ما وراء الغروب

All Rights Reserved ©

Summary

ما وراء الغروب، ليس ظلام أبدي، بل شروق جديد. مصطفى محمود.

Status
Complete
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
13+

ما وراء الغروب

⊱━━━━⊰✾⊱━━━━⊰

20:17

بأرجل مثقلة عاد إلى شقته يحمل كيسًا صغيرًا من المشتريات: جبن، خبز، وحلاوة... كالعادة.

استقبلته شقته بطاقة رمادية كثيفة من.. الوحدة...

وشيء آخر...

شيء يشبه الفراغ الذي يتركه طفل لم يعد يركض في الأرجاء. يشبه غياب ضحكات ألفتها تلك الجدران في أحد الايام. أبواب صمتت، أضواء أطفئت للأبد... وألفة.. قررت الرحيل.

تنهد ببطء ثم خلع حذاؤه، ودخل. وضع الأكياس جانبًا كمن اشتراها من دافع العادة لا الحاجة. ففي الحقيقة لم يكن الجوع في معدته، بل.. روحه...

وهي مالا يُملأ بالطعام.

توجه تلقائيًا إلى مكتبته، الركن الوحيد الذي لم يتغير، ثم جلس إلى كتبه وأوراقه المنظمة بطريقة عشوائية... لا تعرف إلا صاحبها. كانت الشيء الوحيد الذي يمنحه شعورًا بالبقاء، بأنه جزء من هذا العالم، بأنه لايزال موجودًا... لايزال هنا.

مد يده إلى أحد الكتب، قلبه بلا هدف، ثم أسند رأسه إلى راحته، وغاص نظره في الفراغ.

وهناك، على مشارف النعاس، تسللت لحظة غريبة...

ليجد نفسه فجأه في مكان غير المكان. مكان لا يدري أين، كيف، أو متى. أرض ملساء، شفافة هي كالمرآة، تعكس السماء فوقها ولا شيء آخر غير السحب في كل مكان.

كأنه صرح ممرد من قوارير... لا أحد، لا صوت، لا شيء... إلا هو، وظله تحته.

لا، بل هذا إنعكاس واضح له.

الضباب يغمر الافق، والسحب متلبدة بلون رمادي داكن، لا تخفي مشاعرها، بل تبثها مباشرة، عارية من أي تزيين.

أخذ يتلفت حوله، لكن لا شيء غير الافق... وها هو الطقس يزداد غضبًا، والغيم احتقن.

تردد في ذهنه ما قرأه قديمًا عن "اللامكان" في بعض الثقافات الشرقية.

أماكن خارج الزمان، لا تنتمي لعالم ولا إلى حلم...

كان مشهدًا أقرب لفلسفة ال ما (間) اليابانية، حيث الفراغ نفسه صُنع ليحتوي.

لكنه لم يُمنح وقتًا كافيًا للتأمل. ففجأه، ارتعد الصمت...

انكمش الضوء، ثارت الريح، ثم انقضَّت السحب عليه تضربه بوابل لا يرحم.

ركض... لا يدري إلى أين، لكنه يركض.

أو هكذا ظن.

قدماه تتحركان، لكن الأرض تحتها لا تتغير... كأنه يركض في مكانه.

الريح تزداد، والمطر يتكاثف.

ضم وجهه إلى ذراعيه في محاولة يائسة لحماية نفسه، ثم شعر بشيء التصق بظهره بفعل الريح. مد يده المرتجفة وامسكه، ثم نظر إليه بصعوبة وسط الريح والمطر...

كانت ورقة قديمة، باهتة، مبللة، لكنها مألوفة بشكل قاسٍ، فقد توسعت عيناه حين تعرف عليها...

أول ورقة كتبها وهو في الثانية عشرة من عمره، يوم تجرأ وسأل السؤال الأول، الذي ظل يطارده لسنوات طويلة.

