Chapter 1
حين نسى الموت اسمي
✦ رواية ✦
مقدمة
ليست هذه روايةً بالمعنى التقليدي للكلمة.
لن تجد فيها أسماء محفوظة، ولا وجوهًا واضحة، ولا أماكن يمكن زيارتها على خرائط العالم.
كل ما فيها… خُطّ على خرائط القلب، في تلك الزوايا التي نهرب منها حين يشتدّ الضوء.
كتبتُ هذه الصفحات لأني نسيت نفسي يومًا.
ونسيت كيف يبدو صوتي حين لا أحاول أن أُرضي أحدًا، ولا أُخفي ألمًا.
كتبتها حين شعرت أنني أعيش دون أن أكون، وأموت دون أن يُلاحظ أحد.
قد تجد نفسك هنا.
ربما في سطر، ربما في نظرة عابرة، أو في وجعٍ يشبه وجعك ولم تجرؤ أن تُسميه.
لا تبحث عن تفسيرٍ منطقي… هذه ليست حكاية العقل، بل ذاكرة الروح.
وإن وصلتَ إلى النهاية، وأنت تشعر أن فيك شيئًا بدأ يتذكّر نفسه…
فقد عرفت لماذا كتبتها
لم أكن أعلم أني متُّ. أو ربما، لم أكن حيًّا بما يكفي كي أشعر بالموت حين مرّ بي. استيقظتُ في مكانٍ بلا سقف، بلا جدران، بلا أفق واضح. رائحة الغبار في أنفي تشبه رائحة الطفولة حين كنا نُهمل تنظيف الزوايا. وصوت بعيد يتهادى في رأسي كأنه ذكرى نائمة: “اذهب… ستجدهم حيث لم يذهب أحد.”
نهضت. أو ما حسبته نهوضًا. كان جسدي خفيفًا كأنني تخلّيت عنه منذ قرون. المكان امتدّ أمامي كأن الزمن نفسه انحنى على ركبتيه وقال لي: اسألني عنك. لكنني لم أسأل. مضيت.
المدينة التي وصلت إليها لا تحمل اسمًا. ولا لونًا. كل شيء فيها ضبابي، كأنك تراها من خلف حلمٍ ثقيل. الأبنية متلاصقة كأسرار، والنوافذ مفتوحة، لكن لا أحد يُطلّ. أعمدة الإنارة مكسورة، لكنها تنير بطريقة لا أفهمها… كأن الحنين نفسه صار كهرباء.
في الساحة الوسطى تمثال لرجل بلا وجه، كُتب تحته بخطٍ عتيق: ”هذا من نسيه الموت، فلم يمت… ولم يَعِش.”
اقتربت. وضعت يدي على الحجر البارد، وسمعت صوتًا من داخلي لا يشبهني، يقول: “لقد كنت هنا من قبل… لكنك نسيت.”
رأيت رجلًا مسنًا يجلس على طرف الرصيف، يحتضن قفصًا فارغًا. قلت له: – ما اسم هذا المكان؟ قال دون أن يلتفت إليّ: – هنا… لا أسماء. – وأنت، من تكون؟ – كنتُ أبًا، ثم صديقًا، ثم حبيبًا، ثم لا شيء. الآن، أنا ذاكرة فارغة.
سألته: – لماذا جئت؟ قال: – لأن أحدًا ما تذكّرني للحظة… ثم نسي. – وهل سأعود أنا؟ – لا أحد يعود كما أتى، يا ولدي… حتى الشمس، كل يوم تُولد من جديد.
سرت. في كل زقاق كنت أمر به، ينبض داخلي شيء يشبه الألم… لكن ليس من هذا الجسد. تذكّرت أصواتًا كنت أدفنها في نومي، وضحكات نسيت طعمها، وبكاءً كتمته كي لا أنكسر أمام من أحببت.
المدينة لم تكن مدينة… كانت أنا. كل حائط فيها جدارٌ دفنته في قلبي، كل نافذة حلمٌ أغلقته خوفًا من الخيبة. وكل اسمٍ محاه النسيان… كان اسمي.
