Customize readability
Aa

مريم المجدلية ٢٠١١

All Rights Reserved ©

Summary

تدور حول فتاة مسيحية تشترك في ثورة ٢٥ يناير مع مجموعة من الشباب لكنها تكتشف أنها مجرد شخصية في رواية خياليةلرواىية مريضة نفسيا

Status
Complete
Chapters
3
Rating
n/a
Age Rating
13+

مريم المجدلية

مريم المجدلية 2011

رواية

تنقل المنادي في المقبرة : انهضوا أيها الموتى ، انهضوا ! فجمعوا أطراف أكفانهم، ونهضوا في أول الليل ، والقمر يسري في السماء ، ومعهم نهضت فتاة لم تكن استراحت بعد من أصوات المقرئين وحزن الوداع ، نهضت في خفة كأنها الهواء ، التفتت فرأت أردية تتحرك في الليل ، أمواجاً بيضاء، رفعت رأسها فصادفت: مرة أخرى هذه النجوم وتلك السماء؟!

ظل صوت المنادي يردد متنقلاً : ” لا يمكن بعد الصمت! انهضوا أيها الموتى ، انهضوا!”

مملكة الصمت

د. ناديا خوست

[1]

إهداء

إلى الذين روت دماؤهم الأرض ولم تنبت ثورة

Barzkh [email protected]

اختفاء ندى

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

سألت عنك كل أعضاء نادي البرزخ ، الكل يؤكد اختفائك فجأة ، وأنهم لم يتلقوا منك أي رسالة منذ تلك الرسالة الغريبة التي أعلنت فيها تخلصك من عباءة الدين ، أنا لا أحكم عليك بقدر ما أنا مستغربة ، كيف لفتاة نشأت في بيئة أصولية إسلامية متشددة تتحول إلى النقيض ؟ هل السبب اختفاء أحمد أم فشل الثورة أريد مقابلتك لكي أعرف ما الذي دفعك لهذا ؟ لا يمكن أن أتصورك إلا بالحجاب الذي يملأ روحك بالأمان وأنت تتحدثين عن سماحة الإسلام وحُبّك للقرآن الكريم ، هل قلبك فعلًا نسي السور القرآنية التي كنت ترتلينها في ميدان التحرير ؟ طالما حدثتينا ، أن لكل واحد منكم أيها المسلمون سورة يحبها وتنشأ بينه وبينها علاقة حميمية خاصة ، ينظر إليها كأنها نزلت من أجله وحده فقط ، وكنت ترددين دائمًا أنك تحبين سورة غافر ، تعتقدين أنها نزلت من أجلك ، تشعرين بأنك تعرجين إلى السماء عندما تقرأينها كل ليلة ، تشعرين بمدى اتساع رحمة ربنا بك و لك ، لماذا لا تغفرين للدنيا عما فعلته بك وتعودين كما أنت ؟ لابد أن نتقابل في أسرع وقت لكي أخبرك أيضًا عن رحلة بحثي عن حبي الوحيد ( مازن ) وعن كل المضايقات التي تعرضت لها من قبل الجنود الإسرائيليين منذ خروجي من معبر رفح حتى وصولي إلى منزل مازن في غزة ، للأسف لم أجده هناك، بالرغم من أن كل الوثائق تؤكد عبوره من معبر رفح ، لكن جنود الاحتلال ينفون دخوله أصلًا للأراضي الفلسطينية ، انتظرت عودته ستة أشهر في منزله ، ذقت فيهم الأمرين ، لم أحصل على تصريح عمل ، الكل اشتبه في وجودي سواء كان من الفلسطينيين أو الإسرائيليين ، كنت مراقبة طيلة الوقت ، انفقت كل أموالي التي أتيت بها من مصر ، يأست من الوصول إليه أو معرفة أية أخبار عنه ، لكن في إحدى الليالي عند أذان الفجر سمعت طرقا خفيفا على الباب ، فتحته ، وجدت رسالة أسفل الباب وبداخلها بعض المال الذي يكفي لرحيلي

_ ” إذا كنت تخافين على حياة مازن .. ارحلي ، و إلا ستعرضين حياته للموت في مكان مجهول ..، وتعرضين نفسك للقبض عليك في أي وقت بحجة التخابر ،لكننا نعدك عندما تسمح لنا الظروف ، سوف نعلمك بمكانه ” بعدما أنهيت قراءة الرسالة ، عندئذ قررت العودة إلى مصر، قلبي يحدثني بأنني سأراه في مصر ، ربما يختبئ في أحد الأماكن خوفا من مخبري أمن دولة الذين يتعقبونه منذ ثورة ٢٥ يناير

