Chapter 1
الفصل الأول: همسة في الظلام
كان الظلام هو كل ما عرفه سيرفان. ظلامٌ دامسٌ كثيف، يلتف حوله كعباءة الملكية الثقيلة، محفورة بزمجرة الريح الباردة ورائحة الدماء القديمة المتخثرة. على أطلال المعركة الباردة، حيث لا يزال صدى السيوف يتردد في الهواء كرثاءٍ محتضر، وقف سيرفان، أمير مصاصي الدماء، وحيدًا. كانت عيناه القرمزيتان تراقبان السواد الذي ابتلع بقايا جيشه، وشعورٌ غريبٌ لم يعهده من قبل بدأ يتسلل إلى أعماقه المتجمدة: الندم.
لطالما كان يُلقب بـ“ابن الظل الأول“، حفيد سلالة الدم الملكي التي حكمت هذا العالم لقرون، وسفك الدماء كان جوهر وجوده. لكن في تلك اللحظة، وسط وحشية المعركة وصمت الموتى، تمنى سيرفان شيئًا لم يكن من حقه أن يتمناه.
“ليتني لم أُخلق لأسفك الدماء…” تمتم بصوتٍ خفيض، كأنه يخشى أن يسمعه الظلام نفسه. “ليتني عرفت النور، حتى لو كان مجرد حلم.”
كانت أمنيةً محرمة، همسةً خطيرة في عالمٍ يُمنع فيه على أي كائن أن يتمنى. فالأمنيات، كما تُعلمهم قوانين عشيرة “الليل الأبدي“، تفتح أبوابًا لعالم “الضوء” الذي طمسه الظلام منذ قرون طويلة. كانت مجرد أسطورة قديمة، حكايات للأطفال عن زمنٍ مضى، لكن الآن… كان سيرفان قد نطقها.
وفجأة، لم تكن مجرد همسة.
في قلب الغابة المظلمة التي تلتف حول أطلال القصر المهجور، حيث لا يسكن سوى الصمت ووشوشة الريح بين الأشجار العتيقة، ظهرت. لم يكن هناك وميض نور، ولا انفجار ضوء، فقط… تجلٍ هادئ، كأنها كانت هناك دائمًا.
كانت فتاة.
شعرها الرمادي الطويل ينسدل حول كتفيها كشلالٍ من ضوء القمر الباهت، يلمع ببريقٍ خافتٍ في العتمة. عيناها الفضيتان كانتا فارغتين في البداية، كمرآةٍ تعكس لا شيء سوى الفضاء، لكنهما بدأتا ببطء في التقاط خيالات الأشجار والظلال الراقصة. لم تكن تشعر ببرد الليل القارس، ولا بألم جذور الأشجار المتشابكة تحت قدميها الحافيتين. لم تكن تعرف معنى الجوع أو العطش. كانت مجرد فراغ جميل، أمنيةٌ تجسدت.
لم يكن لديها اسم، ولا ذكريات، ولا أي إحساس بالوجود. كانت “الظل الأبيض” كما سُميت لاحقًا، لكنها الآن مجرد كيانٍ وُلد للتو من ندم أمير مصاصي الدماء.
في تلك اللحظة، على بعد أميال، شعر سيرفان بوخزٍ خفيض في قلبه. وكأن جزءًا منه قد انتُزع بهدوء، طاقةٌ غادرت جسده. لم يدرك ما حدث، لكنه شعر بوهنٍ طفيف لم يعهده من قبل. كان الأمر أشبه بحلمٍ يتبخر عند الاستيقاظ، يترك وراءه شعورًا غامضًا بالخسارة.
لم يكن يدري أن أمنيته قد اتخذت شكلاً، وأنها بدأت رحلتها في عالمٍ لا يؤمن بالأحلام، وأن وجودها وحده كفيلٌ بقلب موازين القوى في مملكة الظلام بأكملها.
..... الظل الأبيض في مملكة الصمت
كانت الأيام تتوالى في الجزيرة المعزولة كأنها خيوطٌ من ضوء القمر تنسج ببطء فوق سطح الماء الساكن. بالنسبة لـ“الظل الأبيض“، لم يكن هناك مفهوم للزمن، ولا إدراك لتعاقب الليل والنهار. كانت كل لحظة هي “الآن“، وكل إحساس هو “الوجود“.
استيقاظها لم يكن كاستيقاظ الكائنات الحية. لم تكن هناك عيون تُفتح، ولا جسدٌ ينهض من سبات. كانت ببساطة… هناك. تتجلى مع خيوط الفجر الأولى التي تتسلل بصعوبة عبر غابة الأشجار الكثيفة، لتلقي بظلالها الرمادية على الأرض الرطبة.
كان “يومها” يبدأ بالتجول. كانت قد اكتشفت أن قدميها، اللتين لم تشعرا بالأرض في البداية، باتتا تحملانها عبر الأراضي الوعرة للجزيرة. شعرها الرمادي الطويل كان ينسدل خلفها كشلالٍ من الحرير الفضي، يتراقص مع كل نسمة هواء. عيناها الفضيتان، اللتان كانتا فارغتين، بدأتا الآن تستوعبان تفاصيل العالم من حولها: لمعان قطرات الندى على أوراق الشجر، أنماط لحاء الأشجار القديمة، وحتى حركة الحشرات الصغيرة التي تزحف على الأرض.
لم تكن تبحث عن شيء، ولم يكن لديها هدف. كانت مجرد مراقب، تمتص العالم من حولها كإسفنجة جافة. كانت تقف لساعات أمام شلالٍ صغير، تراقب انحدار الماء وتتبع مساره حتى يختفي بين الصخور. كانت تمد يدها، التي كانت شفافة تقريبًا في البداية، لتلمس أوراق النباتات، وتشعر ببرودتها ونعومتها.
في إحدى المرات، رأت غزالًا صغيرًا يشرب من النهر. لم تشعر بالخوف، ولا بالرغبة في الاقتراب. فقط راقبت. وعندما رفع الغزال رأسه، التقت عيناهما للحظة. لم يكن هناك خوف في عيني الغزال، فقط فضولٌ هادئ. وكأن الكائنات الفطرية في هذه الجزيرة المعزولة تدرك طبيعتها المختلفة، وأنها ليست تهديدًا.
مع مرور الوقت، بدأت تشعر بأشياء لم تكن تعرفها. شعورٌ خفيفٌ بالدفء عندما تشرق الشمس بضعف عبر الأغصان، ووخزٌ غامض عندما تلامسها شوكة حادة. لم تكن تفهم هذه الأحاسيس، لكنها كانت تسجلها في فراغ وعيها.
