الفصل الأول: ترانيم الرصاص ورماد الذاكرة
عقيدة الرماد: فلسفة البقاء في لازاروس
لا أحد يختار تربته، لكن البعض يُغرس في العراء ويُجبر على شكر الريح التي لم تقتلع جذوره بعد. في "لازاروس"، الذاكرة ليست ترفاً، بل هي ثقب في جدار الطاعة، وعبء يثقل كاهل من يريد البقاء. لا وجه لأمٍّ يزور الأحلام، ولا صدى لصوت أبٍ يطرد الوحوش؛ هناك فقط الرصاص، وصوت الارتطام، ورائحة الزيت التي صارت بمثابة الأكسجين الوحيد المسموح به. الرماد هو الهوية الوحيدة هنا، فكل ماضٍ يُحرق ليصبح وقوداً لمستقبل المنظمة.
في مدينة "راديوم"، حيث يبتلع الضباب ملامح الشوارع، تقف منظمة "لازاروس" ككيان لا يرحم، يشبه البعث من الموت في كنف الألم. القوة هناك ليست مجرد عضلات، بل هي "رتب" تُحفر على الجلود كأختام أبدية. في القمة، يقبع أصحاب الرتبة SSS كأشباح تدير الخراب، يليهم نخبة الـ SS الذين يمثلون النصل والمقبض، وصولاً إلى الرتب الأدنى التي تشكل عصب العمليات؛ فمنظمة "لازاروس" لا تتحرك آلتها دون تروسها الصغيرة التي تمنحها الحياة.
مسرح العظام: ساحة القبو
الرطوبة في "القبو" كانت ملموسة، تلتصق بالثياب كخطيئة قديمة. لم تكن هناك شمس لتعلن الصباح، فقط مصابيح "فلورسنت" طنانة توزع ضوءاً باهتاً يمنح الوجوه زرقة الموتى.
في ساحة التدريب التابعة للازاروس، كان الفحيح المنتظم للأنفاس هو الموسيقى الوحيدة المسموحة. وقف جود في الشرفة العلوية، معطفه الجلدي ينسدل بوقار خشن، والندبة التي تمتد من أذنه حتى ترقوته تحكي قصصاً عن حروب لم تسجلها الكتب. بجانبه وقف نائبه إيدن، عيناه تلاحقان حركة المتدربين بتركيز جراح يشرح جثة.
"الدفعة الجديدة تظهر تحسناً طفيفاً، سيدي،" قال إيدن وهو يدون ملاحظة في سجله. "لكن الضغوط النفسية بدأت تكسر أضعفهم."
لم يلتفت جود، كان يراقب المتدربين كقطع شطرنج في لعبة لا تنتهي. "لازاروس لا تكسر أحداً يا إيدن، هي فقط تزيل القشرة الضعيفة لتكشف عن المعدن الحقيقي. من ينكسر هنا، لم يكن جديراً بحمل اسم المنظمة أصلاً."
وصول النصل: رفاق السلاح
انفتح الباب الحديدي في نهاية الساحة بصوت مكتوم. دخل فانتوم، ولم تكن مشيته تشبه أحداً؛ كان يتحرك بخفة ذئب واثق، يعبث بخنجر صغير بين أصابعه، والسيجارة في زاوية فمه تنفث دخاناً يتراقص مع الضوء الشاحب. صعد الدرج وضرب كتف جود بقبضته، تحية لا يجرؤ عليها إلا رفيق سلاح من نفس رتبة الـ SS.
"الهواء هنا لا يزال يحمل طعم الرصاص القديم، ألم تفكروا في فتح نافذة لتهوية هذا الضريح؟" سخر فانتوم وهو يتكأ على الحافة بجانب جود.
ضحك جود بصوت أجش. "الرصاص هو عطرنا المفضل هنا. كيف كانت المهمة؟"
"انتهت قبل أن تبدأ حقاً،" أجاب فانتوم وهو ينظر للأسفل، عيناه تلمعان بذكاء حاد. "الهدف كان يظن أن جدران قصره ستحميه من لازاروس، لكنه نسي أن الظلال لا تعرف الأبواب المغلقة."
