Colonel 1
في ذلك القصر الفخم بعاصمة فنلندا، حيث تتراص أغلى السيارات في العالم أمام المدخل المزيّن بثريات الكريستال المتألقة، أقامت عائلة "جورج"، إحدى أعرق العائلات العسكرية وأكثرها ثراءً، حفلًا فاخرًا احتفالًا بمرور ستين عامًا على إرثها.
عند أعلى السلالم الرخامية، وقفت "فايوليت" أمام مرآة ضخمة، تعدّل أطراف فستانها الأنيق حين اقتربت والدتها، تثبت ياقة الفستان بحركة محسوبة، قبل أن تهمس بنبرة جافة:
"تعالي بسرعة، الجميع ينتظرك."
أومأت فايوليت بخفة، متبعة والدتها دون كلمة، فقد اعتادت هذه النبرة القاسية، وهذا الجفاء المعتاد الذي لا يستثنى منه سوى لحظات الحفلات الرسمية. كيف لا، وهي لم تكن سوى واجهة أخرى تكمّل الصورة المثالية للعائلة؟ مجرد فتاة تبنّوها لإكمال مشهدهم الاجتماعي المتقن.
هبطت الدرج بخطوات رشيقة، لكن صوت والدتها استوقفها بصرامة:
"تذكّري، عليكِ التصرّف بلباقة. أي خطأ... أنتِ تعلمين العاقبة."
رغم أن والدتها كانت امرأة جميلة، بشعرها الأسود القصير وعينيها الزرقاوين، إلا أن ملامحها الجامدة جعلتها تبدو وكأنها منحوتة من جليد.
"حاضرة، أمي."
ردّت فايوليت بخفوت، تفرد ظهرها، معتدلة بوقفها كما تم تلقينها. لا مجال للخطأ. لا مجال لإظهار أي علامة ضعف، وإلا... ستكون هناك آثار جديدة تُضاف إلى جسدها.
نظرت إليها والدتها للحظات، قبل أن تومئ برضا، ثم أشارت إليها قائلة:
"ابتسامة."
وضعت فايوليت ابتسامتها المصطنعة، ولم تتردد في إحاطة ذراع والدتها بذراعها، كما هو مطلوب منها تمامًا، ثم سارت بجوارها حتى وصلا إلى مكان الحفل، حيث كان الرجل الذي يُفترض أن يكون "والدها" ينتظر وسط نخبة الضيوف.
حين وقعت عيناها عليه، لم تشعر بشيء. لم يكن أبًا، لم يكن حتى ظلًّا لذلك.
التفت الرجل للحضور بابتسامة عريضة، ويده تحاوط خصرها كأنها ملكية معروضة، ثم أعلن بصوته الجهوري:
"أوه، هذه ابنتي فايوليت."
ابتسم أحد ضيوفه وقال بنبرة خفيفة:
"ومن لا يعرف فايوليت؟ الفتاة المحظوظة التي تبنّتها عائلة جورج."
في تلك اللحظة، شعرت فايوليت برغبة قوية في الضحك. محظوظة؟ لو كانوا يعلمون الحقيقة...
انحنت لهم بخفة، كنوعٍ من الاحترام، فهم جميعهم رجالٌ كرسوا أعمارهم في خدمة الوطن، بينما عادت إلى صمتها، تحافظ على ابتسامتها الهادئة المصطنعة.
وسط أحاديث الرجال الصاخبة، اقترب منها "نواه"، ابن أحد أصدقاء والدها، ممسكًا بيدها برقة مبالغ فيها قبل أن ينحني ويقبّلها قائلاً بابتسامة خفيفة:
"جميلة كعادتك، يا شقراء."
لم يكن الأمر سوى خطوة أخرى في الاتفاق الذي أُبرم منذ سنوات، اتفاق يهدف إلى جمع العائلتين عبر زواج لم تسأل عنه يومًا.
"شكرًا لك، نواه."
