الفصال الأول
كانت سراب تجلس داخل السيارة المركونة على جانب الشارع، وسط صف طويل من المقاهي الفاخرة التي تعج بالحياة رغم اقتراب المساء. الأضواء الذهبية المنعكسة على الواجهات الزجاجية، وضحكات المارة المتناثرة في الهواء، كانت تمنح المكان دفئا زائفا لا تشعر به.
أراحت رأسها على المقعد، وأخذت تراقب الناس خلف النافذة كأنها تشاهد فيلما صامتا لا نهاية له. كانت تملك هواية غريبة؛ أن تمنح الغرباء حياة كاملة بمجرد نظرة عابرة.
وقعت عيناها على فتاة شابة تعبر الرصيف بخطوات هادئة، تحتضن حقيبتها الصغيرة بعناية قبل أن تدخل إلى مقهى معروف بأجوائه الرومنسية.
ابتسمت سراب بخفة وهمست داخلها: لا بد أن أحدهم ينتظرها الآن... شاب مرتبك يخفي باقة ورد أسفل الطاولة، يراجع في رأسه عشرات الكلمات التي سيفشل في قولها حين يراها.
ثم انتقل بصرها إلى رجل مسن كان يقف أمام بائع الزهور القريب. كان ينتقي الورود بعناية رجل يخشى أن تخذله الألوان.
ربما تنتظره زوجته في البيت... امرأة سرق العمر من وجهها نضارته، لكنه عجز عن انتزاع مكانته من قلبها. وما إن يفتح باب المنزل وتلمح الزهور بين يديه، حتى يضيء شيء قديم داخلها... شيء يشبه الحب حين يشيخ دون أن يموت.
تنهدت سراب وهي تتابع الوجوه العابرة أمامها. العالم بأكمله يتحرك بدافع واحد... الحب.
ذلك الشعور الغامض الذي يقود الناس نحو بعضهم البعض دون أن يمنحهم تفسيرا واضحا لما يفعل.
كل شخص هنا يحمل قصة. كل عين تخفي خيبة أو شوقا أو انتظارا طويلا.
أدارت رأسها نحو باب أحد المقاهي القريبة، مستعدة لابتكار حكاية جديدة، وما إن خرج أول شخص حتى انعقدت ملامحها بتفكير عميق.
شاب نحيل الجسد، ببطن منتفخة بشكل غريب، يترنح قليلا وهو يضحك بصوت مرتفع. خرج من الطابق العلوي للمقهى... الطابق المخصص لزبائن الأرجيلة والسهرات الطويلة.
راقبته بعين ناقدة وهي تواصل نسج التفاصيل داخل خيالها.
لابد أنه قضى ساعات في اللهو مع أصدقائه أو مع فتيات لا يتذكر أسماءهن جيدا. وبعد قليل سيغادرون نحو ملهى صاخب أو حانة فاخرة، ليكملوا سهرتهم المعتادة حتى يبتلعهم الفجر المتعب...
لكن أفكارها توقفت فجأة.
خرج شاب آخر خلفه.
طويل القامة. هادئ الخطوات. مشرق الملامح على نحو أربكها منذ اللحظة الأولى.
كان يسير بمحاذاة صديقه وهو يتحدث إليه بابتسامة عفوية، بينما بقيت سراب تحدق فيه دون وعي، كأن شيئا خفيا انتزع انتباهها بالكامل.
حاولت، كعادتها، أن تخترع له قصة... أن تمنحه ماضيا أو اسما أو حياة داخل رأسها...
لكن الكلمات اختفت.
لأول مرة، عجز خيالها عن اختراع أي شيء.
وفجأة...
رفع الشاب رأسه نحو السيارة.
التقت عيناه بعينيها مباشرة.
وفي اللحظة نفسها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خاطفة وهو يكمل حديثه مع صديقه، إلا أنها كانت كافية لتربك العالم بأكمله داخلها.
شعرت سراب بقلبها يهوي بعنف داخل صدرها، بينما تجمدت أطرافها كأن الدم توقف عن الجريان للحظة.
هل كان ينظر إلي؟ هل ابتسم لي حقا؟
تساؤلات مرتبكة أخذت تتدافع داخل رأسها بلا رحمة.
لكن أنفاسها انحبست أكثر حين لاحظت أن الشابين يتجهان نحو سيارتها مباشرة.
ومع كل خطوة يقتربان بها، كانت دقات قلبها تتسارع بشكل مخيف...
كأن شيئا مجهولا يركض نحوها من بعيد. أو كأن القدر نفسه قرر أخيرا أن يعثر عليها.