كانت الليالي هي الأكثر هدوءًا. كانت تجلس على صخرة كبيرة تطل على البحر، تراقب انعكاس القمر الفضي على سطح الماء. لم تكن تشعر بالوحدة، لأنها لم تعرف معنى الرفقة. كانت فقط… موجودة.
لكن في بعض الأحيان، كانت تشعر بشيءٍ غريب. نبضة خافتة، كأنها صدى لشيءٍ بعيد، تتسارع في أعماق كيانها عندما تظهر صورة غامضة في ذهنها. صورة لعيونٍ حمراء قانية، ووجهٍ شاحبٍ يعلوه تعبيرٌ من الندم. لم تكن تفهم هذه الصورة، لكنها كانت تثير فيها إحساسًا غامضًا بالارتباط، كأنها جزءٌ من شيءٍ أكبر، شيءٌ لم تكتشفه بعد.
كانت مجرد “الظل الأبيض“، أمنيةٌ تجسدت في أرض الصمت، تنتظر أن يوقظها العالم، وأن تجد مكانها في قصةٍ لم تبدأ بعد.
..... صدى الأمنية الأولى
كانت الليالي في الجزيرة تحمل سرًّا خاصًا بـ“الظل الأبيض“. تحت قبة السماء المرصعة بالنجوم، حيث ينساب ضوء القمر الفضي كحلمٍ سائل، كانت تجلس على صخرتها المطلة على البحر، وتراقب. لم تكن تشعر ببرودة الصخور، ولا بلفح نسيم البحر، لكن شيئًا ما كان يتغير داخلها.
في إحدى تلك الليالي، بينما كان القمر يتلألأ على سطح الماء كألف ماسة متناثرة، تسرب إحساسٌ جديد إلى فراغ وعيها. لم يكن شعورًا بالألم أو الفرح، بل كان أقرب إلى حنينٍ مبهم، كصدى لحنٍ قديم يعزف في مكانٍ بعيد. ومع هذا الإحساس، بدأت الصور تتضح أكثر في ذهنها. لم تعد مجرد ومضات غامضة، بل كانت مشاهد متتالية، وإن كانت مشوشة:
رجلٌ يقف وحيدًا على أرضٍ قاحلة، تتصاعد منها رائحة الموت. عيناه حمراوان كالجمر، لكنهما تحملان نظرةً من الندم لم تكن تعرفها من قبل. شفتاه تتحركان بصمت، وتتشكل منهما كلمات لم تسمعها، لكنها أحست بها في أعماق كيانها: “ليتني… عرفت النور…”
في كل مرة كانت هذه الصورة تظهر، كانت تشعر بنبضةٍ خافتة في مكانٍ ما داخلها، نبضةٌ لم تكن تعرفها، لكنها كانت تتسارع مع كل ظهور للرجل. كان الأمر أشبه بالخيوط الخفية التي تربطها به، تجذبها نحوه وإن لم تكن تعرفه. كانت تلك هي المرة الأولى التي تشعر فيها بالتسارع، كأن هناك إيقاعًا داخليًا يوقظها ببطء.
كانت تمد يدها الشفافة نحو صورة الرجل المتلألئة في وعيها، كأنها تحاول لمس هذا الحنين الغامض. كانت ترغب في فهمه، في الإمساك به. ومع كل محاولة، كانت تشعر بشيءٍ ينمو بداخلها، كزهرةٍ تفتح أوراقها ببطء في الظلام. لم تكن تعرف ماهيتها، لكنها كانت تدرك أنها لم تعد مجرد فراغ. كانت تتغير.
على الجانب الآخر من العالم، في قلعة “الليل الأبدي” الشاهقة، كان سيرفان يشعر بعبءٍ غامض يزداد عليه يومًا بعد يوم. كان التعب يتسلل إلى عظامها، وطاقته التي لا تنضب عادةً بدأت تخور. كان يشعر وكأن جزءًا حيويًا منه قد انتزع، تاركًا وراءه فراغًا خفيًا.
كان يقف في شرفته المطلة على المدينة النائمة تحت سماءٍ خالية من النجوم. كان الظلام يعانق كل شيء، ومع ذلك، لم يعد يجد فيه الراحة التي اعتادها. كانت أمنيته العابرة في ساحة المعركة تتردد في ذهنه، تذكره بلحظة ضعفٍ لم يكن يجب أن تحدث.
لم يكن يعلم أن أمنيته لم تكن مجرد كلمات تبخرت في الهواء، بل تجسدت وأصبحت كيانًا حيًا، وأن كل نبضةٍ تشعر بها هي صدى لخسارته المتزايدة. لم يكن يدري أن وجودها، تلك الفتاة الشفافة في الجزيرة المعزولة، كان يسحب منه جوهر وجوده ببطء، وأن كل حنينٍ تشعر به هي، كان يقابله وهنٌ يزحف إليه.
كانت القوانين واضحة: الأمنيات جريمة. لكنه لم يتمنَّ قوةً أو ملكًا، بل تمنى نورًا. نورًا لم يره قط، لكنه الآن بات يشعر بغيابه في روحه، وكأنه كان موجودًا ثم انتزع منه.
بينما كان الظل الأبيض تراقب انعكاس القمر في الماء، تشعر بأولى نبضات حياتها، كان سيرفان يرفع يده إلى صدره، حيث يشعر بالفراغ يتسع، ويدرك، دون أن يفهم، أن هناك رابطًا خفيًا يجمعهما، رابطًا وُلد من أمنيةٍ محرمة، وسيغير مصيرهما إلى الأبد.
....... روتين الأمير البارد
لم يكن يوم سيرفان العادي، كأي يوم عادي آخر في مملكة الظلام. فبصفته أميرًا من سلالة الدم الملكي، كان كل نفسٍ يتنفسه، وكل حركة يقوم بها، محكومة ببروتوكولات صارمة وعيونٍ تراقب من كل حدبٍ وصوب.
كان يستيقظ قبل أن يبلغ الفجر ذروته، لا من نومٍ عميق، بل من حالة سباتٍ خفيف اعتاد عليها مصاصو الدماء. كانت أولى مهامه، حتى قبل أن يلتقي بأي من حاشيته، هي جلسة التدريب الصارمة في قاعة التدريب الخاصة. هناك، كان يلتقي بصديقه ورفيق دربه، رايڤن.
