عناق السطور

All Rights Reserved ©

Summary

​"قصة وهمية أبكت شقيقتها الصغرى، وروايات بائسة تملأ الرفوف وتعلّم الناس الاستسلام.. هذا كل ما تطلبه الأمر لتبدأ 'فيانتا' ثورتها الصارمة. ​قررت ألّا تبكي مجدداً، بل أن تكتب حبراً يداوي الجراح لا حبراً يشنق الأرواح. وضعت القواعد، وأمسكت القلم، وولدت بطلتها 'فيلدا'؛ الفتاة التي ركلت خذلان الماضي، وحزمت حقيبتها الصغيرة متجهة إلى مدينة غريبة لا ترحم الغرباء. ​بين عتمة غرفة 'فيانتا' وخطر محطة 'فيلدا'، تتشابك السطور وتبدأ المعركة الحقيقية.. فهل يملك القلم حقاً القدرة على ترميم انكسارات الواقع، أم أن للكلمات ضريبة مرعبة لم تحسب 'فيانتا' حسابها؟ ​ادخل عالم 'عناق السطور'.. حيث لا مكان للضعفاء، ولا وجود للنهايات الحزينة!"

Status
Ongoing
Chapters
3
Rating
n/a
Age Rating
13+

عناق السطور

«.. وفي تلك اللحظة، لم يعد للمكان معنى، ولا للزمان قيمة. لقد اكتشفتْ أنَّ أبشع أنواع الموت ليس توقف القلب، بل أن تبقى على قيد الحياة بذاكرةٍ مليئة بالوداعات. انطفأ كل شيء، حتى صرختها لم تجد صدىً يعيدها إليها، فاستسلمت لليأس الذي التفَّ حول عنقها كحبلٍ من مسد. لقد كُتب علينا أن نكون مجرد عابرين في حكاياتٍ لا تعرف سوى كيف تكسرنا في النهاية. انتهى.»

رميتُ الرواية جانباً. لم أبكِ. ليس لأن قلبي من حجر، بل لأنني غريقةٌ في جمودٍ تجاوز حدود البكاء. هل فعلاً انتهى كل شيء بالدموع؟ ولماذا نُصَفِّقُ نحن القراء لمن يكسرنا؟

في تلك اللحظة، وسط سواد الاكتئاب الذي صبغ عالمي، لم أعد أبحث عن مناديل ورقية، بل كنتُ أبحث عن إجابة لسؤال واحد: ✨من الذي ربط الدموع بالحزن؟ ومن الذي يملك الجرأة ليجعل السطور تعانقنا بدلاً من أن تخنقنا؟✨

ساد الصمتُ غرفتي، صمتٌ ثقيل يشبه لزوجة الحبر فوق الورق. نظرتُ إلى يديَّ الشاحبتين، ثم إلى الفراغ الذي يبتلع زوايا المكان. كنتُ أسمع دقات الساعة، لكنها لم تكن تحسب الوقت، بل كانت تطرقُ على جدران جمودي، تذكرني بأنني لا زلتُ هنا، عالقةً في تلك المنطقة الرمادية بين الحياة والموت.

أغمضتُ عينيَّ. كان النداء بسيطاً، لكنه كان يذكرني بأن هناك عالماً حقيقياً ينتظرني خلف هذا الباب، عالماً لا يريدني أن أكون غريقةً بين السطور، بل أكون ✨"الجبر" الذي قررتُ أن أكونه.✨

تحركتُ أخيراً. كانت حركتي ثقيلة، كأن جسدي يرفض مغادرة تلك الزاوية التي شهدت انكساري وصمودي في آن واحد. وضعتُ قدمي على الأرض الباردة، وتقدمتُ نحو الباب. لم يكن مجرد باب خشبي، بل كان الحد الفاصل بين "فيانتا الغريقة" و"فيانتا التي ستحمل القلم لتداوي دمع السطور".

بمجرد أن ضغطتُ على المقبض وفتحته، تدفق ضوء الردهة ليصفع عينيَّ المعتادتين على العتمة. كانت ريفا هناك، تقف عند نهاية الممر، تنظر إليَّ بقلقٍ لم تستطع إخفاءه خلف ابتسامتها الصغيرة.

