الفصل الأول | صمت الفجر القاتل
رأيت بداخل الظلمات سراً
يهز عقيدة النفس اليقينه
فما كل السجون حوت عصاة
ولا كل القيود بدت مبينه
دلوت بدلو خوفي في بئار
بدت من بعد ظلمتها معينه
فعدت بجثة الجلاد تبكي
على روح الضحايا والمشينه
في بيتنا، لم يكن الفجر مجرد وقت لتبديل ورديات النوم، بل كان طقساً يشبه الجنازة الصامتة التي تُقام كل يوم. استيقظتُ في تمام الساعة الرابعة والدقيقة الثالثة فجراً، تماماً قبل أن يجرؤ المنبه على كسر صمت الغرفة الذي كان يشبه صمت القبور. كانت اللحظة ثقيلة، ثقيلة لدرجة أنني شعرتُ وكأن السقف الخرساني قد انخفض عدة سنتيمترات ليربض فوق صدري، مانعاً أنفاسي من الخروج بحرية.
التفتُّ ببطء جهة اليمين، حيث كانت "زينب" ترقد في عالمها الخاص. كانت غارقة في ذلك النوع من النوم الذي يفتقده أمثالي؛ نوم الأبرياء الذين لا تطاردهم وجوه الغرباء في أحلامهم، ولا تلتف الحبال حول ذكرياتهم. نظرتُ إلى وجهها في ضوء الفجر الرمادي الباهت الذي يتسلل من شقوق الستائر، وبدت لي في تلك اللحظة وكأنها غريبة عني، أو كأنني أنا الغريب الذي اقتحم حياتها. سألتُ نفسي بمرارة: "كيف يمكن لهذه المرأة الرقيقة، التي تخاف من رؤية طير جريح، أن تشارك الفراش مع رجلٍ تنتهي بين يديه حيوات الآخرين كل صباح؟".
قمتُ عن السرير بحذرٍ شديد، محاولاً عدم إحداث أي صرير في خشب سريرنا القديم الذي شهد سنوات شقائنا. توجهتُ نحو الحمام، وكان البلاط تحت قدميّ الحافيتين بارداً بشكلٍ لا يُطاق، كأنه قطعة من جليد جبال الألب غُرست في أرض الصعيد. فتحتُ الصنبور، وانتظرتُ سريان الماء، وفي تلك اللحظات من السكون المطبق، بدأتُ أسمع "طنين" المشنقة في أذني. إنه صوتٌ لا يفارقني أبداً؛ حفيف الألياف الكتان وهي تُشد بقسوة، وأنين الخشب تحت ثقل الأجساد المرتجفة.
وقفتُ أمام المرآة التي غطاها البخار. مسحتُ الزجاج بيدي، لكنني لم أرَ "عصام" الموظف والأب والزوج؛ كنتُ أرى "عشماوي". كانت البدلة السوداء المعلقة خلف الباب تبدو في العتمة وكأنها كائن حي، كيان مظلم ينتظرني ليرتدي جسدي ويمنحني هويته القاتلة. بدأتُ غسل وجهي بالماء البارد، وفي كل مرة كنتُ أغمض فيها عيني لأمسح الماء، كنتُ أتخيل أن يداً ميتة، زرقاء وباردة، هي التي تلمس وجهي بدلاً من يدي.
قطع حبل أفكاري صوت زينب من خلف الباب، كان صوتاً ممزوجاً بالقلق والنعاس الذي لم يغادرها بعد:
"عصام.. هل أنت مستيقظ؟"
أجبتُ بصوتٍ حاولتُ جعله طبيعياً: "نعم.. سأخرج بعد قليل."
"هل تريد أن أصنع لك القهوة؟ رائحتها قد تخفف عنك هذا الصداع."
"لا.. لا داعي، سأشربها في السجن."
كانت كلمة "السجن" تخرج من فمي ثقيلة، كأنها قطعة حديد صدئة تجرح حلقي. ارتديتُ ملابسي ببطء وميكانيكية مفرطة. القميص الأبيض الناصع الذي كانت زينب تغسله وتكويه بعناية فائقة، بدا لي اليوم كأنه "كفن" قمتُ بتفصيله لنفسي بيديّ هاتين. وضعتُ ربطة العنق، وعندما شددتُها حول عنقي، شعرتُ للحظة بضيقٍ حاد في التنفس، وكأنني أنا المحكوم عليه الذي ينتظر خلف الأبواب المغلقة.
قبل أن أغادر، فتحتُ خزانةً صغيرة في ركن الغرفة، وأخرجتُ منها "الحقيبة". حقيبة جلدية سوداء، تقشرت أطرافها من كثرة الاستعمال، تفوح منها رائحة الزيت والجلد القديم. بداخلها تسكن الأنشوطة، وزيت التشحيم، وقفازات جلدية رقيقة. لم تكن هذه مجرد أدوات عمل بالنسبة لي؛ كانت "شهود عيان" صامتة على مئات اللحظات الأخيرة، مئات الصرخات المكتومة، ومئات العيون التي انطفأت أمام نظرتي الباردة.
خرجتُ إلى الصالة، وكان ابني "ياسين" لا يزال غائباً في نومه العميق داخل غرفته المجاورة. وقفتُ أمام بابه المغلق للحظة طويلة. كنتُ أشعر برغبة عارمة في الدخول وتقبيله، في استنشاق رائحة البراءة التي تفوح منه، لكنني تذكرتُ ما تفعله يداي في العمل، تذكرتُ لمسة الموت التي أوزعها كل صباح، فشعرتُ بقرفٍ شديد من نفسي. "لا تلمس البراءة بأصابع الموت يا عصام،" همستُ لنفسي بمرارة وغادرتُ البيت مسرعاً قبل أن تنهار عزيمتي.
في الشارع، كان الضباب يلف مدينة "أسيوط" القديمة مثل وشاحٍ كئيب يرفض الانجلاء. ركبتُ دراجتي النارية، وانطلقتُ نحو السجن المركزي. كانت الطريق خالية تماماً إلا من بعض بائعي اللبن الذين ينظرون إليّ بريبة، وكأنهم يشمون رائحة القدر الذي أحمله خلفي. لا أحد يعرف هويتي الحقيقية هنا؛ الجميع يظنون أنني مجرد موظفٍ إداري بسيط في مصلحة السجون، لكن نظراتي الحادة، وبرود أعصابي الذي يشبه برود الموت، كانا يوشيان بشيءٍ آخر أعمق وأكثر رعباً.