قرأ عبارته القديمة كأنها تخرج من الماضي لتخترق صدره. تمتم بها دون وعي، كمن يسترجع ذنبًا قديمًا...: "إذا كان الله هو الخالق... فمن خلقه؟"

ليأتيه فجأه صوت من بين العاصفة: "أتجعل منه مخلوقًا في الوقت الذي تسميه فيه خالقًا؟!"

نظر حوله في ذهول يبحث بين المطر... لكن لا أحد.

كان الصوت صوته! لكن.. مختلف...

أعاد نظره إلى الورقة في شرود، يفكر في الكلمات التي سمعها كمن لم يعد يأبه بالطقس من حوله.

كان منغمسًا...

ثم آتاه الصوت مجددًا: "برأيك العلم هو كل محسوس ومنظور وملموس، أليس كذلك؟"

التفت فجأه ورد بانفعال: "هو كذلك!"

كان مندفعًا جدًا. ليأتيه الرد هادئًا كأنه يلعب على أعصابه: "ما هو الشئ الذي لا يؤمَن به إلا إذا كان محسوسًا ومنظورًا وملموسًا؟؟"

عقد حاجباه في استغراب "العلم...!" رد وهو يفكر فيما قد يكون اللآخر يحاول قوله، أو انه فقط مجرد أحمق، لكن عندما لم يأتيه أي رد خيم عليه صمت ثقيل، ثم.. تغيرت تعابير وجهه، مدركًا مالم يكن يراه...

لقد أجاب على سؤال لم يٌطرح اصلا.

أجابه كأن السؤال عن الله، برد كأن الحديث عن العلم. فأدرك لحظتها أنه لطالما استخدم المسطرة الخطأ في قياس أشكال مختلفة...

فالعلم له أدواته، مقاييسه، وحدوده... ولا شيء فيه يصلح لأن يكون ميزانًا لما.. لا يقاس.

هدأت العاصفة قليلًا، أو ربما اعتاد هو على صخبها... كأن الضوضاء، والهواء، وتبلله تحولوا إلى خلفية مألوفة، لا تستدعى الانتباه بعد الآن.

_"من تكون؟" ردف بصوت اهدأ من ذي قبل... أو ربما.. أكثر حذرًا.

_"...صديق" أجاب بصوته الرخيم، وهدوء سحيق...

تنهد ثم بدأ عقله يعمل بطريقة المهاجم كالعادة، وعاد يرتدي درعه...

_"إذن أخبرني أيها.. الصديق، لماذا خُلقنا أصلا؟ ما الغاية من كل ذلك؟ ما غايته من خلق مخلوق ضعيف ناقص؟؟"

جاءه الصوت هادئًا كالعادة: "أمازلت تريد أن تقيس حكمة الخالق بقياس فهمك أنت؟"

ارتفع صوت صاحبنا: "لم أقسه! ألا يحق لي أن أفهم؟؟ ألم اُخلق بعقل.. ليتدبر!" قال كلمته الأخيرة بشيء من السخرية، ثم تابع: "فلماذا أعجز عن إدراك الغاية من وجودي؟!"

لم يأتيه الجواب مباشرتًا فظن أنه فاز الجدال لكن...

_"ولماذا تفترض أن الخلق لابد أن يكون لغرض يعود على الخالق؟"

فرد الآخر بثقة كمن سدد هدفًا، صوته يحمل ثقة اندفاعية، والسماء من فوقه تبرق وتزمجر: "إذن بلا غاية. عبث!"

حل هدوء آخر قبل أن يأتيه الرد ، كأن اللآخر يحرص على استماع كل منهم إلى نفسه حتى قبل الطرف اللآخر: "بل الغاية لك، لا له.".