—✨ "فيانتا؟ أأنتِ بخير؟ لقد طال بقاؤكِ في الداخل هذه المرة."✨

لم أجبها بكلمات، بل اكتفيتُ بإيماءةٍ باهتة. لم تكن تفهم أنني عدتُ من رحلة طويلة خلف السطور، وأنني لستُ الشخص الذي دخل تلك الغرفة قبل ساعات.

— "✨أمي كانت تسأل عنكِ.. القهوة بردت، وهي تقول إن الحياة لا تنتظر من يغرقون في الكتب✨.

مشيتُ نحو المطبخ، حيث كانت رائحة الهيل تمتزج بضجيج الحياة اليومي البسيط. هناك, تحت ضوء المصباح الدافئ، رأيتُ أمي وهي ترتب الصحون بصبرٍ لا ينتهي. نظرتْ إليَّ، ولم تقل شيئاً في البداية؛ فالأمهات يملكن حاسةً سادسة لتمييز الحزن عن الجمود. مسحت يدها بمنديلها وقالت بهدوء:

—✨ "اجلسي يا ابنتي. الخبز ساخن، والواقع، رغم قسوته، أرحم بكثير من تلك الأوراق التي تلتهم روحكِ."✨

جلستُ، لكن عينيَّ كانت تراقب حركة أيديهما، وتفاصيل وجوههما. كنتُ أرى "ريفا" الصغيرة التي لا تزال تؤمن بالنهايات السعيدة، و "إيما" التي صقلتها الأيام وأصبحت هي السند الصامت لنا.

في تلك اللحظة، شعرتُ بالثقل الحقيقي لمهمتي؛ ✨كيف سأكتب سطوراً تعانقهما؟ كيف سأجعل من حبري "جبراً" يلامس واقعهم الصعب؟✨

تناولتُ فطوري بهدوء صامت، لم يكن زاداً لجسدي بقدر ما كان مهلةً لعقلي ليستوعب فكرة العودة إلى الواقع. بمجرد أن انتهيت، لملمتُ شتات نفسي، وقررتُ أن أخرج. كان عليَّ أن أواجه ذلك العالم الذي يصنع تلك الأوراق التعيسة.

توجَّهتُ مباشرةً نحو منطقة المكتبات، حيث تتكدس القصص والروايات فوق الرفوف كأرواحٍ تنتظر من يبعث فيها الحياة أو يقتلها. دخلتُ، وكانت رائحة الورق الجديد والقديم تحاصرني من كل جانب. لم أكن هناك لأقرأ بالطريقة التقليدية؛ بل كان لديَّ طقسٌ غريب، مدفوعٌ بالفضول والوجع.

كنتُ أتقدم نحو الرف، تمتد يدي الشاحبة لتسحب الرواية، وفوراً.. تذهب أصابعي إلى الصفحات الأخيرة. كانت عيناي تتجاوز كل الفصول، وكل قصص الحب، وكل الصراعات، لتهبط مباشرةً على النهاية.

كنتُ أجمع "القساوة" المنسكبة في نهايات تلك الروايات كمن يجمع شظايا زجاج مكسور، وأراقب بذهول كم عليها من طلب هائل وسط الرفوف. وفي تلك الأثناء، التقطت أذني حواراً بين فتاتين كانت أحدهما تمسح دموعاً فرت من عينها وهي تقول:

— ✨"النهاية قتلتني.. بقيتُ أبكي طوال الليل، لكنها أفضل رواية قرأتها هذا العام!"✨

وترد عليها الأخرى:

— ✨"نعم، النهايات الحزينة هي التي تعيش وتجعلنا نشعر بصدق الكاتب."✨

بقيتُ واقفة في مكاني، أنظر إلى الكتاب في يدي ثم إلى الناس. صدمتني فكرة أن القراء يبحثون عن الكسر، ويقدسون من يبكيهم، ورأيتُ كيف أن الجميع هناك متأثرون بالنهايات ويحكون عنها بشغف غريب.

تملكتني رغبة عارمة في الصراخ وسطهم: ✨لماذا نُصفق لمن يكسرنا؟✨

أغلقتُ الرواية التي بين يديَّ بقوة، وأعدتها إلى الرف مقلوبةً كأنني أعلن تمردي الصارخ على كل سطرٍ فيها. أعرف الآن تماماً ما الذي جئتُ لأفعله؛ فرؤية وجوههم المتأثرة بتلك النهايات جددت الاختناق في صدري، وأعادتني رغماً عني إلى زاوية غرفتي الرمادية. لكن هذه المرة، لن أستسلم للجمود؛ سأغير هذا الواقع، سأكتب حبراً يداوي الجراح لا حبراً يشنق الأرواح. أنا مستعدةٌ الآن لأرمم العالم، وأقضي تماماً على انتصار الكسر.

