ألوثيا

All Rights Reserved ©

Summary

ألوثيا … رواية غيلاسي سندس سلسبيل . تحمل في جوفها الكثير من الحروف الجميلة . مما جاء فيها . هل كتابة مقدمة لرواياتي تجسّ نبض القارئ لتتقد أحاسيس المتعة في جوفه؟ ترتقى لمستوى تشوش به .. الأفكار .. من أين أبدأ يا ترى؟ و أي تعبير بديع يليق كمقدمة. شعور بالضياع بين قوافي الكلمات يعيد ذاكرتي لأول خطوة اتخذها قلمي في سرد أحداث روايتي وقتها خلتها مجرد حوارات بين شخصيات ووصف لما يحيط بخلفيات الرواية لكن حالما تعمقت أكثر و جدتها أكبر من أن تقتصر على مفهومي البسيط لها, تلك الحقيقة التي لم أتوقعها أطفأت همتي على المواصلة رغم كل محاولاتي مازلت أرى تعبيري لا يرتقي لمستوى يمكنني أن أقول عنه جيد يمكنني ترجمة ما بعقلي من خيال إلى لغة فصيحة تتراقص أحرفها فوق الصفحات واصفة الأحداث بمنتهى الواقعية . لن أكذب عليك أيها القارئ إن صارحتك بأنني في وقت ما إنتابني إحساس بالفشل لست كاتبة ولا أملك الموهبة, أفكاري قادتني إلى أن أعتزل الكتابة و أعتبر نفسي هاوية أخذتها موجة الكتابة لفترة وجيزة وفي المقابل واصلت هوايتي في مطالعة الروايات كنت أقراؤها بعين متفحصة لعلي أجد ما ينقصني بين صفحاتها و العجيب في الأمر أن ما أعادني للكتابة فكرة واحدة تردد همسها داخلي ملحة على مواصلتها. تعالى صدى شخصياتها داخلي مذكرا إياي بما أطمح إليه من إثبات موهبة عليك بالإنتقام نعم لا تتفاجأ أيها القارئ ليس الإنتقام الذي أحدثك عنه الإنتقام التقليدي بمفهومه بل هو بالنجاح, بأن تصنع لنفسك اسما, وأن تضع بصمة بالحياة. واصلت الكتابة مغمضة عيوني عن محاولاتي السابقة كي لا يتبدد الأمل بداخلي, يمكنني أن أقول و بكل فخر لقد فزت في الم

Status
Complete
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
18+

Chapter 1

لم تتمالك نفسها في نهاية المطاف وهبّت تقول منزعجة وقد لاحت حمرة خفيفة تضرج بها وجهها ذا الجبهة العريضة وعظام الخد البارزة: ماذا تظنين العائلة الملكية مجرد أغبياء لتستغلينا بهذا الشكل الإنتهازي؟, ففي كل مرة ترفعين الأجر بعد أن رأيت حاجتنا اليك، نعلم أن لك الفضل في إيجاد مصادر المياه الاخرى في المملكة لكن أرى أنك تماديت في استغلال عائلتي، قالت بيلسان مستطردة بنبرة متعالية: ليكن في علمك أنني أشك في أنها ابنتك فلم أجد أمّا تعامل ابنتها بتلك القسوة  فبعد كل الثروة التي جمعتها من خلال موهبتها الحسية وقدرتها الفريدة أجدك تثقلين عليها بالمهام الشاقة.