قلب صاحبنا عينيه في استهزاء واضح، كأنه يقول: "حفظنا ذلك. أعطنا شيئًأ جديدًا."، قبل أن يتابع الصوت: "أنت تسأل كأن الله يحتاجك، كأن وجودك يضيف له. بينما في الحقيقة أنك أنت من يحتاج، من يُمنح الفرصة... وأنت أهل لأن تمنح الفرصة. الوجود هبة، ليس ظلمًا، والإرادة ابتلاء، لا فخ. والخالق إن وَهب لا يُسأل لماذا وَهب... بل يُسأل الموهوب: ماذا فعلت بما وُهِبت؟"

أكمل صاحبنا كلامه_كالعادة_ في ثوب الجدال: "لكني لم أختر هذه الفرصة. لم أختر أن أوجد أصلًا! ما قيمة الفرصة إن كان الهلاك احتمالاً؟!"

_"وما قيمة النور إن لم يكن هناك ظلام؟ ما قيمة الاختيار إن لم تكن هناك عواقب؟ وما معنى الارادة إن لم يكن هناك احتمال للضياع؟

أنت ترفض وجودك لأنك تخشى نهايتك، رغم أنك تدرك تمام الإدراك أن كل لحظة تعيشها.. هي فرصة للنجاة."

سكت قليلا كمن يسمح للكلمات لأن تستقر في رأسه، لكنه سرعان ما قال بنبرة ساخرة: "حسنًا أنا لا أريد الجائزة، ولم أطلب تلك الفرصة أصلًا. فلماذا كل هذا التعب؟ لما المجهود والمعاناة؟"

رد الآخر: "كأنك تظن أنك خُلقت لتُرهَق، لا لتُمنَح."

سكت الصوت قليلًا ثم تابع: "الدين ليس عبء... الدين تعليمات الخالق للمخلوق.

فمن يضع الكاتلوج غير الصانع؟؟ ولله المثل الأعلى.

لم توضع التعليمات لتقيدك، بل وضِعت لتعلمك كيف تعيش من دون أن.. تنكسر.

كل أمور الدين فيها فائدة لك أنت.

تخصيص وقت للتأمل جميل صحيح؟ طالما ليس إسمه صلاه، أليس كذلك؟!

الصيام المتقطع مفيد للغاية، لكن صيام رمضان؟ بلا معنى!

من الجيد إعطاء الفقراء، فهو تنظيف للنفس من الجشع، لكن ليس الصدقة أو الزكاة!

مهما فكر الإنسان حول الخُلُق المُثلَى، وبحث عن الطريقة التي تمكنه من عيش هذه الحياة بالشكل الصحيح، لن يخرج ابدًا عن إطار الدين. الدين نفسه الذي يهرب منه!

ثم أننا ننسى أن الصعود دائما أصعب من النزول… لكنه ما يجعلنا نصل."

تمهل الصوت قليلًا، ثم أكمل بهدوء: "الدين مهمته أن يُرشد، لا أن يفرض ويقيد. والفرصة التى مُنحت لك ليست لترهقك، بل لترفعك!"

اضطرب المطر ما بين خفيف وغزير، في حالة طقس غريبة للغاية، كالمطر المتقطع حيث تمطر السماء بغزارة ثم تخف فجأه، كما لو أن الغيم لم يحسم أمره بعد...

توتر صاحبنا وهو ينظر للتغيرات من حوله، فهو يدرك تمام الإدراك أن الطقس في هذا

الامكان ما هو إلا انعكاس لدواخِله، أي أنه الآن واضح كل الوضوح لشخص لا يراه حتى. وهو ما يضايقه أكثر.

لكنه سريعًا ما استعاد كبرياءه، وتحدث بثقة تامة، كمن يظن أنه قد أحكم قبضته على الجدال، وينتظر كيف سيتخطى الآخر هذه العقبة الجديدة: "لا لترقهني؟؟ لكنك تنافي قول الله الآن!"

إبتسم بتحدٍ وهو يكمل: "ألم يقل في سورة البلد { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ }؟! ما قولك الآن؟؟"

وكالعادة حل هدوء حكيم قبل أن يأتى الصوت بالإجابة: "الكبد ليس بعقوبة... إنه وصف.

الحياة بها مشقة، وهذا ليس بجديد، لكن الدين آتى كي يقودك داخل هذا الكبد دون أن تنهار. جاء يعلمك كيف تحول الألم إلى صبر، والخسارة إلى فهم، والحيرة إلى سؤال، والسؤال.. إلى إيمان."

