شجرة الصفصاف

All Rights Reserved ©

Summary

الصامد رغم الألم، حمزة الذي يجعل من حزنه وقوده بالحياة، فيفوز بكل شيء لأنه خسر كل شيء.

Genre
Drama
Author
Yahya Aloui
Status
Complete
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
13+

فندق القلوب المحطمة

شتاء ٢٠٣٤، العاصمة.

إقترب النادل من الميكروفون وقال :

"جميعكم هنا لا تملكون حياة، وإلا لما تأتون هكذا مكان.. أنتم حمقى حقا ! ضياع ضالون"

إقترب منه رجل قد زهق الشيب شبابه، وهمس بأذنه اليسرى، حيث غطته الظلمة :

"ألم أمنعك من الشرب أثناء العمل ؟"

تقهقر النادل إلى الوراء، مغادرا الضوء، ونظر إلى صاحب الفندق، وعيناه مليئة بالدمع، رغم أن ملامح وجهه كانت ميتة :

"من قال أني سكران"

ثم قهقه راحلا عن الخشبة نحو المشرب، فالتفت صاحب الفندق، ورفع حاجبيه إلى المغني، فتقدم حاملا قيثارته، وجلس على كرسي قصير، وأنزل له مالك المكان الميكروفون قائلا :

"قم بإلقاء تعويذتك يا بني، واعتد القدوم باكرا، فهم لا يأتون إلا لأجلك."

عدل حمزة القيثارة، وكان يعلم أن ما قاله صاحب الفندق ضرب من الكذب، ثم رفع رأسه، يحدق في تلك الأوجه الميتة، التي كانت تنتظر بفارغ الصبر أن يخطفهم خارج وعيهم ويلقي بهم في أرض الأحلام، مهما كانت الأغنية التي سيؤديها.

قال :

"أهدي هذه الأغنية للجالسة بينكم، الفتاة التي رحلت دون وداع"

وغنى :

"دعنا نستقي وقل نعيما

لندع الأبد في الهوى

دعنا نلتقي حينا وحينَ

لندع الأسف خلفنا

غني لي وارقص على أجفاني

سمي لي مثلنا أحباب

ضمني واعطف على أحزاني

وانظر إلي من دون عتاب

الذكريات يا عزيزي لا تنتهي

فلما ولما ولما ننتهي نحن ؟

دعنا نحترق دعه جحيما

لندع اللحد يرثينا

دعنا نختنق كما الميناء

نكون نهاية المدينة

عودي لي من بين الأموات يوما

هات لي يقينا

أنظري لحالي، أشفقي ترحالي

لقد دام سنينا

الذكريات يا عزيزي لا تنتهي

فلما ولما ولما ننتهي نحن ؟

لما نكتب هكذا قصيدة ؟"

ختم الأغنية بدقيقتين من العزف الجامح الحر، تخلله صوت تصفيق وتصفير وهتاف، وكأن السكارى الفشلة بذلك المكان مدركون لما حملته الأغنية بين أسطرها، لكن كل واحد فيهم قد أخذ بيتا وأنسبه لنفسه، فابتسم بعضهم ببرائة وبعضهم بكى، وآخرون غادروا فورا، فهم لا يقدرون على مواجهة الحقيقة.

طلب الجمهور الصغير منه إعادة الأغنية قبل أن يتجه لغيرها، ومن بينهم عاد شاعر لطاولته من المرحاض، ولم يجد جليسته، لم يفزع رغم أن هاتفها، حقيبتها وأقلامها ما تزال بالمكان، وتلك الرسومات التي بدت وكأنها سهرت عليها ليال، لكن الخوف اجتاحه، ورغم ذلك جلس بكرسيه في إستسلام تام.

بعد بضع دقائق قدم النادل عليه قائلا "تركت حبيبتك هذه الرسالة".

أمسك سمير الرسالة بيمناه محاولا إخفاء إرتعاشها، وفتح قطعة الورق بسرعة، ليجدها فارغة، فرفع عينيه لبسام في حيرة، ابتسم النادل وانحنى إليه هامسا : "الشاعر يعلم مقصد الرسالة الخالية"

- لكنها تركت أغراضها !

- الأغراض وأنت واحد، كلاكما ماضي.

أقبض الشاعر على الرسالة بكلتا يديه، ودمعت عيناه، لكنه سرعان ما مسحها، وترك أغراضه وأغراض الفتاة وتوجه إلى المشرب.

تهالك سمير على أحد الكراسي الملتصقة بالمشرب، بينما ربت بسام على كتفه الأيمن قائلا : "سأعطيك شيئا قويا يمحو لك ما حدث للتو."

- لا شيء سيمحو ما حدث للتو، لكن أيا كان ما ستقدمه لي، سيخفف من حدة وطأته علي.

- الأمر سيان يا عزيزي، الأمر سيان.

نالت الثمالة من سمير، بعد أن أنهى ما يتجاوز العشر كؤوس، وحينما كان بصدد المغادرة، إنزلق كأس آخر أمام عينيه، فالتفت شمالا، ليجد شابا بنفس عمره، جالسا حذوه، فابتسم إليه وتناول الكأس بينما قال الرجل : "أنت وأنا.. لسنا مختلفين كثيرا، كلانا تركتنا حبيبتنا، وحيدين، منتظرين، يائسين، وكلانا يجهل السبب، لكن ما نعلمه حقا، هو كم أحببناهما، بنهاية المطاف، ما تمنحه من حب هو ما يظل بينما ترحل كل المشاعر الأخرى، لهذا السبب يكون الحب من طرف واحد أسمى أنواع الحب، فهو نقي، لا يشارك، لا ينقسم ولا ينقص مهما مرت الأيام عليه."

تحركت شفتا سمير بثقل واضح، وانهمرت دموعه، وارتفعت ابتسامة على وجهه، وقال : "لما نقع في الحب ؟ إن كانت كل الدروب تقود لذات العذاب، لما نقع في الحب ؟ لما نفتح ذلك الباب ؟"

- بإمكاني تلحين ما قلته للتو وصنع اغنية منه، أأنت شاعر أم صادف وجود قافية بما قلته ؟ على أية حال، جوابا على سؤالك، لما نقع في الحب ؟ لأننا لا نستطيع العيش من دونه، الحب أسوأ أفضل شيء، هو الشيء الوحيد الذي لا نستطيع العيش بوجوده ولا نستطيع العيش من دونه، هو الجنة والنار آنا واحدا.

- مهلا، كيف علمت أن حبيبتي تركتني ؟

- لأني الوحيد هنا الذي لم يأتي ليشرب أو لينسى أحزانه، بل لأن يرسم إبتسامة على وجه من أتى ليشرب ويتناسى أحزانه، أمنحكم حنينا فتمنحونني حنانا. إعذر تطفلي، لكنها لم تحبك أصلا.

- وكيف ذلك ؟ أكنت تغني أم تراقبنا ؟

- كلاهما، لغة جسدها واضحة، من ذا الذي يحب ورغم ذلك لا ينظر في عيني من يحبه ويتفادى لمسه ؟

- شخص به حياء وخجل مثلا ؟

- وهل يأتي من به حياء وخجل أماكن كهذه ؟