مذاق القهوة

All Rights Reserved ©

Summary

فنجان قهوة كان سببا في كشف أسرار كثيرة

Status
Ongoing
Chapters
1
Rating
n/a
Age Rating
16+

الفصل الأول

نظرت ماريا إلى ساعتها لتزفر في غيظ..

الثامنة صباحا ولم يتبق إلا ساعة ونصف فقط على موعد إقلاع طائرتها التي لو فاتتها فستضطر لانتظار رحلة اليوم التالي..

ورغم مكوثها عاما وبعض العام في القاهرة إلا أنها لم تحسب حساب الزحام..

تذكرت شيئا ففتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها المحمول.. عدلت من وضع نظاراتها الشمسية على قصبة أنفها، وبحثت عن اسم لتتصل به..

بعد ثوان أتاها صوت مرحب من على الجانب الآخر، لترد هي التحية بالإسبانية ثم تقول:

- خيمينا.. أنا في الطريق إلى المطار..

واستمعت قليلا لتقول:

- لا لن أركب الحافلة.. انتظريني في مطار غرناطة سأكون هناك في الخامسة والنصف تقريبا..

* * *

"النداء الأخير لشركة مصر للطيران لقيام رحلتها رقم 339 والمتجهة إلى مدريد.. على السادة المسافرين التوجه للبوابـ.."

تجر ماريا حقيبتها خلفها مهرولة إلى البوابة المعلنة وهي تحمد الله أنها قد وصلت في الموعد المناسب.. وبعد دقائق أنهت إجراءات الدخول لتصعد إلى الطائرة وتجلس في مقعدها وهي تتنفس الصعداء..

ألقت نظرة من النافذة بجوارها وهي تتساءل.. هل ستفتقد هذا المكان؟

إنها بلدها على كل حال.. لكنها هذه المرة تخرج منها وهي محملة بذكريات كافية لتنغيص حياتها أعواما..

اعتدلت في مقعدها وراحت تراقب المسافرين وهم يدخلون إلى الطائرة واحدا تلو الآخر..

لا تدري لماذا أصابتها رجفة وقد خيل لها أنها قد ترى وجه سامح في أية لحظة!

"اهدئي يا ماريا.. سامح لا يعرف أنك هنا"

ولم تشعر بالراحة إلا بعد أن حلقت الطائرة في سماء القاهرة، ولم تمض دقائق حتى غفت في مقعدها..

خمس ساعات ونصف وصلت بعدها إلى موطنها الأم، وبعد ساعتين ركبت الطائرة الأخرى لتهبط بعد رحلة طويلة استغرقت قرابة السبع ساعات من القاهرة إلى غرناطة..

- ماريا!

لمحت وجه خيمينا من بين الجموع المنتظرة، وهي تنادي باسمها وتلوح لها فارتسمت على وجهها ابتسامة وأسرعت إلى صديقتها تعانقها بشوق..

- اشتقت إليك يا مشاغبة

ضحكت خيمينا ثم أبعدت رفيقتها عنها وراحت تنظر إليها قائلة:

- خسرت الكثير من الوزن يا ماريا.. ماذا فعل بك ذلك الأحمق!

لوت ماريا شفتيها وقالت:

- دعينا منه الآن وأخبريني.. كيف العمل في المقهى؟

قالت خيمينا وهي تتجه إلى موقف سيارات الأجرة:

- دعينا منه هو الآخر فأنت محتاجة للراحة بلا شك

وركبتا في إحدى سيارات الأجرة لتواصلا الثرثرة حتى وصلتا إلى بيت ماريا.. دخلتا معا لترتمي الأخيرة على أحد الكراسي وتأخذ شهيقا عميقا..

- اشتقت إلى هذا البيت

ابتسمت خيمينا وربتت على كتف صديقتها وهي تقول:

- أحضرت لك بعض الطعام.. دعينا نأكل

تناولتا الطعام معا وهما تتحدثان وتضحكان.. ثم تركت خيمينا صديقتها لترتاح من عناء السفر وغادرت متمنية لها ليلة طيبة..