التفت حولة وقد بدأ الضباب ينقشع لكنه مازال لا يرى أحدًا، بينما سكن المطر برهة، كأنه هو الآخر يصغي، ثم استطرد الصوت: "نُخلق في كبد، نعم. لكننا ابدًا لا نُترك فيه وحدنا دون دليل..."

ساد الصمت قليلًا، ولكن الاجواء لاتزال مشحونة، ثم رد المجادل بصوت أبطأ، فيه نغمة جدية لم تكن حاضرة من قبل: "لكن يبقى السؤال... حتى لو سلّمنا أن الخلق فرصة وهِبة... لماذا النار؟ لماذا العقاب الأبدي؟ أليس الغفران أولى بالرحمن الرحيم؟! أليس هذا أقرب للعدل؟؟"

وككل مرة، لم يأت الرد فورًا، كأن الصوت هذه المرة احتاج أن يتأمل السؤال فعلًا، أو كأنه.. يحترم وقعه.

_"أتفهم ما تقول... لكن.. أيكفي أن تقضي عمرك في الظلم، القتل، الفساد، ثم تقول عند النهاية: آسف؟ وهل يعقل أن تكون الجنة والنار بهذه العشوائية؟؟ النار نتيجة... لا تهديد."

_"لكنها أبدية!"

قالها كأنها التهمة الأخيرة بين اوراق الجميع، كأنها الحُكم الذي سيسكت الآخر ويُدوي صوت المطرقة... لكن، ومجددًا، آتاه الرد: "وهل سألت نفسك مرة: ماذا لو كانت النفوس أبدية؟

ماذا لو كانت النفس الظالمة هي من تأبى التوبة، وتبغض النور، وترفض الرحمة حتى لو كانت أمامها؟

النار لا تُفرض، بل تُختار."

صمت الصوت قليلًا، ثم أردف بنبرته الهادئة التى بدأ يعتادها الآخر: "ألم تقرأ قوله تعالى في سورة الأنعام: { ...وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }؟

يرفضون نتاج أفعالهم، ولو عادوا.. لعادوه...!

هم يرفضون الهداية أصلًا. فهل تعتقد أن من يعشق الظلم سيتحول محبًا للنور إذا عاد؟

إنها ليست مسألة فرصة، بل طبيعة واختيار..."

قال بصوت امتزج فيه الألم بالاحتجاج، باحثًا على اي يد عليا في هذا الجدال: "ولكن هناك أناس تعذبت كثيرًا، حُرمت، ظُلمت، ولم يعلمهم أحد! لم يوجههم أحد! ولم يعرفوا الله جيدًا حتى! أستكون نهايتهم النار أيضًا؟!"

جاءه الصوت هذه المرة أهدأ من ذي قبل، كأنما تفهمه لما يقول مشبّع في كل زوايا صوته: "أولئك ليس ميزانهم كميزانك. الله يحاسب الناس بقدر ما وصلهم، وما استطاعوا أن يفعلوه بما عرفوه. الرحمة ليست بعيدة عنهم... بل قريبة بقربهم، وحجم معرفتهم وجهدهم، وصدق بحثهم."

سكت للحظة ثم تابع: "وقد قالها الله بوضوح في سورة الإسراء: { ...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا }.

وفي المؤمنون: { وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَممُونَ }

أترى؟ الأمر ليس عقابًا... بل عدل. عدل لا مساواة، أي أنه ليس واحدًا للجميع، بل لكل امريء ما كسب..."

بدأ ضوء القمر يتسلل على استحياء من بين الغيوم، والماء على الأرض يضيء به كالمرايا، فيجعل مساء المكان كلوحة فنية نادرة، يعتذر بها عما حدث قبل قليل...

