Chapter 1
Start writing here…
غدا لا تشرق الشمس
الرذاذ الأبيض يتساقط خارج الجدران.
والأرض التي من حولها مبللة بالشهد والدموع.
الرذاذ كأن يكون هو الشهد.. وكأن يكون هو الدموع أيضا.
من نافذة صغيرة وجدت وسط بيت متواضع جلست سلمى إليها لتتطلع إلى ما بخارجها من أشياء، حيث الأرض التي تحيط بها مبللة من هذا الرذاذ الذي يسقط، والأمكنة التي من حولها تنيرها الأضواء التي هي بقعة مع الظلام.
وقفت سلمى من مكانها فجأة، وكأنها رأت شيئا من بعيد فتقدمت أكثر من النافذة التي كان يغمرها ذلك الضباب حتى كاد أن يلتصق وجهها البريء بالزجاج، ثم ما لبثت أن أدركت أن الخيال الذي رأته من بعيد ليس هو الرجل الذي تنتظره في تلك اللحظة والتي كانت تنتظره منذ سنوات عدة.
الرذاذ الذي يسقط خارج الجدران يزداد في السقوط، بينما يكون الضباب قد ملأ مساحة مهمة من هذا الزجاج الذي يكاد ألا تُرى منه الأشياء التي هي خارج هذه الجدران.
تنهدت سلمى بصوت حزين من الأعماق ثم ها هي تسرح بخيالها لتعود للحلم الذي لازمها سنوات وصار كل شيء في حياتها. إنها تحلم كأي امرأة بالارتباط والزواج، أليست هي امرأة كباقي النساء لها الحق في هذا الزواج.. إنها اقتربت من عمر الأربعين وها هي بلا زواج وبلا زوج يحميها ويسعدها، ويملأ عليها الدنيا يقينا وبهجة.
نهضت سلمى من مكانها وتحركت إلى مرآة وضعت في وسط البيت. ووقفت تنظر إلى نفسها بإعجاب مزج لحظتها بهالة من اليأس والقنوط؛ لما كانت تحس به من أنها أنثى كاملة تحمل كل صفات الأنوثة التي يحتاجها جل الرجال ، فما الأمر إذًا الذي جعلها في هذا العمر بدون رجل أنيس يملأ عليها وحدتها التي طالت لسنوات عديدة ! تأملت نفسها جيدا أمام هذه المرآة التي وضعت في وسط البيت، ورأت تلك التفاصيل الأنوثية التي زادت من جمالها، ثم سحبت شعرها الأسود إلى الوراء ورفعت من لباسها قليلا، كأنها كانت تريد أن تعيده إلى سيرته الأولى، ثم عادت بعد ذلك إلى النافذة لتجلس أمامها، وأمام ذلك المطر الذي كان يسقط خارج الجدران.
لقد أمسى هذا الزواج عند سلمى وبات كل شيء في حياتها هذه، بل أصبح هو الحياة نفسها، والذي تنتظره بأن يتحقق في كل لحظة تمرّ عليها من لحظات هذا العمر الذي هو يمضي دون توقف.
المطر يزداد في السقوط بتواصل ودون انقطاع خارج الجدران، وسلمى متسمّرة أمام النافذة تعيش هذه اللحظات الفارقة التي هي لحظات انتظار الرجل الذي وعدها بالزواج.
تسمع سلمى دقًّا على الباب،فتنهض مسرعة ولاهثة حتى تكاد أنفاسها تتوقف. وفي تلك الأثناء تعود مرة أخرى الأحلام للظهور لتقول في داخلها: هل هذا هو الرجل الذي أنتظره،والذي وعدني بالزواج؟
تصل إلى الباب وتفتحه في شوق.خارج الباب الرذاذ يتساقط بلا توقف، وفؤاد أخ سلمى ينتظر فتح الباب تحت ذلك الرذاذ فؤاد وهو يدخل تقول له سلمى وكأنها تريد أن تحتويه بشيء من العناية والحب:
وفؤاد يبتسم في حزن، ويقول لسلمى:
سلمى وهي تغلق الباب تقول:
فيقول لها فؤاد :
تقول سلمى لفؤاد وهي تبتسم :
ثم يسألها فؤاد وهو يبتسم أيضا :
يتحرك فؤاد باتجاه سلالم البيت ليصعد إلى وداد التي تكون نائمة بالغرفة ، بينما سلمى تبقى متسمرة تراه وهو يصعد إلى وداد ، وعندما يغيب عن عينيها تتحرك باتجاه النافذة التي تطل منها بِطلّة عابرة، وكأنها تريد أن ترى شيئا ما، أو تتأكد من شيء ما .. ثم تتراجع إلى الوراء لتعود من حيث أتت،والملامح التي هي على وجهها تبدو وكأنها على موعد قريب تريده أن يتحقق قريبا.
