الفصل الاول
مهملون
🌿 المقدّمة
كلّنا نُولد بنفس الطريقة، لكننا لا نُعامَل بنفس الطريقة.
في زوايا الحياة، خلف الضجيج، يعيش أُناس لا يعرفهم أحد، لا تُكتب أسماؤهم على اللافتات، ولا تُذكر في الخُطب أو المجلات. وجوههم عادية، أصواتهم خافتة، لكنّ قلوبهم تنبض بصدقٍ لا يُرى.
هذا الكتاب ليس رواية خيالية، ولا قصة بطولة خارقة. بل هو مرآة، تعكس وجوهًا مررنا بها مئات المرّات دون أن نتوقف لحظة لنسأل: من هؤلاء؟ ماذا يشعرون؟ ماذا يحملون في قلوبهم؟
هو حكاية الناس الذين نسيناهم، رغم أنهم هم من حافظوا على إيقاع الحياة. الذين وقفوا في العتمة كي نرى الضوء، الذين كتموا وجعهم كي نبتسم، والذين تمسّكوا بالصمت حين صرخ الجميع.
مُهْمَلون ليس وصفًا لهم، بل هو صفعة لنا.
لأننا نحن الذين أهملنا، نحن الذين لم ننتبه.
وهذا الكتاب، محاولة متواضعة لنُعيد إليهم شيئًا من الضوء، من الاسم، من الاعتراف.
قبل أن يختفوا… بصمت.
الفصل الأول – “في الزاوية كنتُ أنا
في كل صورة جماعية، هناك شخص لا ينظر للكاميرا. ليس لأنه لا يريد، بل لأنه نسي أنه موجود بينهم. لأن وجوده لم يُحسب ضمن الترتيب، ولأن أحدًا لم يقل له: “اقترب، كن في المنتصف“.
هذا الشخص… كنتُ أنا.
في كل مقهى مزدحم، في كل مقعد دراسي، في كل حفل عائلي… كنتُ هناك، جالسًا عند الحافة، لا أتكلم إلا حين يُوجّه إليّ سؤال مباشر. أراقب الوجوه تضحك، تتحدث، تتداخل كلماتها كأنها رقصة محفوظة، وأنا… أنا فقط أراقب.
لا لأني لا أريد المشاركة، بل لأني لا أعرف كيف أبدأ.
كنتُ طفلًا يحب أن يُلاحظ، لكنه تعلّم أن الانتباه مكلف. أن تكون مرئيًّا يعني أن تُنتقد، أن تُسخر منك الكلمة، أن تُقابل بالدهشة حين تُبدي رأيًا. فتعلمت الصمت، ثم أحببته، ثم تحوّلت إلى شبحٍ بشري، يمرّ من بين الناس دون أن يلتفت إليه أحد.
تعلمت كيف أقرأ الحضور من زوايا الغرفة، كيف أُفسّر نبرة الصوت، كيف ألاحظ الشرود في عيني أحدهم، وأعرف أنه ليس بخير حتى لو قال عكس ذلك. لكن… من لاحظني؟
من سألني إن كنتُ بخير؟
من نظر في عيني فعلًا، لا مرورًا؟
أنا من أولئك الذين يجيبون دائمًا بكلمة “تمام“، حتى لو كان العالم ينهار تحت أقدامهم. من أولئك الذين يبتسمون تلقائيًا عندما يُسألون: “كيفك؟” ليس لأنهم بخير، بل لأنهم لا يريدون أن يُثقلوا على أحد.
كثيرًا ما جلست في الحافلة أُراقب الناس. الطفل الذي يتأفف من حقيبته الثقيلة، الأم التي تُغالب النعاس وهي تهدهد صغيرها، الشاب الذي يتفقد هاتفه كل دقيقة وكأنه ينتظر شيئًا لن يأتي.
وأنا؟ كنت أضع سماعاتي، لا لأسمع شيئًا، بل لأتظاهر بأنني لا أسمع.
لست غريبًا تمامًا عن العالم، لكنني دائمًا على هامشه. لا أحد ينتبه لغيابي، لا أحد يلاحظ حضوري. حتى حين أكون في منتصف الحديث، أشعر أنني غير مسموع.
كأن صوتي لا يُترجم جيدًا في آذان الآخرين.
وأصعب شعور؟ أن تكون محاطًا بالناس وتشعر بالوحدة.
أنا لم أعِش في عزلة، كنت أخرج، أختلط، أضحك أحيانًا، أشارك في المناسبات. لكني كنت أؤدي الدور، لا أعيشه. أنتمي ظاهريًا فقط، أما داخليًا… فكنت وحيدًا حد الصدى.
ذات مرة، كنت مع أصدقاء في مطعم. الحديث يدور، الضحكات تتعالى، القصص تتراكم، وأنا؟ كنت أبتسم، أهز رأسي، أُعلّق بكلمات قصيرة، ثم أعود إلى صمتي. في لحظة، أحسست أنني لست بينهم فعلًا، كأن جسدي هناك وروحي تراقب المشهد من الخارج.
مرّ أحدهم بالجملة المعتادة: “ولا يا فلان، ليش ساكت؟"
ضحكت. قلت: “أنا مبسوط هيك.”
لكن الحقيقة؟ كنت أصرخ داخليًا: “أنا مش بخير، اسألوني عن جد!”
ما أصعب أن تكون صادقًا ولا أحد يُصغي.
تعلّمت أن أدوّن. الكتابة كانت ملجأي، صديقي، الكتف الذي لا يحكم عليّ. كنت أكتب في الدفاتر، على الورق، في تطبيقات الهاتف، على المناديل الورقية في المقاهي. كنت أكتب لأنني لا أحتمل الصمت، ولا أجرؤ على البوح.
كتبت عن تلك الليالي التي أنام فيها دون أن أُطفئ النور، لأنني أرتعب من العتمة. عن الأيام التي أضحك فيها كثيرًا لأنني خائف من الانهيار. عن اللحظات التي مرّ بها الجميع أمامي، ولم يلحظ أحد تعبي.
عن المشي الطويل في الشوارع دون هدف، فقط لأشعر أنني في مكان ما.
تلك المرات التي جلست فيها في زاوية الغرفة، أراقب الاحتفال يشتعل، وأنا أنطفئ في الداخل.
كم من مرة تمنيت أن يسألني أحدهم، فقط يسألني: “ليش ساكت؟"
لا أريد الشفقة، ولا أبحث عن تعاطف. كل ما أردته… هو أن أُرى.
أن يُقال: “أنت موجود.”
”نحن نسمعك.”
”نحن نراك.”
كنتُ أُخفي كل شيء بابتسامة. الابتسامة كانت درعي، لكن الدرع ثقيل.
وأنا مرهق.
أحيانًا كان الصمت يصرخ داخلي، فأفتح صفحة جديدة، وأكتب:
”أنا متعب.”
”أنا بحاجة إلى حضن، إلى نظرة، إلى سؤال.”
”أنا موجود، لكن لا أحد يلاحظني.”
وأسوأ ما في الأمر؟ أنني لم أعد ألوم الناس.
بدأت أصدق أنني غير مهم، أنني مجرد حضور باهت، يمكن تجاهله دون أن يُلاحظ أحد الفرق.
وهذا… مؤلم جدًا.
لكن التغيير لا يأتي فجأة. التغيير يحدث على هيئة ومضات صغيرة. لحظات نادرة تجعلك تقول: “ربما… ربما أستحق أكثر.”
مثل تلك المرة حين نشرت خاطرة على الإنترنت، وتلقيت رسالة من شخص لا أعرفه يقول فيها:
”أنا بكيت وأنا أقرأ كلماتك… كأنك بتحكي عني.”
وقتها، بكيت أنا الآخر.
لأنني أدركت أنني لست وحدي.
أن هناك من يشعر مثلي، يعيش مثلي، يتألم بصمت مثلي.
في الأيام التي تلت تلك الرسالة، بدأت أكتب أكثر. وكأن شخصًا ما حرّر حبري. لم أعد أكتب لأتخلّص من الوجع فقط، بل لأبني جسرًا بيني وبين من يشبهونني.
صرتُ أنظر للناس من حولي وأتساءل: كم شخصًا في هذه الغرفة يشعر مثلي؟ كم واحدًا يتظاهر بالصلابة وهو هش من الداخل؟ كم روحًا صامتة تتمنى فقط أن تُحتضن بكلمة؟
صرت ألاحظ لغة العيون أكثر من أي وقت مضى. هناك فتاة دائمًا ما تضع سماعة في أذنها، تمشي بسرعة، تنظر للأرض، وكأنها تودّ أن تنتهي من يومها دون أن تصطدم بأحد. وهناك شاب في الكافيه المجاور، يجلس وحده، ينظر إلى كوب القهوة كأنه يحاول أن يستخرج منه المعنى الذي فقده منذ زمن.
الناس لا تفتقد الحب، هم فقط يفتقدون الاعتراف بوجودهم.
أن يُقال لهم: “أنا أراك. أنا أقدّرك، حتى لو لم أفهمك تمامًا.”
وأنا… كنت أبحث عن ذلك الاعتراف منذ طفولتي.
أتذكّر أول مرّة شعرت أنني خارج المكان، كنت في الابتدائية. كان هناك نشاط مسرحي، وتم اختيار الطلاب بناءً على “من يُجيد التمثيل“. ولم يخترني أحد. لا لسبب، فقط لأنني لم أُبدِ حماسة، ولأنني كنت هادئًا.
ذلك الهدوء... حَكَمَ عليَّ بالتهميش.
وقفتُ يومها في طرف المسرح، أُرتّب الأزياء، أجهّز الكراسي، أُعطي الآخرين النصوص. الكل كان يُصفق لهم بعد العرض. وأنا؟ كنت أُعيد ترتيب الكواليس.
في كل مرة كنت أقول: “عادي... المهم إنهم مبسوطين.”
لكن في داخلي، كان هناك شيء صغير يتمزّق.
شيء يقول: “أردت أن أكون هناك. فقط لم أعرف كيف أطلب.”
ومرت السنوات، وتحوّل التهميش من ظاهرة خارجية إلى قناعة داخلية.
صرت أعتقد أنني لا أستحق المساحة. أنني لا أمتلك صوتًا قويًا بما يكفي ليُسمع. أن وجودي يجب أن يكون خفيفًا، غير مزعج، غير مرئي.
لكن… لماذا؟
من قال إن الانطفاء فضيلة؟
من علّمني أن أتراجع عن نفسي كي يرتاح الآخرون؟
من جعلني أُقنع نفسي أن الشعور بالوحدة هو الطبيعي؟
بدأت أسأل نفسي هذه الأسئلة يومًا بعد يوم.
وفي كل مرة كنت أُمسك بالقلم، أكتشف إجابة جديدة.
الكتابة لم تكن فقط وسيلتي للتنفيس، بل صارت أداة فهم. كنت أُحلل ذاتي كلمة كلمة. أُفكك صمتي، أستخرج من بين السطور كل صرخة كنت قد خبأتها.
في إحدى الليالي، كتبت في دفتري:
”أنا مش بخير… ومش لازم أكون دايمًا بخير عشان أكون محبوب.”
”أنا مش قوي كل الوقت… ومش لازم أكون درعًا لغيري عشان أستحق الحب.”
”أنا موجود… وهذا كافي.”
كتبتها وبكيت. بكيت كثيرًا.
ليس لأنني حزين فقط، بل لأنني كنت أتنفّس نفسي لأول مرّة.
كأنني قابلت الطفل اللي في داخلي، وقلت له: “أنا آسف إني طنّشتك كل هالسنين.”
وبدأت أتغيّر.
مش فجأة، ولا بسهولة، بس خطوة بخطوة.
صرت أسمح لنفسي أطلب. أتكلم. أعبّر. حتى لو بصوت خافت.
صرت أقول “أنا تعبان” بدل “تمام“، حتى لو أخاف من ردة الفعل.
والمفاجأة؟
بعض الناس سمعوني.
مو الكل، لكن بعضهم.
واحد قال لي: “أنا كمان كنت هيك.”
وآخر قال: “كلامك خلاني أفكر بنفسي.”
وثالث اكتفى بنظرة صادقة، كانت كفيلة تشعرني أني موجود فعلًا.
وفي يوم، جلس معي صديق وقال:
”أنت دايمًا ساكت، بس لما تحكي… بتحكي وجع ناس كتير.”
سألته: “كيف عرفت؟"
قال: “لأنني أنا واحد من هالناس.”
وقتها، حسّيت أنني مش غريب. حسّيت أن الزاوية اللي قضيت فيها سنين من عمري، مش أنا الوحيد اللي عايش فيها.
