مدينة القبور
يسمونها مدينة القبور؛ تلك البقعة المنسية على سواحل البلاد التي لا يدركها إلا القليل. مدينة تغفو في وداعة بين فكّي الجبل والبحر، حيث تنحدر سُمرة الصخور البركانية بحدة لتقبل زرقة مياهٍ بكر ، مياه تتدرج ألوانها من بياض الزبد حتى الفيروز الغامق، مخبئةً في أعماقها حكايا الصيادين الذين مضوا ولم يعودوا.
على رصيف الميناء المهجور، تصطف البيوت القديمة بنوافذها الخشبية المتهالكة التي نخرها الملح، تراقب بصمت عبور السفن التي لم تعد تأبه للمرسى القديم. أما تلك (الرواشين) المنقوشة، فما زالت تحكي عن زمن كانت فيه عيون المدينة التي لا تنام، تترقب بعجز عودة البحارة من غيابات المدى.
في هذه البلدة، سقط الزمن من حسابات التاريخ، فكل شيء ساكن كما لو كان لوحة زيتية جفّت لتوها. ومن خلفها، تتناثر قرى هجرها أهلها بحثاً عن بريق الحداثة، لتبقى بيوتها الطينية والحجرية بين ثنايا الجبال كآثار منسية. وعلى مقربة من الشاطئ، يبرز هيكل سفينة حديدية ضخمة من قلب الماء، كوحش أسطوري استسلم للموت قبل عقود، تاركاً للأمواج العبث بأحشائه الصدئة.