صديقتك مريم المجدلية

برزخ 1

عندما قررت أن أسكن مع جدتي في مزرعة الكروم ؛ كارهة لأبي وأمي وأخواتي والقرية كلها التي كنت أعيش فيها ، كنت عندئذ في الثانية عشرة من عمري ، أعيش منعزلة ، ليس لي أصدقاء ، تراني دائمًا أسفل أشجار الكروم ، أنبش الأرض بأظافري ؛ فتخرج طينًا لينًا لامعًا يشبه الزبد ، أعجنه بين يداي ، ملابسي متسخة ، حافية القدمين ، المخاط يسيل من أنفي ، يمتزج بلعابي في إهمال ، شعري طويل أحمر كثيف هايش كأنه شجرة جميز متشابكة الفروع ؛ تحتاج لمن يقلمها ، لكن تُركت بإهمال بعد موت توأمي زينب التي كنت أعتبرها أمي الحقيقية بالرغم أنني أكبرها بثلاث دقائق، تنعكس أشعة الشمس على شعري فيشتعل باللون الدموي الناري ؛ فيعطيني هيئة جنية أو ساحرة شريرة تخيف الأطفال الذين يستفزوني دائمًا ، فبمجرد رؤيتي ، يسيرون خلفي وهم يصرخون.. يصفقون .. ينشدون

ندى .. يا ندى شجرة الجميز

جوزك يا ندى خدوه الجيش

عندئذ أزوم كقطة متوحشة ، شاهرة في وجههم المنجل[2] الذي لا يفارق يدي ، أستخدمه في جز عناقيد العنب في موسم حصاد العنب ، وباليد الأخرى أمسك بحجارة صغيرة أقذفها على كل من يقترب مني ، الأطفال الذين يبادلونني عداء بعداء فيردون عليّ بحجارة أكبر ، شجوا رأسي أكثر من مرة ، حتى العصافير لا تسلم مني ؛ أروّعها كلما رأيتها تنقر عناقيد العنب قبل نضجها فتفسدها وتفرّغها من الحبيبات ، وهذا كان شرط جلوسي عند جدتي ، بالإضافة لبعض الأعمال الأخرى مثل جمع الأفرع الجافة الناتجة عن (تقليم أشجار العنب) وبيعها للنسوة ؛ يستخدمونها كوقود للفرن أثناء الخبز ، وقبل غروب الشمس أجمع أوراق العنب الخضراء الطرية من شجيرات العنب ، وكنت ماهرة في ذلك ، أقطف الأوراق البعيدة عن العنقود ، وأترك الأوراق التي تحميه ، ثم أرصها فوق بعضها البعض في صفوف ، أبيعها فجرًا في السوق ، بثمنها أشتري لجدتي مستلزمات البيت ، أستقطع حصتي من الربح ثم أدسّ الباقي في يد جدتي التي كانت تحاسبني حساب الملاكين ولا أنسى أن أُطعم الكتاكيت إنها ” البيزنس المنتشر بمزرعة الكروم” ، إنها موجودة في كل بيت تعتمد عليها ربة الأسرة في تحسين دخلها من بيع بيضها وقد تضطر لذبحها ؛ فتستغني بلحومها البيضاء عن لحم الجزار الذي يرتفع مؤشره باستمرار ، لذا كنت حريصة على سلامة الكتاكيت التي تخص جدتي ، أحصيها في اليوم أربع مرات ؛ أخشي أن تختطف الحدأة إحداها وعندئذ تتهمني جدتي بالإهمال أو ربما تفكر أن تعيدني إلى منزل أبي مرة أخرى وهذا يمثل بالنسبة لي أكبر عقاب ، فقد وجدت في منزل جدتي الصغير الحريّة التي حرمت منها في منزل أبي ، هنا أستطيع أن أحقق حلمي في استكمال تعليمي ، ربما أصل بحلمي لأبواب الجامعة وعندئذ أكون أول بنت في مزرعة الكروم كلها تحصل على شهادة جامعية ، جميع الأهالي هنا في مزرعة الكروم يكتفون للبنت بالمدرسة الابتدائية تحت مقولة “البنت مسيرها للجواز ، كفاية عليها تفك الخط ” يفضلون الإنفاق على الولد الذكر ، لأنه يحمل لقب العائلة وأولاده امتدادًا لشرف العائلة ، بينما البنت تخرج عن العائلة وتعمر منزلًا غريبًا وتنجب أولادًا أغرابًا لعائلة غريبة ؛ فكيف لمثل هذه العائلة أن ترث أرضهم ميثاق شرفهم ؟ ولذلك تحرم البنت من ميراث الأرض ، يمكن تعويضها بمبلغ ضئيل من المال ، قررت أن أستكمل تعليمي وأثبت لهم جميعًا أن البنت ليست بقرة” للحلب والولادة ” وقف أبي ضد حلمي وتم تجهيز لي زيجة محترمة ذات منظور ديني مثل أختي (قنعة ونجاة) ، لكنني رفضت أن أتزوج زوج أختي زينب بعد وفاتها

_ ” كيف لي أن أتزوج من الرجل الذي أعتبره أكبر عدو لي ”