الشرارة الخامدة: رقصة الموت
فجأة، سكنت حركة فانتوم. وقعت عيناه على فتاة في الساحة. لم تكن الأضخم، لكنها كانت الأكثر دقة. كانت تشتبك مع خصمين، تتحرك بينهما كخيط من الحرير الأسود، تتفادى الضربات بأقل قدر من الجهد، ثم بلمحة بصر، استغلت ثغرة بسيطة لتسقط أحدهما أرضاً وتستخدم جسده كدرع لصد هجمة الآخر، قبل أن تنهي النزال بسكين تدريبي وضعته بدقة مذهلة فوق شريان الرقبة للخصم الثاني.
"تلك القطة.." اعتدل فانتوم، وتلاشت نبرة السخرية. "حركتها ليست مجرد تدريب، إنها رقصة مع الموت. من تكون؟"
نظر جود إليها، ولمعت عيناه بتقدير بارد. "إيف. إنها تحت إمرتي المباشرة. لم تتحدث بكلمة منذ انضمامها، لكنها تنفذ الأوامر بدقة مخيفة. إنها أفضل ما أنتجه القبو هذا العام."
"إيف.." همس فانتوم بالاسم، مراقباً ملامحها الجامدة وهي تمسح العرق عن جبينها ببرود لا يليق بسنها. "هناك شيء في عينيها.. شيء يشبه الرماد الذي لم ينطفئ تماماً."
ممر الأشباح: خطوات خلف الظل
نزل فانتوم الدرج ببطء، متجاهلاً نداء إيدن لبدء توزيع المهام. كان يتحرك في ممرات القبو الضيقة، تلك التي تفوح منها رائحة البارود والزيت المحترق. توقف عند زاوية الممر المؤدي إلى مخزن الأسلحة، حيث كانت إيف تسلم معداتها التدريبية.
راقبها من بعيد؛ كانت حركاتها آلية، تخلو من أي تردد. تضع المسدس في مكانه، تنظف النصل بقطعة قماش مهترئة، ثم تغلق الخزانة بهدوء. لم تكن تدرك وجوده، أو ربما كانت تدرك وتتجاهله كما تتجاهل الجدران الصماء.
"هل علمكِ جود كيف تقتلين ببرود، أم أنكِ ولدتِ بقلب من ثلج؟" نطق فانتوم فجأة، صوته صدىً عميق في الممر الفارغ.
توقفت يد إيف عن الحركة، لكنها لم تلتفت. ظل ظهرها مستقيماً، وشعرها الأسود المنسدل يغطي ملامحها.
"الأسئلة في لازاروس ليست مجانية، سيدي،" ردت بصوت خافت، نبرة خالية من أي مشاعر، لكنها كانت تحمل حزماً غريباً. "والإجابات قد تكون ثمنها رصاصة."
رفع فانتوم حاجبه بإعجاب. خطى خطوات قليلة ليقف بجانبها، متكئاً على الخزائن الحديدية. "لسان حاد أيضاً.. هذا يعجبني. لكن تذكري، السكاكين الحادة هي أول ما يقرر القادة كسره إذا شعروا بالخوف منها."
نذير القلق: حديث القادة
عاد فانتوم إلى غرفة المراقبة، حيث كان جود يراجع الخرائط الحرارية للمدينة. ساد صمت ثقيل قبل أن ينطق فانتوم: "إيف لا تنتمي لهذا المكان يا جود. هناك شيء فيها.. شيء لا يزال يحاول التنفس تحت كل هذا الركام."
توقف جود عن الكتابة، ونظر إلى رفيقه بجدية لم يعهدها فانتوم فيه من قبل. "هذا تحديداً ما يثير قلقي. ويليام يراقبها. لقد لمحها بالأمس وهي في ساحة الرماية، ولمعت عيناه بتلك النظرة الجائعة التي لا تبشر بخير."
"ويليام صاحب الرتبة SSS؟" بصق فانتوم الاسم. "لماذا لا تبقيها قريبة منك؟ إنها تعمل تحت إمرتك، ولديك الحق في رفض نقله لبعض الوقت بحجة استكمال تدريبها."
تنهد جود بعمق. "أفعل ذلك بالفعل. سأجعلها ظلي في المهمة القادمة. لكن ويليام لا ينسى ما يضعه في رأسه، والمنظمة تبجّل القوة فوق كل شيء. إذا قرر أخذها، فلن نملك سوى الانتظار لنرى من منهما سيكسر الآخر."
