حفنة وجع للكاتبة فضيلة بهيليل

All Rights Reserved ©

Summary

ملخص "حفنة وجع" حين تتغرب الروح وينخرها الغياب، تتمدد لحظات الشوق والحنين لتحتل أكبر مساحة بالذاكرة، وحده اللقاء يجبر كسر القلوب، فكيف إن كان بين قلب الأم وكبدها في عالم مليء بكل المشاعر المتناقضة. تتدفق أحداث الرواية شلال غواية من لوحة للفنان التشكيلي "محمد جرديني" التي تروي لنا حكايات "أم الخير" المرأة الطيبة التي تتجول بين ديار القصر فراشة محبة: تغسل، تنظف، تطبخ ولا تشتكي أبدا، النخلة الشامخة رغم رياح الدهر التي تلوحها يمينا وشمالا، تشارك الجميع أفراحهم وأحزانهم بينما يتربع حزن الفقد ضاغطا كما كماشة قلبها المفجوع وعالمها الموبوء بفراق ابنتها زينب، فما أصعب فراق الأم وما أمرّه وهي لا تزال على قيد الحياة...

Status
Complete
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
18+

Chapter 1

Sالفراشات رغم ضعفها لا تنحني.. إنها فقط تحلق.. تطير.."

إنه الخريف... رائحة مطر تعبّق فناء الدار دون أن تمطر، وبريقٌ بالعيون ينبئ بمواعيد شاحبة لازالت تعانق الأمنيات فيها ثرثرة الشوق... وأنا لا علاقة لي بكل هؤلاء... وجهتي كانت أمي، محرابي عيناها الكحيلتان وشعرها الفحمي المنسدل على كتفيها، تقف أمام المصور في شموخ. وبعض من ورق تركته مدسوسا بصندوقها الصغير، كلما فتحته طلعت رائحة الذكريات مدثرة عقد عود النّوار، أمرغ بفولارتها وجهي وأظل أرقب طيفها، قد يطلع من نافذة الغياب، تلك التي زينتها بستار أبيض ظل شاهدا على مرورها من هنا حتى وهو يذبل ويحول، أرقبه كطائر قد يحط على أبواب القلب المشرعة بانتظار معجزة ما تأتي إلي بأمي.. أو طيفها.

كل الأماكن بغيابك غربة، وأنا الغريبة بين أهلي أواري خيباتي وسادَتي، كل العالم يواري خيباته صدر أم، فأينه صدرك أمي أدفن فيه جمر هذا الحنين؟ أين ابتسامة منك تطهر هذا الفؤاد العليل وهاته الروح التي لا تلتم أبدا، كلما توهمتني أتوهج فرحا هبّت رياح من المدينة التي تسكنين فيرتجف نور فرحي أراوده بكفي كي يصمد، لابد أن يصمد إلى يوم لقاك، فمتى يا زهرة الروح موعد اللقاء؟

ها هو صالح عاد إلي محملا بالطفولة، يحاول أن يزرع داخل روحي فسيلة تمحي عنا غبن اليتم، علنا نجني تمر النسيان غير أن الباب الموصد الذي يحجز الذكريات يتآكل يوما بعد آخر ليطل من بين شقوقه يُتم غربتنا ورغما عنا يسكننا.

لا أدري أماه ما يحدث لي هنا، مع جدة لم أفهم بعد علاقتي بها ولا لماذا تصرّ على محو اسمك من عالمي. كأنني أقبض على الصباح بيد من جمر أخاف أن يتسرب نوره.. أن يتلوث بأنفاس الآخرين... كل شيء فيه خام حتى قهوته... ذاك الصباح الذي رغم قِصر ساعاته يأتيني محمّلا بذكريات فيها من الحزن والألم ما عجز القلب عن مداراته.