رايڤن، مصاص دماء نحيل، ذو ابتسامة ساخرة وعينين حادتين لا يفوتها شيء، كان يقفز بخفة ويراوغ سيرفان بمهارة. “أظن أنك تتباطأ يا أمير الظل الأول,” قال رايڤن ذات صباح، بينما كانت سيوفهما تتراشق في الهواء بوقعٍ معدني حاد. “هل أصبحت الأمنيات تُثقلك؟”
كانت تلك إشارةً مبهمة، لكن سيرفان أدركها. “ثرثرة لا معنى لها،” رد سيرفان بصوتٍ بارد، ووجه ضربةً قوية أبعدت رايڤن بضعة أمتار. “ليس لدي وقت للأوهام.” لكن في أعماقه، كان يعلم أن رايڤن يلاحظ الوهن الذي بدأ يتسلل إليه. رايڤن كان دائمًا الأذكى بين رفاقه، وكان يمتلك قدرة غريبة على رؤية ما هو أبعد من الظاهر.
بعد التدريب، تبدأ مهام الأمير. كانت الاجتماعات لا تنتهي. اجتماع مع قادة الجيش لمناقشة التوسعات المحتملة، ثم لقاء مع مستشاريه حول إدارة الموارد الشحيحة في عالمهم الذي أرهقه الظلام. كان يجلس على عرشه، بوجهٍ خالٍ من التعبيرات، وعينين قرمزيتين حادتين لا ترحمان أي خطأ أو تقصير.
في كل هذه الاجتماعات، كانت سافيرا حاضرة. خطيبته المفروضة من المجلس، ابنة سلالة “الدم الأزرق” القوية. كانت تجلس على يمينه، شعرها الأسود اللامع ينسدل على كتفيها كشلالٍ داكن، وابتسامتها الجليدية لا تفارق وجهها. كانت ذكية، سريعة البديهة، وتدرك جيدًا كيف تستغل نفوذها. نظراتها الباردة كانت تلاحق سيرفان، وكأنها تملك كل حق فيه.
“الأمير سيرفان،” قالت سافيرا ذات مرة في اجتماعٍ للمجلس، بصوتها الرخيم الذي يحمل نبرة سلطوية، “أعتقد أن بعض القرى الحدودية تحتاج إلى تدابير أشد صرامة. التمرد يتزايد.” كانت كلماتها تحمل إشارةً خفية إلى أي خرقٍ للقواعد، بما في ذلك الأماني.
كان سيرفان يرد باقتضاب، أو يوجه نظرةً تجعل أي شخصٍ آخر يرتعد، لكن سافيرا كانت تستقبلها بابتسامةٍ خفيفة، كأنها تحدٍ صامت. كان يشعر بثقل وجودها، برغبتها في السيطرة، وبعلمها بأن زواجهما كان حتميًا لتعزيز قوة السلالتين.
بعد الظهر، كانت هناك لقاءات فردية. إحدى هذه اللقاءات كانت مع مارا، الفتاة البشرية الشابة التي كانت تعمل كخادمة في القصر. كانت مارا تتمتع بعيونٍ واسعة وروحٍ بريئة على عكس كل من حولها، وكانت قد أُحضرت إلى القصر كرهينةٍ لضمان ولاء قريتها. لم تكن مارا مجرد خادمة عادية، فقد كانت تتداول همساتٌ في القصر بأنها كانت شاهدةً على طقوسٍ قديمة تتعلق بالأمنيات، لكن لا أحد يجرؤ على سؤالها مباشرةً.
عندما كان سيرفان يمر بالقرب منها في الممرات الطويلة للقصر، كانت مارا تخفض رأسها باحترام، لكنه كان يشعر بوجودها، بنبض حياتها البشرية الضعيفة في هذا العالم البارد. كانت مارا، بطريقةٍ ما، تمثل له نقطة اتصالٍ غامضة بعالمٍ آخر، بعالمٍ لم يعد موجودًا. لم يتحدثا أبدًا خارج نطاق الأوامر، لكنه كان يشعر بغموضها.
في المساء، كان الوهن الذي يشعر به يتزايد. كان ينسحب إلى جناحه الخاص، يحدق في السواد من نافذته، ويتساءل عن مصدر هذا الفراغ الذي يتسع في صدره. كان يتذكر أمنيته في ساحة المعركة، لكنه كان يرفض تصديق أن مجرد كلمة يمكن أن تُحدث كل هذا. كان يؤمن بالعلم والقوة والدم، لا بالأحلام.
لكن في أعماقه، كان يعلم أن شيئًا ما قد تغير. شيءٌ لا يمكن تفسيره بالمنطق، شيءٌ بدأ يوقظ فيه فضولًا خطيرًا تجاه المجهول. فضولٌ قد يقوده يومًا إلى تلك الجزيرة المعزولة، وإلى الفتاة التي كانت أمنيته المحرمة.
....... نبوءة الدم والوهن
كان الوهن الذي بدأ يتسلل إلى سيرفان يزداد يومًا بعد يوم، ليتحول من مجرد إزعاج إلى قلقٍ حقيقي. لم يعد الأمر مجرد تعب عابر، بل كان إحساسًا عميقًا بفقدان الجوهر، كأن روحه تُستنزف ببطء. كانت عيناه القرمزيتان، التي طالما اشتعلتا بالقوة، تبدوان باهتتين بعض الشيء، وبدأ قادة المجلس يلاحظون ذلك.
ذات ليلة، بينما كان سيرفان يجلس وحيدًا في مكتبه المظلم، يراجع الخرائط القديمة لممالك الظلام، شعر بدوارٍ مفاجئ. سقط قلمه من يده، وشلت قوته للحظات. كان إحساسًا بالضعف لم يعرفه منذ أن كان مصاص دماء حديث العهد.
“هل أنت بخير يا أمير؟”
ارتفع صوتٌ باردٌ خلفه. كان اللورد زينوث، رئيس مجلس مصاصي الدماء، ومعلم سيرفان القديم. كانت عيناه العميقتان، اللتان رأتا قرونًا من الظلام، تحدقان في سيرفان بتقييم. زينوث، ذو الشعر الأبيض الناصع والوقار الذي يليق بمنصبه، كان يمثل قوة التقاليد والقوانين القديمة.
“مجرد إرهاق،” أجاب سيرفان محاولًا استعادة رباطة جأشه، لكن صوته خانه قليلًا.