سحبت يدها بهدوء من قبضته، رغم معرفتها الجيدة بما سيترتب على ذلك. كانت تعلم أن والدها لن يغفر لها هذا الرفض العلني، وأن الثمن سيكون ساعات طويلة من العذاب، لكن... أن تُستغل حتى آخر لحظة من عمرها؟ لا.
شعرت بيد والدها تضغط بخفة على خصرها، كتحذير صامت، بينما ضحك متحدثًا بنبرة مرحة مصطنعة:
"لا تقلق، سيد نواه، إنها خجولة قليلًا... ربما علينا تركهما سويًا لبعض الوقت؟"
حدّقت فايوليت بوالدها، متجاهلة ألم قبضته المشدودة على خصرها، ثم هزّت رأسها نافية، متخلية عن أي أثر لابتسامتها الزائفة.
رفع نواه حاجبه قليلًا، ينظر إليها، ثم حوّل بصره نحو والدها الذي تحمحم بإحراج قبل أن يردّ بابتسامة متكلفة:
"فقط خجولة... سيكلمها أخوها قليلًا."
التفت نحو ماركو، شقيقها بالتبني، قبل أن يضيف بصوت هادئ لكنه ذو مغزى:
"ماركو، اعتنِ بها."
"عن إذنكم."
نطقت بصوت هادئ، متراجعة للخلف، متجهة نحو مجموعة الفتيات، محاولةً الفرار قبل أن يتمكن أيٌّ منهم من الاستفراد بها.
لكن قبل أن تخطو بعيدًا، شعرت بيد ماركو تقبض على خصرها، أقوى مما فعل والدها، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة زائفة، تخفي خلف عينيه الزرقاوين بحرًا من الحقد المتوعد.
"أختي، أنا بحاجة إليكِ. تعالي معي."
زمّت شفتيها بخفة، قبل أن تومئ له بخضوع ظاهري، ثم استدارت نحو نواه وقالت بابتسامة صغيرة:
"سيسرني الحديث معك لاحقًا."
بالطبع، لم تكن تنوي الحديث معه مطلقًا، لكنها كانت مجرد خدعة صغيرة... مجرد محاولة يائسة لتفادي ما ينتظرها.
أومأ لها نواه بابتسامة خفيفة، بينما كان ماركو قد بدأ بسحبها نحو الطابق العلوي.
وما إن أُغلِق الباب خلفهما، حتى وجدت نفسها تُلقى بعنف على السرير، قبل أن تسمع صوت المفتاح يُغلق بإحكام داخل قفل الباب.
صرّت على أسنانها بقوة، جسدها النحيل يتلوى من الألم.
ارتطمت بالأرض بقوة، الهواء يُسحب من رئتيها لوهلة، شعرت كما لو أن عظامها قد تحطمت. لم يكن سقوطًا عاديًا، لقد رُميت كدميةٍ متهالكة من يد رجلٍ معتادٍ على تحطيم كل ما يقع بين قبضتيه.
رفع رأسه، يراقبها كما لو كانت حشرةً مثيرةً للاشمئزاز، قبل أن يمد يده إلى حزام سرواله، يفكّه ببطء، صوت الجلد وهو ينفلت من مشبكه أشبه بصوت الأفاعي عندما تتهيأ للهجوم.
"كيف لقذرةٍ مثلك أن ترفض شخصًا مثل نواه؟"
قالها بصوتٍ غليظ قبل أن يهوي بالحزام على ظهرها بكل ما يملك من قوة.
صوت الجلد وهو يمزق الهواء سبق الألم، لكن حين ضربها، شعرت وكأن عمودها الفقري قد انكسر.
جسدها ارتجف بعنف، حرارة الضربة انتشرت كالنار في جلدها، لكنها قاومت. لن تصرخ. لن تمنحه متعة سماع عذابها. لم يكن هذا أول عذاب تتلقاه منه، لكنها عزمت على أن يكون الأخير.
زمجر، غاضبًا من صمتها، فرفع الحزام مجددًا، وبلا تردد، هوى به عليها مرةً أخرى. هذه المرة، الضربة لم تكن مجرد لسعةٍ على الجلد، بل شقّت الطريق إلى جروحها القديمة التي لم تلتئم بعد.
