Chapter 1
الأول "ليل"
الوجبة المحرم
كنت أشعر بالظلام يلتهمني، كأنما هو كائن حي يتنفس ويتحرك حولي، يضغط على صدري حتى يصبح التنفس جهدًا يتطلب كل قوتي. الغرفة تحت الأرض كانت كهفًا من الرعب، جدرانها الخشنة الملطخة بالدماء الجافة والصدأ، وأرضيتها الرطبة التي تفوح منها رائحة العفن والموت. سلاسل حديدية ثقيلة كانت تربط معصميّ وقدميّ، تقيد حركتي إلى الحد الأدنى، تجعل كل محاولة للتحرك تسبب ألمًا حادًا ينتشر في جسدي كالسم. كانت السلاسل قد أكلت لحمي، تركت جروحًا عميقة تنزف دمًا أحمر داكنًا، وكلما شددت عليها، كانت تفرك الجلد الممزق، تجعلني أصرخ داخليًا قبل أن يخرج الصوت من فمي.
لم أعرف كم مر من الوقت هنا. أسابيع...شهور...سنين؟ الزمن كان قد فقد معناه في هذا الجحيم. الضوء الوحيد كان من شمعة واحدة يتراقص لهيبها الضعيف على طاولة خشبية متهالكة في الزاوية، ترمي ظلالًا مرعبة على الجدران، كأنها أرواح تتحرك لتلمس جسدي. كنت أشعر بالجوع ينهش أحشائي، يجعل معدتي تتقلص بعنف، كأنما هناك وحش داخلي يحاول الخروج. لم أتناول شيئًا منذ أيام، إلا قطرات الماء التي كان يسقيني إياها إدريس بيديه الخشنة، يجبرني على شربها كطفل رضيع، وكل مرة كنت أرى في عينيه ذلك البريق الجنوني الذي يخيفني أكثر من الألم نفسه.
إدريس... يا إلهي، كيف تحول هذا الرجل الذي كنت أحبه إلى هذا الوحش؟ تذكرت وجهه في أيامنا الأولى، عندما كان ينظر إليّ بعيون مليئة بالحنان، يقبل يدي ويهمس بكلمات الحب التي تجعل قلبي يرفرف كفراشة. كنا نعيش في قصرنا الصغير على تلة مشرفة على القرية، محاطين بغابات خضراء كثيفة، حيث كان الهواء نقيًا والشمس تضيء كل شيء. يقول إن سعادتي هي سعادته. لكن الآن، في هذا الظلام، كان ذلك الحب قد تحول إلى كابوس، إلى لعنة تبتلعنا كلينا.
سمعت خطواته تقترب من الدرج الحجري الذي يؤدي إلى الغرفة. كانت خطوات ثقيلة، مدوية، تجعل قلبي يدق بعنف كأنما يريد الخروج من صدري. كنت أعرف أنها هو، إدريس، يحمل معه شيئًا جديدًا من عذابه. كل مرة كان يأتي، كان يجلب معه ألمًا أكبر، يجبرني على مواجهة أعماق الرعب التي لم أكن أعرف أنها موجودة داخلي. توقفت الخطوات أمام الباب الخشبي الثقيل، وسمعته يدفع المزلاج الحديدي بصوت يشبه صراخ المعدن. دخل، ومعه رائحة الدم الطازج، رائحة تجعل معدتي تتقلب قبل أن أرى ما يحمله.
كان يرتدي رداء أسود ممزقًا، ملطخًا بالدماء، ووجهه شاحب كالموتى، عيناه حمراوين كأنما لم ينم منذ أشهر. في يده كان يحمل صينية معدنية، عليها قطع لحم نيئة، تتقطر منها الدماء، وجانبها سكين حاد يلمع تحت ضوء الشمعة. ابتسم ابتسامة واسعة، مجنونة، تكشف عن أسنانه الصفراء، وقال بصوت خشن، يشبه عواء الذئب: "حبيبتي ليل، جئت لأطعمك. يجب أن تأكلي جيدًا، فأنت ضعيفة جدًا."
اقترب مني ببطء، وضع الصينية أمامي على الأرض، ثم جلس القرفصاء أمامي، ينظر إليّ بعيون مليئة بالجنون. كنت أحاول الابتعاد، لكن السلاسل كانت تمنعني، تجعل كل حركة تسبب ألمًا في معصميّ المجروحين.