سأظل أُذكّر نفسي بمأساة زينب، حبسني أبي بالمنزل ، حتى أعود إلى رشدي وتم تصعيد العقاب ، كلفت بالمهام التي كنت أتهرب منها (حلب البهائم ، وإطعام الكتاكيت ) عندما لم يجد أية استجابة منى ؛ قام أبي بتشديد العقاب حيث أضاف لي تنظيف الزريبة ، فكنت أحمل الروث إلى السقف وأقوم بتجفيفه في صورة أقراص نستخدمها كوقود للطهي و للخبز ، تلك المهام التي كنت محمية منها لأن توأمي زينب كانت تقوم بتلك الأعمال بدلًا مني ، أما أنا فقد نشأت متروكة مثل الصبية ، ألعب معهم في الحارة ، أقلدهم في لعبهم ، في أصواتهم العالية ، فشلت فشلًا مريعًا في تعلّم المهارات النسائية ( الطهي ، الخبز ، الخياطة والمساومة في أمور البيع والشراء) بل كنت أرفض المشاركة في طقوس النسوية الحساسة ، اكتفيت بمراقبة تلك الطقوس التي تقام شهريًا في منزلنا ، لا ألبي أية دعوة لحضور المناسبات التي تنتهزها البنات في الحصول على عريس ، ولكن الطريقة التي رفضت بها العريس الأخير و تعرضه للضرب والطرد من الحي كله ، أثار الكثير من الشائعات حولي وملاحقة أبي بالأسئلة

_ “بنتك لماذا ترفض الزواج ؟”

_” هي على علاقة بشخص .... ؟”

مما اضطر والدي أن يبرئ ساحة شرفه من الشائعات التي تناقلتها ألسنة النسوة وهن في الحقل .. أمام الفرن ، وهن يمارسن طقوسهن السرية ، لكنه لم يكن يعرف أنه يمزق آخر خيط يربطني به .. بل بهم جميعاً.

Barzkh [email protected]

الدور الأبدي للبنت

مرحبًا أيها البرزخيون

أنا آسفة لأنني لم أسرد كل شيء ، الذكريات عندما تسترجعها تترك في فمك طعمًا حمضيًا لزجًا وخاصة عندما تكون سيئة ، كأنها تذبح روحك بسكين ثلم ، قررت أن أنزوي عنهم بعد كارثة وفاة زينب ، كل يوم يمر عليّ في هذا المنزل ، أسأل نفسي” هل ألقتني السماء في هذا البيت في يوم نحس مع هؤلاء الغرباء ؟” كنت أتأملهم أثناء وجبة العشاء ونور القمر العائم يتلصص علينا من السقف العاري ، أتأمل تحيط بي الوجوه الفارغة الشمعية التي تحيط بي عن يميني وعن شمالي وأمامي ، تلك الوجوه تمتلك فم مفتوح له أسنان حادة قوية وأصوات رفيعة صفارية ، تتحدث مع نفسها لنفسها ، أنصت لحديثهم ، لضحكاتهم ، كأنني أشاهدهم من خلال حاجز زجاجي ، لا يُوجه لي سؤال ولا يُؤخذ لي رأي

_ ” هل أنا معهم فعلًا أم أنني أجلس أمام شاشة تلفزة ؟ ” أحاول أن أتأكد ؛ أضغط على ركبة أمي تصرخ في وجهي

_ “بنت قليلة الأدب”

بالفعل أنا معهم حول الطاولة نفسها هذا أبي يجلس أمامي وهذه أمي تجلس عن يميني وهذه اختي قنعة تجلس عن يساري بجوار قنعة تجلس اختي نجاة بجوار نجاة تجلس اختي حسينية ، نأكل من الأصناف نفسها التي طبختها بنفسي

_ ” لماذا إذن لا يحدثني أحد ؟ ربما أكون ميتة ! ”

أمي شتمتني منذ دقيقة ” إذن أنا حية ، لماذا لا أتحدث ؟ ، هل أنا خرساء؟ ” لكنني أسمعهم ، أجرب إذن قول شيء ، أطلب من أختي قنعة أن تناولني الملح

_ ” الأكل ملحه مظبوط ”

تجيبني قنعة بعدائية ، ما هذه الإجابة ؟ أنا لا أسأل عن رأيها ، كأنها لم تسمعني ، ترد بإجابة لسؤال آخر ، لكنني اكتشفت المشكلة أنني لست موجودة بالنسبة لهم ، إنني موجودة من أجل كل شيء : ” البهائم ، الكتاكيت ، الغسيل ، الطبخ ، حلب ” عدا الآدميين الموجودين في البيت ، يبدأ يومي فجرا على كنس المنزل كله ، و أرش أرضيته بالماء حتى يتبلل التراب ، فتصبح أرضيته رطبة مستوية ، ثم أذهب إلى زريبة البهائم ، أنظف روثها ، أعجنه في شكل أقراص تشبه الكعك المحترق ذي الرائحة النفاذة النتنة التي أدمنتها كالمخدر ، ثم أتركه يجف فوق السطح پأشعة الشمس استعدادا لكي نستخدمها كوقود للفرن البلدي ، ثم أحمل ترابًا نظيفًا جافا أرشه في تربة الزريبة حتى أدفن الرائحة النتنة المنبعثة من روث البهائم ، كان هذا دور قنعة قبل زواجها و كان من المتوقع أن تقوم به كريمة التي ماتت بالالتهاب السحائي وهي رضيعة وصار دور توأمي زينب و انتقل إلى نجاة لولا أنها تزوجت من تاجر المانجو الستيني ، فانتقل لي عندما رفضت أن أتزوج بزوج زينب الذي تزوج من أختي حُسينية التي تصغرني بسنة وشهرين ، تزوجته بعد وفاة زينب بستة اشهر فقط ، ماتت زينب لكن هذا الدور السخيف للبنت لا يموت ، خالد كروح شريرة ينتقل من أخت إلى أخرى و سوف ينتظر البنت التاسعة الموجودة في رحم أمي والتي تمنيها القابلة” أم شحاته ” أنها ستنجب بعدها الولد الذكر تحقيقًا لنبوءتها الدموية ، يا لها من أفّاقه تلك المرأة العجوز التي تمتلك يدًا شيطانية ، مازالت علامات جذبها لي من رحم أمي موشومة فوق رقبتي .