في ناس كتير مثلنا. ناس قاعدين في الزوايا، يتمنّوا حدا يجي يقول لهم:
”مو غلط تكون هادئ.”
”مو عيب تبكي.”
”مو قليل إنك تطلب حضن.”
وصار عندي هدف:
أكتب عنّا.
عن الناس اللي في الزوايا.
عن الموجوعين اللي ما حدا سمعهم.
عن الأرواح اللي بتنادي، حتى لو بصمت.
وصار عندي حلم:
أخلي كل واحد فينا يعرف إنو وجوده مش قليل.
وإنو الهامش مش نهاية الطريق، بل بداية السؤال
من يومها، صرتُ ألاحظ كيف يتكلّم الناس… كيف يضحكون أحيانًا بصوت عالٍ، لكن عيونهم ما بتضحك. كيف يقاطع أحدهم الحديث ليلفت الانتباه، وكأن قلبه صارخ يقول: “انتبهولي“. كيف يتحوّل الحوار إلى مسرحية نُخفي فيها هشاشتنا تحت أقنعة الضحك، والمجاملات، والقصص التي لا تُشبهنا.
صرت أفهم أن الوحدة لا تظهر دائمًا في العزلة، بل أحيانًا تكون في وسط الضجيج.
في إحدى المرات كنت في سهرة، الكل يضحك، يرقص، يعلو صوته بالمزاح، وأنا جالس على طرف الأريكة، أبتسم فقط. أراقب كيف يخشى الناس السكون، كيف نركض من لحظة فراغ لأنها قد تُجبرنا على مواجهة أنفسنا.
أنا لم أعد أهرب من نفسي.
الزاوية علّمتني أن أسمعها، أن أحنو عليها، أن أتحمّلها حين تكون موجوعة، لا أن أُسكتها.
سأحكي عن الليالي.
عن الليالي اللي ما فيها شيء بصير، بس بتحس إنك عم تغرق.
ولا أحد يراك.
الكل نائم، والعالم صامت، وأنت وحدك تصارع أفكارك.
تحاول أن تكتب، تقرأ، تسمع موسيقى، لكن لا شيء يُنقذك.
ولا أحد يعلم أنك على الحافة.
في تلك الليالي، صرت أُدوّن مشاعري… لا لأتخلّص منها، بل لأفهمها.
كتبت عن الخوف… الخوف من أن أعيش وأموت دون أن يلاحظ أحد فرق وجودي.
كتبت عن الأسئلة المعلقة في الهواء:
هل كان أحد سيتذكّرني لو لم أكن هنا؟
هل ما أشعر به حقيقي، أم أنا فقط أضخّم الأمور؟
هل من حقي أن أطلب أن يُحبني أحد، وأنا بالكاد أتحمّل نفسي؟
أحيانًا، كنت أتمنى لو أنني وُلدت بشخصية صاخبة…
من أولئك الذين يدخلون أي مكان ويُشعلون الضوء بصوتهم وضحكتهم وثقتهم.
لكني لم أكن هكذا.
أنا دخلت الحياة بخطى بطيئة، خائفة، مترددة…
وكبرت على الهامش، أكتب أسماء الجميع، وأنسى اسمي.
وفي مرحلة ما، بدأت أراقب الناس الذين يشبهونني.
الفتاة التي ترتب الطاولات في المقهى، تحني ظهرها لأكثر من 10 ساعات في اليوم، وتبتسم رغم التعب.
كل يوم تمرّ عشرات الوجوه بجانبها، ولا أحد يلاحظ نظرة الحزن في عينيها.
ولا أحد يسألها: “شو حلمك؟"
الشاب الذي يوزع الجرائد عند الإشارة.
يمدّ يده دون أن يلتقي نظره مع أحد.
كأنه يقول: “أنا هنا فقط لأنني مضطر… لا تنظروا لي كثيرًا.”
لكن هل فكّر أحد أن يسأله: “شو كنت بدك تكون؟ شو كنت بتحلم وأنت صغير؟"
هدول الناس… هم أبطال هذا الكتاب.
مش لأنهم مشاهير، أو أقوياء، أو محبوبين من الجميع.
بل لأنهم قاوموا بصمت.
ولأنهم ظلّوا واقفين رغم الانكسارات.
أنا أكتب عنهم… لأني واحد منهم.
وأكتب عن نفسي… لأني أعرف أننا كثيرون، فقط ما كنا نعرف أسماء بعضنا.
صرت أصدّق إنّه حتى لو ما شافنا العالم، إحنا منقدر نشوف بعض.
نلتفت بنظرة، نطبطب بكلمة، نضمّ بعضنا وإن حتى بالكلمات.
مرة، كتبت جملة علقتها على حائط غرفتي:
"أنت لا تحتاج أن تكون مرئيًا لكل الناس… يكفي أن تُرى بصدق من قِبل قلب واحد.”
وأضفت بعدها:
"وأحيانًا، هذا القلب لازم يكون… قلبك أنت.”
كبرتُ، وتغيّرت، لكني ما نسيت الطفل اللي جلس في الزاوية.
ما نسيت صوته وهو يقول: “حدا يشوفني.”
ما نسيت الدفاتر اللي كتبت فيها أوجاعي، وبكيت بين سطورها، وصرت بعدها أضحك مع الكل كأني ما فيني شي.
بس كان فيّ شي.
كان فيّ عالم كامل ما حدا دخله، وأنا نفسي كنت أخاف أدخله.
اليوم، وأنا أكتب هذا الفصل، أنا مش في الزاوية.
بس ما نسيتها.
صرت أختار أوقات أرجع إلها.
أرجع أتأمل، أتذكّر، أحضن ذاك الطفل اللي ما حدا سمعه، وأقول له:
"أنا هلق صرت أشوفك… وشايف كم كنت شجاع لأنك صبرت.”
في الزاوية… كنتُ أنا.
والآن، أنا من يحمل الضوء لغيري، مش لأنني صرت قوي، بل لأنني عرفت الظلمة كتير منيح، وبعرف كيف الواحد بيتوه فيها.
أحيانًا، كنت أظن إن التعب اللي فيي سببه ضعف…
بس اكتشفت إن التعب الحقيقي بيجي لما تضلّك قوي وأنت من جوّاك عم تنكسر.
مشكلتنا إننا تعوّدنا نكبت… نبلع الكلام… نضحك بدل ما نحكي…
كأنه لازم نكون بخير على طول، ولو ما كنا، منخاف نزعج اللي حوالينا بحزننا.
أنا صرت أكتب بدل ما أتكلم.
صارت الورقة صديقتي الوحيدة، ومكان أقدر أكون فيه بلا تصنّع.
كنت أكتب كل اللي ما كنت أقدر أحكيه:
عن الصديق اللي غاب بدون سبب.
عن الأوقات اللي بكيت فيها بصمت وقلت “عادي“.
عن المشاعر اللي تجاهلتها لأنّها مش “منطقية“.
عن اللحظات اللي تمنّيت فيها حدا يوقف معي… وما كان حدا.
مرة شفت طفل صغير، قاعد لحاله بزاوية ساحة المدرسة.
كل الأولاد كانوا عم يركضوا، يصرخوا، يضحكوا… وهو ماسك دفتره وبيرسم.
اقتربت منه وسألته: “ليش ما بتلعب مع رفقاتك؟"
قال: “ما حدا بدو يلعب معي… بس مش مشكلة، عندي قصص براسي أرسمها.”
هزتني كلماته.
ذكّرني بحالي.
اللي مثله مش غريبين… بس إحنا اللي نمرّ جنبهم بدون ما نشوفهم.
اللي في الزاوية مش دايمًا خجولين… أحيانًا تعلّموا يصمتوا لأنهم لما حَكوا أول مرة، ما حدا سمعهم.
أو يمكن انضحك عليهم، أو تنمّروا عليهم، أو تم تجاهلهم.
فالزاوية بتصير مكان آمن.
بس الأمان مش دايمًا صحة.
أحيانًا بيخدرنا عن الحياة.
سألت نفسي: شو بخليني أكتب عن هاي التفاصيل؟
شو القيمة إنّي أفتح هالوجع من جديد؟
الجواب كان بسيط…
لأنه في ناس مثلي، عم يقرؤوا هالكلمات وعم يقولوا: “أنا كمان هيك حسّيت“.
مو ضروري نغيّر العالم.
بس نقدر نكون صوت لناس ما قدروا يحكوا.
نكون مرآة صادقة لقلوبهم المكسورة، وتفاصيلهم الصغيرة اللي ما حدا بيلاحظها.
لما كتبت أول مرة بشكل علني، جاني تعليق بسيط من شخص غريب:
"أنا ما بعرفك، بس حسيت حالي عم أقرأ عن نفسي.”
بكيت.
مش لأنه امتدحني… بل لأنه شافني.
شافني حقًا.
في ناس كتير بتمر بحياتنا وما بتترك أثر…
وفي ناس مجرد كلمة منهم بتردّ لنا نفسنا.
أنا طول عمري كنت أدوّر على هالكلمة.
كلمة تثبتلي إني مش شفّاف… مش منسي.
وهي الكلمة، أحيانًا، كانت جملة صغيرة:
"أنا معك.”
"حاسّ فيك.”
"وجودك مهم.”
بس مع الوقت، فهمت إنّ ما في حدا بيقدر يملأ الفراغ اللي جوّاتنا… إلا إحنا.
لازم نوقف، نواجه مرايتنا، ونقول:
"أنا بشوفك.
أنا بحبك، رغم كل التعب.
أنت كافي، حتى لو ما شافك حدا.”
رجعت لذكرياتي القديمة…
لصور الطفولة، للصفوف المدرسية، للوقفات وحيد على الحيطان…
تذكّرت نظرات الناس، الصامتة، اللي كانت تقول: “هو غريب شوي.”
بس ما حدا سأل: “ليش؟"
تمنيت وقتها لو أحدهم قال: “بتحب تحكيلي شو بتحس؟"
لكن لا أحد قالها.
وأنا ما كان عندي الجرأة إني أطلب.
كتير أشياء تغيّرت.
أنا كبرت، نضجت، تعلّمت أحكي، ولو بعد طول سكوت.
بس في شيء جوّاي بقي على حاله…
ذلك الطفل اللي بعده بيحس إنه لازم يثبت وجوده عشان يُرى.
بس اليوم، أنا عم أكتب له.
بقلّه: ما عاد لازم تثبت شي… وجودك بحد ذاته كافي.
وهالكتاب… مش بس إلي.
هو لكل حد حاسس إنه مهمّش، إنه ما إله صوت.
لكل اللي حسّوا إنه العالم نسيهم، أو مرّ من فوقهم بدون ما يوقف لحظة يشوف شو في بقلبهم.
لكل اللي بيشعروا إنهم لو اختفوا، ما رح يلاحظ حدا.
أنا بكتب لهم… وبكتب عنهم… وبكتب معهم.
وإذا كنت تقرأ الآن، وتشعر إنك واحد من هؤلاء…
فأنت مش وحدك.
نحن كثيرون، بس ساكتين.
وهي أول خطوة… إنك تقرأ، يعني إنك تعترف إنك موجوع، وإنك تشتاق إن حدا يشوفك.
وأنا بشوفك.
بكل صدق، بشوفك.
أحيانًا، كل اللي نحتاجه مش علاج… بل اعتراف.
إنه نعم، في وجع.
نعم، في شعور بالإهمال.
نعم، في ناس عم تموت بالب slow motion وما حدا شايف.
والاعتراف مش ضعف…
الاعتراف بداية الطريق للشفاء.
الزوايا اللي عشنا فيها، فيها جمال خفي.
فيها حكمة، فيها تأمل، فيها بُعد نظر ما بيوصل له إلا اللي عاش الوحدة بصدق.
بس كمان… فيها صقيع.
ما فيها دفء العيون، ولا حرارة الأحضان، ولا طمأنينة السؤال: “كيفك؟"
وإذا طال وجودنا فيها، بنصير ننسى طعم الحياة.
أنا اليوم، بكتب هالكلمات مش بس عشان أخلّد حكاية…
بل عشان أفتح باب.
باب يمرّ منه كل شخص حسّ يومًا إنه منسي، مهمّش، ما إله مكان.
وبقله:
"تعال، هون في مساحة إلك.”
فيك تحكي، تصرخ، تبكي، تضحك، تتأمل…
وما حدا رح يقولك “خفّ“، أو “عيب“، أو “شو هالدراما“.
هون، فيك تكون الإنسان اللي جواك…
بلا أقنعة.
الرحلة من الزاوية للمنتصف مش دايمًا سهلة.
فيها ارتباك، تردد، لحظات بدك ترجَع فيها تختبئ.
بس كل خطوة لقدّام، حتى لو صغيرة، هي نصر.