ارتشفت السيدة ميسم فنجان الشاي دون أن تعير لمحدثتها أي اهتمام فالهدوء كان باديا على ملامح وجهها الذي ارتسمت فيه  خطوط تجاعيد خفيفة تحت كثافة  مساحيق التجميل فقد كانت تمتلك قسمات توحي إلى من يراها للوهلة الأولى بقوة شخصيتها المتسلطة وإلى حبها للمال حتى أن أدنى العقول تفكيرا يستطيع أن يدرك من خلال حديثها  بأنها براغماتية,  شغفها الوحيد هو المال وكل ما يتعلق به. فعند ذكر المال تجحظ عينيها البارزتين المستديرتين ذات المقلتين بلون ريش طائر القيق الرمادي والجفون المبطنة والأنف المعقوف، تصغي باهتمام بالغ إلى من يحدثها. لطالما تداولت الألسن مستفسرة عن سر شبابها الذي لم تفصح عنه  فرغم تقدمها في السّن فقد اجتازت الخمسين وهي على أبواب الستين إلا أنها مازالت محافظة على حيويتها الشبابية  فهي على عكس العجائز اللواتي يرضخن لسن اليأس والشيخوخة فإطلالتها  وأناقتها في اختيار الملابس الراقية تضفي عليها بريقا لتظنها للوهلة الأولى أنها في أواخر الثلاثين من عمرها حتى أنها لم  تكن تأبه  لنظرات الغيرة وعلامات الاستياء الجلية في قسمات النساء عند ظهورها في حفلات النبلاء والطبقات الأرستقراطية إلا أن هذا لم يدفعها إلى اعتزال مثل هذه الحفلات بل زادها إصرارا على الحضور فمن وجهة نظرها أن تلك المشاعر البغضاء والكره والغيرة ما هي إلا دليل على تفوقها و تميزها وبهذا ما عليها الا أن تزيد اغتياظهم بحضورها وهي بكامل أناقتها الفاتنة.

وضعت فنجانها فوق الطاولة الخشبية المستديرة مزخرفة الحواف وألقت نظرة خاطفة إلى المرآة الصغيرة مربعة الشكل ذات الإطار الذهبي التي كانت تقابلها وهي قابعة فوق الطاولة لتطمئنها الصورة التي طالعتها عن نفسها والتفتت إليها بعد أن استشاطت محدثتها غضبا وأحمر وجهها عابسا و بنبرة ساخرة هادئة قالت ميسم:

لما كل هذا الانزعاج لقد وافقت العائلة الملكية على شروطي  إذ أني اتفقت معهم على رفع السعر كلما وجدنا مصدرا للمياه أكبر فأنا لم أخدع أي أحد و لهذا فلا أجد أي ضرورة لمناقشة الموضوع معك فهذا لا يخصك ولهذا لا تشغلي بالك في أمور أكبر منك يا عزيزتي قالت بنبرة لاذعة دون أن يطرأ أي تغير بهدوء صوتها، دعي عنك مشقة التفكير في أمور معاملتي لابنتي أعاملها كما أريد وبالطريقة التي أشاء, أما بخصوص تشكيكك في نسبها لي فهذا رأيك الخاص لا يهمني والآن فـأنا مشغولة أنت تعرفين لدي الكثير من الدعوات التي جاءتني من المملكات المجاورة للعمل عندهم ويجب أن أختار أفضل عرض ولهذا يمكنك المغادرة إذا أكملت حديثك  أبلغي سلامي إلى والدك  سمو الملك كانت في نبرة صوتها طردا للأميرة بطريقة غير مباشرة وهذا ما شعرت بيه بيلسان لتقف وعلامة الاستياء بادية على ملامح وجهها من حديث ميسم الذي لا احترام فيه لمكانتها كأميرة فكيف سوّلت لها نفسها أن تخاطبها بلغة غير رسمية حتى أنها تقوم بطردها بطريقة تقلل بها من شأنها  و همت بالمغادرة وهي تمرر كفها لتزيح خصلة شعرها من فوق عينيها الناعسة فستقيتا اللون بوقار متعال بدا بغيظ و سارت بخطوات متعصبة.

