مقدمة
في قلب القاهرة الصاخبة، كانت الأزقة تعج بالحياة، غير أن ساجي كان يشعر بعزلة خانقة داخل شقته المتواضعة. جدرانها الأربعة تضيق عليه وكأنها سجن لا مفر منه. تكدست الأوراق المهملة فوق مكتبه الخشبي، شاهدة على محاولاته الفاشلة في إحياء إلهام الكتابة الذي جافاه منذ شهور.
تسلل الليل على المدينة، وساجي يجلس وحيدًا، محتارًا بين الأفكار التي ترفض أن تأخذ شكلاً ملموسًا على الورق. كانت ضغوط الحياة المالية تثقل عليه، حيث تراكمت الفواتير والديون بشكل مستمر. مكالمات الدائنين كانت تزعجه دون انقطاع، وزيارات محصلي الديون أصبحت جزءًا من يومه المعتاد. كل ذلك جعله يشعر بأن الأبواب موصدة فيوجهه، وكأن لا مفر من هذا الوضع المتأزم.
في لحظة يأس مطلق، قرر ساجي الهروب من هذا الجحيم اليومي. أخذ قرارًا مفاجئًا بالخروج في رحلة تأملية إلى جبال البحر الأحمر، حيث يأمل أن يجد شيئًا يعيد إليه روح الإبداع التي افتقدها. جهز حقيبته وأخذ سيارته، متجهًا بعيدًا عن ضجيج المدينة.
كانت رحلة ساجي طويلة ومرهقة، حيث قاد سيارته عبر الطرق الجبلية الوعرة، متجنبًا الحفر والعقبات. وصل أخيرًا إلى منطقة نائية وهادئة، محاطة بالصخور العملاقة والكهوف العميقة. كان الليل قد أرخى سدوله على المكان، والنجوم تلمع في السماء كأنها تراقب مغامرته بصمت.
نصب ساجي خيمته في الصحراء، وأمضى ليلتين تحت سماء مرصعة بالنجوم، يحاول العثور على الإلهام المفقود. لكن، حتى في هذه العزلة التامة، كانت أفكار الديون والمشاكل المالية تطارده بلا هوادة. شعر وكأن مشاكل الحياة هربت معه إلى هذا المكان، وأن عقله لم يستطع التحرر منها.
بعد ليلتين من التفكير والتأمل دون جدوى، قرر ساجي استكشاف الكهوف القريبة لعله يجد شيئًا يلهمه. أوقف سيارته، ونزل منها بخطوات واثقة نحو كهف يلوح في الأفق. بدافع من الفضول واليأس المتشابكين، دخل ساجي الكهف وأشعل كشاف هاتفه الخلوي ليضيء الطريق المظلم أمامه. كانت الأصوات الغريبة تتردد في الكهف، مما زاد من توتره. في أعماق الكهف، وصل إلى مفترق طرق، حيث تفرقت الدروب إلى طريقين مجهولين. بحذر وتردد، اختار ساجي الطريق الأيسر، متجهًا نحو مصير لا يعلمه.
كانت الرحلة عبر الكهف محفوفة بالمخاطر، حيث اضطر لتسلق الصخور وتجنب الشقوق العميقة. وصل إلى نهاية الطريق ليجد حجرًا لامعًا يشبه المرآة. حدّق ساجي في الحجر بتمعن، قبل أن يضع يده عليه بحذر. فجأة، شعر بقوة غير مرئية تجذبه نحو دوامة زمنية، تدور حوله بسرعة مذهلة، ليجد نفسه مضغوطًا بين الأزمنة. المشاهد تتبدل من حوله بسرعة خاطفة حتى استقر أخيرًا على أرضية كهف آخر.
عندما استعاد ساجي وعيه، وجد نفسه في كهف مختلف تمامًا. تفاصيله كانت غريبة، ولم يكن يعلم موقعه أو زمنه. كانت الصخور من حوله ملساء وكأنها مصقولة بيد خفية، والأصوات القادمة من الأعماق تشبه الهمسات المجهولة. كان المكان يبعث في نفسه شعورًا بالرهبة والغموض.