كل كلمة بتحكيها بصوتك الحقيقي، هي معجزة.
كل مرة بتقول فيها: “أنا مش بخير“، وبتكمل تمشي…
أنت بطل.
وما عاد لازم تسمّي حالك “ضعيف” أو “زايد عن الحاجة“.
أنت لست هامشًا.
أنت المتن اللي نسيوا يقرؤوه.
وفي النهاية…
من الزاوية كنت أراقب الحياة، اليوم بكتبها.
كنت أحلم أن يُسمع صوتي، اليوم أكون صدى لأصوات كثيرة.
كنت أرتّب وجعي بداخل قلبي… اليوم أقدّمه للناس على شكل كلمات.
مش لأنهم يستحقوه أكثر مني…
بل لأنهم مثلي، وجعهم مكتوم، وحقيقتهم مُهملة.
وإذا كان في شيء أقدر أقدّمه اليوم…
فهو إنّي أقول، من قلبي لقلبك:
أنا أراك.
أنا أفهمك.
وأنا معك.
مش لأننا نعرف بعض…
بل لأن الألم يعرفنا جميعًا.
وما في أقدس من قلب مجروح، بعده بيحب.
وما في أصدق من عين بكت بصمت، ولسّا بتدور على ضوء.
وما في أجمل من شخص عاش في الزاوية…
لكن قرر، ولو بخطى بطيئة، إنه يمشي باتجاه الحياة.
نهاية الفصل الأول.
الفصل الثاني
في يومٍ ما، كنا نحلم.
ببساطة، ببراءة، دون حسابات… كنا نحلم.
نرسم العالم بألوان ما بتشبِه الواقع، نكتب أسماءنا بخط كبير على دفاتر المستقبل، نركض وراء أشياء ما بنعرف إنها يومًا ما رح تصير ترف.
أنا كنت بدي أكون رسّام.
مش مشهور، ولا غني.
كنت بس بدي أكون إنسان بيرسم العتمة بطريقة تِخليها تشبه الضوء.
كان عندي دفتر صغير، بخطوط رفيعة، ما زال محتفظ برائحة ألواني المائية. كنت أرسم عليه كل شي بخاف منه، وكل شي بتمناه.
كنت أهرب إليه مثل طفل بيدخل خزانة وبيسكر الباب وراه عشان يخبّي نفسه من ضجة العالم.
بس كبرت.
مش لأني نضجت… بل لأني اضطرّيت.
أحيانًا الحياة ما بتسألك إذا جاهز، بس بتقولك: “يلا، قوم.”
بتسحب منك طفولتك مثل بطانية كنت متغطي فيها، وبتخليك تواجه البرد بلا تحذير.
اضطريت أترك حلمي على عتبة باب مسؤولياتي.
باب الوظيفة، باب الحسابات، باب الناس اللي لازم أرضيهم، وأثبت لهم إني “منيح”، “عاقل”، “عاقل زيادة”.
كبرت وصار فيني أشتري دفتر تلوين أغلى، بس ما عاد فيي أفتح قلبي للرسم.
بعرف بنت كانت تحب الرقص.
كانت تقول لي:
”الرقص هو الطريقة الوحيدة اللي بعرف فيها أتنفّس“.
بس أهلها قالولها: “عيب“.
والمجتمع قال: “ما بينفع“.
والحياة قالت: “ما في وقت“.
فوقفت.
كأنها قطعت عنها الأوكسجين بإيدها، وابتسمت مجاملة وهي تختنق.
وأنا وأنت وكل واحد منا… عنده “شيء” تركه على العتبة.
شيء بيشبهه، شيء كان هو قبل ما يكون “الموظف“، “الزوج“، “الأب“، “البنت الصالحة“، “الشخص المسؤول“.
كل واحد منا عنده ركن داخلي فيه كراكيب الأحلام المهجورة.
أدراج مليانة دفاتر ما نُشرت.
أغاني ما انكتبت.
مسرحيات ما انسُمعت.
رغبات ماتت واقفة، مثل زهور نسيها حدّا على الشباك.
بس الأغرب من كل هاد؟
إنك ما بتبكي على حلمك لما تتركه.
بتبكي بعدين…
بعد سنين، فجأة، بدون سبب واضح.
يمكن تسمع أغنية كنت تحبها، أو تشوف طفل بيركض، أو تلمح دفترك القديم…
ويصير فيك شي.
شي بيرجّك من جوّا، كأنك قابلت نسخة قديمة منك، وسألتك: “ليش؟ ليش تركتني؟"
وما بتعرف شو ترد.
مرة، وأنا عم أنضف خزانة أمي بعد ما توفيت، لقيت صندوق خشب صغير.
جواه، دفتر قديم، ورسالة ما انبعت.
الرسالة كانت مكتوبة بخط إيدها، عم تحكي عن حلمها تكون كاتبة.
تقول فيها:
”كنت بدي أكتب عن نساء مثل أمي، مثل جارتي، مثل صديقتي… بس دايمًا كنت أأجّل. كنت أقول: بعدين. ولما إجا البعدين، ما عدت أنا.”
قعدت أبكي وأنا عم ألمس الحبر الجاف اللي صار باهت.
أمي كانت تحب الكتابة… وأنا ما كنت أعرف.
كم حلم مات بصمت حوالينا، ونحن مشغولين بدوام 9 لـ 5؟
كم نفس خنق حاله عشان “ما يزعج حدا“؟
إنت بتتذكّر شو كنت تحب تعمل وإنت صغير؟
بتتذكر أول مرّة حدا ضحك عليك عشان حلمك؟
أول مرة قالولك: “شو بدنا بهالسخافات؟"
أو قالوا: “ما بتطعمي خبز"،
كأن الحياة لازم تنطبخ بخبز فقط، مو بشغف.
أنا بتذكّر.
بتذكّر أول لوحة رسمتها.
كانت بيت صغير تحته شجرة كبيرة.
وكانت أمي تقول:
”هاد البيت إنت، والشجرة هي قلبك.”
كنت أضحك، وما أفهم شو قصدها.
هلأ فهمت.
ما بدي تكون هاي الصفحات بس نواح.
ولا بدي أقول إن كل الأحلام لازم تصير حقيقة.
بس بدي أقول شغلة:
بعض الأحلام ما بتتحقق أبدًا، بس بتضل مهمة.
بتضل وقود، بتضل شمعة، بتضل دافع نكمّل يوم تاني.
حتى لو ما صرنا فنانين ولا شعراء ولا موسيقيين…
في شيء فينا بيتذكر شو كنّا نحب، وبيقولنا كل يوم:
”ما ضاع منك، هو فيك… بس نائم.”
ويمكن، يمكن… يصحى من جديد.
أحلام تُركت على عتبة الباب” – الجزء الثاني
هل فكرت يومًا أن الحياة بتعطي الناس فرص مش متساوية؟
مش الكل بيبدأ من خط البداية نفسه.
في ناس، من أول نفس وهم راكضين ليلاحقوا اللي سبقهم.
وفي ناس، ما معهم إذن يدخلوا السباق من الأساس.
فيه شاب بعرفه، اسمه تامر.
كان يحلم يصير موسيقي.
كان يخبّي قيتارته تحت السرير، ويعزف لما الكل ينام.
قال لي مرة:
”أنا ما بدي شهرة… بدي بس أعزف بلا خوف. بلا ما أخجل من شغفي.”
بس أبوه قال له: “هاي تفاهة. بدّي شوفك دكتور، مش عازف بشارع.”
ومع الوقت، سكّت القيتارة.
وسكّت تامر.
صار يدرس طب بأسنان مضغوطة، وقلب مش حاضر.
صار يحفظ جثث قبل ما يحفظ روحه.
ولما قابلته بعد سنوات، سألته:
”بعدك بتعزف؟"
هز راسه، وضحك بسخرية:
”إصبعي ما عاد يعرف يدوزن أوتار، بس حافظ كيف يكتب وصفة طبية.”
تامر ما ترك حلمه، الحلم هو اللي تَركه.
بعرف بنت، كانت ترسم أحذية.
أيوا… مش بيوت ولا وجوه، كانت تحب ترسم تصاميم أحذية غريبة.
كانت تشوف بكل تفصيل فيها حكاية، انحناءة الكعب، ملمس الجلد، فتحة الأصابع… كانت تعتبرهم لغة.
لكنها اتعلمت شي تاني تمامًا.
قالت لي:
”شو بينفع أكون مصممة وأنا ما بعرف حدا بالوسط؟ بلا دعم؟ بلا واسطة؟"
تعبت، واشتغلت بمكان بيع جملة.
تحسب أرصدة. تدخل فواتير. تكبس أزرار وتنام على نفس التكرار كل يوم.
ومرة، شفت دفترها القديم.
لسّه محتفظة فيه.
بس فيه غبرة.
سألتها: “ليش ما ترسمي؟"
قالت: “رحت. رحت أيام الحماس، أنا اليوم لازم أكون عاقلة.”
العقل أحيانًا بيكون القفص اللي حبسك فيه الخوف.
القصص مش قليلة.
أنت بتسمع صوت الآهات بأشكال مختلفة:
– واحد صار يكتب بالسر.
– واحدة تغني بالحمّام وبس.
– آخر يرقص لحاله وهو بينضّف البيت.
– وأنت؟
إيمتى آخر مرّة عملت شي بتحبّه، مو لأنك مجبر، بل لأنك مشتاق؟
فيه شي مرعب أكتر من الفشل.
شو هو؟
إنك ما تحاول أبدًا.
إنك تصير خبير بتبرير “ليش ما صار"،
وتنسى تتذكّر “كيف كنت تكون لما كنت تحلم“.
فيه شي أصدق من النجاح.
شو هو؟
المحاولة.
إنك تجرّب، حتى لو إيدك ترجف.
حتى لو صوتك مكسور.
حتى لو الكل بيضحك.
فيه جملة كنا نكتبها بكرّاسات المدرسة:
"الرجاء عدم ترك الأغراض الشخصية دون مراقبة.”
بس الحقيقة؟
كلنا تركنا أحلامنا دون مراقبة، فسرقوها منا.
سرقوها بكلمة، بتقليل، بسخرية، بإهمال.
والأسوأ؟
إحنا شاركنا بالجريمة.
سكَتنا، وتراجعنا، وسكتنا حلمنا بإيدنا.
لكن… بتعرف شو الشي الوحيد اللي بيضل داخل الإنسان حتى لما يتكسّر؟
الصوت.
الصوت اللي جوّاه، اللي بيصحى بلحظة ضعف، أو عند لحظة صدق، وبيقول:
"لسّه فيني شي حي، لسه فيّ أرجع أحاول.”
أنا مش عم بقول لك تترك شغلك، أو تهرب من مسؤولياتك.
بس بقول… خصّص نص ساعة باليوم لحلمك.
اقعد مع حالك، وارجع اسأله:
”بتتذكرني؟"
بتتفاجأ إنه لسه بيعرفك.
لسّه حافظ صوتك، نبرة قلبك، رعشة إصبعك أول ما مسك القلم، أو أول ما عزف وتر.
كل اللي صاروا كبار، كانوا يومًا صغار خافوا كتير.
بس بعضهم، رغم خوفه، قال: “ما رح أتخلى عنّي.”
مو عن شغله، ولا عن خطته، بل عن نفسه.
وأنا وياك، فينا نرجع نلمّ شتاتنا.
حتى لو من كراكيب الذاكرة.
حتى لو من دفتر ممزق.
حتى لو من قلب تعب.
فكّر بهالكلمات:
"في مكان ما، في حلم ناطر إنك تفتح له الباب.”
خليه يدخل.
ما رح ياخد مكان كبير…
بس رح يخلّي كل شي جواك يكون أوسع، وأنضف، وألطف.
رح يذكّرك إنك مش آلة… بل إنسان.
وهاد كافي.
أحلام تُركت على عتبة الباب” – الجزء الثالث
فيه لحظات، ما بتصير فيها أحداث كبيرة…
بس بتحس إنها غيرت كل شي.
بتكون قاعدة، تمشي بشارعك العادي، تفتح خزانتك، أو تسمع أغنية منسيّة، وفجأة بتنهار.
مو لأنك ضعيف.
بل لأنك كنت قويّ لفترة طويلة زيادة عن اللزوم.
بعرف شاب، اسمه كريم.
كان يشتغل بمكتبة. مرتب، ساكت، ما حدا بيلاحظ وجوده.
لكن كريم، كان شاعر.
بيكتب كلمات، لو قريتها، بتحس إنها مكتوبة باسمك.
بس ولا مرّة نشر شي.
ولا حتى لأصحابه.