عدتُ إلى غرفتي الرمادية، وأغلقتُ الباب خلفي. توجّهتُ مباشرةً نحو طاولة مكتبي، سحبتُ ورقةً بيضاء وأمسكتُ القلم بإصرار، وجلستُ لأضع قواعد عالمي الجديد قبل أن يلمس الحبر بياضها:

• ✨لن يكون هناك بطلٌ يموت مجاناً ليربح الكاتب تصفيق القراء.✨

•✨لن يكون هناك وداعٌ أخير يترك القارئ غارقاً في دموعه طوال الليل.✨

وضعتُ سِنَّ القلم على الورقة، وبدأتُ أخط أولى الكلمات بلهفةٍ جنونية. لم أكن أشعر بالوقت وهو يمر، حتى قاطع اندفاعي طرقات خفيفة ومتتالية على الباب، تلاها صوت مقبض الباب وهو يتحرك. دفعت ريفا رأسها الصغير من الفتحة، وعيناها تدوران بفضول في أركان الغرفة قبل أن تستقر عليَّ.

— "فيانتا؟ ألم تنامي بعد؟ أمي تقول إن الضوء المنبعث من أسفل بابكِ يكاد ينافس ضوء الفجر."

نظرتُ إليها، ثم إلى كومة الأوراق التي تبعثرت حولي؛ شعرتُ برغبة في إخفاء ما أكتبه، ليس خجلاً، بل لأنني أطبخ ثورة لا أريد لأحد أن يتذوقها قبل أن تنضج تماماً. أغلقتُ الدفتر بسرعة وقلت بحزم هادئ:

— ✨"سأنام الآن يا ريفا.. اذهبي أنتِ."✨

استيقظتُ في الصباح على صوت تقليب صفحاتٍ متسارع، يليه شهقة بكاءٍ مكتومة. فتحتُ عينيَّ ببطء، ليتضح أمامي المشهد: كانت ريفا تجلس عند زاوية الغرفة، ممسكةً برواية ذات غلاف كئيب، وعيناها حمراوان من كثرة الدموع.

نظرتُ إلى الغلاف، فإذ به عنوان عريض يقطر بؤساً: "✨لن يكسرني رجل"✨.

نزلتُ من سريري بهدوء، واقتربتُ منها وأنا أشعر بضيقٍ يتسلل إلى صدري مجدداً. لم يكن ضيقاً من أختي، بل من هذا الوباء الورقي الذي يلاحقنا حتى داخل بيوتنا ليزرع الضعف في قلوب من نحب. وقفتُ فوق رأسها وقبل أن تنتبه لي، سألتها بنبرة حادة بعض الشيء:

— ✨"أتبكين مجدداً بسبب سطرٍ خطَّهُ كاتبٌ ليقبض ثمن دموعكِ؟"✨

رفعت ريفا رأسها إليَّ، وهي تمسح دمعةً فرّت على خدها وقالت بصوت متحشرج:

— ✨"لكن النهاية ظالمة يا فيانتا.. البطلة انكسرت في النهاية ولم تجد من يجبر خاطرها، الكاتب جعلها تستسلم للقدر!"✨

ابتسمتُ بمرارة، والتفتُّ نحو مكتبي حيث يقبع دفتري السري، وشعرتُ بقبضة يدي تشتد. ونظرتُ إلى أختي وقلت في نفسي: ✨«اصبري يا ريفا.. سأغير هذا كله. سأصنع لكِ بطلةً لا تنحني، ولا يجرؤ كاتبٌ على كسرها.»✨

سحبتُ الرواية من يديها الصغيرتين بلطفٍ يحمل في طياته الكثير من الإصرار. لم تعترض ريفا، بل نظرت إليَّ بعينين متوسلتين كأنها تبحث عندي عن نهاية بديلة تريح قلبها الصغير.