في فندق قديم، سألني الحارس: – اسمك؟ ترددت… كثيرًا. هل أقول اسمي الأول؟ أم الذي ناداني به قلب أمي؟ أم ذلك الاسم الذي صرخته مرة في وجه السماء ولم يجبني أحد؟
قلت: – لا أعلم… ابتسم، وقال: – مرحبًا بك في مدينتك.
في غرفتي، لم أجد سريرًا… بل مرآة. وحين نظرت فيها، لم أرَ نفسي… بل رأيت شخصًا يُشبهني يبتعد. همست له: – لا تتركني وحدي… فأجابني من داخل الزجاج: – أنت من تركتني أولًا.
في صباحٍ لا يشبه الصباحات، فتحتُ عيني على صوتٍ غريب. كان كأن الريح تتكلّم، لكنها لا تحرّك شيئًا من حولي. خرجتُ من الفندق، لأجد الشوارع خالية كأن العالم تنفّس آخر مرة منذ قرون. لكنني شعرت أن أحدهم يراقبني… لا بعينيه، بل بذكراه في داخلي.
حين التفتُّ، لم أجد أحدًا. لكني وجدت دفترًا صغيرًا، موضوعًا على عتبة الباب. غلافه مهترئ، كأنه عانى أكثر مني.
فتحتُ الصفحة الأولى، وقرأت: “إلى من نسيني، ونسيت أن تنساني.” ثم بدأت الحكاية.
في السطور، وجدت اعترافات. لم تكن لي. أو ربما كانت… لكنها كُتبت بلغةٍ كنت قد هجرتها. كل جملة كانت صفعة. كل كلمة، مرآة مشروخة.
"أحببتها حين لم تكن لي، وتركتها حين أصبحت. خفت أن أُؤذيها، فآذيتها بهدوئي. انتظرتني طويلًا، وأنا انتظرت أن يتوقف الانتظار. وفي النهاية… لم أعد.”
أغلقت الدفتر، وسمعت من خلفي صوتًا ناعمًا كأنه نسمة، يقول: – هل قرأت ما كتبتُ لك؟
استدرت. كانت تقف هناك، امرأة لا يمكن وصفها بالعُمر أو الشكل… فقط بالوجع. وجهها مألوف. لا من الذاكرة، بل من الإحساس.
قلت: – هل كنتِ هنا طوال الوقت؟ أجابت: – كنتُ أنت… قبل أن تنسى.
اقتربتُ منها كمن يعود إلى نفسه. مدّت يدها، وقالت: – اسألني السؤال الذي أخفته عن الجميع. فهمستُ: – لماذا نسيتُ اسمي؟ فقالت: – لأنك لم تجد أحدًا ينطقه بمحبة… فظننت أنه لا يستحق أن يُقال.
بكيت. ليس لأنني ضعيف… بل لأنني كنت قويًا أكثر مما يجب لسنوات. ولأن قلبي كان يصرخ، وأنا أغلق الأبواب عليه واحدة تلو الأخرى.
قالت: – هذه المدينة ليست لعقابك… بل لفهمك. – فهم ماذا؟ – أنك لا تموت حين تُنسى… بل حين تنسى نفسك.
مررنا معًا في زقاق طويل اسمه “الذين عادوا متأخرين“. على الجدران، صور لأشخاص رأيتهم في أحلامي، أو خيالات وجهي على الزجاج حين كنت وحيدًا.
مررنا بجانب ظلّي. لم يتحرّك. فهمتُ عندها أن الظلّ لا يرافقك حين تفقد نورك.
في نهاية الزقاق، باب. ليس كبيرًا، لكنه كان يرتجف. قالت لي: – وراء هذا الباب، عالمٌ لا يشبه ما قبله. ستخرج، لكن فقط إذا كنت تعرف من أنت.
قلت: – وماذا لو لم أعد أعرف؟ قالت بابتسامة حزينة: – إذًا، عد إليّ حين تجرؤ أن تحب نفسك كما أحببت الجميع.
ثم اختفت.