المطر خارج الجدران متواصل بلا توقف ، وصوته يصل إلى داخل البيت.
يدق جرس الهاتف، فتتحرك إليه سلمى وهي بين الرجاء والخوف : الرجاء في أن يكون هو، والخوف من أن لا يكون هو ، ولكن يتوقف جرس الهاتف هذا قبل أن تصل إليه سلمى، وهي بين ذلك الخوف وبين ذلك الرجاء.
ملامح الفرحة تشع على وجهها للحظات عابرة ، رأى الكثير من الأحزان ، لكن سرعان ما تتلاشى هذه الفرحة،ويحُلّ محلها الحزن النبيل الذي لازمها لعقود.
تعاود سلمى الرجوع لتحضير العشاء، وبينما هي كذلك، يدخل عليها فؤاد وعلى وجهه ابتسامة يحاول أن يداريها ولكن لا يستطيع، ثم يسألها بصوت خافت :
فتجيبه:
ثم ما يلبث أن يقول لسلمى مازحا :
ثم يخرج ويتحرّك باتجاه الأريكة التي وضعت جانب الهول، ويلقي بجسمه النحيف على وسطها، ويبقى يتطلع من خلال النافذة لسقوط المطر الذي كان يسقط خارج الجدران.
في هذه الأثناء تتأجج نيران الرغبة داخل أعماق سلمى لمعرفة من الذي كان يطلبها في الهاتف، بل وفي هذا الوقت بالذات، ولمّا توقف دون أن يجيب، كانت في أعماقها تريد أن يكون هو الرجل الذي تنتظره، والذي وعدها بالزواج.
يدق مرة أخرى جرس الهاتف الذي يكون غير بعيد من جلوس فؤاد على الأريكة، فينهض فؤاد من مكانه، ويسرع إليه، ثم يرفع ويرد بلهفة:
لا أحد يجيب في الهاتف حتى مع تكرار فؤاد لكلمة ألو أكثر من مرة، فيقفل ويعود إلى مكانه، بينما تكون سلمى واقفة عند ردهة الباب تلاحظ ذلك من وراء الستار الذي علق عند هذه الردهة ، وعندما ترى أنه لا أحد يجيب تعود إلى تحضير العشاء .. وفي هذه الأثناء تعود الأسئلة القلقة إلى القلب لتعيد تساؤلها لسلمى، والتي تقول لها:
بعد لحظات تنادي سلمى على فؤاد وتقول له:
من بعيد فؤاد يسمع نداء سلمى فيتحرك باتجاه سلالم البيت وينادي بصوت مرتفع :
صوت الرذاذ وهو يسقط على الأرض يسمع بجلاء داخل الجدران ، ودوي الرعود لم ينقطع والذي يوحي بأن الوقت هو بين الشتاء والخريف.
تخرج سلمى مسرعة وهي تحمل طبقين تضعهما على المائدة التي صفت وسط هول البيت. فؤاد وهو يجلس على الأريكة يتابع هذا، ثم ما يلبث أن يقوم ويتحرك باتجاه هذه المائدة وهو يقول لسلمى بإعجاب لا تتصوري كم أنا جائع، فتردّ سلمى وهي تبتسم :
في هذه اللحظة تنزل وداد وهي تراجع بينها وبين نفسها صور الطلاق المرير من زوجها الذي ضربها ذات يوم لحدّ الموت.
نعم لقد ضربها ذات يوم ضربا مبرحا وصل إلى حد الموت .. لقد كان عنيفا معها.. وكان وحشا معها في تلك الأيام التي سبقت قرار الطلاق .. فهي لم تكن تريد أن تصل العلاقة إلى هذه الحالة المزرية، لكن هو الذي أرغم هذه العلاقة بأن تصل إلى هذا الحد من الفزع.. وإلى هذه الحالة المزرية ليتسنى له الطلاق بأسرع وقت ممكن.
لقد كان يريد زوجها أن تكرهه إلى حد لا يطاق ، وأن تكرهه إلى حد بأن يجعلها تنهي علاقتها معه في اللحظة هذه قبل اللحظة التالية .. هكذا كان يريد منذ أن وصل إلى قرار الطلاق بينه وبين نفسه.