وضعتُ الكتاب مقلوباً فوق الطاولة، تماماً كما فعلتُ بالأمس في المكتبة، والتفتُّ إليها قائلة:

— "الدموع لا تليق بعينيكِ من أجل قصة وهمية، والقدر لا يكسر من يملك الإرادة يا ريفا. اغسلي وجهكِ، وهيئي نفسكِ، فلدينا واقعٌ نعيشه، وأوراقٌ تنتظر من يقلب موازينها."

خرجتْ ريفا من الغرفة وهي تطأطئ رأسها، بينما بقيتُ أنا واقفة في منتصف غرفتي الرمادية. التفتُّ نحو مكتبي، حيث كان دفتري السري مغلقاً يخبئ في جوفه بداية الثورة. شعرتُ برغبة عارمة في الجلوس ومواصلة الكتابة، لكنني علمتُ أن الكاتب الحقيقي لا يستمد حبره من الجدران المغلقة، بل من تفاصيل الحياة اليومية، ومن وجوه الناس وصراعاتهم.

قررتُ أن يكون هذا اليوم مختلفاً؛ سأخرج إلى المدينة، ليس كقارئة مكسورة تبحث عن نهايات الروايات، بل كـ "مُرممة" تراقب تفاصيل العالم لتصنع منها أبطالاً من طين واقعنا، أبطالاً يملكون القوة لرفض الانكسار.

بينما كنتُ أسير في شوارع المدينة، كان صخب الباعة وحركة المارة يمرون من أمامي كشريط سينمائي باهت. لم أكن أبحث عن شيء محدد، حتى قادتني خطواتي بالقرب من محطة الحافلات القديمة. هناك، وسط زحام الناس المنتظرين، لفت انتباهي مشهدٌ جعل قدميَّ تتسمران في مكانهما.

كانت هناك فتاة في مقتبل العمر، تجلس على مقعد خشبي متهالك، وبيدها حقيبة سفر صغيرة تبدو وكأنها حزمت فيها كل ما تملك على عجل. لم تكن تبكي، بل كان وجهها يحمل ذلك "الجمود" المألوف لديَّ تماماً؛ الجمود الذي يأتي بعد عاصفة انكسار مدمرة. أمامها مباشرة، كان يقف رجلٌ يرتدي معطفاً ثقيلاً، يلتفت عنها ببرود وهو يهم بالرحيل، دون أن يلقي عليها حتى نظرة وداع واحدة.

اقترب منها خطوتين، وقال بنبرة خالية من أي رحمة، تزامناً مع صوت محرك الحافلة الذي بدأ يرتفع:

— ✨"لا تنتظري عودتي.. القصص التي تبدأ في الخفاء، تنتهي دائماً هكذا في العراء انتهينا."✨

استدار ومشى مبتعداً، يختفي بين الحشود دون أن يلتفت وراءه.

راقبتُ الفتاة عن كثب، وتوقعتُ —بحكم ما قرأته في تلك الروايات البائسة— أن تنهار، أو تطأطئ رأسها وتبكي بحرقة مستسلمة لكسرها. لكن ما حدث بعد ذلك كان هو الصدمة التي لم أتوقعها.

وقفت الفتاة ببطء، وعدّلت من وقفتها بإصرار عجيب. لم تلاحقه، ولم تناده، بل رفعت رأسها نحو السماء وتنفسّت بعمق، ثم التقطت حقيبتها بقوة، ونظرت إلى الحافلة المتجهة نحو وجهة جديدة تماماً وعيناها تلمعان بتحدٍّ مرعب. لم تكن عيناها تعكسان الخذلان، بل كانتا تعكسان بداية جديدة صلبة.

في تلك اللحظة، شعرتُ بشرارة تشتعل في عقلي. التمعت ملامح هذه الفتاة في ذهني، وعرفتُ فوراً أنني وجدتُ بطلة روايتي! هذه الفتاة التي رفضت أن تبكي خلف رجلٍ كسرها، ستكون هي المحور. سأسميها باسمٍ يحمل القوة، وسأكتب قصتها ليعرف العالم كيف يكون الجبر بعد الكسر. إنني وجدتُ الحبكة التي تبحث عنها أختي ريفا، وتبحث عنها كل فتاة كسرها نصٌّ ظالم.

عدتُ بخطواتٍ متسارعة نحو المنزل، وكل خطوة كنتُ أخطوها على الرصيف كانت تُولد في عقلي فكرة جديدة. لم أعد أرى شوارع المدينة أو أسمع ضجيجها، بل كان كل تركيزي منصبّاً على تلك الفتاة، وعلى الاسم الذي سيليق ببطولتها وتمردها.

