من أجل العرش

All Rights Reserved ©

Summary

في القصور التي تُبنى على الدم، لا أحد يبقى بريئًا طويلًا. بين العروش الجائعة، والخيانة التي تنمو خلف الأبواب المغلقة، يبدأ وريثٌ رحلته في عالمٍ لا يرحم… عالمٍ قد يسرق منه كل شيء، إلا تلك الفتاة التي أشعلت الحرب داخل قلبه أولًا. ولأجلها، قد تصبح المملكة بأكملها قابلةً للاحتراق.

Status
Ongoing
Chapters
9
Rating
n/a
Age Rating
16+

الفصل الأول

سوق كبير وتحديداً طويل ، عربات البضاعة مسطفة على كلا الجانبين تخللهاسوق كبير وتحديداً طويل ، عربا بعض المحال أو هكذا يدعونها، هي عبارة عن طاولة خشبية فوقها مظلة كبيرة

روائح نتنة تزكم الانف ، هي مزيج بين السمك المملح و عرق المارة و التربة المبتلة من مطر الفجر .

الوان كثيرة لكن اغلبها طغى عليها التراب ليضفي طابع الفقر .

مشيت بخطوات حذرة بينما اذناي تؤلماني، أصوات كثير تتداخل مع صياح الاطفال و أصوات الاحصنة المنزعجة.

اتخطى عربة قماش بورود باهتة، خضار اصفر لونه ، سمك تكاد رائحته تقتل ، خبز كالحجارة، وخناجر صدئة وأخرى بحالة لا بأس بها .

توقفت احدق بخنحر فضي تداعب أشعة الشمس نصله فيغريني بسرقته.

" أذهب من هنا يافتى ، ستجلب لي النحس "

ياله من رجل سخيف، لكني أبتعد على كل حال .

أبحث عن مكان هادء بين الازقة ، أجد لصوص لكن لا أخشى منهم فأنا أفقر من أن أهرب.

أرى أطفال بملابس تكشف أكثر مما تستر ، نساء قبيحات، واخريات بشعر أشعث لكن ملامحهن لطيفة.

تستقر عيناي في نهاية السوق ، الذي لا يشبه السوق بشيء، على شيء خشبي اعتقد انه كان يوماً ما اسطبل ، وسط حقل واسع .

كل ما اقتربت منه كل ما اتسعت ابتسامتي.

وقفت امامه اتأمله.

بابه مهترء وجدرانه المتشققة تخبرني أنه لن يقيني غضب العاصفة .

لم ابه بتلك السحلية التي تعتبره بيتها ، أو بالريح التي تزأر داخله .

فقط كنت فرحاً ... فرحاً بايجاد سقف ياوينه تحته، لكن حال ما دخلت ظهر من العدم رأس مقلوب أمام وجهي ، يتدلى منه شعر طويل برتقالييتمايل كأنه حي ، وعينان واسعتان تحدق بفضول مقلق

تجمدت في مكاني لا خوفاً .. بل دهشة .

" لم تفزع !!"

ابتلعت ريقي

" انتي تسكنين هنا؟"

سألتها بحذر

ابتسمت او هكذا ظننت ، لان وجهها كان لا يزال مقلوباً ، ثم انقلبت ي الهواء بخفة غير طبيعية واستقرت قدماها على الارض امامي .

" اسكن؟" ضحكت ، ضحكة خفيفة لكنها مشوبة بشيء غريب

" انت في ارضي ، في حصني"

الريح التي كانت تعوي في الداخل خفتت فجأة، كأنها تراقبنا.

"إن كنت تبحث عن مأوى…"

اقتربت مني خطوة، وعيناها تلمعان بطريقة غير مريحة.

اردفت

"فقد وجدته. لكن لكل سقف ثمن."

"ليس لدي ما أدفعه."

اتسعت ابتسامتها أكثر.

"هذا ما يجعل الأمر ممتعاً."

ساد الصمت لثوانٍ، فقط صوت السحلية وهي تزحف فوق الجدار المتشقق.

"ما اسمك؟"

سألتني فجأة.

ترددت، ثم قلت

"لا أحد يناديني بشيء."

مالت برأسها قليلاً، كأنها تزن كلماتي.

"جيد… إذن لن يفتقدك أحد."

شعرت بقشعريرة تسري في ظهري، لكن قدمي لم تتحرك.

الحقيقة كانت واضحة…

لم يكن لدي مكان آخر أذهب إليه.

سارت للداخل وهي تقول

" سنرى مايمكنك تقديمه ... ربما ستسرق من أجلي "

نظرت إلى الداخل ظلام كثيف، أعمق مما ينبغي لهيكل متهالك كهذا.

ثم أخذت نفساً، وتقدمت.

في اللحظة التي عبرت فيها العتبة…

أُغلق الباب خلفي من تلقاء نفسه، بصوت ثقيل كأنه ختم قراراً لا رجعة فيه.

ألتفت.

الظلام في الداخل لم يكن دامساً تماماً، خيوط ضوء خافتة كانت تتسلل من الشقوق، تكشف الغبار العالق في الهواء… وأشياء أخرى لم أركّز عليها.

"تقدّم."

جاء صوتها من الداخل، واضحاً رغم أنها لم ترفع نبرتها.

ترددت لحظة، ثم خطوت.

أرضية المكان كانت غير مستقرة، خشب قديم يئن تحت قدمي، ورائحة رطوبة ممزوجة بشيء أقدم… شيء لا أعرفه.

رأيتها أخيراً.