حانة "الغراب المصلوب": ضجيج الأقنعة وفتنة الظلال
في وقت متأخر من تلك الليلة، كانت حانة "الغراب المصلوب" تنبض بصخب مزعج يطرد وحشة الصمت السائدة في القبو. دخان التبغ الكثيف يتدلى من السقف كستائر رمادية، وأضواء الحانة الحمراء الخافتة تمنح الوجوه طابعاً شيطانياً.
كان فانتوم يجلس عند المنضدة المركزية، محاطاً بمجموعة من الفتيات اللواتي يرتدين ملابس براقة لا تناسب فقر المدينة. كانت إحداهن تميل برأسها على كتفه، تداعب خصلات شعره بأصابع مطلية بلون الدم، بينما كانت أخرى تهمس في أذنه بكلمات معسولة تتخللها ضحكات رقيقة.
"أين كنت يا فانتوم؟" سألت الفتاة التي تجلس بجانبه بتميع، وهي تقرب كأساً من شفتيه. "المدينة مظلمة جداً حين تغيب لمهماتك الطويلة."
ابتسم فانتوم ابتسامته الساخرة المعتادة، ولف ذراعه حول خصرها بمجاراة بارعة، كأنه جزء من هذا العبث. "كنت أجمع بعض القصص لأرويها لكنّ، لكن قصصي عادةً ما تنتهي بصوت الرصاص.. ألا يزال هذا يغريكِ؟"
ضحكت الفتاة وأسندت جسدها إليه أكثر. كان يسايرهن ببراعة الممثل الذي حفظ دوره، يوزع الابتسامات والكلمات الغزلية المبطنة، لكن عينيه السوداوين لم تكن معهن حقاً.
في أقصى زاوية من الحانة، حيث ينحسر الضوء ويحل محله الظل، كانت إيف تجلس وحيدة. كانت ترتدي سترة مدنية واسعة بياقة مرتفعة تخفي نصف وجهها، وكأساً من الماء لم تلمسه يوضع أمامها. كانت تبدو كتمثال من الرخام وسط عاصفة من الرمال؛ ساكنة، باردة، وعيناها مثبتتان على نقطة غير مرئية في الفراغ.
راقبها فانتوم وهو يضحك لرد فعل إحدى الفتيات على دعابته. لاحظ كيف مرّ أحد أتباع ويليام بجانبها، وتعمد ملامسة كتفها بوقاحة، وكيف أن يدها تحت الطاولة انقبضت للحظة حتى ابيضت مفاصلها، لكنها لم ترفع بصرها. لم تكن خائفة، بل كانت تحتقر المكان ومن فيه لدرجة أنها لم ترهم جديرين حتى بردة فعل.
"أنت لا تسمعني، أليس كذلك؟" تذمرت الفتاة التي تداعب شعره، وهي تلاحظ شروده.
التفت إليها فانتوم بسرعة، وعادت لمعة المكر إلى عينيه، وقرص خدها بخفة. "بل أسمعكِ جيداً يا عزيزتي، كنت فقط أفكر.. هل يمكن لشخص أن يكون ميتاً وهو لا يزال يتنفس؟"
لم تفهم الفتاة سؤاله وتابعت غزلها، بينما ظل فانتوم يراقب إيف من وراء الكأس. كانت تبدو له في تلك اللحظة كاللغز الوحيد الذي يستحق الحل في هذه المدينة الحطام، وداخل قلبه الميت، تحرك شيء يشبه القلق؛ قلق من أن يتحول صمودها هذا إلى حطام تحت أقدام ويليام قبل أن تتاح له فرصة اكتشاف ما تبقى من روحها.
***
"رسالة من خلف جدران لازاروس"
أعزائي القراء، أتمنى أن يكون "التريلر" السينمائي في بداية الفصل قد نقلكم إلى جو مدينة راديوم. الشخصيات التي رأيتموها (جود، ويليام، دوريس، وفانتوم) هي قطع شطرنج في لعبة لا ترحم، وكل منهم يحمل سراً سيغير مجرى الـ 45 فصلاً القادمة.
سؤالي لكم: من هي الشخصية التي أثارت فضولكم أكثر في الفيديو؟ وهل تعتقدون أن "الآلات" قادرة حقاً على البكاء؟
لا تنسوا إضافة الرواية لـ "قوائم القراءة" الخاصة بكم لتصلكم إشعارات الفصول اليومية.
"لا تتخلوا عن بشريتكم".