كتمت أنفاسها، الدم يزحف تحت ملابسها، الألم يشعل جسدها، لكنه لم يكن كافيًا له.
اقترب منها، أمسك بشعرها، جذبه بقسوة حتى شعرت وكأن فروة رأسها ستُقتلع. ارتفعت عن الأرض، قدماها بالكاد لامستا البلاط البارد، حتى اقترب فمه من أذنها، وهمس بصوتٍ مقزز:
"ستتزوجين من نواه رغمًا عنكِ... هل تفهمين؟"
ثم رمى رأسها بعنف، فسقطت مجددًا، رأسها ارتطم بالأرض، فانتشر الألم عبر جمجمتها. الغرفة بأكملها دارت أمام عينيها للحظات، لكن لم يكن لديها وقتٌ لتستوعب، لأنه رماها بالحزام قبل أن يخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه بصوتٍ مدوٍّ.
لم تتحرك.
جسدها كان يرتجف، الألم يتفجر في كل خليةٍ منه.
ببطء، رفعت يدها إلى فروة رأسها، شعرت بمكان قبضته، جلدها كان ساخنًا، نابضًا بالألم، وكأن أصابعه لا تزال مغروسةً هناك.
لماذا؟ لماذا عليها أن تعاني هكذا؟
"أين أنتِ، أمي؟ ألم تعديني أن تأتيني؟"
تقلّص جسدها، ضمّت ركبتيها إلى صدرها، تقاتل الدموع التي تهدد بالانفجار، لكن ما فائدة المقاومة الآن؟
لم تعد تملك شيئًا، حتى نفسها لم تعد ملكًا لها.
صوت الباب يُفتح فجأة جعلها تنتفض، تنظر بعيونٍ محمرة إلى الداخل، حتى وقع بصرها على الخادمة.
المرأة الوحيدة التي لم تعاملها كحيوانٍ في هذا القصر.
اقتربت منها، جثت على ركبتيها، أمسكت بيديها برفق:
"سيدتي..."
لكنها سحبت يديها بسرعة، الألم يجعلها تتصرف بعدائية رغم أن هذه المرأة لا تستحق ذلك.
"اتركيني وحدي..."
لم تتراجع الخادمة، فقط تأملتها لحظاتٍ قبل أن تتنهد، لتقول بصوتٍ منخفض، لكنه يحمل شيئًا لم تسمعه منذ زمنٍ طويل: أمل.
"هل أنتِ مستعدة لمواجهة الحياة؟ سأسـاعدكِ على الهرب."
رفعت فايوليت رأسها فورًا، حدقت بها بعينين واسعتين. للحظة، لم تستطع تصديق ما سمعته، لكنها سرعان ما أومأت بإصرار، تكاد أن تلتقط أنفاسها بصعوبة من فرط الانفعال.
"كنت أنوي الهرب على أي حال..."
تمسكت بيديها بقوة، عيناها تتوسلان إليها:
"رجاءً، ساعديني."
شدّت الخادمة على أصابعها بلطف، عيناها تعكسان يقينًا:
"الآن هو الوقت المناسب. سأتأكد من خروجكِ، وفي نهاية الطريق، ستجدين أخي بانتظاركِ. سيأخذكِ إلى الحدود الفنلندية-الروسية، بعيدًا جدًا عن هذا الجحيم، حيث لن يستطيع أحدٌ العثور عليكِ."
كان ذلك أكثر مما حلمت به. حريتها قريبة، أقرب من أي وقتٍ مضى.
ابتلعت فايوليت ريقها، عيناها تمتلئان بالامتنان بينما تحتضن الخادمة بقوة، تكاد تسحقها بين ذراعيها.
"لن أنسى هذا أبدًا... سأعود يومًا لتحريركِ، أعدكِ بذلك."
بادلتها المرأة الحضن، تمسح على رأسها برفق، قبلت خدها، ثم نظرت إليها بعينين دافئتين قبل أن تهمس:
"فايوليت، أنتِ قوية، وستنجحين."