"ما هذا؟" همست بصوت مرتجف، وأنا أنظر إلى اللحم الذي يبدو غريبًا، غير طبيعي. كان لونه أحمر داكنًا، وشكله يذكرني بشيء مرعب، شيء لا أريد التفكير فيه.
ضحك إدريس ضحكة عالية، مجنونة، تردد صداها في الغرفة كأنما هناك أرواح أخرى تضحك معه.
"هذا لحم طازج، حبيبتي. لحم بشري. أفضل ما يمكن أن تأكليه لتعودي قوية. أنت تعرفين من أين جاء، أليس كذلك؟"
قال ذلك وهو يرفع قطعة من اللحم بأصابعه الملطخة بالدم، يقربها من فمي.
شعرت بالغثيان يغمرني كموجة عاتية. لحم بشري؟ يا إلهي، هل هو... هل هو من... الآن، في هذا اللحظة، أدركت الحقيقة المرعبة.
"لا، إدريس، أرجوك لا!" صحت بصوت يائس، ودموعي تنساب على وجنتيّ، تحرق الجروح الصغيرة التي كانت قد تشكلت من الجوع والإرهاق.
لكنه لم يستمع. أمسك بفكي بيده القوية، يجبرني على فتح فمي، ودفع القطعة داخلي بعنف. شعرت باللحم النيء يلامس لساني، طعمه المالح المقرف يملأ فمي، يجعلني أشعر وكأنني أتناول السم. حاولت البصق، لكنه أغلق فمي بيده الأخرى، يضغط حتى شعرت بأن فكي سينكسر.
"امضغي، حبيبتي، امضغي جيدًا. هذا لخيرك."
كنت أمضغ رغمًا عني، والدموع تنساب، والألم ينتشر في رأسي كصداع حاد. الطعم كان مرعبًا، يذكرني بكل الذكريات السيئة، بالخيانة التي ارتكبتها، بالطفل الذي حملته من غيره،بجعله يقتل و يقتل و ها هو الآن يقتلني، بالغضب الذي أشعل الجنون في إدريس. فجأة، لم أستطع التحمل، تقيأت بعنف، يخرج اللحم الممضوغ مع سوائل معدتي الفارغة، يتناثر على الأرض أمامه. كان القيء حارقًا، يحرق حلقي كحمض، يجعلني أسعل بعنف حتى شعرت بأن رئتي ستتمزقان.
ضحك إدريس مرة أخرى، ضحكة مجنونة أعلى من السابقة، يربت على رأسي كطفل صغير.
"لا بأس، حبيبتي، سنحاول مرة أخرى. أنت بحاجة إلى هذا اللحم لتعيشي."
رفع قطعة أخرى، وكرر العملية، يجبرني على الأكل، والقيء يتكرر، والألم يزداد. كل مرة كان يصف اللحم، يقول إنه من جزء معين.
"هذا من الذراع ، و هذه من الصدر و.... و هذه جيده، أنها من الفخذ."
كنت أبكي، أترجاه: "إدريس، أرجوك، اتركني. أنا أحبك، لماذا تفعل هذا؟"
لكنه كان يرد بضحكاته، يقول إن هذا من أجل حبه الحقيقي،و أن اللعنة التي حلت بنا تجعلنا واحدًا، أنني يجب أن أشاركه في جرائمه حتى ينهي مسرحيته و يلقي الستار على جثتي... إلى الأبد. التعذيب الجسدي كان مرعبًا، لكن النفسي كان أسوأ: تذكرت كيف كنت أسيطر عليه في الماضي، كيف كان يخضع لي بحنان، والآن أصبح هو السيد، يعذبني ليثبت قوته.
مع كل قطعة يدفعها في فمي، كنت أشعر بجسدي يضعف، العضلات تتشنج من الجوع والقيء المتكرر، الدم ينزف من جروح السلاسل التي كانت تفرك مع كل حركة. كان يضربني أحيانًا، يلطم وجهي بقوة إذا رفضت، يترك كدمات حمراء تتورم بسرعة.
"أنت ملكي، ليل، ملكي إلى الأبد،"
يهمس وهو يمسح دموعي بأصابعه الملطخة، مخلطًا الدم بدموعي.