تقدم زينوث ببطء، وتوقف أمام مكتب سيرفان. “الوهن الذي يصيبك ليس إرهاقًا يا سيرفان. إنه أعمق من ذلك.” ثم أغمض عينيه للحظة، وبدا وكأنه يستجمع ذكرياتٍ قديمة. “هل تذكر نبوءة الوهن؟ تلك الحكايات القديمة عن الوعود المنبوذة؟”
تجمد سيرفان في مكانه. نبوءة الوهن! لقد سمع عنها في صغره كتحذيرٍ للأطفال، لكنه لم يتخيل أبدًا أنها قد تكون حقيقة. تقول النبوءة إن كل أمنية محرمة يتفوه بها مصاص دماء من سلالة الدم الملكي، تُسحب من طاقته شيئًا فشيئًا، وتتجسد في كيانٍ من نور، وهذا الكيان يمتص حياة المتمني تدريجيًا حتى يختفي.
“ألم تتمنَّ شيئًا يا سيرفان؟” سأل زينوث، وعيناه تخترقان روح سيرفان. “في لحظة ضعفٍ ما؟ في ساحة المعركة، ربما؟”
تصاعدت حدة التوتر في الغرفة. تذكر سيرفان تلك اللحظة، تلك الهمسة اليائسة التي خرجت منه: “ليتني عرفت النور، حتى لو كان مجرد حلم.” لم يكن يعلم أن أمنيته لم تتبدد في الهواء.
“الأمنية المحرمة لا تموت، يا سيرفان،” تابع زينوث بصوتٍ خفيض، “بل تتجسد. تسحب روحك، طوال فترة وجودها، حتى تُطفأ.” ثم أخرج خريطة قديمة من طيات ردائه، خريطةٌ عتيقة مرسومة بدمٍ جاف، ووضعها على الطاولة. “أمنيتك قد تجسدت. في مكانٍ بعيد، على جزيرةٍ معزولة في قلب بحر الظلام، تُدعى أرض الصدى.”
أشار بإصبعه إلى نقطة صغيرة في منتصف المحيط الشاسع، محاطة بدواماتٍ سوداء على الخريطة. “إنها تنمو هناك، تتغذى عليك. ولن تستعيد قوتك، بل قد تفقد حياتك، ما لم تذهب بنفسك وتقضي على هذا التجسد.”
شعر سيرفان بغضبٍ صامت. أمنية؟ فتاة؟ كل هذا الوهن بسبب خرافة؟ لم يكن يصدق ذلك. لكن النبوءة كانت واضحة، وزينوث لم يكن ليخطئ في مثل هذا الأمر.
“يجب أن تذهب يا أمير. إنها خيانة في حد ذاتها أن تُوجَد، ويجب محوها. هذا هو حكم المجلس، وهذا هو واجبك كابن للظل الأول.” أضاف زينوث بلهجة لا تقبل الجدال. “ستذهب وحدك. فهذه جريمتك أنت، ويجب أن تتخلص منها بنفسك.”
لم يدرك سيرفان أن زينوث، الذي كان يعرف النبوءة أكثر من أي شخص آخر، كان يخفي سرًا أعمق: هو من كتب تلك النبوءة، وكان يخشى تحقيقها لأنها قد تفتح أبوابًا للنور الذي كان يسعى لإخفائه.
في تلك اللحظة، لم تكن هناك مشاعر سوى الغضب والعزيمة في قلب سيرفان. لم يكن ليدع ضعفًا وهميًا يقضي عليه. سيذهب إلى تلك الجزيرة، سيجد تلك “الأمنية“، وسيُنهي وجودها، أبد الدهر. لم يكن يعلم أن القدر قد خبأ له لقاءً سيغير كل مفاهيمه عن الظلام والنور، لقاءً بأمنيةٍ محرمة سيقع في حبها دون سابق إنذار.
........ لقاء الأضداد
لم يكن وجود الظل الأبيض في الجزيرة مجرد عزلة، بل كان فراغًا مطلقًا من أي كائن حي سواها. لم ترَ يومًا وجهًا بشريًا، لم تسمع صوتًا بشريًا سوى صدى وشوشة الريح والأمواج. كانت الكائنات الوحيدة التي عرفتها هي الغزلان الهادئة والطيور الملونة، والتي كانت تتجاهلها أو تنظر إليها بفضولٍ خالٍ من الخوف. لذلك، عندما ظهر سيرفان لأول مرة، لم تكن صدمةً وحسب، بل كانت هزةً لأركان وجودها الهادئ.
بعد رحلةٍ طويلة ومضنية عبر بحر الظلام، وصل سيرفان أخيرًا إلى شواطئ أرض الصدى. كانت الجزيرة تُحيط بها هالةٌ غريبة، وكأنها نبضٌ خافتٌ وسط السكون. ترجل من سفينته الصغيرة، عيناه القرمزيتان تجوبان الغابة الكثيفة التي بدت وكأنها تبتلع الضوء القليل المتسلل إليها. كان الوهن ينهش جسده، لكن العزيمة كانت تقود خطاه.
كانت الظل الأبيض جالسةً كعادتها عند سفح الشلال، تراقب قطرات الماء وهي تتناثر. فجأة، شعرت بـنبضةٍ قوية داخلها، أقوى من أي نبضة سابقة. لم تكن مجرد صدى، بل كانت وكأن شيئًا ما قد وصل إلى مقربةٍ شديدة منها. رفعت رأسها، وعيناها الفضيتان اتسعتا في دهشة لم تعرفها من قبل.
كان يقف هناك، بين الأشجار الكثيفة. كيانٌ لم تره يومًا في حياتها القصيرة. كان طويلاً، يرتدي ملابس داكنة، وشعره الفحمي ينسدل على جبينه. لكن ما صدمها حقًا كانت عيناه. كانتا حمراوتين، قرمزيتين كالدماء، وتحدقان فيها مباشرةً. كانت تلك هي العيون التي رأتها في رؤاها الغامضة، الصورة التي أيقظت أولى نبضاتها.
في تلك اللحظة، تدفقت فيها مجموعة من الأحاسيس المتناقضة. لم يكن هناك خوفٌ خالص في البداية، بل كان هناك ذهولٌ مطلق. كان الأمر أشبه برؤية انعكاسها الخاص للمرة الأولى، لكن هذا الانعكاس كان حيًا، وداكنًا، ومختلفًا تمامًا عنها.