برزخ 2

استغربت عندما طلب أبي أن أنتظر ، كنت دائما أغادرهم إلى حجرتي بعد انتهاء وجبة العشاء وأتركهم يتسامرون مع كؤوس الشاي الأسود مثل القار ، والليلة سأتأخر عن استكمال حديث أورانيا بطلة رواية “حفلة التيس” كنت وصلت بالقراءة ..“تفكر أورانيا وهي تقاوم النظرة الشمولية التي توجهها إليها العجوز المنكمشة مثل خطاف على كرسيها وتقول أخيرا : لأنه لم يكن أبا طيبا مثلما تظنين أيتها العمة أديلينا”

قطع أبي علي حوار أورانيا ، وطلب مني الجلوس بجواره ، عندئذ أيقنت سوف يتم اتخاذ قرارات بشأني بالرغم من موجة القلق التي تعتريني إلا أنني فرحت لأن أخيرًا تذكرني ، يمثل العشاء الوجبة الوحيدة التي تجتمع حولها الأسرة حتى أخواتي المتزوجات قنعة ونجاة وحُسينية يتناولن معنا العشاء توفيرًا لأزواجهن أو ربما هروبًا منهم ، يتم مناقشة الأمور الحيوية حول طاولة الطعام (نوبة الري ، وفرة المحصول ، دودة القطن ، الكيماوي ، السماد ، بيع الخضار و توريد اللبن للمحال) ، ثم ينتقل للحياة الأسرية يتوقف عند مشكلة قنعة مع فقر زوجها ، يصرخ أبوها في وجهها

_ “الزوجة تعيش على قد مقدرة زوجها هو ياكل بملح ؛ أنتي تاكلي بملح زيه”

تتأفف وتترك الطعام ، يجذبها من ذراعها ويجلسها مرة أخرى ، ويضع أمامها قطعة كبيرة من اللحم لأنه يعرف أنها تحب اللحوم ، تنشغل بها ، تلتهمها في نهم ، يتأملها الأب وهو يضحك

_” ومع كدة انتي قاعدة ، نايمة ، شاربة ،آكلة هنا في البيت ، ولما بتروحي ، ناقصة تاخدي معاك الحيطان ”

تغضب قنعة مرة أخرى وتقف ولكن تأخذ قطعة اللحم في يدها ، وتذهب للمطبخ ، تغضب منه أمونة

_ “قومتها من ع الأكل ”

يضحك

_ “تلاقيها بتعبي الأكل كله الموجود في المطبخ ”

تهز أمونة رأسها بالموافقة ثم ينتقل أبي لتمرد نجاة على زوجها العجوز، يلتقط سيجارة من علبة سجائر ماركة كليوباترا ، يبدو أن كليوباترا تستحق أن تكون ماركة سجائر رخيصة يبرمها بين أصابعه

_ ” وانت ، ما فيش أخبار ، كلكم عقرتم ، أنتوا مش طالعين زي أمكم ليه؟”

_ ” مش لما تكون جوّزتني لراجل بحق وحقيقي !”

يفهم مغزاها ، يحمر وجهه

_” الراجل راجل ولو عضم في قفه ؛ بس انتي اهدي شوية وبلاش تبصي على الأفلام إياها ، ده انا لو جوّزتك لبغل ما يقدر يكفيك”

تخجل نجاة ، وتجري هي أيضًا للمطبخ ، بعد دقيقة ، نسمع مشاجرة بينها وبين قنعة وأوعية المطبخ تتساقط الواحدة تلو الآخر وتمتزج أصوات الصراخ والاتهامات مع أصوات الأوعية ، تتهم نجاة قنعة أنها هي التي أفشت سرها ، يشدان بعضهما من شعرهما ، تأتي أمونة بالمقشة السباط[3] وتضربهما بعنف حتى يستكينا ثم يجلسا عن يمينها ويسارها ، كأنهما قطتان متحفتزان لمعركة رهيبة بعد انتهاء الجلسة ، ينفخ أبوهما دخان السجائر في وجهيهما ، تسعلان بشدة ، تدركان أن هذا نوع من التحذير شديد اللهجة، يستسلمان، ثم ينتقل إلى حُسينية الأخت الصغرى حتى الآن ، وينهرها على شعورها بالغيرة من أختها زينب المتوفاة ، وغضبها من مناداة زوجها لها ب” زينب الصغيرة ”

