الفصل الاول : الصدمة
غابة كثيفة ومظلمة، بالكاد يسمح القمر بضياء خافت يشق عتمتها، وكأنه يحاول إبعاد المخلوقات التي لا تظهر إلا مع حلول الظلام.سكون غريب يخيّم على المكان؛ لا صوت لعصفور ولا حركة لحيوان. حتى أولئك الذين اعتادوا السهر تحت النجوم ابتعدوا، بعدما شاع بين الناس أنّ قاتلًا يتجوّل في الغابة.
لكن “روح الغابة” كانت تهمس بهدوء: هناك زائر يقترب…خطوات متسارعة، وبكاء مكتوم يقطع السكون. فتاة تهرول نحو منحدر شاهق، لا تلتفت خلفها. بدا وكأنها قررت الهروب من حياتها كلها.
وقفت على الحافة، والدموع تغمر وجهها. تمتمت بصوت مرتجف:
«أتمنى لك السعادة… حتى لو لم تلاحظ يومًا أنني أحببتك».
ثم، في لحظة قصيرة كأنها دهر، أطلقت صرخة و… اختفت في الأعماق المظلمة. لم يرَ أحد إن كانت قد استسلمت للموت، أم أن سرًا آخر ينتظرها في الأسفل.
مع شروق الشمس، عادت الحياة إلى القرية السياحية القريبة. السياح توافدوا وهم يتحدثون عن الأسطورة القديمة: “الغابة مسكونة بأرواح لم تجد الراحة، وتنتظر حلّ قصصها الناقصة“.
في ذلك الوقت، جلس جايمس، شاب وسيم في أواخر العشرينيات، طويل القامة وذو كاريزما جعلت الفتيات يتسابقن للفوز بابتسامة منه. كان مشهورًا بعلاقاته العابرة، لكنه في أعماقه كان يبحث عن حب صادق، لا يشبه الأوهام التي يعيشها.
جلس في غرفة معيشته الفاخرة، يرتشف قهوته ويُدخّن سيجارته، غارقًا في التفكير. اقتربت منه حبيبته الجديدة مارثا، ففاجأته بعناق دافئ وهمست ضاحكة:
«صباح الخير… وجودك يكفيني عن أي نوم».
ابتسم لها، لكن عينيه كانتا شاردتين بعيدًا.
بعد رحيلها، ظل يحدّث نفسه:
«لماذا لم تتصل جينيفر؟ كان يفترض أن نلتقي الليلة الماضية…».
قطع أفكاره رنين هاتفه. تسارعت دقات قلبه وهو يظن أنّها المتّصلة. لكنه حين رأى الشاشة، تجمّدت ابتسامته: جبريال.تردّد قليلًا ثم أجاب. جاءه صوت صديقه متوترًا:
«جايمس… عندي خبر سيغيّر حياتك. جينيفر… رحلت».
ارتجف جسده، وسقط الهاتف من يده. هل يعقل؟ جينيفر… الفتاة الوحيدة التي أحبها حقًا؟لكن جبريال لم يتوقف:
«الأمر أخطر مما تظن. الشرطة تظن أنك قتلتها. أحدهم أبلغ عنك. يجب أن تهرب فورًا».
تسارعت أنفاس جايمس، تاه بين الخوف والحزن.
«قتلتها؟! لا… أنا أحببتها حقًا».
خرج من المنزل مرتبكًا، فإذا برجال الشرطة يقتربون. استسلم بلا مقاومة، بعد أن شعر أن العالم انهار فوقه: فقد حبيبته، وفقد حريته.
جلس على الأرض، ممسكًا بصورة جينيفر، دموعه تنساب على خديه، وهمس بصوت مكسور:
«لو يعلمون… كم أحببتك».
ثم كبّله رجال الشرطة، وسحبوه نحو سيارتهم.لكن ما لم يكن يعرفه جايمس… أن موت جينيفر لم يكن مجرد انتحار عابر، بل بداية لغموض أكبر، وأسرار ستكشفها الغابة قريبًا.