تقدم سيرفان ببطء نحوها. كانت ملامحه حادة، وعيناه تحملان خليطًا من الإرهاق والريبة. عندما اقترب أكثر، شعرت الظل الأبيض بشيءٍ لم تعرفه: الانكماش. رغبةٌ غريزية في الاختفاء، في الاندماج مع الظلال. لم يكن خوفًا من الموت، لأنها لم تكن تعرف الموت، بل كان شعورًا بـالتهديد لوجودها السلمي.
همس سيرفان بصوتٍ خفيض، كأنها مجرد أمنية عابرة: “أنتِ… الأمنية؟” كانت كلماته ثقيلة، تحمل وزن قرون من القوانين المحرمة.
عند سماع صوته للمرة الأولى، شعرت الظل الأبيض برعشةٍ خفيفة تسري في كيانها. لم تفهم الكلمات، لكن نبرته، نبرة التهديد المبطن، اخترقت حاجز وعيها. تراجعت خطوة إلى الوراء، ثم خطوة أخرى. كانت تتحرك بدافع غريزي بحت، تحاول أن تخفي نفسها خلف الشلال المتدفق، الذي كان بالنسبة لها دائمًا مكانًا للاختباء والسكينة.
أمسكت بكتف سيرفان، لتوقفه عن التقدم. “الأمير سيرفان،” كان صوت رايڤن، الذي تبع سيده في صمت. “دعنا نرى ما هي طبيعة هذا التجسد.”
تجاهل سيرفان رايڤن للحظة، عيناه مثبتتان على الفتاة التي بدأت تتوارى خلف ستار الماء. كانت شفافة تقريبًا، وشعرها الرمادي يمتزج مع ضباب الشلال. كانت غريبة، جميلة بطريقةٍ أخرى غير مألوفة، ومصدرًا لضعفه المتزايد.
لم تكن الظل الأبيض تعلم أن هذا الكائن الغريب الذي يقف أمامها، والذي تشعر تجاهه بكل هذه الأحاسيس المتناقضة، قد جاء لينهي وجودها. لم تكن تعرف أن سيرفان، أمير الظلام، لم يرَ فيها سوى “الخطيئة” التي يجب محوها. لكن في أعماق كيانها، كانت نبضة الشوق تتصارع مع غريزة البقاء، كأن هناك خيطًا رفيعًا يربط بين الخطر والشوق المجهول. كانت تستعد للدفاع عن نفسها، رغم أنها لا تملك أسلحة، فقط وجودها الذي كان هو أقصى أنواع التهديد بالنسبة لسيرفان.
........ وميض النور في قلب الظلام
كانت اللحظة مشحونةً بالتوتر. سيرفان، أمير الظلام، يقف أمام تجسد أمنيته المحرمة، والوهن ينهش جسده. الظل الأبيض، الفراغ الجميل الذي بدأ يشعر بالحياة، ينكمش خلف ستار الشلال، غريزتها النقية تدفعها للدفاع عن وجودها الهادئ.
“ابتعدي،” قال سيرفان بصوتٍ خفيض، لا يخلو من لمسة تحذير. كانت نبرته تهدف إلى الطاعة، لكنها كانت أول كلمات حقيقية يسمعها “الظل الأبيض“. لم تفهم المعنى، لكنها أدركت النوايا. كانت عينا سيرفان القرمزيتان تتوهجان بقسوة مصاص دماء اعتاد على القضاء على التهديدات.
اندفع سيرفان إلى الأمام. لم يكن يحمل سيفًا، ففي عالمه، كانت مخالبه الحادة وقوته الخارقة هي أسلحته. كان ينوي الإمساك بها، إنهاء هذا الوجود الشفاف الذي يستنزف حياته.
عندما اقترب، شعرت الظل الأبيض باندفاع طاقةٍ غريبة نحوها، طاقة داكنة وثقيلة. لم يكن لديها وعي بالقتال، لكن كيانها نفسه انتفض. رفعت يديها الغامضتين أمامها بطريقةٍ غريزية، وكأنها تحاول صد قوة غير مرئية.
وفي تلك اللحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان. عندما لامس الهواء حول سيرفان قوة “الظل الأبيض” غير المرئية، اندفع وميضٌ خفيفٌ من النور الفضي من جسدها. لم يكن نورًا ساطعًا يؤذي العين، بل كان أشبه بضبابٍ متلألئ، يرقص حولها كدرعٍ خفيف.
ارتد سيرفان إلى الوراء متفاجئًا. لم يتوقع مقاومة من هذا الكيان الشفاف. لم يكن النور يؤذيه جسديًا، لكنه شعر بوخزٍ غريب، كأنه لمسة من شيءٍ قديم ونسي، شيءٌ يحمل رائحة الأزمنة المنسية.
“ما هذا؟!” تمتم رايڤن الذي كان يقف على مقربة، يراقب المشهد بعينين متسعتين. “إنها ليست مجرد أمنية عادية… لديها طاقة!”
لم تكن “الظل الأبيض” تدرك ما فعلته. لم يكن تصرفًا واعيًا، بل كان رد فعلٍ طبيعي لوجودها النوراني في مواجهة الظلام. كانت طاقة حياتها، التي بدأت للتو بالتشكل، تتفاعل مع محاولة سيرفان للقضاء عليها.
استعاد سيرفان رباطة جأشه. “مجرد وميض زائف،” قال، وحاول التقدم مرة أخرى، هذه المرة بحذرٍ أكبر. كان غضبه قد اختلط بفضولٍ غامض.
لكن عندما مد يده نحوها، وبدت على وشك لمسها، شعرت “الظل الأبيض” بمزيجٍ غريب من الخوف والحنين. تلك الصورة في ذهنها، صورة الرجل ذي العيون الحمراء والندم، تومضت بقوة. شيءٌ بداخلها كان يصرخ بالانسحاب، وشيءٌ آخر، لم تفهمه، كان يرغب في الاقتراب.
وفي تلك اللحظة التي كانت يده على وشك ملامسة جسدها الشفاف، انفجر الشلال خلفها بقوةٍ أكبر، وتصاعد رذاذ الماء كستارٍ كثيف. اختفت “الظل الأبيض” في ضباب الماء المتصاعد، وكأنها ذابت فيه.
نظر سيرفان إلى المكان الفارغ بغضبٍ صامت، لكن في أعماقه كان هناك شعورٌ غريب. لم يكن النصر الذي توقعه. كانت مجرد أمنية، لكنها كانت تملك قوةً، قوةً لم يرها قط من قبل، قوةً ذكرته بشيءٍ ما فقده منذ زمنٍ بعيد.