_” أنا مش عارفة ليه هو مش قادر ينساها ، أنا أجمل منها ، و أصغر ، أنا حية وهي ميتة ، أنا أصبحت أكره ابنها آدم لأنه يشبهها ، لما بيحضنه بحس كأنه بيحضنها ، لما يشوفه بيعمل حركة غمزة عينه اليسرى ، يشده من ذقنه الصغيرة ذات الغمازة البيضاوية ، يتأمله كأنه يبحث داخل وجهه الصغير عن زينب گانها مخبئة في هذا الطفل وهو يحاول أن يبحث عنها ، بعد فترة ليست قصيرة ينتبه لي ، أحاول أن أخفي غيظي ، يبتسم لي وهو يدخله في حضنه ” دي حركة زينب و دي طريقة كلامها ، كل حاجة فيه حتة من أمه ”

_” علشان كدة بترميه هنا أول ما أبوه بيسافر على شغله في اسكندرية ، ما بتخدهوشي إلا لما يرجع” _” بصراحة انا مش طيقاه ، ايه ذنبي أكون بديلة حد تاني وأربي ابن حد تاني”

تنتفض أمونة كأنها قنبلة موقوتة حان موعد انفجارها

_” الحد التاني اللي بتقولي عليه ، تبقى أختك زينب هي اللي ربتك وانت مش طايقة دلوقت سيرتها ولا حتى ابنها”

_ “يعني أنتي عاوزني أرد الجميل وأبيع شبابي لجوزها وابنها ، هي ماتت وأنا لازم أموت وأنا حية

هدأت امونة قليلا”

_ “بكرة لما يكون عندك ولد مشاعرك ها تتغير ”

_”الرجل اللي ما يقدرش يعطيني الحب ، عمري ما ها ديله عيّل”

في تلك المرة أبي هو من قفز من مكانه ، وكأنهما يتبادلان الأدوار

_”قصدك هاتمنعي نفسك من الانجاب ؟ ”

يهم أن يضربها بالطبق الذي أمامه ، تمسك أمونة يده

_” انت أتجننت يا شاهين! فيه امرأة تقدر تستغنى عن الاتجاب ، البنت صغيرة و دم الحيض .. ”

تشير لحسينية بالمغادرة

_” اجري يا بت ، اعملي شاي ..”

شعر أبي بالحرج ، نسي أن حُسينية مازالت طفلة لم تكمل عامها الحادي عشر وتزوجت منذ أسبوعين ، أجبرها على الزواج ، لكنه لن يستطيع أن يجبر جهازها التناسلي الذي لم يكتمل بعد على الإنجاب ، لم يبق أمامه غيري ، نظر لي من فوق لتحت ، أعطى تقييمًا لجسدي ، لم يحدثني مباشرة ، يتعامل معي كأنني غير موجودة، لم ينس أنني ذهبت إلى مركز الشرطة واتهمت أم شحاتة بقتل أختي عنايات ، و تسببت في مقتل أختي زينب ، الأسوء لم يصدقني أمين الشرطة وقال لي

_” أم شحاتة امرأة مباركة تخدم الصغير قبل الكبير ”

ولام أبي بنظرته المستفزة وهو يدفعني إليه ، عندئذ حرم علي أبي الخروج من المنزل

_” فيه بنت مؤدبة تذهب إلى مركز الشرطة ”

عندئذ صرخت وأنا أضرب الباب بكل قوتي

_” أنت شريك أم شحاتة في موت زينب ”

عندىذ قفز من مكانه ككتلة من النيران ، وأمسكني من شعري ، بدأ يركلني بقدميه حتى كدت اسمع طقطقات عظامي ، حالت بيني وبينه أمونة ، لكنها لم تمنع تفكيري الذي يدور كساقية تروي مشاعر الكره ” نعم ، إنه السبب في موت زينب ؛ لأنه زوّجها وهي لم تتجاوز سن الحادية عشر عامًا ، كان جسدها هشًا ، تمتلك بشرة بيضاء شاحبة وعظام صغيرة ، وحوض أصغر وقلب مريض ، ورحم طفولي ، بالرغم من تحذير الأطباء له أن قلبها وعظامها غير قادرين على تحمل زواج وحمل وولادة ، لكنه أصرّ على زواجها ، لا يريد أن يوقف عجلة الزواج ، كانت نيته أنا ، ومن بعدي حُسينية ومن بعد حُسينية كان من المتوقع أن تكون عنايات لولا أن أم شحاتة خنقتها فور ولادتها ، لكن أمونة لم تصدقني مثله ، وظلت أم شحاتة تسكن بيتنا ليل نهار ،كأنها لم تتسبب في موت زينب أيضًا ، الغريب في الموضوع أن موت زينب هو الوحيد الذي أوقف آلة التفريغ عند أمي وقررت أن ما في رحمها سواء كان ذكرًا أو أنثى سيكون الأخير ، ربما لأن زينب التي كانت تربي بناتها ماتت ، أمونة مهمتها تحبل ثم تنجب ثم تلقي لبناتها إلى زينب هي التي كانت تربي و ترعى و تحزن وتتألم ، لذا قررت أن أقوم بدور زينب لمدة ساعة فقط بعد ولادة البنت التاسعة لكي أنقذها من يد العجوز الشمطاء” أم شحاتة” التي لن تتوقف عن قتلها حتى تحقق نبوءتها الدموية ، انتبهت على صوته وهو يسأل امونة

