Chapter 1
في عالمٍ تتسارع فيه التطورات العلمية بشكل يفوق الخيال، يقف العالم الشاب إياد أمين عل أعتاب اكتشاف قد يغير مجرى التاريخ. آلة الزمن ليست مجرد خرافة بعد الآن، بل حقيقة ملموسة بين يديه. لكنه لم يدرك أن العبث بالزمن لا يمر دون عواقب... عواقب قد تطيح بكل ما يعرفه.
في مختبر تحت الأرض، داخل مركز الأبحاث العلمية المتقدم، جلس إياد أمام شاشات الكمبيوتر بينما ترن أصداء أصوات الأجهزة المعقدة من حوله. كان وجهه متوهجًا بضوء الشاشة، يحدق في المعادلات المعقدة التي تملأ الشاشة. لقد أمضى السنوات الأخيرة غارقًا في أبحاثه، محاولًا فك شيفرة الزمن ذاته.
وأخيرًا، نجح. كانت النتيجة أمامه: جهاز يشبه إطارًا بيضاوي الشكل، ينبض بطاقة زرقاء متوهجة، وهو يفتح بوابة تمتد عبر الزمن.
“لقد فعلناها، ميرا!” صاح إياد بحماس، قلبه ينبض بسرعة.
ميرا، العالمة الهادئة والمحللة الدقيقة، رفعت حاجبها وقالت: “لكن هل أنت متأكد أنه آمن؟”
ابتسم إياد بثقة، رغم أنه لم يكن متأكدًا تمامًا. “لن نعرف حتى نجرب.”
ارتدى إياد خوذة معدنية متصلة بالجهاز، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يضغط على زر التفعيل. للحظة، شعر أن جسده يتمزق إلى جزيئات غير مرئية، وكأن روحه تُمتص عبر نفق طويل من الضوء والظلام. وفجأة، وجد نفسه واقفًا وسط شارع مألوف.
كان الهواء مشبعًا برائحة عوادم السيارات القديمة، ولافتات المحلات كُتبت بخط يدوي غير رقمي. كانت الأصوات مختلفة، الضوضاء طبيعية أكثر، بلا همهمة الهواتف الذكية أو الإعلانات الرقمية المزعجة. نظر حوله... إنها مدينته، لكنها ليست كما يعرفها. لقد عاد إلى عام 1995.
وقف مشدوهًا، قلبه ينبض بعنف. في الناحية الأخرى من الشارع، رأى والديه الشابين يسيران جنبًا إلى جنب، يضحكان بلا هموم. شعر بحرارة الدموع تترقرق في عينيه.
لكن فجأة، انطلق صوت ميرا من جهاز الاتصال المزروع في أذنه: “إياد، تذكر القاعدة: لا تتدخل في الماضي!”
حاول إياد مقاومة رغبته في تغيير شيء واحد فقط. مجرد تفصيلة صغيرة، لكنه لم يدرك أن التفاصيل الصغيرة تصنع فرقًا هائلًا. كان يعلم أن صديقه القديم، أمجد، تعرض لحادث مأساوي في طفولته. لم يستطع إياد كبح نفسه عندما رأى المشهد يتكرر أمام عينيه: أمجد الصغير يركض عبر الشارع، وشاحنة مسرعة تقترب منه.
قفز إياد للأمام، أمسك بأمجد وسحبه إلى الرصيف، قلبه يخفق بجنون. للحظة، شعر بالراحة... لقد أنقذ حياته.
لكنه لم يكن يدرك أنه أطلق العنان لكارثة.
عندما عاد إياد إلى الزمن الحاضر، لم يجد العالم الذي يعرفه. بدلاً من المختبر المتطور، وجد مدينة متهالكة، حيث الأبنية مغطاة بالغبار والسماء رمادية قاتمة. لوحات الإعلانات تحمل صورًا لشخص لم يره من قبل، رجل ذو ملامح قاسية، يحمل لقب “القائد الأعظم“.
“ما الذي فعلته؟” تمتم إياد برعب، وهو يحدق في الدمار الذي حل بالعالم.
ما لم يدركه هو أن إنقاذ أمجد أطلق سلسلة أحداث أدت إلى تغيير مسار البشرية. فالصبي الذي كان من المفترض أن يموت، أصبح شخصية سياسية مؤثرة، قادت سلسلة قرارات حولت العالم إلى ديكتاتورية شمولية.
لم يكن إياد وحده في هذا. لم يمضِ وقت طويل حتى اقتحمت مجموعة مسلحة المكان، رجال يرتدون دروعًا سوداء وأقنعة إلكترونية.
“إياد أمين، أنت متهم بالتلاعب بالزمن!” قال قائدهم بصوت بارد.
حاول إياد الهرب، لكنهم كانوا أسرع. وجد نفسه في زنزانة مظلمة، حيث التقاه رجل غامض يُدعى “زايد“، أحد زعماء منظمة “حرّاس الزمن“، وهي منظمة سرية هدفها منع أي تدخل في مجرى الزمن.
“لقد ارتكبت خطأً جسيمًا، والآن عليك إصلاحه،” قال زايد بصوت حاد، بينما انعكست الأضواء الخافتة على وجهه الصارم.