وقفتُ أمام الباب، وفي قلبي ضوضاء صامتة. ثم همست لنفسي، بعد طول صمت: – اسمي… اسمي هو كل الذين أحبّوني… واسمي هو أنا، حين أحببت.
فانفتح الباب… من تلقاء ذاته. وخرجت.
حين خرجت من الباب، لم أجد نفسي في مدينة أخرى… بل في مرآة أخرى. العالم لم يتغير. لكن نظرتي إليه لم تعد كما كانت.
الناس من حولي كما هم… لكنني لم أعد أنظر إليهم كمن ينتظر الحب منهم، بل كمن يريد أن يشاركهم ذاته دون أن يفقدها.
في وجوه المارّة، لم أبحث عن وجهها. في صمت الليل، لم أعد أفتّش عن صوتي القديم. وفي يدي… لم أعد أحمل الدفتر الذي التصق بي، بل صرت أنا الدفتر. أنا الحكاية. أنا الذاكرة التي رفضت الموت.
ومرة، عند الغروب، سمعت فتاة صغيرة تنادي شخصًا يشبهني، بنفس اسمي القديم… لكنني لم ألتفت.
لأول مرة، لم أعد أحتاج أن يُقال اسمي… لأنني نطقت به من داخلي، بكل يقين.
في ذلك المساء، شعرتُ أن الموت… لم ينسَ اسمي. بل كنتُ أنا الذي أخّر مجيئه، كي أستعيد نفسي أولًا.
خرجتُ من الباب، وكان الهواء مختلفًا… لا لأنه أنقى، بل لأني تنفسته بصدق هذه المرة.
كانت الأرض التي أمشي عليها تعرفني. أو هكذا شعرت. كل خطوة بدت وكأنها تهمس: “أخيرًا جئت كما أنت، لا كما تظن أنك يجب أن تكون.”
رأيت طريقًا يتشعّب، لا لليمين واليسار، بل بين الذاكرة والاحتمال.
سألت نفسي:
– إلى أين أذهب الآن؟
فأجابتني الأرض بصمتٍ ناعم:
– ليس المهم أن تذهب… بل أن تعود إلى حيث لم تغادر نفسك أبدًا.
**
وصلت إلى حقلٍ من المرايا. لا تشبه تلك التي نعلّقها على الجدران. بل كانت مرايا واقفة وحدها، كأنها تنمو من الأرض.
كل مرآة فيها وجه… لا يشبهني، لكنه يعرفني.
رأيتني طفلًا يخبّئ دمعته في حضن والدته.
ثم مراهقًا يبحث عن نفسه في عيون الآخرين.
ثم شابًا يركض في اتجاه لا يعرفه، فقط لأنه لا يريد البقاء.
ثم… الفراغ.
سقطتُ. ليس على الأرض، بل في داخلي. شعرتُ أني أهبط في حفرة من صمتي.
ومن بعيد، سمعت صوت تلك المرأة… أو ربما كان صوتي القديم، يقول لي:
– أنت لم تكن تجهل نفسك، بل كنت تخاف أن تراها.
**
عندما نهضت، كانت المرايا قد اختفت، وبدلًا منها، حروف معلّقة في الهواء، كأن الريح كتبتها: ”اغفر لذاكرتك، لا لأنها أخطأت… بل لأنها حاولت أن تحميك.”
مضيت. وفي كل خطوة، كان شيء ما يتخفّف عني.
ثقل، أو حزن، أو ماضٍ لم يعد بحاجة لمن يحمله.
وصلت إلى جدول ماء صغير. نظرت فيه، فرأيت نفسي كما أنا الآن. لا أجمل، ولا أقوى، ولا أنقى… لكنني أنا.
قلت للماء: – كيف عرفتني؟
فتموّج وقال: – لأنك لم تحاول أن تُخفي وجهك هذه المرة.
**
في نهاية الطريق، وجدت شجرة وحيدة. جذعها مُتشقق، لكن أغصانها ما زالت تمتد نحو السماء كأنها تؤمن بشيء رغم كل شيء.