_” أنتي ختنتي البنت دي زي ما قولتلك ولا لأ ؟”

_” لأ ”

_” لحد دلوقت؟ ”

كانت ثورته عارمة ، لأول مرة يصرخ في وجه أمونة ،

_” انت اتجننت يا ولية ؟ ، امال هاتتختن امته؟ في ليلة الدخلة ؟! ”

قاطعتُ شجارهما

_ ” إذا كان الختان هو شرط الزواج لن اختن ولن اتزوج ”

قفز من مكانه مرة أخرى ، يقصر قامته ويطولها ، كأنه تعرض للدغة ثعبان

_” انتي بتقولي ايه ، يا بنت الكلب؟ ”

_ ” أنا هاكمل تعليمي ، قدمت أوراقي للمدرسة الإعدادية في قرية ترسا ،كفاية ضيعتوا علي سنة ، دلوقتي كان من المفروض ادخل تانية اعدادى مش اولى ”

لطمني بأقصى قوته حتى شعرت بسائل دافئ يتدفق من فمي وسنتي الامامية كادت تسقط مع أول دفقة من الدماء تسيل على جانبي فمي

_” لا أولى ولا تانية هاتتجوزي ”

وقفت أمونة حائلًا بيني وبينه ، لأول مرة بعد وفاة زينب تقترب مني ، أشعر بأنفاسها الدافئة تلفح وجهي ، تمسح الدماء التي تسيل من فمي بطرف طرحتها ، كنت أظنها خائفة عليّ ، لكن جملتها التالية جعلتني أفكر ” كم أنا مخطئة !”

_” انت هاتودي نفسك في داهية عشان بنت ملهاش طلب ، من بكرة ها تتختن وها تتجوز من اللي انت عايزه ، بس وحّد الله و اهدى”

هربت من أمامهما وأنا أصرخ في هستيريا

_” لما أنا بنت ما لييش طلب ، بتخلفوني ليه ؟ ”

يوقفني والدي بإمساك ذراعي من المنتصف بقبضة حديدية ويجبرني على الجلوس ويشير لي

_” أنا مش ناسي لما رفضت تتجوزي جوز أختك زينب وتربي ابنها وبصراحة الراجل كان عايزك لأنك نسخة منها”

ثم وجه حديثه لأمونة

_ ” شوفي تربيتك يا ولية ؛ البت دي ها تجيب لي العار”

تشعر أمونة بالخوف

_” يا راجل ما تقولش كدة ..عيب! ”

ثم تنتهي المناقشات بمشاجرة ثم تليها قرارات ، كانت القرارات من أجلي ، فقد قرر والدي ختاني تمهيدًا لزواجي ، صرت بالنسبة لهما مسمار في رأسيهما و مصدر إزعاج بتصميمي على استكمال تعليمي

- البنت مسيرها للجواز وخير البر عاجله

ثم تأتي أهم توصية معتادة نحفظها عن ظهر قلب ، عدم إثارة الجماعات الإسلامية وضرورة ارتداء الحجاب والنقاب قبل الخروج من المنزل ، لأنهم يضربون المرأة التي تخالف تعليماتهم بالسوط في السوق حتى أمام زوجها لتكن عبرة للسافرات ، في الوقت نفسه أوصانا بعدم الاقتراب منهم بل عدم ارتياد المساجد التي يصلون فيها ؛ لأن هذا سوف يضعنا تحت رحى أمن دولة ” ودول أسوأ وأضل ”

ما زلت أجلس صامتة في الجغرافيا اللامرئية ، حديثهم لا يثير اهتمامي قررت في دخيلة نفسي

_ ” لن ألبس النقاب ، و لا أنوي الزواج ؛ أريد أن أكمل تعليمي” فجأة يتوقف الحديث ؛ أخواتي ينظرن إليّ ، يلتفتن ، يتغامزن

_” انا مش عارفة عاجبهم فيك أيه ؟! كل يوم يجيلك عرسان أشكال وألوان ، دي انتي حتى مسترجلة !”