مسحت فايوليت دموعها، تشبثت بكلماتها كأنها طوق نجاة، تنظر إلى الخادمة كأنها آخر ملاكٍ في هذا الجحيم، قبل أن تتمتم:
"سأفعل، أعدكِ."
نهضت، تضمها لمرةٍ أخيرة، قبل أن تهمس:
"لنبدأ التسلل الآن."
أعطتها ملابس الخدم، وهي تهمس:
"ارتدي هذا، حتى لا تلتقطكِ الكاميرات."
لم تتردد، ارتدته بسرعة، قبل أن تحشو حقيبةً ، حاشدةً فيها القليل من الأغراض الأساسية وبعض المال الذي ادخرته وسرقت جزءًا منه.
الخادمة فتحت الشرفة، تطلّعت إلى الخارج، تأكدت من خلو المكان، ثم استدارت إليها:
"اقفزي للطابق الثاني، ومن هناك، اخرجي من مخرج الخدم."
نظرت فايوليت للأسفل، قلبها ينبض بجنون.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم دفعت جسدها نحو المجهول.
هبطت على قدميها، ركضت دون أن تنظر خلفها.
وبأقل من دقيقتين... كانت خارج أسوار القصر.
أخيرًا... حرة.
بعد سنتين...
عند الحدود الفنلندية الروسية، وسط غابة كثيفة تحيط بها الجروف الصخرية، كان المعسكر قائماً كقلعة من الجحيم. هنا، لا وجود للحياة إلا كرماد تحت الأقدام. لا أحد يهرب من هذا المكان إلا جثة هامدة أو وحشاً منزوع الإنسانية. الهواء هنا مشبع برائحة العرق والدم، والجثث التي لم يُعرف أصحابها بعد، مدفونة على عجل في عمق الأرض.
في مكتب محاط بالجدران الإسمنتية، جلس رجل ذو بنية ضخمة، كتفاه العريضتان كصخرة صامدة وسط العواصف. بشرته الداكنة تحمل آثار المعارك، تحكي عن سنوات من القتال والدماء، وندوب مر عليها زمن طويل.
في حضنه، استلقى نمر أسود، الوحش الذي لا يقل شراسة عن صاحبه، أنيابه تلمع في الضوء الخافت، وصوت تنفسه العميق يملأ الفراغ بصوت وحشي خافت. كان يمسح على فروه الكثيف، بينما الدخان يتصاعد من السيجار المشتعل بين أصابعه.
"متى ستصل طائرة المدربين الجدد؟" نطق بصوت عميق، بالكاد يهتم بالإجابة.
رفع مساعده سون، الرجل الوحيد الذي يثق به، عينيه نحو ساعته قبل أن يجيب بهدوء: "بعد نصف ساعة بالضبط."
لم يلتفت له، فقط نفث الدخان مجددًا، وكأنه يطرد به التفكير. مرر راحة يده على ظهر نمره. "كيف حال المنظمة؟" نطق بجمود،لم يكن السؤال اهتماماً، بل تقريراً عليه سماعه.
سون، الذي خدمه لسنوات، لم يكن يحتاج لتفسير ، بل اكتفى بتلخيص المستجدات وكأنه يلقي بأخبار الطقس: "كل شيء يسير كما خططت... الرهائن تم تصفيتهم، أعضاؤهم بيعت في السوق السوداء بأفضل الأسعار، وتم تحويل الأموال إلى الحساب المحدد."
أبعد الجينيرال السيجارة عن شفتيه، ثم، وبلا تردد، ضغط طرفها المشتعل على ظهر يده العارية. الجلد احترق، تصاعد الدخان، لكن عينيه لم ترمشا حتى. فقط رفع بصره ليقابل خضراوتي مساعده وقال ببطء: "أنت تقوم بعمل جيد، سون."
عبارة قليلة، لكنها تعني الكثير، فهو لا يثني على أحد بسهولة. أي شخص آخر كان سيسقط أرضًا لو تلقى منه كلمة إطراء، لكن سون، رغم فخره، اكتفى بالابتسام قليلاً وقال بتواضع:
"أنا أقوم بعملي وحسب."