وفور أن خرجت اتجهت ماريا إلى غرفتها وارتمت على فراشها لتغط في النوم من فورها.. ولم تفتح عينيها إلا مع شروق الشمس..

ذهبت لتأخذ حماما دافئا ثم تجهزت للنزول..

ارتدت بنطالا من الجينز ثم انتقت قميصا بأكمام، ما لبثت أن نظرت إليه وهي تمر عليه بيدها حتى سرت في جسدها رعشة، وضمت قبضتها الممسكة بطرف كمه بقوة، فأعادته إلى مكانه واختارت واحدا آخر بأكمام قصيرة.. بالكاد تخفي استدارة كتفيها..

أنهت ارتداء ملابسها ثم وقفت أمام المرآة لتمشط شعرها، فوقعت عيناها على الصورة المعلقة بجوار خوان الزينة.. صورتها مع أبيها وأمها عند نهر شنيل والتي التقطت منذ ثلاثة أعوام.. كانت تبتسم بسعادة جلية لمن يقف خلف عدسة الكاميرا، بينما أبوها يحتفظ بابتسامته الرصينة كعادته أمام الكاميرا، وأمها تتظاهر بالسعادة..

أبعدت عينيها عنها ثم نظرت لانعكاس وجهها في المرآة.. لم ترث من أمها إلا شعرها الناعم ذا اللون الأشقر الداكن، وما عدا ذلك فهي لا تشبهها في شيء آخر.. أما أباها فهي لا تشبهه على الإطلاق..

زفرت في ضيق وقد قررت تغيير تلك الدكنة بلون فاتح قريبا، علها تتخلص من ذلك التشابه ولو لبعض الوقت.. وزفرة أخرى قامت بعدها بتحريك الكرسي الموجود بغرفتها ووضعته بجوار خوان الزينة، ثم وقفت عليه لتنتزع تلك الصورة من مكانها..

نزلت من على الكرسي وفتحت أحد الأدراج.. ودون أن تنظر إلى الصورة قامت بإلقائها في الدرج وأقفلته..

أخذت نفسا عميقا ثم واصلت تمشيط شعرها محاولة التخلص من أي شيء قد يعكر مزاجها.. وبمهارة تحسد عليها راحت تنسج من خصلات شعرها جديلتها الفرنسية المعروفة بها وسط زميلاتها.. ثم ختمتها برباط شعر وردي كما لو كانت طفلة صغيرة.. ومن ثم خللت أصابعها في قصتها.. وأنهت زينتها البسيطة بمرطب شفاه لا لون له..

تأملت مظهرها في المرآة بابتسامة رضا ثم غادرت المنزل..

وفي طريق تحفظه قدماها جيدا طيلة اثني عشر عاما مشت.. حتى وصلت إلى بيتها الثاني كما تسميه..

"مقهى سيرينا"..

أخرجت المفتاح من حقيبتها وفتحت الباب الخلفي للمقهى ثم دخلت وراحت تجول ببصرها في المكان.. لم يزل كما هو.. تماما كما تركته قبل عامين..

كان الحنين قد اشتد بها فلم تقاوم إغراء البدء بالعمل من فورها..

دخلت للغرفة الجانبية لترتدي الزي الرسمي للمقهى، والذي أحضرته معها من البيت، وتعمدت تشمير أكمامه حتى مرفقيها، ثم خرجت من الغرفة وهي تربط مئزرها حول خصرها وتتجه إلى اللوح الكبير المعلق فوق إحدى الطاولات..

كانت أوراق عدة قد تم تدبيسها عليه، فحركت عينيها بسرعة حتى وصلت للورقة الخاصة بمهام اليوم.. قرأتها ثم اتجهت للثلاجة والخزائن والأدراج تخرج الدقيق والبيض والزبد وأدوات العجن والخبز..