لا أدري عمن يتحدثن ، شعرت بالاشمئزاز ، دخلت حجرتي ، يوجد داخل كل حجرة مصاطب من طين بدلًا من الأسرّة ، ارتفاعها نصف متر وعرضها متر ونصف وطولها مترين ، مدرجة تشبه هرم سقارة المدرج ، نضع فوقها حصيرة ثم نفرش فوقها الملاءة والوسادة المصنوعة من بقايا القطن المتناثر في الغيط بعد بيع المحصول ، نقوم بجمعه ثم نخرج منه البذور وننشره في الشمس لمدة أسبوع ثم نعبئه في كيس من قماش الدبلان ، جدتي تنام معي ، ما عدا اليوم أنها في مزرعة الكروم تشرف على بناء منزلها وسط حقول الكروم ، أحاول أن أستكمل قراءة رواية ” حفلة التيس ” الذي استلفته لي جدتي من فوزية (بائعة الفول ) بعدما تقبلت حبي للقراءة على مضض ، يجب أن أنتهي منه غدًا قبل أن تعيده إليها كي تمزقه وتعمله قراطيس للطعمية ، يأخذني النوم أثناء قراءة

_ ” المشكلة التي لم يكن بإمكانه حلها بصورة مرضية أمام الرأي العام الدولي “حقوق الإنسان ” فقد كانت هناك احتجاجات يومية على وجود المعتقلين السياسيين أو من يتعرضون للتعذيب والاختفاء والاغتيال ..” عندما أستيقظ ، لا أتذكر أحلامي ، كأنني أعيش في منطقة مجهولة

Nada [email protected]الرحلة

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

شعرت باليأس من رجوع مازن أو الوصول إلى معلومات تطمئنني عليه ؛ مما اضطررت العودة إلى مصر ليس خوفًا على حياتي ، فحياتي أصبح لا معنى لها بدونه ، كنت على يقين أنه أسير لدى الإسرائيليين وربما بعودتي إلى مصر سيفرجون عنه ، وهو سيأتي لكي يبحث عني ” كان قلبي يمنيني ، بالرغم أنه كان ينتفض من فكرة رحيلي بدونه ” ، بالإضافة إنني سأشتاق إلى منزله ، ذلك المنزل الصغير ذي الحجريتين الصغيرتين ولكنهما مضاءتان طيلة النهار بضوء الشمس المنبعث من شباكيهما اللذين يطلان على حديقة صغيرة كلها أشجار زيتون (تفكرني بمنزل الكروم الذي طالما حدثتينا عنه) ، أشعر هنا بالأمان بالرغم من كل الاعتداءات السافرة من قبل الاحتلال ، بالرغم من رائحة الموت التي تزحف على كل بيوت غزة ، لكن هنا أيضًا الموت له طعم آخر ، هنا لا يحزنون ، بل يزغردون ، هنا الموت يأتي إلى أصحابه بسعادة الفخر ، عندما تسمعون من يزغردون أعلم أنه ليس عُرسًا ، فالأعراس تمر هادئة ، بينما موت الشهيد يمر في موكب من الزغاريد ، موكب ثوري ، تكون أم الشهيد هي العروس الضاحكة الباكية التي تدفع بابنها الآخر لكي يؤنس أخيه في رحلته المشرّفة ضد الاحتلال ، النساء ها هنا مثل الأرض التي يدافعن عنها بأغلى ما يملكن( بفلذات أكبادهن) ، إنهن يتمتعن بالخصوبة ، فيردن أن ينجبن أولادًا بعدد صواريخ متوسطة إيه آي إم -120 ، بعدد طائرات F-35 التي ترسلها امريكا للعدو لكي يحصد أرواحهم ، بعدد كل جندي دهس المسجد الأقصى بجسده النجس ، النساء هاهنا لهن ملاحم ، قد يأتي اليوم الذي أعود فيه مع مازن إليهن ، في يوم ما سأنضم إليهن ، وأكتب تلك البطولات ، لذا قررت الرحيل وبالرغم من أنني أعرف أن ليس هناك من ينتظرني ؛ فأهلي يعتبرونني كافرة ، بل أخرجوني من ديانة المسيحية كلها لمجرد أنني أحببت مسلمًا وذهبت للبحث عنه

صديقتك / مريم المجدلية

برزخ3

_” القراءة عمت عينك ، عندنا ضيوف في حجرة المسافرين ، اعملي الشاي وتعالي ورايا ”

أتشاءم من ضيوف حجرة المسافرين ؛ لأن رجل البوظة الذي اختطف مني أختي زينب وأرسلها للموت كان أحدهم ، تمنيت أن تكون جدتي معي ، أعرف أنها تنوي الرحيل قريبًا ، فهي في شجار دائم مع أمونة ، بعد رحيلها سأحرم من الشخص الوحيد الذي يساندني في هذا البيت وسأحرم من حكاياتها التي تمثل لي الجناح الآخر مع القراءة ، فأستطيع بهما الطيران بعيدًا عن هذا العالم المتحجر الضيق القبريّ بتقاليده وعاداته التي تجعل منا نحن النساء أبقارًا إذا لم تحلب ..تذبح ، ليتها تأتي إلي الآن لكي أضع رأسي في حضنها ، وأستمتع بلمسات يدها القديمة تتخلل بصيلات شعري ؛ فتسري برودة محببة في جسمي كله ، تحكي لي بصوت ناعم” حدوتة ست الحسن والجمال والشاطر حسن” أدخل في غياهب النوم ، أتحرك بين سراديبه المجهولة ، صوت أبي الغاضب أخرجني بكل قسوة من شرودي

