صمت بيننا
في صباحٍ بارد، فتحت سلمى عينيها على صوت المنبّه، لكنّها لم تجد الدفء الذي كانت تبحث عنه في نظرة أبيها. منذ سنوات، اعتادت أن تستيقظ دون أن تسمع كلمة “صباح الخير” منه، وكأن وجودها في البيت مجرد تفصيل لا يهم.
كان والدها رجلاً صارمًا، لا يرى في ابنته سوى أخطائها الصغيرة. إذا تأخرت دقيقة، صرخ. وإذا نسيت شيئًا بسيطًا، وبّخها بشدة. لم يكن يحتاج إلى سبب حقيقي ليغضب، فأتفه الأمور كانت كافية لإشعال صوته في أرجاء المنزل.
كانت سلمى تحاول دائمًا أن تقترب منه، أن تتحدث معه عن يومها، عن دراستها، عن أحلامها الصغيرة. لكنها في كل مرة كانت تُقابل بالصمت القاسي أو بكلمات جارحة تُطفئ رغبتها في الكلام. وإذا جمعت شجاعتها وطلبت شيئًا بسيطًا، كان ردّه غالبًا إهانة تجعلها تندم على السؤال.
ومع الوقت، بدأ شيءٌ ثقيل ينمو داخلها… شعور لم تكن تريد الاعتراف به. صارت تحسّ وكأنها تكره أباها، أو ربما لم تعد تشعر نحوه بشيء. أحيانًا كانت تنظر إليه وكأنه شخص غريب، كأنه غير موجود في حياتها… كأنه مات وهي لا تزال تعيش معه تحت نفس السقف.
كما جعلها هذا التعامل هشّةً من الداخل. أصبحت شديدة الحساسية، تتأثر من أبسط الكلمات، وتنجرح من مواقف قد تبدو عادية للآخرين. كلمة عابرة قد تبقى في قلبها أيامًا، ونظرة غير مقصودة قد تجعلها تشعر بأنها غير مرغوبة. كانت تحاول أن تبدو قوية، لكنها في الحقيقة كانت تحمل قلبًا متعبًا، مليئًا بما لم يُقل.
كانت تعرف في أعماقها أن ما ينقصها ليس الأشياء، بل الحنان. كلمة طيبة، نظرة اهتمام، لحظة يستمع فيها إليها دون غضب. كانت تريد فقط أبًا… أبًا حقيقيًا.
حاولت أن تبوح بما تشعر به لبعض الناس، لكنهم لم يفهموها. بعضهم لم يصدقها، وآخرون قالوا لها: “تجاهليه ولا تعودي للكلام معه.” لكنها لم تستطع. رغم كل شيء، كان في قلبها أمل صغير لا يموت.
وفي الأيام الأخيرة، تغيّر شيء آخر… أصبح والدها مريضًا، حالته تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. كان يبدو ضعيفًا جسديًا، لكن قلبه ظل كما هو، لم يحاول يومًا أن يفهم ما فعله بابنته، ولا أن يعتذر، ولا حتى أن يقترب منها بطريقة مختلفة.
كانت سلمى تنظر إليه أحيانًا بحيرةٍ كبيرة. جزء منها يشعر بالألم لما يمر به، وجزء آخر ما زال يحمل كل تلك الجراح القديمة. لم تعرف هل تشفق عليه… أم تعاتبه… أم تبتعد فقط.
وفي إحدى الليالي، جلست في غرفتها تفكر طويلاً. قالت في نفسها:
“كنت فقط أريدك أن تسمعني… ليس أكثر.”
ورغم كل شيء، بقي ذلك الشعور في قلبها… خليط من الحزن، والخذلان، وأملٍ صغير لم تجد له تفسيرًا… أمل أن يتغير شيء، حتى ولو كان متأخرًا.