وبعد شرود عميق، قطب حاجبيه قليلًا كأن فكرة قديمة عادت تتسلل إلى ذهنه: "ماذا عن أولئك الذين لا يسألون ولا يصلون وبعيدين كل البعد عن الله، ومع ذلك حياتهم ممتلئة بالسعادة والصحة والأموال؟ أهذا هو عدل الله؟؟"

جاءه الرد يهز الوعي رغم رفقه: "العدل ليس توزيعًا متساويًا للنعم، وإنما ابتلاء متساوٍ بالحكمة... أنت تظن أن الابتلاء ظلم، وأن النعمة تفضيل. لكنك نسيت أن كليهما إختبار كل على قدره.

المبتلى؟ صبره هو بابه. { ...إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ }

المنعم عليه؟ شكرك هو نجاتك لا استمتاعك. { ...وَلئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِدَنَّكُمْ...}

فلا يغرنك المنعمون وهم لا يشكرون. كلانا يعلم أنهم في ضلال مبين، وأنهم في موقف لا يحسدون عليه إطلاقًا!

ماذا قال الله فيهم في سورة الأنعام؟ { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ  شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }

أولئك الذين فتنوك بشأن نعمهم قد توعدهم الله! وما الحياة الدنيا إلا متاع قليل؟!"

شرد قليلًا. هو يعرف هذا، لكن لسبب ما.. كان الأمر يبدو وكأنه يعلمه لأول مرة...

"حسنًا.. إن كان عادلًا حقًا، لماذا يختبرنا؟ لما لم يخلقنا في الجنة من البداية وحسب؟"

رد الصوت بثبات: "لأن الجنة لا توهب، بل تُستحق. هي موطن الكمال، والكمال لا يعطى لمن لم يُختبر."

ثم تابع بنبرة أقرب للحنان منها للوعظ: "هل كنت ستدرك معنى الطُهر إن لم تر القبح؟

لو خلقت في الجنة منذ البداية، فما الفرق بينك وبين الملاك؟"

تمهل كأنما يضع الجملة التالية في موضعها الصحيح: "الله لا يريد عبادًا مجبرين... بل أرواحًا اختارته رغم الضباب، وآمنت رغم الأسئلة، وصبرت رغم الألم.

الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، لكنهم لا يملكون شهوة ولا اختيار لذلك. أما أنت... فلك هوى، ولك رغبة، ومع ذلك تختار الطاعة؛ ولهذا، حين تصدق في إيمانك رغم كل ما فيك، فأنت في مقام أعلى..."

كان الجو لا يزال رماديًا، لكنه رماد ناعم، لا يحمل وعيدًا كما كان. والريح التي كانت تصرخ من حوله، صارت همسًا بالكاد يُسمع...

كان منشغلًا في داخله، يتقلب بين سؤالٍ وجواب، ولم يلحظ حتى أن المطر قد توقف، وأن الضباب بدأ ينقشع أكثر فأكثر، أو أن السحب الكثيفة فقدت غضبها، وأهدته القمر معتذرة، قبل أن تهم بالرحيل.

وعندما بدأ الضباب في الاختفاء شيئًا فشيئا، وبينما كان صوته الداخلي يهدأ، انزلق بصره في لمحة عابرة إلى سطح الماء أسفل قدميه...

تجمد.

الانعكاس... لم يكن يطابقه... كان هو نعم، لكن.. به شئ مختلف، مريب...

كان الطقس عنده لا يزال ملبدًا بالغيوم الراحلة، الأرض مبتلة من اثر العاصفة، والبرد يزحف تحت جلده...

لكن على الجانب الآخر، كان انعكاسه يقف في أجواء مختلفة تمامًا. كان نهارًا بسماء صافية! وضوء شمس ناعم يتسلل بين سحب ودودة، حتى الرياح هناك بدت أقل قسوة.

لكن الأدهى من ذلك... أن الانعكاس كان يبتسم.. يبتسم بهدوء.. كأنما يعرف أكثر مما يجب...

حدق في الانعكاس، وكأن الزمن توقف للحظة. ذلك الهدوء... تلك الابتسامة... لا ينتمان له.