أخذتُ أُقلّب الأسماء في رأسي: ✨«يجب أن يكون اسماً صلباً، اسماً إذا نُطق اهتزت له أوراق الروايات البائسة.. اسم يحمل في حروفه معنى الصمود والجبر بعد الكسر»✨.

قاطع حبل أفكاري صوت صرخةٍ أنثوية هلعة، كانت أماً تركض بذعر وتنادي بأعلى صوتها على طفلتها الصغيرة التي اقتربت من حافة طريقٍ مكتظ بالسيارات المسرعة. التفتُّ بلهفة نحو مصدر الصوت، لكن ذهولي لم يكن من صرخة الأم، بل من الطفلة نفسها؛ كانت تقف هناك بثبات، وعيناها الصغيرتان تحدقان في الخطر المقترب دون أي ذرة خوف، وكأنها تتحدى تلك الآلات المعدنية الضخمة بشجاعة فطرية تفوق عمرها بكثير.

ارتجف قلبي إعجاباً بوقفتها، وفي تلك اللحظة بالذات، عندما التقطت الأم طفلتها وهي تظمّها إلى صدرها وتردد بدموع الارتياح:

— ✨"فيلدا!.. فيلدا، لِمَ فعلتِ هذا؟!"✨

انطبع ذلك الاسم في صدري كوشمٍ من نار. عرفتُ فوراً أنني وجدتُ ما أبحث عنه؛ سأهب بطلتي اسم هذه الطفلة، لتقف به أمام مخرز الكلمات وتتحدى به الخطر دون أن تخاف.

تلك الصرخة وهذا الاسم كانا الوقود الذي جعل قدميّ تسابقان الريح في طريق العودة. لم أكن أمشي، بل كنتُ أطير بأفكاري خشية أن يفلت مني هذا الالتهام الإبداعي المفاجئ. بمجرد أن وصلتُ، دفعتُ باب المنزل وتجاوزتُ الردهة دون أن ألتفت لأحد.

دخلتُ غرفتي الرمادية وأنا أشعر أن جدرانها لم تعد ضيقة؛ فقد امتلأت بأصداء اسمٍ وُلد من رحم الشجاعة: 'فيلدا'.

جلستُ خلف طاولة مكتبي، وسحبتُ الدفتر بعزمٍ مغاير. لم أعد تلك الفتاة التي تبكي على الرفوف المقلوبة، بل أصبحتُ القائد الذي يوجه بوصلة الحبر. خططتُ في أعلى الصفحة الأولى العبارة التي عاهدتُ بها نفسي:

[في وجه كُتّاب البؤس.. جئتُ أخوض معركة السطور لأغيّر مسار النهايات]

وضعتُ سِنَّ القلم على الورق الأبيض، ولم أتردد. بدأتُ أكتب بجرأة، أخطُّ مشهد تلك الفتاة في محطة الحافلات؛ لم أبدأ بحقيبتها المتهالكة، بل بنظرتها الصامدة التي تتحدى الغياب. كتبتُ كيف صفعها البرود، وكيف استدار الرجل ليرحل، لكنني جعلتُ 'فيلدا' ترسم ابتسامة ساخرة على وجهها وهي تراه يغيب وسط الحشود، كأنها تقول له: ✨"أنتَ لم تكسرني.. أنتَ فقط أخرجتَ نفسك من حكايةٍ لا تليق بأمثالك"✨.

شعرتُ بحرارة الحبر تتدفق في عروقي وأنا أخط الأسطر، لم أكن أكتب مجرد قصة، بل كنتُ أقتلع جذور الضعف التي زرعها كُتّاب البؤس في قلوب الفتيات كأختي ريفا. تابعتُ الكتابة بلهفة، وجعلتُ 'فيلدا' تلتفتُ نحو الحافلة المتجهة إلى المجهول، لا كهاربة، بل كمن يقود مصيره بنفسه. ركبتْ، وجلستْ بجانب النافذة ترقب أضواء المدينة وهي تتلاشى، وفي عينيها لمعة تحدٍّ تقول للقدر: «امتحن صبري كما تشاء، فلن تجد فيَّ شقوقاً يتسلل منها الانكسار».