ومرت الدقائق وهي تعمل بهمة وكأنها لم تغب عن المكان ساعة واحدة.. راح صوتها يتعالى شيئا فشيئا وهي تترنم بأغنية ما، وأخذت تعمل بنشاط وهي تحرك رأسها وجسدها توافقا مع كلمات ولحن الأغنية حتى أدخلت بعض القوالب إلى الفرن، ثم عادت لترى العجين الذي تركته يختمر كي تقوم بتشكيله..

تصاعدت رائحة الكعك وانتشرت في المكان، فاستنشقتها باستمتاع وهي تواصل عملها.. ولم يقطع تركيزها إلا صوت المفتاح يدور في قفل الباب، فابتسمت لعلمها بما سيحدث بعد لحظات..

- ماريا! غير معقول!

اتسعت ابتسامتها فأقبلت عليها زميلتها تعانقها بشوق..

- متى عدتِ؟ ولمَ لم تخبرينا من قبل؟

أشارت إليها ماريا كي تغير ثيابها وهي تقول:

- بدلي ثيابك أولا فلدينا عمل كثير..

وتابعت وهي تواصل عملها:

- بإمكانك تجهيز الفطور ريثما يصل الجميع

وإن هي إلا دقائق حتى وصل بقية العمال.. وضج المكان بالثرثرة ما بين مهنئ بالعودة ومتعجب بتلك العودة المفاجئة.. ولم ينسوا تعزيتها على استحياء لمرور أكثر من شهر على وفاة والدها دون عزائها.. لكنها تقبلت ذلك متفهمة..

في استراحة الظهيرة دخلت خيمينا إلى المطبخ واتجهت حيث كانت ماريا تنظف إحدى الطاولات..

- أراك مجتهدة منذ اليوم الأول

ابتسمت ماريا وقالت:

- تعلمين عشقي لهذا المكان.. وقد اشتقت إليه كثيرا

ربتت خيمينا على كتفها ثم قالت مستدركة:

- كدت أن أنسى.. هناك أمور هامة تخص العمل و..

قاطعتها ماريا وهي ترفع كفها:

- أرجوك يا خيمينا.. أنا اليوم في أفضل حالاتي.. أرجوك لا أريد حديثا عن العمل حتى نهاية الأسبوع.. دعيني أستعيد نفسي أولا

* * *

ثلاثة أيام من البهجة التي لم تتوقع الحصول عليها بتلك السرعة.. ولو كانت تعلم أن عودتها ستنسيها مرارة الذكريات لعادت قبل أشهر..

وها هو صباح جديد.. تذهب فيه إلى المقهى مبكرة عن الجميع كما هي عادتها طيلة السنوات الماضية.. تفتح الباب.. تدخل وتبدل ثيابها ثم تبدأ بالعمل من فورها.. وقرب الظهيرة جاءتها خيمينا..

- لدي موعد مع طبيب الأسنان.. هل تريدين مني شيئا؟

هزت ماريا رأسها نفيا ثم قالت بعد أن طبعت صديقتها قبلة على وجهها:

- لا تنسي إغلاق باب المكتب بالمفتاح

رفعت خيمينا سلسلة مفاتيحها ملوحة بها وهي تتجه إلى الباب قائلة:

- لا تقلقي.. كل شيء تحت السيطرة

وغمزت لها بعينها فضحكت ماريا، ثم عادت لمتابعة العمل.. وعند بداية الدوام المسائي خرجت لاستلام مهمة تقديم المشروبات.. كما اعتادت تماما..

ولم يمض وقت طويل حتى أتتها زميلة لها تهمس في أذنها ببضع كلمات..

- هناك شخص يشكو من المشروب الذي أعددته له

وناولتها الفنجان الذي أعاده الرجل، ومعه ورقة أخرجتها من جيبها مدون فيها طلبه، فألقت ماريا عليها نظرة سريعة ومن ثم تذوقت ما بالكوب لتجد مذاقه جيدا؛ فرفعت حاجبيها دهشة وهي تقول:

- غريب.. إنها ممتازة..