ثم، كُسِر الصمت من قِبَل انعكاسه: "دعني اسألك أنا هذه المرة..."

امال برأسه قليلًا وأكمل بنفس الهدوء، لكن بكلمات حملت ثقلًا ساحقًا: "قل لي.. لماذا يفشل الزواج؟"

فكأن صاعقة أصابت روحه.

ارتجف الهواء مجددًا، وفي طرفة عين اهتز العالم، تعالت الرياح من حوله، وعاد الغيم غاضبًا.

  الضباب الذي كان قد بدأ في الانقشاع عاد يلتف حوله ويزداد في الأرجاء...

لم تكن الاجواء الغاضبة مستقرة حتى، فقد انحبست أنفاس الريح، ابتلع الغيم غصته، وتحجر الضباب...

ثم بدأ كل شئ يتجمد فجأه. المطر، الريح، وحتى شعاع البرق خلفه قد تجمد.

اما هو.. فمازال لم يتحرك، لم يهاجم كعادته. شعر بأن جسده قد تصلب.

كان مستعدًا للأسئلة الكبرى، للغيب، أو للوجود، للطب، أو للكيمياء... أي شئ!

لكن هذا...؟

هذا ما لم يكن على استعداد له ابدًا.

لم يُجب على الفور. حدق في الانعكاس طويلًا.

كأن السؤال اخترق شيئًا دفينًا، ليس في عقله، ولا حتى قلبه...

ثم قال بصوت خفيض، كمن يضغط على نفسه لئلا ينهار: "لأن الحب وحده لا يكفي..."

سكت قليلًا، كمن يخوض معركة مع ضعفه كي يُكمل بثبات وإن كان مزيفًا: "لأننا نريد أن نَمتلِك، ولا نُمتلَك...

لأننا.. لأننا لا نثق فيمن نحبهم، رغم أننا نموت لأجلهم.

لأننا نحمل جراحًا قديمة.. إلى علاقات جديدة،

ونطلب من الآخر أن يرمم ما لم يكسِر..."

سكت ثم ابتسم بمرارة، وهو ينظر إلى انعكاسه الذي باغته، ليكمل وهو يشيح ببصره بعيدًا عن نفسه...: "نفشل لأننا لا نفهم أنفسنا، ثم نطالب الآخر أن يفهمنا."

أخذ شهيقًا مرتجف ثم أكمل: "نبحث عن الأمان في الخارج، بينما الخوف يعشش في الداخل..."

سكت الانعكاس للحظة، ثم نظر إليه بنظرة لم تكن حنونة... لكنها لم تكن قاسية.

كانت نظرة.. كاشفة... كمن يرى ما لم يُرده صاحبه أن يُرى. كمن يحمل مرآه لا تعكسه فيها، بل ما لا يريد الآخر رؤيته. كمن يعطيه مفتاح الباب الذي هرب منه طويلًا...

قال بصوتٍ هاديء، خالٍ من الجدال، خالٍ من اي لوم أو توبيخ. فقط.. إرشاد و إنارة: "لماذا أردت منها أن تطمئن إلى نارك.. فقط لانك قلت إنك لن تحرقها؟

كيف انتظرت سكونًا دون أن تمنح أمان؟

وأنت الذي.. تؤمن أن لكل نتيجة سبب، ولكل استجابة محفز... فكيف تجاهلت قوانينك.. عندما تعلق الأمر بها؟"

تيبس الجو أكثر، وسقط الضباب أرضًا ليتفتت كالحجارة...

شيء ما تسرب إلى داخله أيقظه، كإبرة رفيعة يحتاج إليها فاقد الوعي أسفل ظفره...

كأن جدارًا حول دماغه تصدع وانكسر، وقد شعر ببرودة في دماغه نتيجة لذلك.

وفجأة، أحس بذات الإحساس الذي يأتي حين تنفك الأذن بعد انسداد طويل.

ألم حاد إخترق طبلة أذنه، كشعرة معدنية رفيعة... جعلته يصرخ بجنون.