في تلك اللحظات، كنت أغوص في ذكرياتي لأهرب من الواقع، أتذكر يوم زفافنا، الفرح، الحب، لكن حتى الذكريات كانت ملتوية الآن، مليئة بالندم. كيف خنتته؟ كيف حملت طفلًا من آخر؟ كانت اللعنة قد بدأت هناك، عندما اكتشف، وتحول إلى هذا الوحش بفضلي. كنت أصرخ داخليًا: "ليا ليتني تركته يفعل ما يحلو له....كان يحبني و يحبها لماذا أجبرته لماذا؟" لكن الإجابة كانت دائمًا الضحك الجنوني.
استمر التعذيب ساعات، أو ربما أيام، حتى شعرت بأن روحي على وشك الانهيار. كان يجبرني على الأكل، القيء، الترجي، والضحك يرن في أذني كلعنة أبدية. في النهاية، عندما انهار جسدي، تركني ملقاة على الأرض، يهمس:
"غدًا سنستمر، حبيبتي."
وخرج، تاركًا إياي في الظلام، مع الرعب الذي لا ينتهي.
***
كانت السلاسل تثقل على معصميّ كأثقال من الجحيم، كل حركة صغيرة تجعل الحديد يحفر أعمق في اللحم، يمزق الجلد ويصل إلى العظم. كنت أشعر بالدم يتساقط قطرة قطرة على الأرض الباردة، يصنع بركة صغيرة تتسع تدريجيًا، ورائحته الحديدية تملأ أنفي، تخلط مع رائحة العفن والموت القديم. الجوع كان قد تحول إلى عذاب دائم، معدتي تتقلص بعنف كل دقيقة، ترسل موجات من الألم إلى كل جزء في جسدي، تجعلني أرتجف كورقة في عاصفة. لم يكن جوعًا عاديًا؛ كان جوعًا يأكل الروح، يجعلني أتوق إلى أي شيء، حتى لو كان السم.
عندما عاد إدريس مرة أخرى، كان يحمل مزيدًا من اللحم، هذه المرة مع أدوات تعذيب أخرى: إبر حديدية رفيعة، ومطرقة صغيرة، وكماشة.
"سنلعب لعبة اليوم، حبيبتي،" قال بصوته الخشن، وهو يجلس أمامي. بدأ بغرز الإبر في أطراف أصابعي، ببطء، يدفعها تحت الأظافر حتى يصل إلى اللحم الحساس، يجعلني أصرخ بأعلى صوتي. الألم كان كهربائيًا، ينتشر في اليد بأكملها، يجعلني أعض على شفتي حتى نزفت دمًا.
"هذا لتتذكري خيانتك"
يقول، وهو يدفع إبرة أخرى.
"و هذا لتشويهك لقمري."
كنت أترجاه، أبكي، أقول:
"إدريس، توقف، أنا آسفة، أحبك!"
لكنه كان يضحك، يقول إن الاعتذار لا يكفي، أن اللعنة تطلب دمًا. بعد الإبر، استخدم الكماشة لسحب أظافري، واحدة تلو الأخرى، ببطء مرعب، يجعل الألم يبني تدريجيًا حتى يصبح غير محتمل. شعرت بأن أصابعي تنفجر، الدم يتدفق، والألم يصل إلى رأسي، يسبب دوارًا وغثيانًا. ثم، بعد ذلك، جبرني على الأكل مرة أخرى، اللحم البشري يخلط بدماء أصابعي، يجعل الطعم أسوأ، المقرف أكثر.
التعذيب النفسي كان يتفاقم مع كل لحظة. كان يروي لي قصصًا عن ضحاياه، يصف كيف صرخوا، كيف ترجوهم، يجعلني أتخيل نفسي مكانهم. "تذكرين إينار؟ ابننا الذي ليس ابني. ربما يكون اللحم منه يومًا ما."
كانت الكلمات تخترق قلبي كخنجر، تجعلني أبكي بلا توقف، الشعور بالذنب ينهش روحي. كنت أتذكر إينار كطفل صغير، بريء، لكن اللعنة جعلت كل شيء ملتويًا.
استمر الأمر، مع ضربات المطرقة على ركبتيّ، تجعل العظام تئن، والسلاسل تفرك الجروح، والقيء المتكرر يحرق حلقي. كنت أشعر بجسدي ينها
ر، روحي تكسر، لكن الرعب كان يستمر، اللعنة تبتسم في الظلام.