ثم التفتت إلى زميلتها وهي تسألها عن مكان ذلك الرجل فأشارت لها بسبابتها إلى الطاولة التي يجلس عليها.. رجل يرتدي السواد ويدير رأسه هنا وهناك كل حين متأملا المكان..

- لا بأس يا أوفيليا سأتولى الأمر

تركت الفنجان على الطاولة واتجهت لصاحب الشكوى فتبينت لها ملامحه أكثر.. كان يجلس على كرسيه واضعا ساقا فوق ساق، ويستند إلى الطاولة بمرفقه، وهو يداعب ذقنه الحليقة وقد قطب جبينه ليتخذ وجهه طابعا عابسا يليق به..

- هل تواجه مشكلة يا سيدي؟

رفع الرجل رأسه إلى ماريا ونظر لها بعينيه الزرقاوين ثم قال:

- أجل.. لقد طلبت كوبا من الإسبريسو بدون إضافات لأفاجأ أن به طنا من السكر

نظرت إليه ماريا بتعجب وقالت:

- عذرا يا سيدي لقد تذوقتها بنفسي لأجدها كما طلبتها تماما

رفع الرجل حاجبيه وقال:

- تقصدين من كلامك هذا أنني المخطئ؟

تعجبت ماريا من ذلك الأحمق الذي يصر على رأيه، وكادت ترد لكنه قال:

- ألم تتعلمي كيف تتحدثين مع الزبائن أيتها الغبية!

غلى الدم في رأسها ولم تجد ردا لقوله الوقح إلا كوب الماء البارد أمامه..

شهق بقوة وتراجع في مقعده عندما أغرقت وجهه بمحتوى الكوب ثم قالت:

- تعلم أنت أولا كيف تتحدث بلباقة

قالتها وهي تضرب الطاولة بالكوب الفارغ حتى كاد يتهشم، وغادرت..

حملق فيها وهي تعود أدراجها وقد أدرك حينها ما يجري بعد أن توقف عقله عن العمل لثوان بفعل الصدمة.. فأخذ أحد المناديل الخاصة بالمقهى والموضوعة أمامه ليمسح وجهه أمام الأعين الفضولية التي ترمقه بدهشة، لكنه لم يبالِ بها وألقى بالمنديل على الطاولة ثم نهض من مكانه وقد تملكه الغضب..

لقد قرر أنه سيرد لها الصاع صاعين..

وعلى غير مبعدة كانت خيمينا قادمة من الخارج لتوها لترى ذلك المشهد؛ فوضعت يدها على فمها وركضت باتجاه المطبخ حيث اختفت ماريا..

- ما الذي فعلته يا حمقاء؟!

التفتت إليها ماريا تريد عراكا لكن خيمينا عاجلتها بما ألجم لسانها:

- تتشاجرين مع شريكك من أول يوم للقائكما؟!

جحظت عينا ماريا ثم تساءلت بدهشة بالغة وهي تشير بإصبعها للخارج:

- ذلك الوقح؟!

وسكتت وقد دار رأسها..

- أجل.. ذلك الوقح هو السيد إنريكي!

ازداد غضب ماريا، وكادت أن تخبرها بما قاله لكنها رأته يدخل إلى المطبخ وقد ابتل معطفه بالماء الذي أغرقته به قبل لحظات..

- ستدفعين ثمن هذا يا..

وسكت وقد انتبه أنه لا يعرف اسمها فقالت خيمينا بسرعة:

- إنها ماريا يا سيدي.. ماريا الـ..

ولم يدعها تكمل الجملة فقد اقترب من ماريا وعيناه الزرقاوان تقدحان بالشرر..

- ماريا.. ستندمين على هذا يا ماريا

ارتسمت ابتسامة على وجه تلك الأخيرة ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت باستفزاز:

- وماذا أيضا؟!