قبل أن يُكمل حديثه، دوت طرقة قوية على الباب، ثم دخل أحد الجنود بخطوات عسكرية صارمة، يضرب تحية حادة قبل أن يعلن بصوت واضح: "سيدي الكولونيل، وصلت طائرة المتدربين."
"جيد، لنرَ هؤلاء الجراء."
نهض الجينيرال، وقفز النمر من حضنه كظل مرافق، استدار حول نفسه للحظة قبل أن يسير في أثر سيده. استقام بجسده الضخم، عضلاته تشد قميصه الأسود وهو يتجه للخارج ببطء مدروس. جسده الضخم تحرك ببطء مدروس، والخطوات الثقيلة التي تبعته كانت دليلًا على الهيمنة المطلقة التي يفرضها على المكان.
في الساحة، وقف المتدربون الجدد في صفوف مستقيمة. البعض من أبناء العائلات الثرية، أرسلتهم عائلاتهم لتدريبهم كوحوش حرب،ألقوا بهم هنا كوسيلة لإثبات جدارتهم، والذين تعلموا أن النجاة لا تأتي إلا عبر الدماء، كانوا مجرد قمامة بشرية لفظتها الحياة، لا قيمة لها إلا كأدوات في آلة الحرب القذرة.
مشى الجينيرال أمامهم، نظرته الحادة تنخر كل واحد منهم، يراقب وقفاتهم، تردد أنفاسهم، والأهم من ذلك... الخوف في عيونهم. كان يمكنه شمّ من سيسقط أولًا.
لكنه توقف فجأة.
هناك فجوة صغيرة بين الصفوف.
نظر نحو الفراغ، ثم خفض بصره قليلاً، ليجدها.
تلك الطفلة الهزيلة، كائن صغير، أقصر حتى من البنات الأخريات، نحيلة كأنها ستسقط مع أول ريح، لكن وقفتها كانت مستقيمة بشكل غير طبيعي. لم ترتجف، لم تتراجع، فقط حدقت فيه بعيون جليدية فارغة. كتلة ضئيلة وسط الأجساد العضلية والوجوه القاسية.
وقف أمامها، نظر إليها بازدراء قبل أن ينطق ببرود: "هل أنت خادمة جديدة؟"
رغم الإهانة في نبرته، لم يطرف لها جفن. ظلت واقفة بثبات، نظرتها الباردة بحر ساكن بلا أمواج، قبل أن ترد بنبرة جافة: "جورجيو فايوليت... متدربة جديدة."
رفع حاجبه باهتمام عابر، لكنه لم يُظهره. "كم طولك ووزنك؟"
"مئة وثلاثة وخمسون، الوزن خمسة وأربعون."
صمت للحظة وهو يتأملها. عيناها جامدتان، لكنها لم تكن مجرد طفلة، بل شيء آخر. شيء صُقل تحت القهر والتعذيب. لكنه لم يقل شيئًا، فقط تمتم بهدوء: "سنرى ما سنفعله بشأنك."
أكمل تفقد باقي المتدربين، سجل كل شيء في ذاكرته،ثم التفت أخيرًا وهو يصدر أوامره: "أروهم غرفهم جميعًا." ثم عاد ليحدق في الصغيرة مجددًا، صوته القاسي يقطع الهواء كالسيف: "وأنتِ... اتبعيني للمكتب."
كانت يداه خلف ظهره وهو يسير أمامها، خطواته تضرب الأرض بثقل، بينما في عقلها كانت تدور نفس الفكرة مرارًا وتكرارًا:
ليس لديك ما تفعله بي أكثر مما حصل بالفعل.
الجميع هنا يعلم تدريباته، يعلم أنها وحشية، يعلم أن أحدًا لم يخرج من يديه دون أن يُكسر.