أدارت ألوثيا مقبض الباب المؤدّي للناحية الشرقية للمنزل المؤلف من طابقين وسارت بخطوات متعبة في الرواق الشرقي نحو غرفتها التي كانت في آخره إذ أنها الوحيدة التي تقطن في تلك الناحية فالخادمتين مع سائق العربة في الرواق الأرضي أما سيدتها فغرفتها أعلى الرواق الغربي. لطالما اختارت لها سيدتها غرفة تكون في ناحية من المنزل هي الأبعد لم تعي المغزى من الأمر لكنه كان مؤلما لفتاة صغيرة ذات الستة سنوات أن تبقى وحيدة بين تلك الغرف الشاغرة في ظلمة الليل الغافي تستأنس بالنور الخافت الذي تطلقه شمعتها وبدفئها في فصل الشتاء  فجأة أوقدت كآبتها بهاته اللحظة داخلها إحساسا قديما بالخوف الذي كان ينتابها لما كانت طفلة في منزلهم القديم شعورا باليأس والرعب ممزوجا بالوحدة التي خيمت على قلبها منذ طفولتها كان أصعب شيء وهي في تلك السن الصغيرة أن تمر في الرواق لوحدها دون يد دافئة عاطفة  تمسكها لتطمئنها بأن ما يجول بمخيلتها ما هو إلا وهم من نسج الخيال. نسمات باردة إقشعر بدنها منها عند مدخل الرواق  وأبواب الغرف على طول الرواق مغلقة تبدي بهجرانها لتصير مقفرة تتجول بها الاشباح ويعم أصوات حركاتهم أرجاء الغرف هذا ما كان ينسجه خيالها الصغير لتجدها تركض ورأسها نحو الأسفل بعيون تكاد تكون مطبقة تركض دون أن تلتفت وراءها خوفا من أن تلتقطهم نظراتها حتى أنها تتحاشى قفل الباب المؤدي للرواق فاعتقادها أن ذلك سينجيها من الأشباح رغم تعنيف سيدتها لها بقفل الباب إلا أنّ ذلك لم يجد نفعا أمام الجزع  الذي يتملكها عند أول خطوة في ذلك الرواق المؤلف من خمس غرف شاغرة بجانب الغرفة الأولى باب السلالم المؤدية للطابق الثاني, كان منزلا كبيرا مقارنة بمنزلهم الحالي الذي انتقلا إليه مند خمس سنوات. فتحت  ألوثيا باب غرفتها التي لا طالما اكتنف جدرانها صوت شجيها الباكي وإذا سنحت لك الفرصة وألقيت نظرة عليها فأول ما يخطر  ببالك  وما تلتقطه أنظارك  النظافة والترتيب اللامتناهي والمنسق رغم بساطة الاثاث      وقدمه إلا أنه  يدل على هوس قاطنتها بالنظافة  والترتيب. 

أقفلت الباب بحركة بطيئة وهي تسحب قدماها وجسمها  الواهن المائل قليلا  وما أن صارت بمحاذاة حافة سريرها حتى ارتمت فوقه وارتمى معها تعب نهار طويل من الكفاح، تنظيف  وكيّ وطبخ وإلى ما لانهاية من قائمة المهام, فعند تذكرها لأشغال اليوم التالي تنسدل من عينيها السوداوتين عبرة ساقطة على خديها مكتنفة أسى عميقا على حالها، على ذلك الوجه الذي اتسخ من رماد المدفئة بعد تنظيفها،لم تكترث في ذلك الوقت لخوفها من السقوط من ذلك الارتفاع الشاهق بل واصلت السير حافية القدمين وهي تتحاشى النظر نحو الأسفل و تضع وجه مسيم الغاضب نصب عينيها فسقوطها أهون من أن تعنفها سيدتها, واصلت السير بخطوات صغيرة حتى لا تفقد توازنها وحالما أمسكت بجدار المدخنة أدخلت المكنسة إلى داخلها وبحركة آلية اعتادت القيام بها أخذت تدفع ما يسدّ المدفئة  ليسقط إلى الداخل. لم تعي لما تكلفها سيدتها بأعمال خطيرة رغم وجود خادمها فمثل هذه الأعمال للرجال فهم يملكون بنية قوية يتفوقون بها وليس لفتاة هزيلة مثلها تلعب    وتطوح بها الرياح كما تشاء كدمية ولولا تشبثها وحذرها  لوقعت منذ زمن, فهل يمكن أن تكون  مستمتعة بمنظرها الذي يكسوه الغبار و أوراق الأشجار تملأ شعرها؟ مدّت ذراعها نحو السقف متأملة إياه بصمت فقد استعصى عليها البكاء وهي تشاهد خدوشا تركتها أغصان الأشجار عندما تسلقت لتقليمها بأمر من سيدتها, تلك الفكرة هي ما آمنت بها ألوثيا ورسختها في عقلها سيدتها تظهر سرورا مكبوتا حالما تنظر اليها وهي تعاني.