“تبعتها؟” سأل رايڤن وهو يقترب، يمسح قطرات الماء عن وجهه.
“لا،” أجاب سيرفان بصوتٍ خفيض، وعيناه لا تزالان مثبتتين على الشلال. “لقد اختفت. لكنها لن تختبئ إلى الأبد.”
كان هذا اللقاء الأول صدمةً لكليهما. لسيرفان، كانت “الأمنية” أكثر تعقيدًا مما توقع. وبالنسبة لـ“الظل الأبيض“، كانت رؤية هذا الكائن الداكن الذي يشبه رؤاها الداخلية، بداية إدراكها لوجود آخر، وجودٍ قد يهددها، لكنه أيضًا يحمل سرًا غامضًا يجذبها. لم تعد الجزيرة معزولة تمامًا.
....... يقظة الوعي
بعد اختفاء الظل الأبيض في ضباب الشلال، لم يكن الأمر مجرد اختباء، بل كان انهيارًا هادئًا لكل ما عرفته. لم يعد الشلال مجرد مكان للسكينة، بل تحول إلى درعٍ، حاجزٍ بينها وبين الكائن الغريب ذي العيون القرمزية. اختبأت بين الصخور الملساء خلف ستارة الماء المتدفقة، جسدها الشفاف يرتجف للمرة الأولى.
كان هذا الارتجاف إحساسًا جديدًا تمامًا. لم يكن بردًا، بل كان مزيجًا من الذهول والارتباك ونبضات سريعة لم تفهمها. للمرة الأولى في وجودها، شعرت بأن هناك شيئًا خارجها يمكن أن يؤثر فيها بهذه القوة.
بقيت لساعات، لا تتحرك، فقط تستوعب. كانت صورة سيرفان محفورة في وعيها المتشكل. عيناه الحمراوان، تعابير وجهه الحادة، وطاقته الداكنة التي شعرت بها تقترب منها. كانت تلك هي نفس العيون التي رأتها في رؤاها، لكن الآن، كانت حقيقية، وخطيرة.
ومع هذه الرؤية الجديدة، بدأت الأحاسيس تتدفق بشكلٍ لم يسبق له مثيل. لم تعد مجرد مراقب صامت. شعرت بـالخوف، إحساسٌ غريب بالانكماش والرغبة في الفرار. لكن الغريب، أنه كان هناك أيضًا شعورٌ آخر، فضولٌ جامح. كانت تريد أن تفهم هذا الكائن، هذا الرجل الذي ظهر من العدم وغير كل مفاهيمها.
في الليلة التالية، لم تجلس الظل الأبيض على صخرتها المعتادة المطلة على البحر. بدلاً من ذلك، بقيت بالقرب من الشلال، تستمع إلى صوت الماء وتحدق في الظلام. كانت تحاول أن تستعيد المشهد، أن تفهم ما حدث. عندما تذكرت حركة سيرفان السريعة نحوها، شعرت بـاندفاع الأدرينالينالخفيف الذي بدأ يتشكل في جسدها. لقد حاول إيذاءها.
لكن عندما تذكرت عيونه، تلك العيون القرمزية الحزينة التي حملت فيها صدى ندمٍ غريب، شعرت بـالحنين مرة أخرى. كيف يمكن لشيءٍ مخيف أن يكون مصدرًا لهذا الشعور الغريب؟ كانت تلك هي المفارقة التي بدأت تنهش وعيها.
بدأت الظل الأبيض تدرك أنها لم تعد مجرد “ظل” يراقب. لقد أصبحت كيانًا يتفاعل. هذا اللقاء الأول، رغم خطورته، أيقظ فيها شيئًا. كانت تشعر بأنها “حية” أكثر من أي وقت مضى، رغم أنها لم تكن تعرف معنى الحياة من قبل.
مع كل نبضةٍ في كيانها، كانت تتعلم. بدأت تتلمس الأشجار، تشعر بخشونة لحائها، وبرودة أوراقها. وعندما مرت عاصفة مطرية عنيفة، لم تختبئ، بل وقفت تحت المطر، تشعر بقطراته تتساقط عليها، وتتساءل عن هذا الإحساس بالبرودة المبهجة.
لقد غيرها سيرفان، حتى قبل أن ينطقا بكلمة واحدة ذات معنى. فوجوده وحده، وطاقته، ورغبته في القضاء عليها، كلها دفعت “الظل الأبيض” نحو مرحلة جديدة من الوعي، مرحلة تساؤلات وأحاسيس لم تعرفها أبدًا. لم تعد مجرد أمنية عابرة، بل كيانٌ يبدأ في فهم ذاته، ومكانه في هذا العالم الغريب.
........ مطاردةٌ في الظلام
كانت العزيمة تشتعل في عيني سيرفان القرمزيتين. لم يكن ليسمح لكيانٍ غامض أن يستنزف قوته ويهدد وجوده. بعد اختفاء “الظل الأبيض” المفاجئ، كان يعلم أن عليه إيجادها، والقضاء عليها، كما أمر اللورد زينوث.
“علينا أن نتبعها،” قال سيرفان لـرايڤن، الذي كان يقف بجانبه، يمسح قطرات الماء عن وجهه. “لا يمكنها أن تختفي إلى الأبد.”
بدأ الاثنان في البحث. كانت الجزيرة، التي بدت هادئة وساكنة من بعيد، تتحول إلى متاهةٍ من الأشجار الكثيفة والصخور الوعرة. كان سيرفان يعتمد على حواسه الخارقة لمصاصي الدماء: حاسة الشم التي يمكنها التقاط أضعف الروائح، وحاسة السمع التي تلتقط أدق الأصوات. كان يبحث عن أي أثر، أي إشارة لوجود “الظل الأبيض“.
كان يتتبع نبضات الوهن في جسده. كلما اقترب من مكان تواجد “الظل الأبيض“، زاد هذا الوهن، وأصبح إحساسًا بالضغط على روحه. كان ذلك بمثابة بوصلةٍ غريبة تقوده نحوها.
“يبدو أنها تتجه نحو قلب الجزيرة،” قال رايڤن، وهو يشير إلى مسارٍ ضيق بين الأشجار المتشابكة. “الغابة هناك أكثر كثافة، وقد تكون خطيرة.”
