ما وراء الظل
كانت المدينة عند الغروب تتشح بلونٍ رماديٍّ داكن، كأنّها تتهيّأ لاستقبال شيء غير مألوف في الأزقّة الضيّقة والأسواق القديمة تتردّد الهمسات عن جرائم غامضة لم تُحلّ بعد، وأصوات الشرطة تملأ المكان بالتحذيرات.
في مقهى شعبي على زاوية شارع المنار، جلس مسفر محمد القحطاني، محقّق خاص يبلغ الثلاثين، يدوّن في دفترٍ جلديٍّ ملاحظاته الأخيرة كان معروفًا بين الناس بشخصيته الاجتماعية وميله لمساعدة الآخرين حتى خارج نطاق عمله يرفع رأسه بين حين وآخر ليراقب حركة المارّة بعين خبيرة، وهو يفكّر في آخر قضيّة وصلت إليه ثلاث جرائم قتل متشابهة بلا أثر للقاتل ولا دافع واضح يا ترى وش اللي يصير خلف الكواليس؟
قطع تفكيره صوتٌ شابٍ مرح يضحك مع أحد الزبائن، كان ذلك جابر يحيى القحطاني، طالب في المرحلة الثانوية، يعمل حارسًا ليليًّا في أحد المحلّات القريبة ليعيل نفسه وأمّه بعد وفاة والده رغم ضحكاته ومزاحه الدائم، إلا أنّ في عينيه ظلّ حزنٍ دفين.
جلس أمام مسفر وقال بابتسامة:يا أبو محمد، لا تقول لي أنك لسه سهران على القضية ذيك؟ ترى الدماغ له حق يرتاح بعد.
ابتسم مسفر وأغلق دفتره:أرتاح؟ بعدين ألقى نفسي في ظلام أعمق القضايا هذي ما هي بسيطة يا جابر.
في مكانٍ آخر من المدينة، في شقة مرتّبة على نحوٍ
مهووس بالنظافة، كان ناصر خالد الشهري، موظف الاتصالات ذو الاثنين والعشرين عامًا، يغسل يديه للمرة الخامسة في أقل من عشر دقائق. يكره الاحتكاك بالناس ويخشى الجراثيم، لكنّه يتابع القضايا نفسها عبر الإنترنت بشغف، كأنّ شيئًا ما يجذبه إليها رغم خوفه من العالم الخارجي.
صوت الأذان ارتفع من مسجد الحيّ، واختلط مع ضوضاء السيارات في الشارع التجاري.
على باب المحل الكبير الذي يعمل فيه، وقف جابر يحيى القحطاني بزي الحراسة، يراقب الداخل والخارج بابتسامة واسعة كان يعرف معظم الزبائن بأسمائهم، يمازح هذا ويُلقِي كلمة طيبة لذاك، فيخفّف عن نفسه بعض ما في داخله من ثقل.
دخل أحد الرجال مسرعًا، نظراته مرتبكة، يتلفّت خلفه. سأل جابر:هلا عمّي، تبغى مساعدة؟