كتبتُ كيف نزلتْ في محطة المدينة الجديدة؛ غريبةً تماماً، بلا مالٍ وفير ولا سند، لكن بكرامةٍ تهز الأرض تحت قدميها، ترفض نظرات الشفقة من الغرباء، لتعلن من أول سطر في غربتها أن الجبر لا يأتي من أحد، بل نصنعه بأيدينا.

ولأن الليل في المدن الغريبة يتربص بالضعفاء، لم أترك لـ 'فيلدا' فرصة لتكون ضحية؛ تجاوزتْ فكرة البحث عن نزلٍ رخيص يضعها في موقف حاجة، وقادتها خطواتها نحو محطة قطارات قديمة مهجورة على أطراف المدينة. هناك، وسط المقاعد الحديدية الباردة والجدران التي غطاها الغبار، وضعت حقيبتها الصغيرة تحت رأسها كـ وسادة، والتحفت بمعطفها الثقيل. نظرتْ إلى عتمة السقف المتهالك وابتسمت لظلمة المكان؛ لم يكن في قلبها متسع للخوف، بل كانت تشعر بنشوة المواجهة الأولى والحرية.

كتبتُ كيف أغمضتْ عينيها على أصوات صفير الريح في الخارج، ✨معلنةً للظلام أن هذا المأوى القاسي هو أول حصنٍ تؤسسه بقرارتها✨، وأن امرأةً تملك الشجاعة لتنام فوق الحديد والتراب ورأسها مرفوع، لن يقوى أي واقع على كسر كبريائها في الصباح.

مع تسلل أولى خيوط الفجر الباهتة عبر زجاج النوافذ المحطمة للمحطة القديمة، لم أنتظر حتى تفتح "فيلدا" عينيها بتثاقل كبطلات القصص المستهلكة؛ بل جعلتها تستيقظ بنشاط ذئبٍ يستعد للصيد. نفضت الغبار عن معطفها بعزمٍ لا ينتمي لامرأة خُذلت بالأمس، ومسحت وجهها بقطرات الماء الأخيرة في زجاجتها، مستعدة لمواجهة ما يخبئه لها هذا العالم الجديد في شوارع المدينة المجهولة.

لكن الليل في هذه البقعة المنسية لم يكن ينوِ الرحيل بسلام؛ فقبل أن تطأ قدمها عتبة الخروج، وفي تلك العتمة الزرقاء التي تسبق شروق الشمس، استيقظتْ حواس "فيلدا" على صوت صرير خطواتٍ خافتة تقترب وسط التراب. حركتْ رأسها ببطء شديد دون أن تلتفت، ومسحت المكان بعينيها وهي تمسك مقبض حقيبتها كدرع.

الصوت كان يتقدم بثبات، يتنفس في الظلام خلف مقعدها الحديدي تماماً، ثم ساد صمتٌ مرعب قاطعه صوت عود ثقاب يشتعل فجأة، ليضيء جزءاً من وجهٍ مجهول ينظر إليها بابتسامة ساخرة خالية من أي ود، ويقول بنبرة هادئة ومستفزة:

— ✨"المحطات المهجورة لا توفر لجوءاً مجانياً للهاربين يا.. فيلدا✨."

اتسعت عيناها بصدمة.. كيف عرف اسمها؟!

في تلك اللحظة، ضغطتُ بسن القلم على الورقة بقوة حتى كادت تمزق بياضها، وتلاحقت أنفاسي في عتمة غرفتي وأنا أرى بطلتي تواجه خطرها الأول قبل أن تبدأ خطوتها الأولى في شوارع المدينة. لم أعد أكتب مجرد قصة لأبكي أختي ريفا، بل كنتُ أخوض معركة حية بالكلمات.

حبستُ أنفاسي وأغلقتُ الدفتر بقوة كمن يحاول السيطرة على إعصار، تاركةً "فيلدا" في مواجهة ذلك الظل المجهول، ليعلن الحبر نهاية الفصل الأول عند حافة الهاوية، وأنا أردد بقلبٍ متمرد:

✨«ظَنُّوا بِأَنَّ الحِبرَ يَشنُقُ أَنفُساً بِقَسَاوَتِهِ..

فَجِئتُ بِالعَنَاقِ أَجبُرُ مَكسُوراً وَمُغتَرِبَا»✨