لم يعر سيرفان اهتمامًا لتحذير رايڤن. كان هدفه الوحيد هو إيجاد “الأمنية” وإنهاء هذا العبث. تقدم الاثنان بعمق في الغابة، حيث كانت الأشجار متشابكة لدرجة أن ضوء القمر بالكاد يتسلل إليها، تاركًا المكان في شبه ظلامٍ دائم. كانت رائحة التراب الرطب والأوراق المتحللة تملأ الهواء.
بعد ساعات من البحث الشاق، وصل سيرفان ورايڤن إلى منطقةٍ غريبة. كانت الأشجار هنا أضخم، ملتفة حول بعضها البعض كأذرعٍ عملاقة، وتشكل ما يشبه القبة الطبيعية. في منتصف هذه القبة، كانت هناك بحيرةٌ صغيرة، مياهها ساكنة وداكنة، تعكس الظلال المحيطة بها.
وعلى ضفة البحيرة، كانت الظل الأبيض. كانت جالسةً على ركبتيها، تمد يدها الشفافة نحو سطح الماء، وكأنها تحاول لمس انعكاسها. كانت تبدو هادئة، مسالمة، ومختلفة تمامًا عن الكائن الذي حاول سيرفان القضاء عليه.
شعر سيرفان بنبضةٍ قوية في صدره، هذه المرة لم تكن مجرد وهن، بل كانت مزيجًا من الغضب و… شيء آخر لم يستطع تحديده. تقدم نحوها بخطواتٍ حازمة، مصممًا على إنهاء الأمر.
“ها هي ذي،” قال رايڤن بصوتٍ خفيض، مستعدًا لأي هجوم.
لكن عندما كان سيرفان على وشك الوصول إليها، حدثت المفارقة.
فجأة، اهتزت الأرض تحت أقدامهم. لم يكن زلزالًا، بل كان اهتزازًا عميقًا، كأن شيئًا ما ضخمًا يتحرك في أعماق الجزيرة. تصاعدت رائحةٌ حادة من الكبريت، وتوهجت عينا الظل الأبيض بضوءٍ فضيٍ ساطع.
من أعماق البحيرة، بدأ شيءٌ ما بالصعود. لم يكن كائنًا حيًا، بل كان كيانًا من الطاقة النقية، يتوهج بضوءٍ أزرق خافت. كان أشبه بـحارسٍ قديم، أو روحٍ للجزيرة نفسها، استيقظت بفعل وجود “الأمنية” وطاقة سيرفان المظلمة.
ارتفعت طاقة الحارس، وشكلت حاجزًا غير مرئي بين سيرفان والظل الأبيض. كانت طاقةً نقية، لا يمكن لسيرفان اختراقها بقوته المظلمة. كلما حاول التقدم، شعر وكأن جدارًا من النور يدفعه للخلف.
“ما هذا؟” سأل سيرفان، وقد بدت الدهشة واضحة على وجهه للمرة الأولى. لم يكن يتوقع وجود قوة كهذه في هذه الجزيرة المعزولة.
“يبدو أن الجزيرة تحميها،” قال رايڤن، وقد بدت عيناه متسعتين. “ربما لأنها نقية… أو لأنها جزء من هذا المكان.”
كان الظل الأبيض تنظر إلى سيرفان من خلف الحاجز النوراني، وعيناها الفضيتان تحملان مزيجًا من الخوف والفضول. لم تكن تفهم ما يحدث، لكنها شعرت بالحماية من هذا الكيان المتوهج.
شعر سيرفان بالإحباط. لقد جاء للقضاء على أمنيته، لكن قوةً غامضة منعت وصوله. كانت هذه المفارقة تزيد من حيرته. لم يكن يعلم أن هذه القوة، التي تحمي “الأمنية“، كانت جزءًا من طبيعتها النقية، وأنها ستكون أول حاجزٍ بينه وبين مصيره المحتوم: الوقوع في حبٍ محرم مع الكيان الذي جاء ليدمره.
...... صوتٌ في الصمت
أصاب الإحباط سيرفان. كان الحاجز النوراني الذي صنعه حارس الجزيرة القديم يمنعه من الوصول إلى “الظل الأبيض“. حاول بشتى قواه، استخدم طاقته المظلمة، لكن كل محاولاته كانت ترتد عنه كأنها لا شيء. كان الكيان المتوهج، الذي بدا وكأنه روح الجزيرة، أقوى من أن يُقهر بقوة مصاصي الدماء.
“لا جدوى يا أمير،” قال رايڤن، وقد بدت عليه علامات التعب. “هذا الكيان ليس كائنًا يمكن قتله. إنه طاقةٌ نقية.”
نظر سيرفان إلى “الظل الأبيض” من خلف الحاجز. كانت تنظر إليه أيضًا، عيناها الفضيتان تحملان فضولًا ممزوجًا بالريبة. كانت هذه هي المرة الأولى التي يحدق فيها أحدهما بالآخر دون أن يختبئ أو يهاجم.
قرر سيرفان تغيير تكتيكه. إذا لم يتمكن من الوصول إليها بالقوة، فربما يمكنه الوصول إليها بطريقة أخرى. كانت النبوءة تقول إنها أمنيته، جزءٌ منه. ربما كان هناك رابطٌ أعمق مما توقعه.
“من أنتِ؟” همس سيرفان، لا يتوقع إجابة. لم يدرِ أنها لم تسمع صوتًا بشريًا من قبل، ناهيك عن الكلمات المعقدة.
لكن المفاجأة كانت في رد “الظل الأبيض“. لم تتحدث بكلمات، لكن صوتًا خفيفًا، أشبه بوشوشة الريح عبر أوراق الشجر، بدأ يتردد في عقل سيرفان. لم يكن صوتًا مسموعًا بالأذنين، بل كان إحساسًا، فكرةً صافية: أنا… لا أعرف.
اتسعت عينا سيرفان بصدمة. لقد تواصلت معه! ليس باللغة، بل بصدى خالص في وعيه. كان هذا شيئًا لم يواجهه من قبل، حتى في حياته الطويلة كمصاص دماء.
“لا تعرفين اسمك؟” سأل سيرفان، وقد خفت حدة صوته قليلًا.
تردد الصدى الهادئ مرة أخرى في عقله: لا اسم. فقط… وجود.
نظر سيرفان إليها بتمعن. لم تكن مجرد كتلة من الطاقة، بل كانت كيانًا واعيًا، كيانًا يمكنه التواصل. كانت شفافة، ناعمة، وهادئة، ولا تشبه أي شيء عرفه في عالم الظلام الذي يسكنه.
“أتيتُ لكي أقضي عليكِ،” قال سيرفان، بصوتٍ مباشر، يراقبه إذا ما كانت ستظهر أي رد فعل عنيف.