خرج ساجي من الكهف ليجد أمامه مساحات شاسعة من الصحراء المترامية الأطراف. الرمال تمتد إلى ما لا نهاية، والشمس الحارقة ترسل أشعتها القاسية على الأرض. توجه ساجي في رحلته عبر الصحراء، متخبطًا في رمالها الكثيفة، متجنبًا الشجيرات الشائكة والحرارة اللاهبة. كانت الأمواج الرملية تتراقص حوله، تثير الغبار وتخفي المسارات.
ساعات طويلة مضت وهو يسير بلا هدف محدد، يتمنى فقط أن يجد ماءً يروي عطشه. لكن الحظ كان له بالمرصاد، فقد لمح في الأفق قافلة تسير ببطء نحو مدينة مجهولة. اقترب ساجي من القافلة بحذر، وعندما رآه الرحالة، تعجبوا من مظهره الغريب وملابسه التي لم تكن تشبه ملابسهم.
تجمّعوا حوله، يتفحصونه بنظرات فضولية وحيرة. كانت لغتهم الغنية والعميقة تختلف تمامًا عن لغة ساجي الأنيقة والمعاصرة. حاول التواصل معهم، مستخدمًا إشارات يده وكلماته المتعثرة. بدأوا يدركون أنه غريب عنهم، لكنه لم يكن يعرف كيفية شرح قصته بشكل مفهوم.
كانوا يقبلونه بفضول متزايد، يدعونه للانضمام إليهم في رحلتهم نحو قبيلة قريش. لم يكن يتوقع أنه ذاهب إلى قريش ذاتها التي ولد فيها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والتي لم يكن يعرف عنها سوى قصص التاريخ. ومن خلال حديث الرحالة، استشف ساجي أنه يعيش في زمن يسبق مولد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بزمن ليس باليسير. شعر بالراحة بين هؤلاء الرحالة، إذ وجد نفسه وسط رجال يتحلون بروح الكرم والضيافة. وبدأ يشعر بأنه في زمن ومكان مختلفين تمامًا عن كل ما عرفه من قبل تختلف فيهما التقاليد والعادات تمامًا عما اعتاد عليه..
عندما انضم ساجي إلى القافلة، كان شديد الغموض، لا يتحدث مع أحد، مكتفيًا بمراقبة الناس والأحداث من حوله. تفاصيل الحياة الجاهلية كانت تثير فضوله: الإبل المحملة بالبضائع، الرجال والنساء، والأحاديث التي تحمل في طياتها حكمة الأجداد.
أثناء تعرفه على زعيم القافلة، دارت بينهما محادثة وبشيء من الفضول والتساؤل.
قال زعيم القافلة: "يا ساجي، من أي بطن من بطون العرب أنت؟ لم أرَ قط ملابس مثل ملابسك هذه."
ابتسم ساجي ابتسامة غامضة، وأجاب: "لا أظن أن بطني معروف في هذه البقاع، فهو بعيد جدًا."
وبينما لم يوضح ساجي حقيقته، قرر داخله أن يستغل معرفته في إبهار ذلك العالم البدائي.
عندما بدت ملامح قريش وراتسمت كسراب على رمال الصحراء، قرر ساجي شكر زعيم القافلة على مساعدته وكرمه. أخرج ساجي قلمًا جافًا من حقيبته وأهداه لزعيم القافلة،
قائلاً بابتسامة غامضة: "هذا القلم سحري، لا يحتاج لمداد من أجل الكتابة به. سينتهي من الكتابة عندما ينتهي السحر الموضوع فيه."
نظر زعيم القافلة إلى القلم بدهشة وإعجاب متأملاً ملمسه والمواد الغريبة التي صنع منها وكأنها من عالم أخر ليس من عالم البشر، وتفحص القلم محاولًا فهم كيف يعمل هذا السحر. قبض على القلم بحرص،
ثم قال: "شكرًا لك، يا ساجي. سأحتفظ بهذا القلم كذكرى ثمينة."
يتبع،،



![Werewolf Hollow [GALATEA DATE TBA]](https://cdn-gcs.inkitt.com/vertical_storycovers/ipad_76bbf380fa2e8dc2f70694197487ab81.jpg)




