Ash of the Prophecy
كان الليل في سماء مدينة "أورايون" القديمة لا يشبه أي ليل آخر مرّ على أهلها من قبل؛ فالقمر المكتمل في كبد السماء لم يكن يرسل ضياءه الأبيض المعتاد، بل كان يفيض ببريق أزرق خافت، ينسكب فوق أسطح المدينة الرخامية المتهالكة والمنازل الملتصقة ببعضها كأنه حبر أزرق تسرب من كتاب قديم ليلطخ وجه التاريخ. كانت أزقة حارة "الهمسات" غارقة في صمت مريب، صمت لا تكسره سوى ضربات أجنحة الخفافيش الليلية أو صفير الريح المحملة برائحة الملح والرماد القادمة من الميناء المهجور.
في إحدى الحجرات العلوية الضيقة داخل بيت متهالك في أطراف الحارة، كانت "إيلين" تقف خلف نافذتها الخشبية الشبه مكسورة. أناملها النحيلة، المغطاة بأثر الحبر الأسود المتيبس وبقع الزيوت العطرية، تلامس الزجاج البارد في محاولة لاستشراق ما يحدث بالخارج. كانت الشوارع بالأسفل هادئة على نحو يثير الذعر في النفس؛ فهذه الحارة بالذات لا تنام، وتضج دائماً باللصوص والتجار والمشردين، لكن هدوء الليلة كان شيئاً مختلفاً تماماً... كان السكون الذي يسبق العاصفة، أو بالأحرى، السكون الذي يخيم على ساحة الإعدام قبل هبوط الفأس.
زفرت إيلين ببطء، وتراجعت خطوتين إلى الخلف لتنظر حول غرفتها التي يفوح منها عبق الأوراق القديمة والأعشاب الملمة من الغابات المجاورة. كانت الغرفة تعج بالكتب والمخطوطات الجلدية الصفراء التي جمعتها على مدى سنوات طوال، كلها تتحدث عن الأسطورة المنسية، عن عصر كان فيه السحر ينبض في عروق البشر كما تجري الدماء.
فجأة، وبدون أي مقدمات، اهتزت القلادة البرونزية الثقيلة الملتفة حول عنقها.
تسمرت إيلين في مكانها. كانت هذه الحلية القديمة مجرد قطعة حديدية صامتة وشديدة البرودة، لم تظهر أي علامة على الحياة منذ أن تركها والدها بين يديها قبل سبع سنوات كاملة، في الليلة التي اختفى فيها دون أن يترك خلفه سوى أثر دماء على عتبة الدار. لكنها الآن كانت تتوهج!
خرجت منها شرارة خفيفة من الضوء الذهبي الدافئ، يرافقها صوت طنين مكتوم، منخفض التردد لكنه هز أركان الصمت في الغرفة وجعل لوحات الخرائط المعلقة على الجدران ترتجف.
جثت إيلين على ركبتيها بسرعة فوق الأرضية الخشبية التي أصدرت صفيراً حاداً، ورفعت أناملها المرتجفة لتفتح الغطاء الخشبي الدقيق للتميمة. في الداخل، لم تكن هناك جوهرة عادية كما كانت تعتقد طوال حياتها، بل قطعة صغيرة جداً، لا تتجاوز حجم حبة القمح، من بلورة "الكريستال الأثيري" النادرة — المصدر الأول للشرارة السحرية التي ظن الجميع أنها اندثرت وحُرقت بالكامل منذ "معركة السقوط العظيم" قبل ثلاثة قرون.
البلورة لم تكن تضيء فحسب، بل كانت تتنفس! كانت تنقبض وتتسع بنبضات ضوئية خافقة، متناسقة تماماً مع ضربات قلب إيلين المتسارعة. كلما خفق قلبها رعباً، زاد توهج البلورة الذهبي وانبعث منها دفء سرى في كفها ليملأ جسدها بطاقة غريبة، مزيج بين القوة والرهبة.
قبل أن تتمكن من استيعاب السحر الذي يتدفق في أطرافها، أو تساءل عن سبب استيقاظ البلورة في هذه اللحظة بالذات، ارتطم جسد ثقيل بالباب الخشبي القديم للبيت بالأسفل.
"دكّ!"
اهتز البيت بأكمله، وسقطت بعض أواني الفخار من على الرفوف لتتحطم على الأرض. تجمّدت الدماء في عروق إيلين، واتسعت حدقتا عينيها الداكنتين. لم يكن هذا طرق زائر عادي، ولا حتى طرق جباة الضرائب الجشعاة.
وصلها صوت الارتطام الثاني من على سلم الدار، تلاه صوت تحطم المفصلات الحديدية البالية لغرفتها المباشرة.
"افتحي الباب باسم الحراس المظلمين!"
جاء الصوت هادراً، جهوراً، ومصحوباً بطقطقة الدروع الدراجة الثقيلة والصوت المرعب لتعاويذ النار الشيطانية وهي تُشحن خارج الباب — صوت يشبه صفير الفحم المشتعل عند صب الماء عليه.
الحراس المظلمون... النخبة المستبدة التابعة لـ "الماجستر كالوس"، الحاكم الفعلي لمدينة أورايون. كائنات لا تعرف الرحمة، مسلحة بسحر الفساد والحديد، ولا تتحرك في أزقة الفقراء إلا لأمر واحد فقط: محو أي أثر أو شائعة تتعلق بإمكانية عودة السحر النقيم إلى العالم.