لكن لم يكن ذلك سهلاً. فقد كان هناك آخرون لا يريدون عودة الزمن إلى طبيعته... أشخاص استفادوا من هذا الواقع الجديد، ولن يسمحوا له بتغييره بسهولة.
بمساعدة سامر، صديقه المبرمج العبقري، تمكن إياد من الهروب. كانت المطاردة حامية، وأصوات الطلقات تتردد في أزقة المدينة التي لم تعد كما كانت. ركض بين المباني المهدمة، قفز فوق حطام السيارات، وأخيرًا وصل إلى نقطة التحول.
عاد إلى لحظة الحادث، لكنه وقف متجمدًا.
رأى الطفل أمجد يركض، الشاحنة تقترب...
هل يستطيع التراجع؟ هل يستطيع تركه يلقى مصيره؟
وقف إياد، قلبه يتصارع مع عقله. وأخيرًا، بيدين مرتجفتين، تراجع.
في اللحظة التالية، دوى صوت الاصطدام، ثم ساد الصمت.
عندما عاد إياد إلى زمنه، وجد كل شيء قد عاد كما كان. المختبر، التكنولوجيا، والمدينة المضيئة التي يعرفها.
لكن بداخله، لم يعد الشخص نفسه. لقد تعلم الدرس الأهم: الماضي ليس لعبة، وليس كتابًا يمكن إعادة كتابته.
وقف أمام آلة الزمن، وهو يشعر بثقل المعرفة التي يحملها. كان عليه اتخاذ قراره الأخير...
ودون تردد، دمر الجهاز.
لكن في أعماقه، كان يعلم أن البشرية لن تتوقف عن مطاردة المستحيل.
وأن الزمن، كما كان دومًا، سيبقى لغزًا لا يمكن السيطرة عليه.
وفي أحد الأقبية السرية، بعيدًا عن أعين الجميع، كان هناك عالم آخر يُعيد رسم معادلات إياد، يحدق في شاشة تعرض تاريخًا لم يكن مكتوبًا بعد...
وما أن أضاءت الشاشة بحروف غير مفهومة، حتى سُمع همس غامض يقول: “الباب لم يُغلق بعد...”
لم يكن إياد يعلم أن رحلته عبر الزمن لم تنتهِ بعد. فبين طيات الزمن، كان هناك سر أكبر ينتظر من يكتشفه جلس إياد في مختبره، يراقب شاشة الكمبيوتر التي تومض بأرقام ومعادلات لم تكن من صنعه. كان قد دمر آلة الزمن، أو هكذا ظن... لكن البيانات الجديدة أشارت إلى شيء آخر، شيء لم يستطع فهمه بالكامل.
رنّ هاتفه برقم مجهول، وعندما أجاب، جاءه صوت خافت لكنه واضح:
“أنت لم تغلق الباب بالكامل، إياد. لقد تركته مواربًا، والآن... هناك من يعبر من خلاله.”
شعر إياد بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري. حاول تتبع مصدر الإشارة، لكنها لم تكن تأتي من مكان واحد، بل من عدة أزمنة مختلفة.
على شاشة الكمبيوتر، بدأ تسلسل زمني جديد بالظهور. صور غامضة لشخصيات لم يعهدها من قبل، وجوه مألوفة لكنها ليست كما يتذكرها. ثم ظهر اسم واحد بشكل متكرر: زايد.
كان زايد، الرجل الغامض من “حرّاس الزمن“، قد اختفى بعد أن أصلح إياد خطأه. لكن الآن، كان اسمه يظهر في جميع النقاط الزمنية الحرجة، كأنه كان يتحرك عبر العصور، يغير الأحداث كما يشاء.
“مستحيل...” تمتم إياد، يراقب اللحظات التاريخية تتغير أمام عينيه.
في تلك اللحظة، دوّى انفجار في المختبر. انطفأت الأضواء، وتعالت أصوات أجهزة الإنذار. حاول إياد الهروب، لكن الباب انغلق خلفه. وسط الدخان، ظهر ظل مألوف... زايد.
“ظننت أنك تعلمت الدرس، إياد. لكنك ما زلت تتدخل فيما لا يجب عليك التدخل فيه.”
تراجع إياد خطوة، محاولًا فهم ما يجري. “ماذا فعلت؟!”
ابتسم زايد ابتسامة باردة. “أنا لم أفعل شيئًا... بعد. لكن هناك شيء واحد يجب أن تفهمه: أنت لم تنقذ الزمن، بل أعدت تشغيل اللعبة من جديد.”
قبل أن يتمكن إياد من الرد، شعر بجسده يتمزق مجددًا، كما حدث عندما سافر أول مرة.
وحين فتح عينيه، وجد نفسه في مكان لم يره من قبل، وسط مدينة مستقبلية تعجّ بشاشات تعرض وجه زايد... تحتها عبارة واحدة:
“القائد الأعظم.”
لم يكن إياد يعلم أن رحلته عبر الزمن لم تنتهِ بعد. بل كانت قد بدأت للتو.