لماذا، واللعنة، أرسلوها إلى هنا؟
تبع الجميع الجنود إلى غرفهم، بينما سارت هي خلفه، تحافظ على استقامة مشيتها. اثنا عشر عامًا من العذاب صقلتها جيدًا، فلم تعد تسمح لنفسها بإظهار الضعف.
جلس على كرسيه، وما إن دخلت حتى ارتفعت زمجرة نمر بجانبها، مكشرًا عن أنيابه.
تجمدت في مكانها، خطوة واحدة تراجعت بها للخلف، لكن ملامحها ظلت ثابتة، لم يظهر عليها الذعر.
- "شش... تعال، الآن."
مد يده نحو الوحش المفترس، فاقترب منه النمر على الفور، يلعق يده ويعضها برفق. رفع الجنرال عينيه إليها وقال بنبرة باردة:
- "أنتِ وسط الحيوانات المفترسة هنا، بشرية وحيوانية."
حدقت به للحظة، ثم استعادت توازنها سريعًا، ملامحها عادت للبرود المعتاد. ركنت صدمتها هذه بجانب عشرات الصدمات السابقة.
- "أنا أعلم، سيدي."
راقبها بصمت، حاجبه ارتفع قليلًا بينما عينيه تمسحانها من أعلى إلى أسفل. فتاة مثلها... جميلة، ناعمة، لا تصلح أبدًا لهذا المكان. لم يقل ذلك، لكنه كان أول ما خطر في باله.
- "ما الذي أحضر فتاة مثلك إلى هنا؟" نطق بهدوء.
رفعت حاجبها بخفة، نبرتها هادئة لكن تحمل في طياتها أكثر مما يبدو:
- "هل لي أن أعلم ما الذي تقصده بـ فتاة مثلي؟ هل ينقصني شيء ما حتى لا أكون هنا؟"
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة، نقر بقلمه على سطح المكتب قبل أن يجيب:
- "أنتِ تجهلين تمامًا هذا المكان، ربما عليكِ أن تخشي على بشرتك تلك من الاحتراق تحت الشمس الحارقة هنا."
ردت بنفس الأدب البارد الذي حمل نبرة تحدٍّ خفية:
- "لو كانت أشياء بهذه التفاهة تشغل بالي، لما اخترت المجيء إلى هنا من الأساس، حضرة الكولونيل. سأتعلم ما يجب عليَّ تعلمه."
راقبها بصمت، عيناه تضيقان قليلًا، قبل أن يعلق بنبرة أكثر حدة:
- "أول شيء عليكِ تعلمه هنا هو احترام الجنود الأكبر منك. أرى فيك بعض الوقاحة، وهذا سيجعلني- للأسف- أضعكِ كوجبة خفيفة لنمري الصغير."
لم ترفّ لها عين وهي تجيب بثبات:
- "سأتعلم ما يجب عليَّ تعلمه... وسأموت هنا إن لم أستطع."
رفع عينيه إليها، هذه المرة بتمعن حقيقي. لاحظ الندوب القديمة التي تزين يديها، فعلق بصوت أكثر صرامة:
- "أنا الوحيد هنا من يقرر ما يجب أن تتعلميه. دلالكِ... اتركيه جانبًا. كوني مستقيمة معي، وإلا فإن عقوباتي أشد قسوة من أي ضرب تعرضتِ له في حياتك."
قبضت على يدها بخفة، تلعن القميص الذي كشف عن ندوبها. عينها لم تَحِد عن عينيه وهي ترد بنفس الجدية:
- "ليس لي دلال لأتركه، وسأتحمل تدريبك، حضرة الكولونيل."
لم يجبها، فقط أشار بيده نحو الباب.
- "يمكنك الذهاب، غرفتكِ في الطابق الثاني، رقم خمسة وثلاثون. الاستيقاظ عند الخامسة صباحًا، ارتدي ملابسك عندها وسأخبركم بالتعليمات جميعًا."
- "حاضرة."
أدت التحية للجنود، ثم استدارت وخرجت، تغلق الباب خلفها. سارت في الممر بخطوات ثابتة، حتى وصلت إلى غرفتها. دخلت، أغلقت الباب، ثم رمت حقيبتها الصغيرة على السرير.