اندفعت إيلين نحو مكتبها الخشبي المتهالك دون تفكير. سحبت من تحته الحقيبة الجلدية العريضة التي كانت قد أعدتها وحزمتها منذ سنوات طويلة لهذه اللحظة بالذات؛ اللحظة التي يكتشف فيها النظام وجودها. وضعت القلادة المتوهجة بعناية فائقة داخل الجيب الداخلي المبطن للحقيبة، ثم أغلقت السحاب، والتقطت خنجرها الخاص — خنجر ذو مقبض خشب الأبنوس وشفرة دقيقة مصنوعة من معدن "النجم الفضي"، المعدن الوحيد القادر على اختراق الدروع المكسوة بالتعاويذ المظلمة.
مع الضربة الثالثة للباب، تحطم الخشب الصلب إلى شظايا متناثرة في الهواء.
تدافع إلى داخل الغرفة الضيقة ثلاثة من الحراس المظلمين. كانوا أطوالاً من البشر العاديين، تخفي وجوههم أقنعة حديدية سوداء صامتة ليس فيها سوى شقين ضيقين ينبعث منهما ضوء أحمر متوهج كالجمر. وفي أيديهم اليمنى، كانت تلمع سيوف عريضة يلتف حول شفراتها لهب أسود ينبعث منه دخان خانق برائحة الكبريت.
تقدم قائد المجموعة خطوة واحدة إلى الأمام، متجاوزاً حطام الخشب على الأرض. كان كل صرير الصباط الحديدي فوق الخشب يعزف لحناً للموت. رفع سيفه المشتعل قليلاً، وجاء صوته من خلف القناع الحديدي مشابهاً لاحتكاك صخرتين ضخمتين:
"سلمي البلورة يا فتاة... سلمي قطعة الأثير الأخيرة، ولن نجعل موتك مؤلماً."
أحست إيلين بالخوف يلتف حول حنجرتها كالأفعى، وصرخ كل عصب في جسدها بالهرب، لكنها رغماً عن ذلك، أجبرت قدميها على الثبات. نظرت في الشقين الأحمرين لقناع القائد، وأخذت نفساً عميقاً، متذكرة كلمات والدها القديمة: "السحر ليس سلاحاً نملكه يا إيلين، السحر هو الشجاعة لرفض الخضوع للظلام."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة ومتهورة رغم ارتعاش أطرافها الواضح، وقالت بصوت خفيض لكنه ثبت في أرجاء الغرفة: "يبدو أنك ومعاونيك قد أتيتم متأخرين للغاية يا حضرة القائد."
وقبل أن يستوعب القائد معاني كلماتها، وبحركة خاطفة مدربة، مدّت يدها اليسرى إلى حزامها وسحبت كيساً قماشياً صغيراً مملوءاً بغبار "زهرة البرق" الجافة — وهي مادة كيميائية سريعة الاشتعال تنمو في مناجم الملح القديمة. وبدون تردد، ألقت بالكيس مباشرة نحو اللهب الأسود المشتعل على سيف القائد.
بمجرد ملامسة الغبار المكبوت للنار السحرية، حدث تفاعل انفجاري مرعب.
"بــــوم!"
انفجر ضوء أبيض ساطع بدرجة عمياء في جميع أرجاء الغرفة الصغرى. انبعث منه دوي هائل شلّ حركة الحراس المظلمين وأفقدهم القدرة على الرؤية في التو. تعالت صرخات الحراس المكتومة خلف الأقنعة الحديدية وهم يتراجعون لللخلف متعثرين بحطام الباب، يلوحون بسيوفهم الفتاكة في الهواء بعشوائية وغضب.
لم تنتظر إيلين ثانية واحدة لمشاهدة الموقف. استغلت حالة الفوضى والعمى المؤقت، وسحبت حقيبتها الجلدية على ظهرها، واندفعت بأقصى سرعتها نحو النافذة الخشبية الشبه مكسورة.
تسلقت الإطار بسرعة ومرونة اكتسبتها من سنين الجري في الأزقة، وقزت دون تردد باتجاه حافة السطح المقابل في عتمة الليل المظلمة.
هوت قدمها على القرميد الأحمر للسطح المائل في الجهة الأخرى من الشارع الضيق، فزلقت كعبها واصطدم ركبتها بالسطح بقوة أحدثت ألماً حاداً سرى في جسدها، لكنها تحاملت على نفسها وقامت مسرعة. خلفها، سمعت صوت تحطم نافذة غرفتها وصراخ القائد المظلم وهو يستعيد بؤبؤ عينيه ويصيح بغضب: "احصروا الحارة! لا تدعوا الفتاة تفلت بالبلورة!"
كان الهواء البارد يلفح وجهها بينما كانت تركض فوق أسطح المنازل الملتصقة، وقلبها يخفق بقوة تجعل آذانها تطنان. كانت تعلم تماماً في تلك اللحظة أن حياتها البسيطة والمعزولة بين الكتب والمخطوطات قد انتهت إلى الأبد.
لقد أصبحت الآن الطريدة رقم واحد لأعتى قوى البطش في العالم. لكن وهي تضع يدها فوق حقيبتها وتحس بالدفء الذهبي المنبعث من بلورة الأثير ينبض ضد ظهرها، شعرت بشيء آخر يشتعل في أعماقها إلى جانب الخوف... شعرت بالأمل.
رحلة الهرب من القدر قد بدأت للتو، والعالم الذي عرفه الناس تحت بطش "الماجستر" على وشك أن يتغير، وإلى الأبد.