ضيق إنريكي عينيه وهو يستعد لتوبيخها لتعاجله بكلامها:

- هل ستخصم من أجري أم أنك ستطردني من المقهى؟

تعجب من جرأتها الغريبة والتي كان ليعجب بها لولا أنها في غير موضعها الآن.. فاستغلت خيمينا الصمت الذي ساد وقالت تحاول احتواء شجار قد ينشب بينهما:

- سيدي إنها ماريا محمود الشامي.. شريكتك

تلاشت ملامح الغضب من وجهه فجأة ليحل محلها الذهول، ثم استدار إلى ماريا ليجد ابتسامتها قد اتسعت وهي تنظر إليه بتشفٍ..

- أنتِ؟!

- أجل أنا.. وأنا أنتظر العقوبة المناسبة يا.. يا سيد إنريكي

قالتها باستهزاء بينما هو لا يزال محملقا في وجهها..

سقطت قطرة من الماء العالق في مقدمة شعر رأسه على وجهه، فمسحها وقد أعادت تلك القطرة تذكيره بما فعلته ماريا قبل لحظات، فهز رأسه وقد استعاد غضبه وهو يقول:

- لن يمر هذا الأمر.. ستدفعين الثمن حتما

ضحكت ماريا وقالت:

- أنت أهنتني وأنا ثأرت لكرامتي.. نحن متساويان

صمت قليلا ثم قال بغموض:

- أنت محقة.. وسنرى من سيثأر لنفسه في المرة القادمة

ودار على عقبيه خارجا من المطبخ تتبعه أعين كل العاملين فيه..

وعيناها لم تفتهما مشيته.. كانت بها عرجة غير ملحوظة، لكنها التقطتها على الفور، وكيف لا وهي التي تنتبه لأدق التفاصيل في عملها؟ هي التي ترسم بالقرفة أو مسحوق الشوكولا على وجه الكابوتشينو بصبر ودقة، وتقوم بتزيين رقائق الكريب بالشوكولا الذائبة دون أن تسيل أو يتجعد شكلها..

- ماريا!

انتبهت ماريا على صياح صديقتها..

- ناديت عليك مرتين.. فيم أنت شاردة؟

هزت ماريا رأسها ثم قالت:

- لا شيء..

وتابعت بدهشة وهي تعود ببصرها إلى باب المطبخ:

- أوفيليا لم تتعرف عليه.. ألم يره أحد هنا من قبل؟

هزت خيمينا رأسها وقالت:

- نعم؛ فقد وقع عقد الشراكة مع والدك وسافر لأمر ما، ثم عاد اليوم بإعصار أثرته أنت

التفتت ماريا إليها ورفعت أحد حاجبيها وهي تقول باستنكار:

- أثرته أنا؟ أنت لا تعلمين ما فعل

وأخبرتها بما حدث ليرتفع حاجبا خيمينا دهشة..

- غريب! لقد قابلته يوم توقيع العقد ولم يبد عليه سوء الخلق!

زفرت ماريا بضيق ثم قالت قبل أن تتجه للخارج لمتابعة عملها:

- كان عليكم السؤال عن خلقه ذاك قبل أن أتورط أنا فيه

ضحكت خيمينا بينما غادرت ماريا المكان.. وبعد ربع ساعة جاءتها بينما هي تقطع شريحة من الليمون لوضعها على طرف كوب من العصير..

- إنه يريد الحديث معك

- من؟

قالتها ماريا دون أن تلتفت..

- إنريكي

توقفت ماريا عما تفعل واعتدلت لتنظر في عيني خيمينا بغيظ ثم تقول:

- ألا تعلمين أن هذا وقت عملي؟

زفرت خيمينا وقالت:

- أعلم.. لكنه لا يعلم بعد.. كما أنني لا أريد إثارة المشكـ..

قاطعتها ماريا وهي تواصل عملها:

- فليعلم إذن.. أخبريه أن ينتظر فلدي عمل

عضت خيمينا شفتيها ثم غادرت المكان وقد علمت أن هذا اليوم لن يمر على خير..