المعركة بدأت.
زفر الهواء بعمق، يحرك رأسه ببطء. تلك النطفة الصغيرة... لن تتحمل حتى أبسط التدريبات، ومع ذلك تبدو مصرة بعناد مستفز.
عاد مساعده "سون" بعد أن انتهى من إيصال المتدربين إلى غرفهم.
- "لقد انتهيت، سيد دانييل."
أخرج سيجارة أخرى وأشعلها بهدوء قبل أن يسأل دون أن يرفع نظره:
- "هل رأيتها؟"
أومأ "سون" بخفة، توجه إلى النافذة وفتحها كعادته قبل أن يجلس، مستدعيًا النمر إليه. الوحش اعتاد عليه، فركض نحوه على الفور، واضعًا قائمتيه الأماميتين على ركبتيه.
نفث "دانييل" الدخان من رئتيه ببطء، قبل أن ينطق:
- "إذن؟ ماذا تظن بشأنها؟"
- "ظننتها طفلة ضائعة... لكنها تبلغ الثانية والعشرين."
رفع "دانييل" حاجبيه بصدمة طفيفة، التفت نحوه مستغربًا:
- "الثانية والعشرون؟! كنت أظنها في الخامسة عشرة."
أخذ الملف من يد مساعده، يقلب صفحاته بعينين فاحصتين.
قهقه "سون" بخفة، وكأن صدمته هذه كانت نسخة مما شعر به هو قبل دقائق. الملف أمامهما كان يوضح القليل فقط- اسمها الحقيقي الكامل، زمرة دمها، تاريخ ميلادها... تفاصيل سطحية لا أكثر. يشير أيضًا إلى أنها تربت في ميتم حتى بلغت الثامنة، قبل أن تتبناها عائلة "جورج" في فنلندا، الأمر الذي أثار حينها ضجة إعلامية كبيرة. لكن اللافت للنظر كان الفراغ في جزء من سجلها- لا معلومات تذكر عن العامين الأخيرين من حياتها.
نقر "دانييل" بإصبعه على التقرير، نبرته محايدة لكن تحمل اهتمامًا خفيًا:
- "بعض المعلومات ناقصة هنا."
- "لم نجد أي شيء عنها خلال تلك الفترة. آخر ما نعرفه أنها هربت من قصر العائلة، ولا أحد يعلم ما الذي فعلته أو أين كانت حتى ظهورها هنا."
أومأ "دانييل" بهدوء، رفع السيجارة إلى شفتيه، سحب منها نفسًا طويلًا قبل أن ينفثه ببطء:
- "إذن... عائلة جورج تلك كانت تعذبها؟"
هز "سون" كتفيه بخفة:
- "بحسب السجلات، كانوا يعاملونها جيدًا... لكن لا أحد يعلم ما الذي يجري خلف الأبواب المغلقة."
ابتسم "دانييل" بسخرية، أعاد التقرير إلى مكانه بإهمال قبل أن يعلق:
- "الحياة في هذا العالم مجرد مسرحية، سون. لا تصدق أبدًا ما يقولونه."
ساد الصمت لوهلة، ثم تابع ببرود:
- "لقد فكرت في قتلها وبيع أعضائها."
لم يرفّ جفن "سون"، لم يظهر عليه حتى أثر تردد وهو يرد ببساطة:
- "هل تريدني أن أبدأ التنفيذ الليلة؟"
ارتسمت شبه ابتسامة على شفتي "دانييل"، قبل أن يجيب بلا مبالاة:
- "أجل، لن يكون لها أي فائدة في هذا المعسكر. وأبلغ ذلك اللعين الذي يسمي نفسه رئيس أوكرانيا أن يتوقف عن إرسال تهديداته لي... لصبري حدود."
- "حاضر، سيدي الكولونيل."
نهض "سون" مباشرة من مكانه، دون حاجة لسؤال آخر. لقد تلقى الأوامر... وعليه تنفيذها.
---
يتبع...