سخونة مألوفة، ثم وضوح بالصوت لم يكن يعرف أنه مفقود.

لكن لم يكن الذي انفض ماء...

كان شيئًا أثقل، أبطأ، وأشد.. تعفنًا؟!

كان لبنًا فاسدًا! يسد السمع... لبن علم فاسد، أفسد سمعه وبصيرته، وحين انساب انفتح الصوت، وانقشعت غشواة...

ليكلمه الانعكاس مجددًا، لكن بصوت بدا معاتبًا هذه المرة: "لم تكن المشكلة في أنك لم تحبها، لا، بل أحببتها، أحببتها كثيرًا، لكنك أحببتها بطريقتك...

نسيت أن الحب لا يقاس بما تشعر، بل بما تمنح.

ظننت أن إنعزالك وإنشغالك حكمة، عقلانية، عبادة! أن بإنعزالك ستطيب الجروح وحدها، وأنه تجنب للمشاكل. لكن هل سألت نفسك يومًا.. كيف كانت تراه هي؟

كانت تراه إهمالًا!

أغلقت على نفسك في سبيل شريف نعم، لكنها لم تكن داخل تلك الحدود... ولا أحد سيتحمل أن يُقصى عن عالم من يحب."

صمت قليلًا تاركًا مساحة مناسبة لتترسخ كلماته في عقل الآخر. بينما في الجهة الآخرى من الصرح سقط البرق المتجمد أرضًا، فاخترقها وأحدث شقوقًا من حوله.

  لم يكن صاحبنا يأبه بما حوله. كان شاردًا داخل عقله في هدوء اشبه بالذي يصاحب الاستسلام...

كان انعكاسه يتأمل دمار الجهة الآخرى بنظرات لم يفهمها الآخر حين أبصره، ثم نظر الانعكاس إلى صاحبنا وأكمل دون تردد: "هل كانت تحاول تقييدك في رأيك؟ أم أنها فقط كانت تبحث عن مكان لها فيك...؟

كنت حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا بعقلك، مشغولًا بعالمك الذي لم تجد لها مكان فيه.

ولأنها أحبتك بصدق.. خافتك بصدك.

اما أنت؟ كنت ترى خوفها كتمسك مزعج، واحتياجها ضعف منفّر، وغيرتها قيد خنيق.

أكنت حقًا ترى أفعالها رغبة في إمتلاكك لا خيشة فقدانك؟؟ كانت مشكلتها الوحيدة أنها لم تكن ضمن معادلاتك...!"

وقع على ركبتاه بملامح فارغة، وجسد لا يبدو أنه يملكه... ثم انهمرت دموعه فجأة، بلا صوت، كأنها كانت محتبسة منذ دهور، لكن سرعان ما اطلق العنان لنحيبه...

شعاع البرق من خلفه ينغرس في الأرض أكثر فأكثر وتزداد الشقوق من حوله بشكل مخيف، لكن هذه المرة، كانت الاجواء مختلفة...

صفا الجو فجأة. تراجعت السحب، وسكن الهواء، وبدأت الشمس تختلس النظر من وراء الأفق، تضيء العالم بدفء أخاذ اسكته.

غيض الماء عن الأرض... والجهة الآخري تحته لم تعد انعكاسًا لطقس آخر، بل أصبحت تعكس صورة تامة له.

وقبل أن يتأمل المشهد أو يلتقط أنفاسه، تصدع المكان...

الشقوق إزدادت وملأت المكان بأكمله، حتى أنها بطريقة ما صعدت إلى السماء فنشقت هي الآخرى في إشارة واضحة لانهيار هذا الامكان بأكمله.

  تركض الشقوق بجنون في كل مكان وتتشعب حتى وصلت أسفل قدميه.

كل شيء بدأ يهتز وينهار. لم يسعفه الوقت ليفهم أوحتى ينظر حوله.

سقط.