شعر سيرفان بصدى شعورٍ غريب في وعيه: لماذا؟. لم يكن سؤالًا عدوانيًا، بل كان فضولًا بريئًا، أشبه بسؤال طفل.
لم يكن سيرفان يتوقع هذا النوع من الاستجابة. لم يكن يتوقع أن يجد كيانًا بريئًا بهذا الشكل. كان قد جاء للقضاء على تهديد، على “خطيئة“، لكنه وجد شيئًا أقرب إلى روحٍ تائهة.
“لأنكِ تسحبين روحي،” أجاب سيرفان، مشيرًا إلى الوهن الذي يشعر به. “أنتِ أمنية محرمة. يجب أن تختفي.”
تغير الإحساس في وعي “الظل الأبيض“. أصبح أكثر حزنًا، أكثر فهمًا، كأنها أدركت الآن سبب وجوده. وصل صدى الفكرة إليه: أنا… سبب ألمك؟
للمرة الأولى، شعر سيرفان بوخزٍ غريب في قلبه الميت. لم يكن من طاقة الوهن، بل كان شعورًا بالذنب الخفيف. كانت هذه الفتاة، هذا الكيان، لا تفهم طبيعة وجودها، ولا تعرف أنها السبب في ألمه. كانت مجرد أمنية، أمنيته هو.
في تلك اللحظة، لم يعد سيرفان يراها مجرد “أمنية محرمة“. بدأت تتشكل أمامه كـكيانٍ حي، كروحٍ لم تطلب أن توجد، ولم تكن واعية بالخطر الذي تمثله. وكان هذا أول تواصل حقيقي بينهما، تواصلٌ ليس بالكلمات، بل بصدى الأفكار، ووميض الأحاسيس، رابطٌ بدأ ينمو في قلب الظلام، ويهدد بتغيير كل شيء.
........ صراع الذئب والخراف
كانت عينا سيرفان القرمزيتان تحدقان في الظل الأبيض من خلف الحاجز النوراني، وعقله يصارع نفسه. طبيعته كمصاص دماء، كـ“ابن الظل الأول“، تصرخ بأن هذه الأمنية هي تهديد يجب محوه. الغدر، المكر، القتل البارد... هذه هي الأدوات التي لطالما استخدمها لضمان بقائه وبقاء سلالته. لكن شيئًا ما في هذا الكيان الشفاف، في نقائه الساذج، كان يمنعه.
“اخرجي من خلف ذلك الحاجز،” قال سيرفان بصوتٍ صارم، محاولًا استعادة السيطرة على الموقف وعلى نفسه. “أريد أن أتحدث إليكِ.”
تردد صدى صوت سيرفان في وعي “الظل الأبيض“، مصحوبًا بإحساسٍ بالرغبة والتهديد. لم تفهم لماذا يريدها أن تخرج، لكنها شعرت بتلك الهالة الداكنة التي تحيط به. كانت غريزتها النقية تصرخ عليها بالبقاء في مأمن، لكن الفضول الذي أيقظه ظهور هذا الكائن كان أقوى.
لكن… لماذا؟ تردد سؤالها في عقله، هذه المرة مع لمسةٍ من التردد.
“لأننا نحتاج إلى حل هذا الأمر،” أجاب سيرفان، وقد شعر بالضيق من هذا التفاعل الغريب. كان اعتاد على الطاعة أو القوة الغاشمة، لا على التساؤلات البريئة. “أنتِ تستنزفين حياتي.”
ببطء، شديد البطء، بدأت “الظل الأبيض” تخرج من خلف الشلال، خطوةً تلو الأخرى، كأنها تطفو على الهواء. كان جسدها الشفاف يتلألأ بضوءٍ خفيفٍ مع كل حركة، وشعرها الرمادي ينساب خلفها كوشاحٍ من ضوء القمر. وقفت أمامه أخيرًا، على بعد خطوات قليلة من الحاجز النوراني الذي كان لا يزال يفصل بينهما، وعيناها الفضيتان مثبتتان عليه بانتباه.
كانت هشة بشكلٍ يثير الشفقة، نقية بشكلٍ لم يره سيرفان في حياته الممتدة لقرون. لم يكن هناك أي أثر للخبث أو الكذب في وجودها. كانت مجرد حلمٍ تجسد، حلمٍ بريء لم يدرك أنه يسبب الألم.
في تلك اللحظة، شعر سيرفان بأن مخالبه الحادة تتقلص، وأن أنيابه ترفض الظهور. كان جسده يصرخ بضرورة القضاء عليها، بإنهاء هذا التهديد. لكن عندما نظر إلى عينيها الفضيتين الواسعتين، اللتين تعكسان نقاءً لم يكن له مكان في عالمه المظلم، لم يستطع.
كانت المفارقة مؤلمة. طبيعته كمصاص دماء تملي عليه الغدر والقتل، لكن أمام هذا الكيان الهش، كانت كل غريزةٍ لديه تتجمد. لم يكن هناك مكان للمكر مع هذه البراءة المطلقة. كانت أشبه بطفلٍ حديث الولادة، لا يعرف سوء العالم، ولا يمكن لأي كائنٍ حي أن يؤذيه عن عمد.
ماذا تريد مني؟ وصل سؤالها إلى وعيه، هذه المرة مع لمسةٍ من القلق.
“أنا… لا أستطيع…” تمتم سيرفان، ليس موجهًا الكلام إليها، بل لنفسه. لم يستطع إنهاء وجودها. لم يستطع رفع يده عليها. كان الأمر أشبه بمحاولة خنق شعلة شمعة بيدين لا تملكان سوى الظلام.
نظر رايڤن إلى سيده بدهشة. كان يرى الصراع الداخلي الذي يدور في عيني سيرفان. “أمير…” بدأ رايڤن.
قاطعه سيرفان بحدة، صوته يحمل غضبًا غير موجه: “هذا يكفي رايڤن!” ثم عاد بنظره إلى “الظل الأبيض“، التي كانت لا تزال تقف أمامه بصمت، تنتظر رده.
لم يكن سيرفان ليدرك في تلك اللحظة أن عجزه عن إيذائها لم يكن ضعفًا، بل كان أول علامة على أن قلبه، الذي كان يظنه ميتًا، بدأ ينبض من جديد. وأن تلك الأمنية المحرمة، التي جاء للقضاء عليها، كانت في طريقها لتضيء أركان روحه المظلمة.