كانت جالسة فوق صندوق مكسور، ساق فوق الأخرى، تراقبني كأنني شيء وجدته بالصدفة ولم تقرر بعد إن كانت ستحتفظ به.

"إذا أردت البقاء…" قالت بهدوء، "فعليك أن تكون مفيداً."

لم أجب.

"الجوع سيعلّمك بسرعة." أضافت، وهي تميل قليلاً للأمام.

"غداً… ستسرق."

رفعت رأسي فوراً.

"لا."

سكتت.

لثانية، فقط نظرت إليّ… ثم ضيّقت عينيها.

"لا؟"

ابتلعت ريقي.

"لا أستطيع."

رفعت حاجبها، كأنها لم تسمع جواباً أغبى من هذا.

"لا تستطيع؟ أم لا تريد؟"

أشحت بنظري.

"كلاهما."

نهضت ببطء.

خطواتها كانت خفيفة، لكنها جعلت المكان أضيق.

توقفت أمامي مباشرة.

"كلهم يستطيعون..الأطفال… العجائز… حتى من لا يملكون أصابع."

مدت يدها فجأة، وأمسكت معصمي.

"وأنت تقول لا تستطيع؟"

حاولت سحب يدي، لكن قبضتها اشتدت.

عيناها انتقلتا بين أصابعي، كأنها تقرأ شيئاً مكتوباً عليها.

"غريب…" تمتمت.

شددت يدي بسرعة.

"دعيني هل انت قارئة كف؟"

رفعت نظرها إليّ، ابتسامة خفيفة عادت لشفتيها وهزت كتفيها

" من يدري"

ابتعدت خطوة، ثم أشاحت بوجهها كأنها فقدت اهتمامها فجأة.

"حسناً." قالت ببرود.

"إن كنت لا تستطيع السرقة… فلن أطعِمك."

لم أجب.

"سنرى كم ستصمد."

توجهت نحو الزاوية، وجلست مجدداً، وكأن الأمر انتهى.

لكنها اردفت

" وستخرج من مملكتي ايضاً"

"انتظري، سنجد"

لم تمهلني.

اندفعت نحوي.

حركة سريعة… لم أرها، لكن جسدي فهمها.

ضربة قاسية في منتصف ظهري.

انقطع الهواء.

انهرت للأمام.

الأرض ارتفعت لتضربني ،صدغي اصطدم بالتراب، والحشائش انغلقت حولي.

طعم الطين في فمي.

صمتٌ لثانية…

ثم

صوت الباب.

حاد. قاطع.

كأنه يُغلق في وجهي… لا خلفي.

رفعت رأسي ببطء.

هناك بين الأعشاب، باب صغير… لم أره من قبل.

كيف…؟

لم يكن موجوداً.

أو ربما… لم أكن أراه.

برق.

انفلقَت السماء إلى نصفين، ضوء أبيض اجتاح كل شيء.

ثم الرعد

قريب.

قريب جداً.

اهتزّ جسدي.

قطرة باردة سقطت على عنقي.

ثم أخرى.

ثم....

انهمر المطر، دفعة واحدة.

ثقيل. عنيف.

يضرب الأرض… ويضربني معها.

انزلقت يدي في الطين.

حاولت النهوض...

فشلت.

الوحل سحبني للأسفل، و أنفاسي تتكسر.

ومضة أخرى.

السماء تشتعل.

الصوت يمزّق رأسي.

لا…

لا ليس الآن…

رفعت يدي دون وعي، كأنني أستطيع إيقافها.

"توقّف…"

همست.

لكن لا أحد سمع.

الباب بقي مغلقاً.

والمطر… لم يتوقف.

يتسلل ببطء إلى العظم.

أسناني تصطك، أطرافي ترتجف…

ولم أعد أشعر بها.

حاولت النهوض

فشلت.

ركبتاي غرستا في الطين، رأسي منحني ،وخصلات شعري تقطر ماء.

وميضٌ أضاء الحقل.

تلاه رعد… زمجرة غاضبة شقّت السماء.

لم أسمع صوت الباب وهو يُفتح.

لم أعلم أنها بجواري…

إلا عندما ظهر حذاؤها أمام نظري.

"ما زلت حيّاً؟"

لم أرفع رأسي.

لا أستطيع.

يدٌ أمسكت بي من أسفل ذراعيّ.

"هيا… انهض."

سحبتني.

ببساطة… كأنني خرقة بالية.

جسدي يُجرّ فوق الأرض، والطين يترك أثراً خلفي.

والمطر يضربني من كل اتجاه…

ثم...

هواء دافئ.

رائحة خشبٍ محترق.

أُغلق الباب.

تركتني لأسقطت على الخشب

قاسٍ…

لكنه جاف.

تنفست.

بصعوبة… ثم أعمق.

خطواتها تبتعد.

توقفت.

"لا تظن أنني فعلت هذا لأجلك."

صمت.

شيء سقط بجانبي.

قماشة بالية…

لكنها أفضل من لا شيء.

"جفّف نفسك."

زحفت قليلاً نحو مصدر الدفء.

خشب يحترق ببطء.

الضوء يرقص على الجدران.

اقتربت هي.

شعرها يلمع بلونٍ يشبه اللهب، حتى ظننت للحظة… أنه يحترق.

رمشت.

لا.

مجرد انعكاس ضوء.

"لا أريد أن أدفن جثة…"

توقفت لحظة، ثم أضافت

"ليس ثانية."

ساد الصمت.

لا شيء…

إلا طقطقة الخشب.

٨