تنتهي صور الطلاق الأليم في نفس وداد وهي تنزل عبر سلالم البيت، لتعود هذه النفس إلى طبيعتها وبشكل نسبي يجعل من وداد تظهر أمام فؤاد وسلمى أنها على ما يرام ، وأنها لا تفكر في صور الطلاق على الأقل في تلك اللحظة.
سلمى تخاطب وداد من بعيد وهي واقفة أمام الطاولة:
ثم يقول فؤاد لوداد أيضا:
تردّ وداد وهي مسرعة إلى الطاولة :
تجلس وداد ويجلس فؤاد ، ثم تجلس سلمى ، ولكنها سرعان ما تقف مرة أخرى لتعود وتحضر باقي الأشياء وتضعها على الطاولة التي يجلس إليها فؤاد وتجلس إليها وداد.
فؤاد يلتفت إلى تلك النافذة الصغيرة ويقول:
فتقول له سلمى :
يسمع دقًا على الباب فجأة، فينتبه فؤاد ويلتفت ثم يقول لسلمى ووداد:
فينهض من مكانه، ويتحرك باتجاه الباب ويفتحه فلا يجد أمامه أحدا، ثم يخرج قليلا أمام ردهة الباب ويلتفت جهة اليمين فيجد حامد في انتظاره فيقول له في عتاب:
يدخل فؤاد ويترك الباب مفتوحا قليلا ويتحرك باتجاه المائدة التي تجلس إليها سلمى وتجلس إليها وداد ثم يجلس.وأثناء ذلك تقول له سلمى:
فيجيبها بحزن واستياء وهو ينظر إلى الأرض ..
تسأله سلمى مرة أخرى:
فيقول لها فؤاد :
أنسيت ما أعانيه هذه الأيام؟ إنه يطالبنيبمراجعة كل الحسابات التي بيننا، وإنهاء الشراكة التي بيننا.
افعلها وراجع معه كل الحسابات.
سلمى تصاب بخيبة لدرجة أنها تنكس رأسها إلى الأرض، ثم تقول لفؤاد:
تلتفت إليه وداد، وتقول له:
ترد عليه وداد بنبرة يغلبها الحزن:
سلمى وكأنها تراجع نفسها في الكلام، تقول لفؤاد :
حبات المطر تسقط على زجاج النافذة، فتثير صوتا يسمع بجلاء.
ينهض فؤاد من مكانه، ويتحرك خطوات من المائدة، ثم يهم بارتداء معطفه الأسود الذي وضع على جانب الأريكة.
وداد وسلمى تتابعان ذلك باهتمام،فيقول لهما فؤاد وعلى وجهه شبه ابتسامة:
سلمى ووداد تبتسمان لفؤاد وهو يخرج من الباب، وأثناء ذلك تنهض سلمى مسرعة وتلحق بفؤاد عند ردهة الباب، وتقول له:
فيبتسم ويقول لها:
فيرجع من حيث أتى، ويأخذها حيث تكون معلقة غير بعيد من الباب .. ثم يتحرك ويخرج.
تغلق سلمى بعده الباب، ثم تعود راجعة. وهي في الطريق تنظر إلى خارج النافذة فتلمح رجلا يتحرك من بعيد تحت ذلك المطر، فتعود الأحلام إليها مرة أخرى، والتي تقول لها: متى سيأتي الرجل الذي تنتظرينه، والذي وعدك بالحب والزواج؟!
تصل سلمى إلى الطاولة وتجلس إليها، وهي في مقابل وداد التي فرغت في تلك اللحظة من تناول العشاء .. فتهم بالنهوض من على الطاولة وهي تقول لسلمى:
فترد سلمى وهي تشفق عليها:
وداد وهي تقوم من مكانها تقول :
ثم تدفع بالكرسي إلى الوراء وتتحرك، وأثناء ذلك تقول لها سلمى :
وداد تمشي خطوات على بعد من جلوس سلمى على الطاولة، ثم ما تلبث أن تلتفت إليها، وتقول لها في هدوء:
فترد سلمى بالنفي قائلة لها :
تواصل وداد السير في طريقها بخطى متثاقلة تدل على الحزن والإحباط اللذين يلازمانها منذ أيام، ثم تصعد سلالم البيت بخطى أثقل من ذي قبل،وكأنها تحمل شيئا ثقيلا على كاهلها.