وعلى أحد فروعها، علّقت ورقة كُتب عليها:
"حين تنسى من تكون، لا تبحث عن اسمك… بل عن الشيء الذي ما زال يؤلمك حين يُذكَر. هناك، يبدأ الطريق.”
جلست تحت الشجرة، وأغمضت عيني.
لم أعد أبحث عن نهاية… لأن الحكاية لم تكن قصة تُروى، بل شعور يُستعاد.
وبينما بدأت النجوم تُزهر في السماء، شعرت أن الموت… لم يكن عدوًا.
كان صديقًا صامتًا ينتظر أن نكتمل، قبل أن يأخذنا إليه.
تحت ظلّ الشجرة، كان الليل أحنّ من المعتاد. لا برد، لا خوف، لا حاجة للهرب.
لأول مرة… شعرت أني لست غريبًا عن هذا الكون.
وفي لحظة هدوء مطلقة، شعرت بيدٍ خفيفة تلامس كتفي. لم ألتفت.
كنت أعلم من تكون.
قالت بصوتٍ يقطر طمأنينة:
– هل أنت مستعد الآن؟
فأجبت، دون أن أفتح عينيّ:
– نعم… لكن ليس للموت.
قالت:
– بل للحياة. الحقيقية هذه المرة.
**
حين فتحت عيني، لم تكن الشجرة هناك. ولا الطريق.
كنت في سرير بسيط، قرب نافذة مفتوحة، ينساب منها ضوء الصباح كأنه وعد قديم.
في الزاوية، كتاب صغير… يشبه ذلك الدفتر. لكن غلافه هذه المرة جديد، أبيض، ينتظر من يكتب عليه.
نهضت. لا أعرف في أي عالم أنا الآن، ولا إن كنت قد متّ فعلاً…
لكن شيئًا في داخلي كان يهمس بثقة:
”لقد بدأت الآن فقط تُولَد.”
**
خرجتُ إلى الشارع، والناس يمرّون بجانبي دون أن يعرفوا ما عشته.
لكنني رأيتهم بطريقة مختلفة. رأيت الخائفين خلف ضحكاتهم، والتعب في عيون العابرين، ورأيتني… في كل وجهٍ خجل من البوح، أو قلبٍ خاف أن يحب.
لم أعد أبحث عن أحدٍ ينطق اسمي.
لقد صار اسمي صلاةً صامتة… لا تُقال، بل تُحسّ.
وفي تلك اللحظة، حين أغمضت عيني للحظة قصيرة، رأيت مدينة الضباب من بعيد، تلوّح لي.
ابتسمتُ. وقلت في سري:
"شكرًا… لأنك حين نسيتِ اسمي، ساعدتِني أن أتذكّره.”
الخاتمة
ربما لا يُولد الإنسان مرةً واحدة.
ربما كل فقد، كل خيبة، كل لحظة بكاء في عتمة لا يسمعها أحد… هي ولادة أخرى.
ولعلنا لا نُشفى حين ننسى، بل حين نغفر لذاكرتنا، ونحتضن وجعنا كما نحتضن طفلاً عاد ضائعًا من البكاء.
في هذه الرحلة، لم أبحث عن مدينة، ولا عن امرأة، ولا عن اسمٍ مفقود.
كنت أبحث عني… كما كنت قبل أن أُعلّم نفسي أن أكون ما لا أشعر به.
والآن، بعد أن مررتُ بكل تلك الأزقة التي تشبهني، وتحدّثت مع أشباحٍ كنت أنا في يومٍ ما،
أستطيع أن أقول، بيقينٍ هادئ:
أنا لست من نسيه الموت،
بل من تذكّر نفسه… قبل أن يأتي.
إهداء
إلى أولئك الذين جلسوا طويلاً في زوايا أنفسهم،
ينتظرون من ينادي أسماءهم بمحبة.
إلى من تعبوا من الركض خلف ملامحهم المنسية في المرايا،
وظنّوا أن الصمت نجاة.
إلى القلوب التي لم تمت… لكنها أيضًا لم تعش.
هذه الحكاية لأجلكم،
لعلها تهمس في عمقكم:
”أنت لست وحدك، وإن بدا العالم صامتًا.”