مرة سألته:
”ليش ما بتشارك نصوصك؟"
قال:
”كتبت رسالة لأمي بعد ما ماتت، ما قدرت أقرأها بصوت عالي، كيف بدي أكتب للناس؟"
فيه ناس، صوتهم أضعف من التعبير، بس أعمق من الصراخ.
ناس، بتحب بصمت، بتحزن بصمت، وبتحلم بصمت.
بس تضل تحلم، هاي لحالها معجزة.
فيه وحدة اسمها ندى، بشتغل معها بشركة.
كل يوم بتجي بنفس التوقيت، بتلبس نفس الألوان، بتعمل نفس الشاي، وبتنهي دوامها بنفس الهدوء.
ولا مرة شفتها تضحك بصوت عالي.
بس بعينيها شي غريب.
حزن؟ تعب؟ لا…
كان شي أقرب للغياب.
سألتها مرة بلطافة:
”شو أكتر شي بتحبي تعمليه لو ما في شغل ولا قيود؟"
قالت بعد تردد:
”كنت أحلم أسوق دراجة وألف البلاد لحالي. أكتب عن كل مكان، وأتصور مع ناس ما بعرفهم. بس صرت خايفة حتى أركب باص لوحدي.”
اللي قتل حلم ندى ما كان الخوف، كان التراكم.
تراكم “بعد شوي“.
”مش وقته“.
”كبرنا على هالحكي“.
وهي الجملة، بتقتل أكثر مما بتعطي عمر.
فيه أمل؟
أكيد فيه.
بس مش دايمًا بيكون لامع أو ساطع.
أحيانًا، بيجي الأمل بشكل خطوة صغيرة جدًا.
– تفتح دفترك القديم.
– تعزف نغمة منسية.
– تلبس ألوان ما لبستها من سنين.
– تقول: “أنا مش تمام“، لأول مرة من شهور.
هاي لحظات صغيرة، بس فيها شجاعة بحجم الكون.
بعرف شاب اسمه مراد.
كان يشتغل شوفير تكسي، بس بصراحة؟ هو كان راوي قصص من طراز نادر.
كل زبون يركب معه، بيعيش معاه حكاية.
بيقول لك:
”اليوم ركبت معي عجوز، حكت لي عن ابنها اللي بالسجن، وكانت عم تبكي، وما قدرت إلا أبكي معاها.”
مراد، رغم كل التعب، قال لي يومًا:
"أنا ما بحلم أكون مشهور… بس بحلم أكتب كتاب عن كل حكاية بسمعها.”
قلت له: “طيب، بلّش اكتبها!”
ضحك وقال: “مين رح يقرألي؟"
قلت: “أنا. وبكرا غيري. وبعدين غيرهم.”
الفكرة مش بشو رح توصل، بل كيف رح تبدأ.
هلأ خليني أسألك سؤال:
لو رجعنا فيك 10 سنين لورا…
شو الحلم اللي كنت شايله بقلبك؟
لسّه موجود؟
لسّه بيخفق؟
ولا دفنته تحت كلمة “الواقع“؟
شو رأيك تحاول تحفر عليه شوي شوي؟
يمكن تلاقيه مو مات، بس نام.
أنا مش بكتب هاي الصفحات لأعطيك أمل مزيف.
ولا بقول إن الدنيا وردية.
ولا رح أقول لك “اتبع حلمك” وكأنها وصفة سحرية.
بس بقول:
"لا تترك حلمك على عتبة الباب، وتلوم العالم إنه ما دخّله.”
افتح له.
حتى لو رجع بخطوات بطيئة.
حتى لو مو مثل ما تخيلته.
الحلم، لما يرجع، بيجيب معاه نسختك الحقيقية.
النسخة اللي بتعرف تضحك من قلبها، وتبكي بدون خجل، وتحكي بدون فلترة.
بتعرف شو الكارثة؟
إنه في ملايين الناس، بيموتوا قبل ما يعيشوا أصلًا.
بيمشوا على الأرض، نفسهم مضغوط، ضحكتهم ناقصة، وعيونهم طافية.
مش لأنهم ما عندهم شي،
بل لأنهم نسيوا شو يعني يكون “إليهم شي.”
بس لحظة…
أنت هون، عم تقرأ، يعني لسه فيك نبض.
لسه فيك شي ما انكسر تمامًا.
لسه فيك إنسان… بانتظار يطلع من وراء الظل.
فشو بتستنى؟
افتح الباب.
حتى لو صوت المفاتيح رجّف إيدك.
حتى لو الباب صدي، وفتح بصرير.
بس افتحه.
وإذا ما قدرت تفتحه لحالك… ناديني.
أنا، وكلنا، كنا يومًا واقفين قدامه وما عرفنا كيف نرجع للحلم.
بس لما صوتنا تلاقى… لقينا الطريق.
في صباح رمادي من تلك الصباحات التي لا يحدث فيها شيء خارق، لكنك تستيقظ وأنت تحمل شعورًا غريبًا، كما لو أن شيئًا داخلك تغيّر دون أن تدري… قررت أن أذهب إلى بيتنا القديم.
بيت الطفولة.
ذلك المكان الذي عشت فيه أحلامي الأولى، وبكيت فيه أول خيبة، وضحكت فيه بلا خوف، وركضت بين غرفه وأنا أحمل أجنحة غير مرئية على ظهري.
مرّ وقت طويل.
الباب الخشبي صار باهتًا، والزوايا تآكلها الغبار، لكنني لم أكن أبحث عن جمال الجدران… كنت أبحث عني.
فتحت الباب ببطء.
كان الصوت مألوفًا. صرير الباب… الهواء الثقيل… رائحة الكتب القديمة… وكأن كل شيء ينتظرني منذ سنين.
مشيت في الممرات كأني أسير في ذاكرتي.
كل شيء أصغر مما كنت أتخيله.
حتى الخوف صار يبدو أقل حدة.
دخلت غرفتي.
كانت النوافذ مغلقة، والضوء خافتًا، لكن على الرف، هناك… كان صندوق صغير. صندوق كنت أحتفظ فيه بكل قصصي.
فتحته، وبدأت أقرأ.
رسائل كتبتها لنفسي حين كنت أظن أن لا أحد سيفهمني.
أحلام ساذجة، لكنها كانت صادقة.
رسومات لأشياء لم أراها يومًا، لكنني كنت أؤمن أنها ممكنة.
بكيت.
مش من الندم، ولا من الحنين فقط…
بل من الاعتراف.
الاعتراف أنني لم أكن سيئًا كما كنت أظن.
أنني كنت فقط طفلًا يريد أن يُرى، أن يُحَب، أن يُسمَع.
وأدركت هناك، في تلك اللحظة، أن كل أحلامي لم تمت.
هي فقط… كانت تنتظرني.
في الخارج، بدأت السماء تمطر.
لكن المطر ما كان حزين.
كان كأنه غسيل للروح.
وقفت أمام النافذة، وقلت بصوت منخفض، لنفسي القديمة:
"أنا آسف إني تركتك لحالك وقتها. آسف إني خجلت منك. آسف إني ما دافعت عنك لما الناس ضحكوا على أفكارك. آسف… بس أنا هون هلأ، وجاي آخدك معي.”
ثم ابتسمت.
ابتسامة خفيفة، لكنها كانت صادقة.
في طريق عودتي، مشيت تحت المطر.
ما هربت منه.
كان المطر يغسل وجهي، وكأنه عم يحييني من جديد.
ولأول مرة من سنين، حسيت بشيء يشبه الطمأنينة.
مو لأن كل شي صار مثالي، ولا لأنني لقيت كل أجوبتي…
بل لأني، ببساطة، توقّفت عن الهرب.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت أكتب كل يوم.
أكتب لنفسي. للذين لم يسمعهم أحد. للذين يجلسون في الزاوية بصمت.
صرت أكتب للفتاة اللي كانت تحب ترسم وما حدا شجعها.
للشاب اللي كان يبكي كل ليلة من غير ما يحكي لحدا.
للأم اللي نسيت تحلم، لأنها مشغولة بأحلام أولادها.
وللرجل الكبير اللي لما يسألوه: “كيفك؟” يجاوب: “عايش“، وهو من جواته ميت.
أكتب لهم، وأقول:
"لسّا في وقت.
لسّا فيك ترجع تحلم.
لسّا فيك تحكي، حتى لو صوتك مكسور.
لسّا فيك تحب حالك، وتسامحها.”
وفي نهاية كل رسالة، أكتب جملة واحدة:
"افتح الباب… في شي ناطر برا.”
مش ناطر يغيرك، ولا يكمّلك،
بس ناطر يسمعك… ويحضنك.
هكذا، ينتهي الفصل الثاني من “مُهْمَلون“.
ينتهي بصوت خافت لكنه عميق.
بكلمة بسيطة لكنها تُنقذ:
"أنا رجعت.”
الفصل الثالث – “كلمات لا تُقال"
في داخلك، هناك مدينة كاملة من الكلمات، لم تُنطق.
في كل مرة قلت فيها “أنا تمام“، كنت تخون تلك الكلمات التي رغبت بالخروج.
في كل مرة ابتسمت كي لا تزعج أحدًا، كنت تُسكت آلاف الحروف التي صرخت داخلك: “أنا مش بخير“.
كأننا تربّينا على أن الكلام ضعف.
أن البوح عيب.
أن المشاعر عبء.
لكن الحقيقة؟ أن الصمت الطويل يُثقِل القلب.
وأن ما لا يُقال… لا يختفي، بل يتحوّل إلى شيء آخر.
يتحوّل إلى توتر، قلق، أرق…
إلى ثقل في الصدر، ونظرة حزينة في عيوننا لا نعرف كيف نفسّرها.
هل تذكر تلك الليلة؟
الليلة التي أردت أن تقول فيها كل شيء،
لكن صوتك خانه.
جلسَت أمامك. كانت تنتظر.
وانتَ قلت فقط: “ما في شي“.
لكن الحقيقة، كان في شي.
كان في كثير.
كان في حُزن قديم، لم يُسمع.
وفي خذلان لم تتعافَ منه.
وفي خيبة لم تكن تعرف كيف تشرحها دون أن تبكي.
لكنك… بلعت كل شيء. وقلت: “ما في شي“.
ومن يومها، صار الصمت لغتك.
أنا أفهمك.
لأنني كنتك.
كنت أكتب رسائل طويلة في خيالي، ولا أرسلها.
كنت أتمرّن على جُمل في رأسي، لكني لا أنطقها.
كنت أتخيل كل الأحاديث التي كان يمكن أن تحدث… ولم تحدث.
كان عندي كثير لأقوله.
لكن لا أحد كان ينتظر سماعي.
أو هكذا ظننت.
وما أقسى هذا الظن.
في هذا الفصل، راح نحكي عن كل اللي ما نحكيه عادة.
عن الخوف من البوح.
عن الصدور اللي صارت خزائن للأسرار.
عن العيون اللي تقول أكثر من ألف كلمة، لكنها ما تنطق ولا واحدة.
راح نكتب سويًا… لا لنفضح أنفسنا، بل لنحرّرها.
لأن هناك قوة في أن نقول: “أنا موجوع“.
قوة في أن نُسمع ما سُكِت طويلًا.
تابع معي… وسأبدأ بسرد قصص عن أولئك الذين صمتوا طويلًا، حتى كادت أرواحهم تختنق.
قصة الأول: لينا – التي خبأت صرختها في دفتر
كانت لينا تكتب منذ كانت في العاشرة.
كل يوم، بعد المدرسة، تذهب لغرفتها وتكتب عن كل شيء.
عن صديقتها التي تجاهلتها.
عن والدها الذي لا يسمعها إلا حين تخطئ.
عن أمها التي تحب أخاها أكثر.
عن تلك المرة التي بكَت فيها في الحمام ولم يلاحظ أحد.
دفاترها كانت تشهد على كل شيء.
لكنها لم تُرِ أحدًا حرفًا واحدًا مما تكتبه.
"لو حدا قرأ اللي بكتبه… يمكن يكرهني.”
هكذا كانت تقول.
صمتت لينا لسنين.
حتى في الحب، لم تعترف أبدًا.
حتى حين قُلبها تحطّم، كتبت ذلك في ورقة… ومزقتها.
ثم في يوم، اختفت فجأة.
لا أحد عرف لماذا.
لكننا، نحن الذين نكتب مثلها، عرفنا.
عرفنا أن الصمت يقتل، حتى دون دم.
قصة الثاني: سامر – الذي ضحك كثيرًا، ليخفي كل شيء
سامر كان معروفًا بين أصدقائه بأنه “خفيف الظل“، دائم الضحك، حاضر النكتة.
الكل يحبه، الكل يضحك معه… لكنه، كان الوحيد الذي لا يضحك فعلًا.