وكما توقعت فقد ثارت ثائرة الرجل وكاد يخرج ليتشاجر معها، لولا أن خيمينا شرحت له الأمر..

- أخبريها إذن أن تأتي فور انتهاء عملها

قالها بصبر نافد، فوافقته خيمينا على الفور وخرجت من المكتب.. لكنها أجلت إخبار ماريا بطلبه حتى نهاية الدوام.. ليجتمع ثلاثتهم في جو صامت مشحون بالتوتر والترقب..

ينظر كلٌ من الشريكين لبعضهما البعض نظرات تحدٍ ولسان حال كلٍ منهما يتوعد الآخر بالويل.. لكن إنريكي تراجع في مقعده خلف المكتب وبدأ بالكلام وقد نحى غضبه جانبا.. لبعض الوقت..

- بما أن ملكية المقهى قد آلت إليك الآن، فيجب أن تكوني على علم تام بكل ما يجري.. وأي شيء سيتم تنفيذه سيكون بالاتفاق بيننا

تراجعت ماريا بدورها في مقعدها أمام المكتب ووضعت ساقا فوق ساق وهي تقول ملوحة بيدها بلا اكتراث:

- خيمينا يمكنها القيام بهذه المهمة فهي تعرف في هذه الأمور أكثر مني

نظر لها إنريكي بضيق وقال:

- لكن هذا عملك أنت وليس عملها

نظرت له ماريا وقالت ساخرة وقالت:

- أليس من العيب أن لا تعرف ما هي وظيفة شريكتك في هذا المكان؟!

عقد ذراعيه أمام صدره وقال بسخرية مماثلة:

- لقد وقعت عقد الشراكة مع والدك وليس معك.. وقد كان مهتما بإدارة أملاكه بنفسه كما يقتضي المنطق.. لذا فأيا كانت وظيفتك من قبل يجب أن تهتمي بهذا المكان

قبل أن ترد.. سعلت خيمينا لتلفت انتباهها، فنظرت إليها لتجدها تشير إليها من طرف خفي ما معناه أن تلتزم الهدوء.. فأخذت ماريا نفسا عميقا وقالت:

- جيد

اعتدل إنريكي في جلسته وجذب ملفا من على المكتب وهو يقول:

- بعد سداد الديون التي كانت متراكمة على المقهى، يجب أن..

قاطعته ماريا وقد أثارت انتباهها جملته:

- ديون! عن أي ديون تتحدث؟

نظر لها ظنا منه أنها تسخر مجددا، لكنه وجد الدهشة مرتسمة على وجهها فقال:

- ألا تعلمين أن والدك قد عرض علي أن أشاركه مناصفة؛ ليتمكن من سداد الديون المتراكمة على المقهى؟

اعتدلت في جلستها وقد اتسعت عيناها في ذهول وهي تقلب بصرها بينه وبين خيمينا مخاطبة إياها:

- العمل كان يجري على قدم وساق هنا.. أيعقل أن الأمور قد تدهورت في العام الذي غبته؟

تنحنحت خيمينا وقالت:

- بل كان قبل ذلك.. وهذا ما كنت أريد إخبارك به منذ عدتِ

تراجعت ماريا في مقعدها وقد تشتت تفكيرها، فقال إنريكي:

- الديون كانت متراكمة لدرجة أن العمال والموظفين لم يتقاضوا رواتبهم لخمسة أشهر!

مسحت ماريا وجهها بكفيها وقالت:

- وما سبب تلك الديون؟

ردت خيمينا بدلا عنه قائلة:

- أبوك كان يسحب مبالغ كبيرة من أرباح المقهى، ولا أدري ما كان يفعل بها

حملقت فيها ماريا والصدمة قد حفرت على وجهها وقد باغتتها فكرة مرعبة.. أيعقل أن يكون والدها قد تورط في القمار مرة أخرى؟

كان إنريكي يراقب تغير ملامحها وقد تعجب من جهلها بما يدور حولها! بل وتعجب أكثر من عدم اكتراثها لكل ذلك!

