recommendations

Milky Treasures on a Healing Love

Booklover_rdx: A different but good story. Basically a love story with a twist- i enjoyed every word of it

Read Now
The Rewrite

Deonna: I really enjoyed reading this book! Liv and Knox are absolutely perfect for each other, and I'm so glad they got their happy ending. Adding it to my favorite books reading list. ❤️🩶

Read Now
Marked While We Slept

AlyKeller: This is a great story, but the author lives so many questions that need it answers. She has a good story. she just needs to elaborate more.we need details, but in general, she have great potential. The story is awesome.

Read Now
THE WOMAN HE BOUGHT

Charmaine: THIS IS SO GOOD I LOVE IT IM GONNA READ IT LATER BC IM TIRED BC I JUST FINISHED WRITING 10 CHAPTERS IN 1 DAY!

Read Now
Our third chance

ansellarose: I really love this kind of story.Loved it

Read Now
The Grumpy Next Door

emmylee.p.: Funny, cute, heartwarming, good writing, great characters, and a bit of spice

Read Now
SECRET BILLIONAIRE

Jkind12: Very enjoyable!

Read Now
Bear Roberts

Fah🖤🖤dah: Great chemistry, an interesting plot, and characters you can’t help but get attached to. I really enjoyed this story! ❤️‍🔥

Read Now
An Irish Match

armirrenz: Story is great! It catches your interest in reading. Very good book

Read Now