في داخله، كان سامر طفلًا ما زال يصرخ من ليلة قديمة لم ينسَها.
ليلة بكى فيها وهو يختبئ خلف الباب، يسمع أباه يصرخ على أمه، ويرى أشياء تتحطم.
ليلة شعر فيها أنه صغير جدًا، وضعيف جدًا، وعاجز جدًا.
ومن يومها، قرر يكون هو اللي يضحّك الكل.
مو لأنه مبسوط، بل لأنه خاف يكون مثلهم.
خاف يصير صوته عالي مثل صوت أبوه.
خاف يبكي بصوت مثل أمه.
فصار “يمثّل“.
يمثل إنه بخير.
يمثل إنه عادي.
يمثل إنه قوي.
لكن كل واحد يضحك زيادة عن اللزوم، فيه شيء ما بينهار جواه.
وكل من يُضحك الجميع… غالبًا ما يكون أكثر من يحتاج لمن يُضحكه.
وفي أحد الأيام، كتب سامر على ورقة صغيرة:
"بتعرف شو الأصعب من إنك تكون موجوع؟
إنك تكون موجوع… وما حدا مصدق.”
ورماها في الشارع.
ما حدا شافها، بس أنا قريتها… لأني أعرف شو يعني تكتب شيء ما فيك تحكيه.
قصة الثالثة: ريم – التي تعلّمت أن لا تطلب شيئًا
ريم كانت الطالبة المثالية. متفوقة. مؤدبة. هادئة.
بس، تحت كل هذا “الامتياز“، كان في بنت صغيرة… ما حدا سألها شو بدها.
أمها كانت تقول: “خليهم يقولوا بنتي الأولى على الصف“.
أبوها كان يقول: “ما بدي مشاكل، خليكي محترمة“.
الأساتذة كانوا يقولوا: “ريم مثل الكتاب، بس ما بتسأل“.
لكن ريم كانت مليانة أسئلة.
كانت بدها تحكي عن الوحدة، عن الخوف، عن الليالي اللي تقعد تبكي فيها بدون سبب.
بس ما حكت.
تعوّدت تسكت.
وتعوّدت إذا طلبت شي… تعاقب.
فبطلت تطلب.
حتى بالحب… لما حبت، ما طلبت شي.
ولا حب، ولا اهتمام، ولا سؤال.
كان كفاية عندها إنه “ما يترُكها“.
بس تركها.
وتركت بعدها رسالة على طاولة قرب السرير، قالت فيها:
"مشكلتي إني ما كنت أطلب… حتى لما كنت بأمسّ الحاجة.”
كم “ريم” نعرف في حياتنا؟
كم شخص نراه متماسكًا من برّا… وجواه مليان بكلمات مسجونة؟
كم مرة سألنا عن حال أحد، وجاوبنا بـ“الحمدلله“، ومشينا؟
عن البوح… وما نمنعه عن أنفسنا
نحن ما تعودنا نقول “أنا مش بخير“.
نخجل منها.
نخاف الناس يقولوا: “ليش عم تشتكي؟"
لكن الشكوى مش ضعف.
الشكوى إنسانية.
وما يُقال… ما يقتل.
لكن ما يُكتم… يتحوّل إلى ألم آخر.
كل كلمة ما نطقتها في وقتها، صارت وجع في مكان آخر.
كل شعور خبّيناه، رجع إلينا في صورة وجع جسدي، أو نوبة قلق، أو انفجار بكاء مفاجئ.
عن الصمت المُزمن
الصمت لما يصير عادة… يصير مثل المرض.
تصير تفكّر كتير… وتحكي قليل.
تحلل كل شيء… لكن ما تقول شيء.
تصير تسهر ليالي، وأنت بتراجع كل كلمة قالها لك أحد… وتلوم نفسك لأنك ما رديت.
تكون مليان أفكار، بس صوتك ما بيوصلك.
كأن بينك وبين الكلام حاجز شفاف… يمنعك تتكلم حتى مع أقرب الناس.
رسائل لم تُرسَل
كل واحد فينا عنده رسالة ما كتبها.
أو كتبها… وما أرسلها.
رسالة حب ما تجرّأ يبوح بيها.
رسالة اعتذار تأخر فيها.
رسالة وداع ما قالها بصوت مسموع.
خليني أشاركك بعض الرسائل اللي كتبها ناس حقيقيين… لكن ما أرسلوها أبدًا:
"كنت محتاجك بس تسألني: شو في؟"
"أنا آسف إني خيبت ظنك… بس كنت عم خيّب نفسي أكتر.”
"أنا مش قوي مثل ما ببيّن… بس ما عندي خيار.”
قصة رابعة: جاد – الذي تعلّم أن لا يبكي
جاد، ابن الأسرة “القوية“، الأب الحازم، والأم التي لا تعرف سوى قول: “شد حالك“.
كبر في بيت لا مكان فيه للدموع.
في كل مرة اقتربت عينيه من الامتلاء، سمع الجملة المعتادة:
”الرجال ما بيبكوا.”
فحبس دمعته الأولى، والثانية، والعاشرة، والمئة.
صار يدفنها في صدره، حتى صارت الحنجرة ضيقة، والليل أطول، والنوم أصعب.
تعوّد ما يقول لما يوجعه شيء.
يتألم بصمت، يغضب بصمت، ينكسر بصمت.
مرة، وهو بعمر ١٧، انفجر فجأة.
ما حدا عرف ليش.
ما في شي صار ظاهرًا.
بس اللي صار جوّاته كان تراكم سنوات من الكلمات الممنوعة، والمشاعر المكبوتة.
في دفتره كتب مرة:
"أنا مش فخور إني ما ببكي…
أنا موجوع إني ما قدرت أسمح لحالي أبكي.”
ويا ترى، كم شاب حوالينا، مثل جاد، ربّيناه على الصمت، بدل ما نعلّمه يسمع صوته؟
قصة خامسة: سارة – التي لا يسمعها أحد
سارة كانت دومًا “البنت الطيبة“.
تسمع الجميع، تواسي الجميع، تكون أول من يرسل رسالة: “إذا بدك تحكي، أنا هون.”
لكن لما هي احتاجت تحكي… ما لقيت حدا.
في كل مرة حاولت تلمّح، تغيّر الموضوع.
في كل مرة حاولت تفتح قلبها، سمعوها نص الطريق… وسكتوا.
تعلّمت إنها تسكت.
وتقنع نفسها إنها “مش محتاجة حدا“.
وتضحك لما يسألوها: “ليش ساكتة؟"
لكن جوّاتها، كانت تنهار كل يوم شوية.
كانت تقول بصوت ما بيطلع:
"أنا مش بخير… بس ما بدي أزعج حدا.”
في رسالة إلكترونية ما أرسلتها، كتبت:
"كل اللي بدي ياه… حدا يسمعني للآخر. بدون ما يقاطعني، بدون ما يهوّن، بدون ما يغيّر الموضوع.”
وفي مرة، سألتني: ”برأيك… إذا حكيت، حدا رح يسمع؟"
قلت لها: ”أنا سمعتك. ولسّاتي عم بسمعك.”
عن الإحساس اللي ما بتقدر تشرحه
في أوقات… ما فينا نشرح شو اللي مضايقنا.
مش لأن ما منعرف، بل لأن الألم صار معقّد… صعب تحصره بكلمتين.
تقول “أنا تعبان“، ويسألوك: “من شو؟"
وإنت ما عندك جواب دقيق.
لأنك متعب من كل شيء.
من الزحمة براسَك، من الصمت، من المحاولات، من الخذلان، من الانتظار، من نفسك.
بس كل ما حاولت تحكي، حسيت إنك عم تبالغ… أو إنك رح تزعج اللي بتحكي معه.
فتسكت.
تقول: “عادي، ما في شي“.
وتكمل يومك، ووجهك عادي… بس قلبك فيه فوضى.
الناس اللي بيقولوا “أنا تمام“… وهم مش تمام
في مرة، عملت تجربة صغيرة.
سألت ١٠ أشخاص عشوائيين: “كيفك؟"
٩ منهم قالوا: “تمام.”
بس عيونهم ما قالت “تمام“.
في واحد كان بيكزّ على أصابعه، والتاني يبعد نظره، والثالث صوته كان متكسّر شوي.
تعلّمنا نقول “تمام” كإجابة جاهزة، حتى لو كنا عم نغرق.
بس الحقيقة… إنو الاعتراف بعدم التمام، مش ضعف.
الضعف هو تظاهُرنا المستمر إننا بخير، لحدّ ما ننهار فجأة.
رسالة إلى القلوب الصامتة
إذا كنت من الناس اللي عندك أشياء ما حكيتها…
إذا بتحس إنك مليان حكي، بس ما بتلاقي الحدا الصح…
بدي أقولك:
إنت مش وحدك.
في آلاف، يمكن ملايين، بيمرّوا بنفس الإحساس.
بس كل واحد منهم مفكّر إنه الحالة الشاذة، الحالة الوحيدة.
والأجمل؟
إنك لما تبوح، لما تفتح قلبك، حتى لو بشوية…
بتكتشف إنه في ناس بيحبوك أكتر لأنك إنسان حقيقي، مش لأنك قوي دائمًا.
بتكتشف إنه ضعفك مو عيب، بل هو الشي اللي بيقرّبك من البقية.
كلمات لا تُقال… لكنها موجودة
هناك كلمات لا تُقال، لكنها تعيش في العيون، في رعشة اليد، في التنهدات الطويلة، في الرسائل المحذوفة، في التصرّفات الصغيرة.
كلمات تقول:
"ساعدني، بس ما بعرف كيف أطلب.”
"خايف إني أتكلم، فيبعدوا.”
"بتمنى بس حضن… بدون كلام.”
لو كل واحد فينا قال شيء بسيط، كل يوم، من اللي جوّاته…
يمكن كنا ارتحنا أكتر.
يمكن، لو حكينا، ما كنا وصلنا لهالدرجة من الوحدة.
مقطع ختامي للفصل:
"كلمات لا تُقال” هو فصل عنك… وعن كلنا.
عن الكتمان اللي صار عادة.
عن الجُمل اللي كتبناها بأرواحنا، مش بأقلامنا.
عن الحكايات اللي ما سمعها أحد، بس كانت حقيقية جدًا.
وبين سطر وسطر، أقول لك:
مش ضروري تصرخ، مش ضروري تكتب كتاب،
لكن، لو قلت جملة واحدة، بسيطة، من جوّاتك…
هالشي كفيل يخلّصك من حِمل ما بتعرف حتى قديش كان تقيل.
قولها، حتى لو بصوت واطي:
"أنا مش بخير اليوم.”
وخلّي الباقي يجي بعدين.
قصة سادسة: يزن – الذي يتظاهر بأنه بخير
يزن شاب بيشتغل بوظيفة ثابتة، بيتفانى بشغله، بضحك كتير، بيحكي نكت، ودايمًا شكله مرتاح.
بس اللي ما بيعرفوه الناس، إنو يزن كل يوم بعد الدوام، بيرجع على بيته وبيغلق الباب على حاله… ويصير شخص تاني.
الشخص اللي بينام بحيطانه الصمت، واللي بيطلع على السقف ساعات وهو يتساءل:
"شو عم بعمل بحياتي؟"
يحكي مع نفسه بصوت خافت، يمسك جواله ويكتب رسالة، ثم يمحيها.
"اشتقتلك... بس مش راح أبعتلك.”
يزن تعب من دور القوي. من دور المازح. من دور “أنا تمام، ما تقلقوا عليّ“.
لكنّه مستمر فيه، لأن الناس تعوّدت عليه هيك.
وهو صار خايف يطلع من الدور، فيبعدوا عنه.
في مرة قال لي:
"أنا بصير أقوى لما حدا يقول لي: ما في داعي تكون قوي اليوم، أنا معك.”
بس قليل حدا قالها.
قصة سابعة: ريم – التي تفهم الجميع ولا يُفهمها أحد
ريم كانت البنت اللي كل الناس بترتاح تحكي معها.
بتفهم، وبتحس، وبتسمع لساعة وساعتين وثلاثة، بدون ملل.
بس ريم كانت تحمل قلب متعب، مليان أسئلة:
"طيب وأنا؟ ليه ما حدا بيسمعني؟ ليه أنا دايمًا المستمعة، مش المحكية؟"
كانت تتمنّى مرة بس، حدا يسألها سؤال حقيقي:
"كيفك اليوم… بجد؟"
ما بدها شفقة، ولا اهتمام مزيف.
بدها بس حدا يهتم لأنها إنسانة، مش لأن عندها طاقة تحتضن الكل.