ولما طال حبل الصمت قرر إنريكي قطعه ليكمل ما بدأ..

- المهم أننا قمنا بسدادها، ولنعمل على ألا تتراكم مرة أخرى..

نظرت له ماريا وعقلها لا يزال مشغولا فتابع:

- ومن الجيد أن الموظفين تحملوا تأخير رواتبهم كل تلك المدة.. وأنا أتعجب لذلك حقا

وكأنما كانت جملته تلك شرارة إشعال فتيل غضبها فقالت فجأة:

- الموظفون قد يتحملون تأخر رواتبهم، ولكنهم لا يتحملون الإهانة ولا يتقبلونها..

فهم على الفور ما ترمي إليه فتابعت:

- ومن حسن حظك أنني أنا من تلقى تلك الوقاحة كي أعرف كيف أردها لك

قال إنريكي بضيق من أسلوبها الهجومي:

- ألم تفهمي بعد يا فتاة؟ ذلك الموقف كان مقصودا.. لقد كنت أختبر العمل هنا وأرى مدى حكمة وحسن تعامل الموظفين مع أسوأ المواقف

نهضت ماريا من مقعدها وقالت بغضب وهي تلوح في وجهه بسبابتها:

- ومن أنت لتختبرنا هه؟ من سمح لك بذلك؟

نهض من مكانه بدوره ليواجهها وهو يقول:

- من حقي معرفة سلوك كل فرد هنا ومدى كفاءته خاصة بعد تلك الكبوة، وإلا فلن يسير العمل جيدا

خبطت ماريا سطح مكتبه بكفيها بعنف وهي تصيح:

- أنت لا تعرف عنا شيئا، ولا تعرف كيف يسير العمل هنا منذ ما يزيد على ثلاثين سنة.. لا تعرف أننا هنا عائلة ولسنا خادما وسيدا.. ولو كانت علاقتنا ببعضنا البعض كما تظن لترك كل العاملين وظيفتهم بحثا عن مكان آخر؛ فما الذي يجبرهم على تحمل تأخر رواتبهم لخمسة أشهر كاملة كما قلتَ قبل قليل؟!

كان إنريكي ينظر إليها بغضب.. إلا أنه للحظة أحس أنه قد أخطأ بالفعل، وأن كلامها منطقي وصحيح.. لكنها نسفت شعوره بالأسف عندما ألقت كلمتها الأخيرة في وجهه كالصفعة:

- أحمق!

حدجها بنظرة مشتعلة، لكنها خرجت من المكتب كالعاصفة تتبعها جديلتها الطويلة، فتمنى وقتها لو يجذبها منها بقسوة ليشفي غليله منها..

انتبه لخيمينا تخرج من المكتب لتلحق بصديقتها، بعد أن عجزت عن احتواء الشجار الذي اشتعل فجأة وتصاعد سريعا..

تمالك إنريكي أعصابه بصعوبة بالغة كي لا يرتكب جريمة بحق تلك المرأة، التي وجد نفسه متورطا معها في شراكة تمنى لو أنها لم تحدث من البداية..

أطلق زفرة حانقة كادت تعصف بالملفات الموجودة أمامه، ثم أتبعها بأخذ نفس عميق وقد قرر أن يعود للمنزل لينعم ببعض الهدوء، وغدا لكل حادث حديث..

* * *

رن الهاتف ليرفعه الجالس خلف مكتب صغير.. ظل منصتا لمحدثه على الجانب الآخر من الهاتف ثم قال:

- وصلت منذ ثلاثة أيام؟ لماذا لم تخبرني؟

واستمع قليلا ثم قال:

- لا أريد أن تفوتك معلومة مهمة مرة أخرى لأي سبب كان..

وسكت لثوان ثم قال:

- ولا أريد أن تغفل عيناك عن مراقبتها

وأنهى المكالمة ثم تراجع في مقعده وهو يقول:

- أخيرا عدتِ يا ابنة الشامي!

يتبع...