سقط فجأة في ظلام دامس. وفي تلك اللحظة المستقلة عن أي زمان ومكان، آتاه الصوت مرة أخيرة: "فرصة جديدة.. إغتنمها."

ثم كمن ينتفض من حلم... استفاق!

فتح عيناه بحدة، وتنفس بعنف. وجد نفسه على كرسيه في مكتبته.

تحسس جسده بفزع كمن يطمئن أنه موجود فعلًا. ثم تآوه فجأه ممسكًا بأذنيه، فقد عاد ذاك الآلم فجأه يثقب أذنه، لكنه اختفى تدريجيًا كأن لم يكن.

مسح على وجهه بيديه في محاولة مرتجفة لتهدئة نفسه...

  تنهد، ثم أراح ظهره للخلف ناظرًا إلى السقف يفكر فيما حدث، دون أن ينتبه ابدًا إلى أصوات الأطفال البعيدة التى ظهرت فجأه في البيت، أو إلى الضوء الخافت الدافئ الذي يتسلل من تحت باب غرفته، أو حتى إلى رائحة الطعام التى ملأت المكان.

أمسك بورقة وقلم وبدأ يدون أفكاره بسرعة كأنما يخشى خسارتها في أي لحظة.

"أغتنم الفرصة؟؟" همس لنفسه في تساؤل، ثم أمسك بعنقه في توتر وقد جف حلقه وهو يفكر ما إذا كان الصوت يقصد أنها فرصة اخرى للحياة؟؟

مسح على رأسه ووجهه مجددًا، ثم سحب آلتة الكتابة وبدأ يكتب عنوانًا ما، قبل أن يتوقف عند ملاحظته لكوب لبن طازج أمامه على المكتب، لايزال بخاره يتصاعد، وتحته ورقة صغيرة، لا تبدو من هذا العالم...

التقطها ببطء، وقرأ بعينيه: "أحسن التصرف هذه المرة."

قطب حاجباه باستغراب، ثم أمسك بالكوب وشمه بشك. كانت رائحته عادية، لا، بل.. شهية! فارتشف منه ببطء.

ثم فجأة، فُتح بابه، ليسمع صوتًا ناعمًا من عنده: "حتفضل قاعد في تابوتك دا كدا؟ متتعشا معانا النهاردة!"

استدار ببطء.. بصدمة.

كانت هي...

واقفة هناك، بنفس النعومة والبساطة، وكأنها لم ترحل قط.

ابتسمت وأمالت رأسها بمرح: "عجبك؟ دفيتهولك وحلّيته بعسل أسود، أصلي سمعت إن العسل الأبيض ما ينفعش في الحاجة السخنة!"

ظل يحدّق فيها بذهول، غير مصدق. غير مستوعب.

وبدون وعي أنزل الكوب عن فمه، أعاده إلى المكتب أمامه، وقف، ثم إندفع نحوها واحتضنها فجأة دافنًا إياها في صدره.

تصلبت في مكانها للحظة من المفاجأة، ثم احتضنته هي الأخرى، لكنها همست بارتباك: "ماتاخدنيش في دوكة! إنت خرجت من غير ما تقول! وجايب شوية جبنة وحلاوة! أنا عايزة أعرف إنت كنت فين؟"

لم يجادل، لم يتذمر أو يتململ، بل ضحك!

ضحك وضمها أكثر إليه كمن لا يريد أن يتركها أبدًا، ثم همهم وتحدث بهدوء: "مم.. وأنا كمان بحبك."

تشتت في دهشة وحرج، لكنها أرخت في صمت بين ذراعيه.

  وساد الصمت.

صمت دافئ، حقيقي. كأن كل شيء في العالم قد وجد مكانه أخيرًا...

وعلى مكتبه، وبين أحضان آلته الكاتبة، كانت ورقة بيضاء جديدة، كُتب في أعلاها..

  رحلتي من الشك إلى الإيمان...

مصطفى محمود


  ما وراء الغروب.. ليس ظلام أبدي.. بل شروق جديد.

⊱━━━━⊰✾⊱━━━━⊰