وفي يوم، كتبت على ورقة صغيرة، حطتها بكتابها المفضل:
"أنا صوتي ناعم، بس مش صامت.”
وكانت كل أمنيتها إنو يومًا ما… حدا يسمعه.
صوت داخلي: عنّا كلنا
بجوانبنا في طفل صغير… خايف، محتار، عم يدور على حضن، أو على كلمة طيبة، أو على شخص يصدّقه.
بس إحنا كبرنا… وتعلمنا نغطي هالطفل بالقسوة، بالسخرية، بالمجاملات، بالتظاهر.
صرنا نلبس وجوه ما إلنا، نضحك وقت ما بدنا نبكي، نقول “ماشي الحال” ونحن عم نتفتّت من جوّا.
صارت “كيفك؟” سؤال شكلي.
وصارت “أنا تمام” كذبة جماعية.
بس الحقيقة؟
إنه العالم مليان قلوب مثلك… مثلي… مليانة، ومكمّلة بصمت.
عن الرسائل التي لم تُرسل
كم رسالة كتبناها وما أرسلناها؟
"كنت محتاجك… ليش ما جيت؟"
"أنا آسف، بس كنت موجوع وما عرفت أحكي.”
"أنا مش قوي زي ما بتفكر.”
رسائل عالقة بملاحظات الجوال، أو على دفاتر قديمة، أو حتى بس بذاكرتنا.
ما قدرنا نرسلها، مش لأن ما بدنا، بل لأن الخوف كان أكبر.
الخوف من الرد، أو من عدم الرد.
الخوف من الضعف، أو من اللامبالاة.
بس ياما رسالة ما انرسلت… كانت بتقدر تغيّر شي.
بتقدر تشفي جرح، أو تفتح باب، أو تخفّف حمل.
إعتراف
كلنا عنا اعتراف حابين نحكيه، وما عم نعرف لمين أو كيف.
إلي، خليني أحكي واحد منهم بصوتك:
"أنا مليان وجع… بس مش قادر أشرح.”
وهاد الاعتراف الصغير… هو أول خطوة للخلاص.
مش لأنو راح يغيّر العالم، بس لأنو راح يغيّرك إنت.
لِمين نحكي؟
مشكلة الناس الصامتة مش إنهم ما عندهم كلام…
بل إنهم ما عادوا يثقوا بإنه في حدا رح يفهمهم فعلًا.
جرّبوا يحكوا… وانخذلوا.
حكوا… وما حد سمعهم.
توجعوا… وانسحب اللي قالهم: “أنا دايمًا معك“.
لهيك صاروا يحكوا مع نفسهم.
يضحكوا بصوت واطي، ويبكوا بلا صوت.
لكن الإنسان ما نُخلق ليحمل كل شي لحاله.
الكلمة لما تنقال، بتكون مثل النفس العميق بعد غطسة طويلة.
تنقذك.
دد
رسالة ختامية – إلى كل من لم يُسمع
إلى كل من قال:
"أنا ما إلي قيمة"
”أنا ما حدا بيفتقدني"
”أنا مجرد وجود إضافي بهالعالم"
بدي أقولك…
وجودك مش عبث.
سكوتك مش ضعف.
كلماتك، حتى لو ما انقالت، عم تعيش فيك… وتشكّلك.
وإجى الوقت تطلع منها شوي شوي.
اكتب، حتى لو سطر.
احكي، حتى لو لجدار.
ابكي، حتى لو لحالك.
لكن لا تخليها تقتلك من جوّا.
أنت مش مخلوق لتكون صامت للأبد.
صوتك له معنى، ووجعك له مكان، ووجودك له حق بالحياة.
الفصل الثالث – “كلمات لا تُقال"
في كل مرة كنت على وشك أن أقول الحقيقة، كنت أختار الصمت. ليس لأن الحقيقة لا تستحق، بل لأنني كنت أعلم أن أحدًا لن يسمعها بالشكل الذي خرجت فيه من قلبي.
الكلمات التي تسكن الحلق، لا تموت. لكنها تختبئ، كأنها تنتظر لحظة آمنة لتخرج، لحظة نادرة… نادرة جدًا.
وهكذا، تراكمت في داخلي حكايات لم تُحكَ، وجمل لم تُقال، ومشاعر عالقة بين القلب والحنجرة، ترتجف ولا تعرف كيف تنجو.
هل جربت يومًا أن تبدأ حديثًا وانتهيت بنظرة؟
أن تقول “أنا تعبان” ثم تبتسم لتطمئن غيرك؟
أن تكتب رسالة طويلة تمسحها قبل أن تُرسلها؟
أن تكتب “اشتقتلك” وتحذفها لأنك خفت ألا يرد؟
أن تخبر أحدهم “أنا موجوع” في خيالك فقط، لأنك تعلم أنه مشغولٌ بما يكفي كي لا يسمعك فعلًا؟
أن تنام وبداخلك مئة كلمة تريد أن تُقال… ولا تُقال؟
كلنا فعلنا.
في داخلي، دفتر غير مرئي، امتلأ بسطور لم أجرؤ أن أرسلها.
رسائل كان يمكن أن تغيّر أشياء كثيرة…
رسائل كان يمكن أن تُنقذني…
أو على الأقل، كانت ستجعلني أشعر أنني قلت ما يجب أن يُقال، في الوقت الذي وجب أن يُقال فيه.
لكن… لم أقل.
وها أنا أكتبها الآن، بعد سنوات، حين لم يعد لأحدهم وجود في حياتي، أو حين صارت المسافة أكبر من أن تُجسر بكلمة واحدة.
أمي،
كنت أراكِ تتعبين بصمت، تبتلعين الألم كما أبتلع الكلمات.
أردت مرارًا أن أقول لكِ “أنا شايفك“، “أنا حاسس فيكِ"،
لكنني كنت خائفًا أن تُكذّبيني، أن تبتسمي كما تعودتِ وتردّي: “أنا بخير، لا تشيل هم“.
كنت أخاف أن أبدو طفلًا في نظرِك، رغم أنني كنت أحمل عنكِ عبئًا لا يقوى عليه الكبار.
لم أقل لكِ يومًا كم كنتِ عظيمة.
كم كانت يداكِ المرتعشتان تبعثان فيّ أمانًا أفتقده الآن.
كم تمنيتُ أن أُحضنكِ يومًا دون أن أبدو ضعيفًا…
لكني كنت أضعف مما تخيلتِ، فقط كنت أحاول أن لا ترَي ذلك.
أبي،
كنت تظن أنني لا أفهمك.
أن صمتك يعلّمني القسوة.
لكنني كنت أقرأ في عينيك كل شيء…
أعرف أنك رجلٌ لا يجيد الحديث، وأن الحياة كانت أقسى من أن تسمح لك بالتعبير.
لكنك كنت تُحبنا على طريقتك.
بطريقتك الغليظة، الجافة، الصامتة…
كم مرة أردت أن أقول لك: “أنا مسامحك“، لكنني كنت أحتاج أولًا أن أسمع منك: “أنا آسف“.
إلى صديقي الذي ابتعد دون سبب،
كل اللي كان بينا ما كان كذبة، صح؟
أحيانًا كنت بكتبلك “كيفك؟” وبمسحها.
مش عشان ما بهمني…
بس عشان حسّيت إنك نسيت، وأنا ما كنت حابب أذكّرك بحضوري.
كأنّي خفت أزعجك، أو أستجدي اهتمامك.
لكن الحقيقة؟
أنا كنت أحتاجك.
مش كصديق عادي، بل كجزء مني كان يطبطب على وجعي لما الكل اختفى.
إلى الفتاة اللي مرّت بحياتي وراحت،
ما قلتلك يومًا إني كنت بحبك.
مو لأن الشعور ما كان حقيقي،
بل لأنني كنت أجهل كيف يُقال “بحبك” دون أن تُقابل بالصمت.
كنت أخاف من ردّك، من فتورك، من ألا تُبادلي الشعور.
فاخترت الصمت… وخسرتك.
خسرتك قبل أن أمتلكك أصلًا.
لكنك كنت الأجمل في خيالي.
وربما لهذا السبب، بقيتِ هناك فقط.
إلى نفسي،
أنا آسف.
أنا آسف لأني ما كنت صديقك.
آسف لأني ضغطت عليكِ لتكوني دائمًا بخير،
آسف لأني سخرت من دموعك، وخفت أعبّر عن ألمك،
آسف لأني خذلتك لما كنتِ بأمس الحاجة إليّ.
بس أنا هون… هلأ… عم بحاول أسمعك، وأفهمك، وأصدقك.
عم بحاول أكون الحضن اللي ما لقيتيه، والكتف اللي ما كان حدا يعطيكِ ياه.
يمكن تأخرت… بس ما نسيتك.
الصمت مؤلم…
لكنه أحيانًا أهون من الجُرح.
نصمت لأننا جرّبنا الكلام ولم يُجْدِ.
نصمت لأننا نخاف من ردة الفعل، من الاستهزاء، من الخيبة، من التجاهل.
نصمت لأن الصمت لا يُحاسبنا على ما لم يُفهم.
نصمت لأن الحروف ما عادت قادرة على حمل وجعنا،
فصرنا نخبّئه في العيون، في النَفَس، في الكتابة، أو خلف ابتسامة صفراء.
لكن السؤال الحقيقي…
إلى متى؟
أحيانًا، كل اللي بدنا ياه يكون شخص واحد…
شخص يسمعنا من غير ما نقول،
يفهمنا من دون شرح،
يشوف وجعنا من لمعة عين، مش من شكوى.
بس الحقيقة؟
هذا الشخص نادر…
يمكن نلقاه، ويمكن لا.
أحيانًا نكون نحنا هالشخص لناس كتير،
بس لما يجي دورنا… ما نلاقي حدا.
وفي وسط زحمة الحياة، بتصير المشاعر عبء…
بتصير الكلمات محبوسة،
والقلوب مليانة لدرجة إنك تسمع صوتها ينبض باللي ما انقال.
أنا كنت هيك.
كنت أمشي بين الناس وأنا مليان بكلمات لو خرجت، كانت ممكن تغيّر شي… يمكن كانت تغيّرني أنا، يمكن كانت تغيّر نظرتهم إليّ.
بس ما قلت.
كل مرة وصلت الحروف لحدّ لساني، بلعتها.
مش لأني جبان…
بس لأني فقدت الإيمان إنو في حدا رح يسمعني من غير ما يحكم، من غير ما يقاطع، من غير ما يستخفّ بشعوري.
تعرف شو أصعب من الوجع؟
لما تحس إنك عم تتعذب بصمت، وما فيك حتى تحكي.
لما تكون بتضحك قدام الكل،
وبس تسكر الباب وراك… تبكي.
تعبت.
تعبت من كل اللي ما قلته.
من كل “أنا مو بخير” اللي خبّيتها ورا “كل شي تمام“.
من كل “أنا موجوع” اللي دفنتها تحت “بمزح“.
من كل “اشتقتلك” اللي انكتبت وانحذفت،
من كل “بحبك” اللي ما طلعت بصوت عالي…
ومن كل “سامحني” اللي ما انقالت بوقتها، وضاع بعدها كل شي.
إلى صديقة الطفولة،
كنا نقعد سوا بالساحة، ونرسم أحلامنا على التراب.
أنتِ كنتِ تحلمي تصيري طبيبة، وأنا كنت بدي أفتح مكتبة.
كنا نصدق إن الحياة بتستنانا مبتسمة،
ما كنا نعرف إن الضحكة اللي شفناها كانت مجرّد خدعة.
كبرنا…
أنا غصت بعالم ما يشبهني، وإنتِ… اختفيتي.
ما بعرف إذا بعدك بتحلمي ولا استسلمتي،
بس بعرف إن ضحكتك كانت أكتر شي صادق شفته بحياتي.
لو قدرت أحكي معك هلأ، كنت قلت:
”أنا اشتقت لبراءتنا، لثقتنا بالحياة… لقلوبنا اللي ما كانت تعرف الخيبة.”
إلى حبي الأول،
كنّا صغار… يمكن مشاعرنا كانت أكبر منا،
بس أنا ما نسيتك.
كنت أول شخص يخلّي قلبي يخبط بسرعة،
وأول مرة حسّيت إني بدي أكتب شعر، بس مش عارف كيف.
كان فيك شي غريب…
نظراتك، صوتك، حتى سكوتك، كان إلهم طعم خاص.
أنا اليوم بعرف…
إني ما كنت بحبك كأنك أنثى،
أنا كنت بحبك كحلم، كحالة، كاحتمال كنت خايف يضيع… وراح.
لو التقيتك يوم، كنت رح أبتسم بس.
يمكن ما أقول شي،
بس عيوني كانت رح تقول: “كنتِ أجمل وجع“.