في هذا الوقت تتأجج نيران الرغبة مرة أخرى داخل أسوار القلب وهي تقول لسلمى :
تهم سلمى برفع أطباق سفرة العشاء وحملها إلى الداخل، وبينما هي كذلك تسمع بكاء وداد من بعيد، فتعيد وضع الأطباق على الطاولة، وتسرع بالصعود إليها، وقد تغيرت ملامح وجهها من الرضا إلى الخوف.. ومن الطمأنينة إلى الإحباط.
تصل سلمى إلى الغرفة وتفتح الباب،ثم تدخل وهي خائفة. وداد منهزمة وتبكي بكاء مرًّا. تجلس إليها سلمى وترفع رأسها، ثم تحتضنها بنشيج مختنق.
سلمى تجفف دموع أختها وداد، ثم تحتضنها مرة أخرى للحظات طويلة،وهي تقول لها :
وداد بعد هذا يهدأ روعها وتسكت عن البكاء، ثم تتأخر إلى الوراء وتعتدل على السرير وكأنها تريد أن تنام. سلمى ترفع عنها الغطاء، وتقول لها:
ثم تنهض سلمى من مكانها بهدوء مبتعدة عنها لتقف تتأملها قليلا ، ثم تطفئ الضوء، وتخرج خارج الغرفة.
سلمى تغلق الباب وتمضي عائدة إلى أسفل البيت. وهي في الطريق يرن جرس الهاتف لمرة أخرى، فتسرع نازلة مخافة أن يتوقف ككل مرة.. ولكنه يتوقف،فتصاب ملامح وجهها بخيبة وانكسار يستمران للحظات، ثم ما تلبث أن تعود الأسئلة القلقة بعد هذا إلى سلمى، والتي تقول لها:
تصل سلمى لاهثة إلى الهاتف وتبقى متسمّرة أمامه. تنظر إليه في رجاء عل هذا الجرس يعود، ليعود معه ذلك الأمل الضائع الذي تنتظره منذ سنوات. تنصرف سلمى بعد ذلك من أمام الهاتف لتتحرك إلى النافذة وتجلس أمامها غير بعيد عن المدفأة التي تتوسط البيت،وتبقى تتأمل ما يحدث خارج الجدران.
المطر يزداد في سقوطه ويصير غزيرا.. والرعود يقوى دويها ولا تتوقف، مما يتأكد لسلمى لحظتها أن الرجل الذي تعلقت به أخيرا، وصار أملها الذي تنتظره منذ سنوات، قد لا يأتي كما وعدها من قبل، في هذا المساء الذي يبدو أنه مساء مخيف وواسع في ظلامه.
قالت سلمى في نفسها: سأنتظر وأتريث بعض الوقت حتى يعود فؤاد، ثم أذهب إلى فراشي وأنام. وبينما هي كذلك قالت مرة أخرى، ولكن بطريقة تختلف؛ أي بنبرة يعلوها الحزن والإشفاق: ترى ما الذي أخر هذا الرجل الذي وعدني بالزواج؟ هل انتهت العلاقة التي بيننا؟ هل تخلى عني، وتخلى عن فكرة الارتباط بي، لأني امرأة رآني لا تصلح لهذا الزواج ؟ أم أنا أكون امرأة لم تعجبه ملامحي؟ أم أنه يكون قد تراجع عن قراره فجأة؟ ترى هل أخطأت التقدير؟ أم أن يكون هو قد أخطأ التقدير، ورأى في أني امرأة لا أصلح لهذا الزواج؟ يختلط سيل الأفكار في قلب سلمى الذي مزقه انتظار الحب،ومزقه أيضا انتظار الزواج، لدرجة أنهالم تجد في ذلك الأوان مخرجا منه. وفجأة، يعود الدفء إليها بعدما تصل إلى قرار بينها وبين نفسها، تقول من خلاله إن سقوط المطر فقط هو الذي أخره بعض الشيء، وأنه ربما سيأتي في يوم غد، وأن الأمور ستكون على ما يرام.
تعود الإشراقة إلى قلب سلمى بعد هذا القرار الصائب الذي وصلت إليه مع نفسها .. تعود لتبطل مفعول العناء المرير الذي بدا بداخلها والذي بدأ منذ سنوات طويلة، منذ أن صارت شابة يافعة صالحة للزواج، يتحسس أنوثتها جميع الرجال الذين يرغبون في الحب والاستقرار.