رحلتِ بعيدا كما رحل صالح ورحلت عمتي مسعودة، الأرواح التي كنت آنس بها، أستعذب حديثها، يصفو لها قلبي وترتاح لها نفسي رغم القهر والمرض كنت أتشبث بأطيافها خوفا من أن ترحل على غفلة منّي وتتسرب كما الزئبق. كنت أحب التفاصيل الصغيرة معكم، أدوّنها في حضرتكم فأرتاح قليلا. تلك التفاصيل التي كانت تترسب في ثنايا الروح وساعة أبكيها على الورق يرتاح القلب ويخف عنه عبء السنين. الآن... الأرض ملآى بالضجيج، بأشباه الطيبين، لكنها تتمثل لي خالية بغياب من كنت أتكئ بوجع على خيباتهم فيضحكون، يعيدون الابتسامة لشفتي والاطمئنان لقلبي.

كبرت يا أمي، كبرت أوجاعي، اختفت براءة ملامحي، تضاعف العبء بعودة عمي الوحش، ذلك الذي لا يشبه والدي في شيء وأحمد الله أن والدي لا يشبهه. كبرت يا أمي ولم تري كيف أصبحت ابنتك زينب عروسا تنتظر أن تزفيها إلى صالح، كبرت ولم يُشف حضني الذي ظل يحن لحضنك، ولا جفت وسادتي التي أبحتُ دمعي عليها طيلة ليال خلت من رائحتك، كبرت ولم تزغردي بأذني يوم بلغت كما زغردت لبلوغ ابنتها جارتنا حليمة.. كبرت .. ولم يكبر داخلي شيء غير جرح شوقي الذي صار يزداد اتساعا.

أمي، يا وجع الكلمات التي لم أقلها لك، ووجع الورق. ماكنت لأفهم معنى أن يحتويني صدرك، وأنا مع جدتي التي حدثتني عن الجميع إلا عنك، ما كنت لأعرف معنى أن تخاطري وتتبعي خطواتي الصغيرة وهي ترسم رقوما مختلفة أمام باب الدار، كنت أحسبني شفيت منك يوم غادرتني تملئين رئتيك بعطر براءتي وتتوسلين جدتي كي تصحبيني معك. اليوم فقط بمجيء بدرة ابنة عمتي أدركت عمق الشرخ وأنا أتلمس قلبي كلما أتى لسانها على ذكر اسمك، أخبرتني الكثير عنك بعيدا عن رقابة جدتي وسوط عمي الوحش الذي غادر منذ أيام بلا وجهة، حسبي أنه غادر.

أخبرتني بدرة ما لم تكن جدتي لتخبرني به، كانت تتحدث وقلبي يصغي شوقا، كنت أتابع كلماتها كأنما أتبع طريقا يؤدي إليك؛ منها عرفت بأي أرض تعيشين، من تزورين، كيف تخدمين أهالي القصر ليلا ونهارا حتى توفري لك لقمة عيش تقيك ذل السؤال. وبكيت لأول مرة حين أعادت سرد قصة الحلوى التي أهديتنيها يوم علمتِ بمجيئي وكيف - طاعةً لجدتي- بعثرتُها أمامك وقد أمسكتني من يدي بعيدا عنك.

بدرة كانت تعتقد كما أوهمَتها جدتي أنني أرفض لقاءك، بدت واضحة دهشتها لرؤية دموعي التي راحت دون استحياء تشرع نوافذ غبني، مدت يدها تزيل هالة الحزن وقد وعدتني إن رأتك أن تبلغك شوقي وحنيني.

الآن... بت أعرف أنك النخلة الشامخة رغم رياح الدهر التي تلوحها يمينا وشمالا، بت أفخر كوني ابنتك حتى وإن كادت تمحى من ذاكرتي تفاصيل وجهك، يكفيني أنني أحفظ مكان الشامة الخضراء التي تربعت يمين خدك، والمنديل الأحمر الذي كان يغطي شعرك دائما، حتى وأنت بغرفة النوم.

أجمل ما حفظته من كلام بدرة قولها:

-"أمك تجول بين ديار القصر فراشة محبة، تغسل، تنظف، تطبخ، لا تشتكي أبدا، يحترمها الجميع ويستشيرونها حتى في شؤونهم الخاصة".

أحببتُ وصفَها لك بالفراشة، في سري، أدرك تماما أن الفراشات رغم ضعفها لا تنحني.. إنها فقط تحلق.. تطير..