إلى كل حدا مرّ بحياتي… ومرّ مرور الكرام،
ما كنتوا مجرد عابري سبيل.
كل حدا ترك فيني أثر.
يمكن ما حكيت، يمكن ما عبّرت،
بس جواتي فيكم… شقفة من الذكرى، من الحكي اللي ما قلتوا، من النظرات، من الرسائل اللي ما توصّلت.
أنا كتير صرت.
صرت شخص مليان أصوات ناس راحوا.
مليان وجوه ما عاد أشوفها،
وصدى حكي ما نقال، بس بضلّي أسمعه وقت الليل.
إلى قلبي،
أعرف إني مرّيتك على أيام مو إلك.
دخلتك علاقات ما كنت مستعدّ إلها،
كتمت عنك الحب لما كنت بدّك،
وفرضت عليك التحمّل لما ما عاد فيك.
سامحني.
سامحني على المرات اللي سكتّ، وكان لازم تصرخ.
على اللي صدقوا فيك وبعدين رحلوا.
على الوعود اللي ما قدرنا نحقّقها،
وعالناس اللي عطيناهم كل شي… وما بقى منهم شي.
أعرف إنك تعبت،
بس صدّقني، أنا هون… وعم حاول،
عم حاول نرجع نكون صادقين… على الأقل مع بعضنا.
في مكان ما بداخل كل شخص،
في صندوق صغير، مكتوب عليه:
”أشياء لم تُقل"،
وكل يوم، نضيف ورقة جديدة.
بس بوقت ما، رح يصير هذا الصندوق تقيل… تقيل كتير.
ومو لأننا ما قلنا، بل لأننا ما قدرنا ننسى.
الكلمات اللي ما بتنقال… ما بتموت.
بتضل جواتنا، تعيش بصمت، وتنبض مع كل نبضة قلب،
تتسلل للدموع، وللأحلام، وللكوابيس،
وتذكّرنا دائمًا…
إنه في أشياء، لو انقالت بوقتها، كان ممكن تغيّر النهاية.
لكن… إحنا ما حكينا.
وهي كانت الغلطة الوحيدة اللي ما سامحنا حالنا عليها أبدًا.
في الحي القديم، كان في رجل اسمه “أبو وسام“. الكل يعرفه كرجل صامت، لا يُسمع صوته إلا حين يلقي السلام. يعمل في محل حدادة صغير بورشة متهالكة على طرف الشارع. تمرّ عليه الأيام كأنها متشابهة، يفتح دكانه مع الشروق، ويغلقه عند الغروب.
لكن لا أحد يعرف أن هذا الرجل يكتب شعرًا كل ليلة. يكتب على ورق كرتون، ويخبّئه في علبة معدنية قديمة داخل درج مكتبه الصدئ. لا يُري كلماته لأحد، ولا يتحدث عنها حتى مع نفسه. فقط يكتبها، كأنها صلاة لا يريد لأحد أن يسمعها غير الله.
في أحد الأيام، أُغلق دكان “أبو وسام” فجأة. مرّ أسبوع، ثم آخر، والدكان ما زال مغلقًا. وحين سأل الناس عنه، قيل إنه أُصيب بجلطة دماغية أفقدته النطق. الرجل الذي عاش حياته في صمت… خُتمت حياته بصمت أكبر.
وفي غرفته التي لا يدخلها أحد، وُجدت العلبة المعدنية. وُجدت أشعاره. وقرأها من قرأها، وبكى.
واحدة من أوراقه كانت تقول:
"أنا لا أريد شهرة،
ولا أن يُصفق لي أحد،
فقط، كنت أرجو أن يراني أحدهم
قبل أن أنطفئ.”
في الزاوية الأخرى من المدينة، كانت “رُلى” تمشي كل صباح إلى عملها في صيدلية صغيرة، تعلّمت كيف تضع قناعًا من الثبات فوق وجهها. وجهها لا يُظهر شيئًا، لا تعبًا، لا خوفًا، لا حتى فرحًا. كأن الحياة علمتها ألا تُحمِّل وجهها أكثر مما يحتمل.
لكنها كانت تكتب في دفتر صغير، تضعه تحت وسادتها كل ليلة. دفتر مليء بصفحات لا أحد قرأها، إلا هي. كانت تكتب فيه رسائل إلى أمها الراحلة، التي ماتت وهي في سن المراهقة. لم تنسَها يومًا، بل ظلت تتحدث إليها في كل صفحة، كأنها تحكي ما لم يعد لأحد سواها أن يسمعه.
"ماما، اليوم حسّيت حالي مو قادرة أتحمل صوتي وأنا بسلم على الناس…
ماما، اليوم زعلت من حالي إني ما حكيت لما ظلمني المدير…
ماما، فيني كلام كتير بس ما لاقيت حدا أقول له: اسمعني.”
لم تكن تكتب لأنها تريد أن تُخرج الألم، بل لأنها تعرف أن الألم إن لم يُقال، يفيض في الروح كالماء الراكد… لا يظهر لكنه يُفسد كل شيء.
وكان في حياتها زبون دائم، شاب يُدعى “باسل“، يأتي ليشتري دواءً لوالده، لكنه كان يبتسم لها دائمًا، يقول “صباح الخير” بطريقة مختلفة. ذات يوم قال لها: “شكلك تعبانة اليوم.” فردّت بابتسامة مرتجفة: “بس نومي كان قليل.”
لكنها في دفترها كتبت:
"لأول مرة حدا لاحظ. حدا شاف التعب في عيوني… مش بس سمع صوتي.”
هذا فقط ما كان يلزمها يومها، مَن يقول: “أنا شايفك.”
...
وفي مدرسة على أطراف البلدة، كان الأستاذ “جابر” يُعرف بصرامته. لا يبتسم كثيرًا، ولا يحبّ المزاح، ويحسبه الطلاب غريبًا. لكن أحدهم – طالب اسمه هاني – دخل ذات يوم إلى غرفة الأساتذة، فرأى الأستاذ جابر جالسًا وحده، يقرأ دفترًا صغيرًا ودموعه على خده.
وقف هاني مذهولًا. لم يجرؤ على الاقتراب، لكنه لمح عنوان الدفتر: “رسائل إلى ابني“.
لاحقًا، عرف من معلمة أخرى أن الأستاذ جابر فقد ابنه قبل سنوات في حادث سير، وكان يكتب له كل ليلة رسالة، ليحكي له عن يومه، عن شوقه، عن صمته.
أحيانًا الصمت ليس جدارًا، بل ضريح.
...
كل هؤلاء الناس، يمرّون بنا كل يوم. نراهم دون أن نعرفهم حقًا. نسمع “صباح الخير” من أفواههم، ولا نعرف كم ليلًا قضوه وهم يتمنّون أن يُسمعوا هم أيضًا.
"كلمات لا تُقال” هي ليست فقط عبارات غير منطوقة، بل هي حيوات كاملة تُعاش تحت السطح، حيث لا تصل يد أحد، ولا نظرة أحد.
هي وجع في نبرة صوت خافت.
هي دمعة معلقة لا تسقط.
هي ابتسامة خفيفة تخونها العينان.
...
وفي المساء، كانت “سماح” تُغلق باب شقتها الصغيرة في الطابق الخامس، وتُشعل شمعة واحدة. لا لأنها تُحب الرومانسية، بل لأن الكهرباء مقطوعة، ولم تعد تملك حتى ثمن شمّاعة نور جديدة.
كانت تعمل في مركز خدمة عملاء، ينهشها الصراخ من كل جهة. تصمت، تعتذر، تُقفل السماعة، وتتنفس بصوت منخفض، كأنها تخشى أن يسمع أحد تنهّدها.
وفي آخر كل يوم، كانت تكتب في دفتر يومياتها:
"أنا اليوم ما بكيت. يمكن لأني تعبت من البكاء، أو يمكن لأني نسيت كيف الواحد بيبكي لما ما حدا بيسأله: شو في؟"
كانت تشتاق لصوت أمها، رغم أنها ما عاشت معها غير 11 سنة قبل ما تُطلق وتتركها عند جدتها.
كانت تقول في دفاترها:
"في كلمات لو قلتها اليوم، يمكن روحي ترتاح شوي…
بس مين بيسمع؟
مين فاضي ليسمع همّ بنت ساكنة وحدها، وما معها غير صوتها يجاوب على أسئلتها؟"
...
في شارع آخر، كان “مروان” يجلس كل ليلة أمام محل الأراجيل، لا ليدخّن، بل لأنه اعتاد الجلوس هناك بعد وفاة زوجته. كان الجميع يعرفه بصمته، وبالكرسي الفارغ دائمًا بجانبه.
كان كل من يمرّ به يقول: “هاد مروان، الله يعينه، مرته ماتت من سنتين ولساته مو قادر يتجاوز.”
لكن ولا واحد منهم جلس معه، أو قال له: “احكيلي عنها.”
كان مروان يكتب أيضًا. على ورق الجرائد، لأنه ما عنده دفتر.
كتب مرّة:
"كلهم بيقولوا: الله يعينك. بس ما في ولا حدا قال: خبّرني عنها، شو كانت تحب؟ شو أكتر شي بيذكّرك فيها؟"
"أنا ما بدي يتعاطفوا معي، أنا بدي أشارك الذكرى مع حدا…
لأن الذكرى لما تضل لحالك، بتصير قبر جواتك.”
...
في كل حيّ، هناك من يُخفي وجعه خلف ابتسامة مكسورة.
هناك من يخبئ نفسه في الزاوية، لا لأنه لا يريد أن يُرى، بل لأنه اعتاد ألا يُراه أحد.
"كلمات لا تُقال” ليست ترفًا…
هي بوحٌ مُتأخر، صرخة مكتومة، دعوة للإنصات.
هي قصص صامتة نعيشها كل يوم، لكن لا نجد من يصغي.
هي تلك اللحظة اللي بتوقف فيها قدام شخص عزيز وبتتمنى تقول: “أنا مش تمام"،
لكنّك تبتلع كل شيء وتقول: “الحمدلله“.
...
وفي حكاية أخرى، هناك “ليلى“، الأرملة الأربعينية، التي تعمل في تنظيف بيوت الأغنياء.
ذات مرة، كانت تنظف غرفة بنت صغيرة، فوجدت دفترًا على السرير.
قرأته دون قصد، فوجدت فيه جملة كُتبت بخط الطفلة:
"ما حدا بحبني، حتى ماما مشغولة كل الوقت.”
وضعت ليلى الدفتر مكانه، ومسحت دمعة فرت منها.
وحين عادت إلى بيتها، أمسكت دفترها الخاص، وكتبت:
"حتى الأطفال عندهم كلمات لا تُقال…
حتى قلبهم الصغير بيحمل خيبة ما بتليق بأعمارهم.”
...
كل هذه القصص ليست خيالًا، بل قطع من حياة عاديين.
ناس مثلنا، ما كانوا يحتاجوا أكثر من أذن تسمع، أو صدر يُخبّئ فيه تعبهم.
نحن لسنا بحاجة لكل هذا الضجيج لنُشعر الناس أننا موجوعين.
في كثير من الأحيان، نظرة واحدة صادقة… تسند قلبًا بأكمله.
...
ولازم نحكي. لازم نكمل.
لأن الأصوات المكتومة، إن لم تجد طريقها، تتحوّل إلى حزن مقيم، ووجع مستمر، وليل بلا صبح.
الفصل الرابع – “أناس بلا أسماء"
في الزاوية القصيّة من كل شارع، هناك وجه لا يُلتفت إليه. يد ممدودة لا تطلب، لكنها تقول كل شيء. نظرة كسيرة مرّت على عشرات العيون دون أن تتلقّى نظرة بالمقابل. نحن لا نراهم لأننا لا نحب أن نُذكّر بنهاياتنا المحتملة.
أناس بلا أسماء... ليس لأنهم بلا اسم، بل لأننا لم نمنحهم حتى فضول السؤال عنه.
العم “أبو نبيل”، رجل في نهاية الخمسينات، يبيع الصحف القديمة قرب محطة الباص. كل صباح يُرتّب رزمة أوراقه على طاولة خشبية مكسورة، يغسل وجهه بقنينة ماء صغيرة يحتفظ بها في كيسٍ بلاستيكي، ويبدأ بنسج يومه من جديد.
أبو نبيل لم يكن دائمًا بائع صحف. كان موظفًا في إحدى الدوائر الحكومية. يروي أن اسمه مرّ ذات يوم على لائحة موظفي الشهر، لكن أحدًا لم يُصفّق. “كان التصفيق للمسؤول اللي وقّع الورقة، مش إلي“، قالها وهو يضحك، ثم يسعل كمن يختنق بصدى الزمن.