إرهاقها وانشغالها منعها حتى النظر إلى المرآة لترى نفسها كم هي في حالة يرثى لها فقد حجب الرماد تقاسيم ملامحها الصغيرة ولون بشرتها الفاتح كان إشراق جمالها يتحدى معاناة فتاة في عمر العشرين.

مسحت وجهها المستدير بقطعة قماش مبللة خصصتها لوجهها وهي تنظر للمرآة ليكون العمل سهلا وأكثر دقة فجأة التقط سمعها صوت باب الردهة يقفل بقوة ينذر بقدوم سيدتها ابتعدت عن المرآة وتنهدت بيأس قائلة ما الذي تريده في هذا الوقت المتأخر؟...  

لم تستأذن سيدتها للدخول بل اكتفت بدفع الباب  ووقفت على عتبته  تجول بعيونها المرعبة التي شوهها الكحل المنسدل من عينيها تنظر في أرجاء الغرفة ثم استقرت نظراتها أخيرا  عليها قائلة بنبرة متجهمة التي لا طالما رافقتها بجميع حواراتها مع ألوثيا:

هل قمت بكل الأعمال التي طلبتها؟

أطرقت برأسها علامة الإيجاب قائلة: نعم سيدتي لقد أتممت كل ما طلبته منى هذا الصباح. لم تجرئ  ألوثيا على رفع بصرها والنظر إلى تلك العيون التي تسري رعشة في جسدها النحيل كلما اشتبكت نظراتها بهما، وأردفت السيدة ميسم قائلة: حسنا لقد تفقدتها لم آت من أجل هذا الأمر بل من أجل  إخبارك أن تستعدي وتجمعي أغراضك سوف ننتقل من هنا إلى المملكة المجاورة فقد تمت دعوتنا للإقامة لديهم في القصر الملكي للعمل وكما تعلمين فلطالما استأجرنا منزلا وسط المدينة التي نعمل بها وقدحان الوقت لنرتقي بأهميتنا لا أريد تأخيرا وليكن في علمك أنه عند وصولنا سوف نتجه لمقابلة سمو الملك لا تنسي ماذا تناديني لا داعي لتكرار ما أقول دائما فكما أعتقد ولن يخيب اعتقادي أن هذه المملكة في حاجة ماسة لقدراتك ولهذا فقد خصص جناح لإقامتنا, صمتت لبرهة ثم استرسلت  ممتعضة  أريد أن أبشرك بأنك سترتاحين من الأعمال المنزلية في فترة إقامتنا وهذا من حسن حظك.

حسنا سيدتي قالت هذين الكلمتان بصوت مطيع وصمتت وهي تحدث نفسها عن أي حظ جميل يرافقها مادامت رهينة عندها. فهي تعلم أن لا فائدة من نقاشها معها ورأيها لا يهم مادامت ميسم تقول وهي تنفذ...أحكمت القبض على يديها  لتكبح غيضها وضعفها.

لقد أرادت ميسم بقسوتها أن تجعلها تدرك من هي سيدتها     ومن تتحكم في قراراتها فلا مهرب لها من براثين التقييد التي وضعتها على ألوثيا منذ أن كان عمرها لم يتجاوز الست سنوات قيدتها بتعليماتها التي لا رحمة فيها وتذكرها بأنها هي من احتضنتها بكنفها بعد أن تم رميها بعيدا من قبل أقاربها. ميسم ملجؤها الوحيد فلا مجال للتمرد و العصيان أما مشاعر الغيرة  التي تجلت في تصرفاتها منذ أن أصبح  جمال ألوثيا باديا على ملامح وجهها لتصب ما تكنه لها من مشاعر الحسد في  توبيخها  وتوكيلها بمهام قاسية لتريح نفسها وتشعر بالرضى حالما تشاهدها متسخة المنظر متعبة الجسم و تتمنى  أن يذبل جمالها كما تذبل بتلات الزهور.