زوجته ماتت وهو في الدوام. لم يُبلّغوه إلا بعد دفنها. لم يكن له وقت للحزن. عليه أن يوقّع حضورًا في دفتر الدائرة.
منذ تلك اللحظة، قال: “انتهى شيء في داخلي، بس ما كنت بعرف شو هو.”
وحين سُرّح من عمله فجأة مع آخرين، لم يسأل كثيرًا. حمل كرامته، وبحث عن شيء لا يحتاج إذنًا للبدء به. وهكذا صار بائع صحف.
"الناس بتحسبني ببيع ورق، بس أنا ببيع الوقت، ببيع أخبار عن عالم ما بتعرفني، بس أنا بعرفها كلها.”
كان يحفظ وجوه العابرين. يعرف من الذي يُحب صفحة الرياضة، ومن يفتح الصفحة الأخيرة ليقرأ الوفيات، ومن يشتري الجريدة فقط ليخفي وراءها وجهًا يريد أن يختبئ من شيء ما.
كان يرى التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها الآخرون: الطفل الذي يتأخر عن الباص لأنه ينظر إلى لعبة معلقة في محل مجاور. المرأة التي تمرّ كل صباح، تمشي بخطى مترددة كأنها تنتظر شيئًا لم يأتِ بعد.
سألته مرّة إن كان يشعر بالوحدة، فأجابني:
”الوحدة مش إنك تكون لحالك، الوحدة إنك تكون بين الناس وما حدا يشوفك.”
كان يحكي بصوته المبحوح وكأن الكلمات تتسلّل من بين ضلوعه، لا من فمه.
في أحد الأيام، مرّ شاب صغير وسأله: “ليش بتقرا الأخبار القديمة؟"
ردّ عليه وهو يربّت على رزمة الأوراق:
”الأخبار القديمة ما بتكذب، هيك على الأقل بنعرف شو صار فعلاً... مو مثل اليوم، كل شي بيتجمّل.”
ضحك الصغير، لكنه لم يفهم. أما أنا، فكنت أفهم جيدًا. العم أبو نبيل لم يكن يقرأ الأخبار، بل يقرأ نفسه في كل سطر. كل فقرة كانت مرآة لزمنٍ لم يعد له، لكنه لا يزال يعيش فيه.
كل يوم يشتري منه أحدهم صحيفة، ثم يذهب. ولا أحد يسأله عن اسمه.
ثم هناك “وفاء“، عاملة تنظيف في مجمع ضخم.
امرأة أربعينية، ترتدي زيًا أزرق باهتًا، وتحمل سطل ماء يرافقها كما يرافق الظل صاحبه. وفاء تأتي قبل الموظفين، وتغادر بعدهم. تنظّف المكاتب التي تُصنع فيها القرارات، لكنها لا تُسأل عن رأيها في شيء.
يُنادى عليها بـ“يا آنسة“، أو “يا نظافة“، أو أحيانًا تُتجاهل تمامًا كأنها غير موجودة. لم يقل لها أحد: “شكرًا” إلا مرة، وكان ذلك من طفل جاء مع والده للعمل.
حكت لي أنها تحب الشتاء، ليس لأنه يجمّل المدينة، بل لأنه يُخفي دموعها تحت المطر دون أن يُلاحظ أحد. “أحيانًا ببكي وأنا عم أمسح الزجاج، بقول لحالي: يمكن الزجاج بيتذكر وجعي أكثر من الناس.”
لم تُكمل دراستها. كانت تحلم أن تكون مدرسة. تقول:
”كنت أحب أشرح لأخواتي، أكتب على الحيط وكأنو سبورة.”
لكن الزمن لم يُمهلها كثيرًا. والدها مات، وأمها مرضت، فخرجت للعمل وهي في السادسة عشرة. مرّت السنوات، وتراكمت المسؤوليات، وضاع الحلم بين سطور الواقع.
وفاء تعرف تفاصيل المجمع أكثر من أي موظف فيه. تعرف من يتأخر، من يتشاجر مع من، من يسرق الأقلام من المطبخ، ومن يترك فنجانه المتّسخ على المكتب.
لكنها لا تعرف شيئًا عن نفسها بعد الآن.
"أنا نسيت شو كنت بدي، صار كل يومي بس كيف أكمّل النهار وأرجع عالبيت.”
أحكي معها بين الحين والآخر، وأشعر أنها تكتب قصيدة بصمت، بقلمٍ لا يُرى، على جدران الممرّات. لو أن أحدهم فقط جلس معها لساعة... فقط ساعة... لربما تغيّر شيء في هذا العالم.
والشاب “رامي”، عامل توصيل في شركة صغيرة. عشرات الطلبات في اليوم، عشرات الوجوه التي لا تتذكره في اليوم التالي. يفتح الباب، يعطي الطلب، يُغلق الباب. لا حوار، لا سلام، لا سؤال: “كيفك؟"
في جيبه دفتر صغير يكتب فيه أسماء الشوارع التي يحبّها. يقول لي:
”في شوارع بتحس فيها بالراحة، بتحس إنو البيوت فيها بتضحك، وفي شوارع بتحس فيها إنك غريب حتى لو مريت فيها ألف مرّة.”
يروي أن أكثر ما يؤلمه هو نظرات الناس له، كأنهم يرونه فقط كرقم يتبع الطلب، لا كإنسان.
"أنا مش بس توصيل... أنا كمان ابن وأخ وصديق... بس محدا بشوفني.”
يحلم رامي أن يفتح مكتبة صغيرة، فيها زاوية قهوة، وزاوية قصص يكتبها عن كل الوجوه التي مرّت عليه.
"نفسي الناس تقرا عن حالها من عيوني... لأن يمكن أنا الوحيد اللي شافها بدون أقنعة.”
...
في كل شارع، على كل زاوية، يوجد شخص يمرّ بنا دون أن نعرف اسمه… لكنه يعيش، يحلم، يتألم، يحب، ويتكسّر بصمت.
"أناس بلا أسماء“، لا لأنهم لا يملكونها، بل لأن العالم لم يكلّف نفسه عناء السؤال.
أرأيتَ تلك المرأة التي تكنس الدرج كل صباح؟ وجهها مألوف، أليس كذلك؟ لكنها ليست من الوجوه التي نحفظها… نعرف الممثلات، المغنيات، حتى مؤثري تطبيقات الفيديو… لكن لا نعرف اسم المرأة التي تنظّف وراءنا.
تلك المرأة لها اسم، بيت، وجع في الركبتين، وأولاد ربما ينتظرونها كل مساء. تضحك أحيانًا وهي تمسح الأرض، تهمس بأغنية قديمة، أو تمسح دمعة نزلت لأنها فكرت في أمها التي لم تعد موجودة.
هي ليست عاملة تنظيف فقط، بل إنسانة كانت يومًا فتاة صغيرة، تجري في الحقول وتضحك من قلبها. كان لها أحلام كثيرة، لكن ضاقت بها الحياة، فاختصرت نفسها في خدمةٍ لا تُقدَّر، في نظرات لا تُرى، وفي حياة لا تُكتب.
ومثلها، البائع الذي يقف على الزاوية منذ ثلاثين عامًا، يبيع الصحف أو القهوة. يبتسم للجميع، يرد السلام، لكن كم مرة قلت له: “كيفك عن جد؟ كيف قلبك؟ كيف صحتك؟”
هو يعرف الناس أكثر مما يعرفونه. يقرأ وجوههم كل صباح، يتابع أعمارهم تكبر أمامه، يرى الأولاد يكبرون، والكبار يشيبون… وهو يظل في مكانه، ثابتًا كأرصفة المدينة، كأنه جزء من الديكور.
لكنه ليس ديكورًا.
هو رجل له قصة حب لم تكتمل. له رسالة لم تُرسل، وله وجع في الظهر من الوقوف الطويل.
...
في كل بناية، يوجد حارس. شخص نراه يوميًا ولا نعرف اسمه. نقول له “صباح الخير” أحيانًا، ونمرّ. لا نعرف أنه يقضي الليل في غرفة صغيرة، يحلم فيها بعالم آخر، أو يكتب رسالة طويلة إلى ابنه البعيد، أو يحفظ صورة قديمة في جيبه منذ عشرين عامًا، لأنها الشيء الوحيد الذي يُشعره أنه كان إنسانًا يُحَب.
هؤلاء هم الناس الذين لا تُكتب عنهم الروايات، ولا تصوّرهم الكاميرات. حياتهم بسيطة، يومهم يشبه أمسه، وأحلامهم غالبًا ما تُؤجّل.
لكنهم أبطال. أبطال حقيقيون، لا لأنهم فعلوا شيئًا خارقًا… بل لأنهم استمرّوا رغم كل شيء.
...
هل تذكر تلك العجوز التي تجلس على الرصيف؟ لا تطلب المال، فقط تجلس. تمرّ الناس من جانبها، تنظر إليها أحيانًا بشفقة، أحيانًا بملل، لكنها موجودة.
في قلبها رواية كاملة، لكنها صامتة.
كانت أمًا، زوجة، ربما جارة طيّبة تُطعم القطط. ثم أخذتها الأيام، قلّ زوّارها، كبرت وحدتها، وضاق قلبها. لكنها ما زالت تأتي للرصيف، ربما لأن الشارع أكثر صدقًا من الغرف الفارغة.
...
هم “أناس بلا أسماء“، لكنهم، بطريقة ما، أكثر صدقًا من كل من نعرفهم.
هم الذين يحفظون الحياة في تفاصيلها، الذين يُربّون المدن بصبرهم، ويُخفون تعبهم كأنهم لا يملكون الحق بالتعب.
في هذا الفصل، وفي نهاية هذا الكتاب، لا أريد أن أكتب عنهم فقط، بل أريد أن أقول لهم:
أنا أراكم.
أنا أرى يدك المتشققة، عينك التي لا تشتكي، ظهرك المُتعب، وقلبك الذي لا زال يمنح ولو لم يُؤخذ منه.
أنا أراك، وأسمعك، وأكتبك، لا لأنك “قصة مؤثرة“، بل لأنك الحقيقة التي تُهملها الحياة.
لك اسم… حتى لو نسيه الجميع.
لك حكاية… حتى لو لم تُروَ بعد.
ولك مكان… في قلوبنا، في هذا الكتاب، وفي ذاكرة الحياة.
...
النهاية:
حين يغلق القارئ هذا الكتاب، أتمنى أن ينظر حوله بعين أخرى.
أن يتأمل أكثر، يسأل أكثر، يشعر أكثر.
أن يمرّ من جانب أولئك “الذين بلا أسماء“، فيمنحهم لحظة حقيقية من الحضور… حتى لو كانت نظرة صادقة، أو كلمة صغيرة، أو حتى ابتسامة لا تُطلب.
لأن العالم لا يتغير بالكلمات فقط… بل بالشعور.
وهذا الكتاب كُتب ليشعر.
كُتب لمن ظنّ أنه غير مرئي.
كُتب لك.
نعم… لك.
لأنك مهما كنت في الزاوية، أو خلف الستار، أو على هامش الضوء…
أنت حاضر. أنت موجود. أنت مهم.
ولا شيء فيك مهمل.
🍂 الخاتمة:
حين تصل إلى هذه السطور، تأكّد أن هناك من تذكّرت وجهه، ربما عامل بسيط، أو جار صامت، أو عجوز تراه كل يوم دون أن تعرف اسمه.
ربما، وأنت تقرأ، شعرت أن قلبك ضاق… لأنك تذكّرت كم مرة مررت من جانب أحدهم دون أن تقول “شكرًا“، أو “كيفك؟“، أو حتى أن تنظر إليه بصدق.
لكن لا بأس…
الوعي يأتي متأخرًا أحيانًا، لكنه حين يأتي، يُبدّل كل شيء.
إن كنت قرأت هذا الكتاب بقلبك، فاعلم أن رسالته وصلت.
وإن كنت شعرت بهم، حتى للحظة، فاعلم أن وجودهم لم يكن عبثًا.
العالم لا يحتاج معجزات كي يتغيّر… فقط يحتاج أن نرى بعضنا.
أن نُحسّ ببعضنا.
أن لا نمرّ بجانب الأرواح وكأنها حجارة.
العبرة؟
في كل شارع تمرّ به، هناك حياة لا تعرفها.
وفي كل وجه تصادفه، هناك وجع لا يظهر.
لا تكن من الذين يعبرون دون أن يلمسوا… دون أن يُقدّروا.
كن ممن يراهم.
لأن “المُهْمَلين” ليسوا هم المشكلة…
المشكلة، أننا لم نمنحهم فرصة أن يكونوا مرئيّين.