_ انت فين يا بت ، هاتي الشاي ؟

صممت نجاة أن أحمل الصينية بنفسي إلى حجرة المسافرين ، طالما سألت نفسي ،" لماذا سميت هذه الحجرة بهذا الاسم ؟ لا يأتينا مسافر ولا نسافر نحن ، سنظل قابعين في تلك القرية حتى الموت وياااا للأسف خلق الله لنا هذه الأرض باتساعها المهول ، فقد قرأت في الأطلس أن مساحتها تساوي ٥١٠٬١٠٠٬٠٠٠ كم² ونحن نسجن أنفسنا داخل أمتار طيلة حياتنا ، لماذا خلق الله لنا الأرض بكل هذا الاتساع ونظل هاهنا خانعين ؟” اكتشفت سبب التسمية” أنها تستقبل الغرباء ، فهي دائمًا مغلقة ، الضيوف المقربون يجلسون معنا في الصالة أو في الهواء الطلق أمام البيت لشرب الشاي أما هي تستقبل الضيوف الغرباء لظروف الطارئة ، تكون الجلسة رسمية ، نحضر الشاي في أكواب مذهبة فوق صينية من الكريستال ”

أستفق على صرخة أخرى ، أدق الباب ، أنتظر أن يؤذن لي بالدخول

_” ادخلي يا بت ”

دخلت محملة بالشاي والرفض ، أسير في خط مستقيم نحو أبي ، أوجه إليه الصينية وأنا أعلم أنه سيصرخ عليّ ويقول ” الضيف الأول ”

لكن من حسن الأدب أنني يجب أن أقدمها أولًا لأبي لأثبت له أنه الأحق والأهم لدينا ، توقفت أمام الضيف ، بصري للأسفل لا أرفع عيني إلا بعدما يتناول كوب الشاي ، رفعت وجهي إليه ، ابتسم لي في خبث ، هرب عقلي للخلف ، تراجعت ذاكرتي بشكل مذهل إلى الأسبوع الماضي ، بالتحديد في يوم الأربعاء ، وقت الظهيرة ، المكان في حقل القطن ، كان الجو ساكنًا ، جئت لكي أحرس البهائم ، ثم أعود بهم للمنزل في حالة تأخر أبي في سوق البهائم الذي ذهب إليه لكي يبيع العجل الصغير ، انتهزت الفرصة وفتحت كتابي

_ ” لن يستطيع أحد أن يخرجني من عالمي هنا ”

لكنه انتزعني بلا أدنى رحمة

_ ” إنه هو ”

فقد تعرف عليه جسدي ، أقشعرّ

_ ” نعم ، إنه هو ”

نفس الرجل الذي اختبأ خلف النخلتين اللتين كنت أسند ظهري بين جذعيهما، وأنا متخفية من المتطفلين أقرأ قصة ” أكان لابد يا لي لي أن تضيئي النور؟ ” ليوسف إدريس ، في اللحظة التي كنت أقرأ فيها :

" عذري يا شيطان أنك كنت تعرف أين كنت أنا ، ولم أكن أعلم أنا من أنت وكم نقشوا على قلوبنا الأخطاء عنك حتى ارتسمت في أذهاننا دائمًا رجلًا بشعًا ، ولم يفكروا أن يقرنوك بالجمال مرة ومع إنك لا يحلو لك التربص إلا محاطًا بالجمال وإلا على هيئة ست وإلا في أكثر الأماكن نعومة وإمتاعًا وفي أحلى البسمات بل أحيانًا في النكتة وفي أروعها تنصب الشباك ”

كنت في أوج استمتاعي

_ ” كيف لبشري أن يكتب بهذا الجمال ؟! إنه يوسف وهو يوسف اسم على مسمى ” قبل أن أنتقل إلى قصة (بيت لحم ) رأيت صورتي داخل عين شيطانية وأنفاس تفح في أذني سخونة نتنة وقبل أن أستوعب الموقف وجدتني في حضنه ، يقبض علىّ ، يغسّل وجهي بلعابه الكلبي اللزج ، يا لها من استفاقة قاسية بعد كل هذا الجمال الممتلئ به خيالي ! ، انتزعني منه هذا الرجل الكلبي بطريقة فجائية ثم لفظني في عالم مشوه قبيح ، كلما حاولت أن أتملص من ذلك الجسد القردي قبض علىّ بأقصى قوته ، حك جسده في جسدي ، كان به شيئًا يزداد صلابة ، وخذني مثل السكين بين فخذي ، ثم أخذ يدي بالقوة أوصلها إلى سرواله ، جعلني أتحسس شيئًا لولبيًا خراسانيًا ، غليظًا مثل خرطوم فيل

_هل يعجبك ؟ امسكيه ، اقبضي عليه بقوة

تنكمش يدي ، فصص أصابعي فوقه ، أفلته مرة أخرى ، عراه فجأة ، كأنه حيوان خرافي أسود محاط بشعر أسود أكرت كث، كأنه مسخ ، رائحة البول تملأ ، فمي تشعرني بالغثيان

_” سيكون عن قريب رفيقك المفضل ”

تقيّأت فوقه ، هرولت وأنا مازلت أتقيّأ على ملابسي ، جسدي يرتعش كأنه تعرض لصدمة كهربية أفقدته اتزانه ، سقطت سارعت بالحبوب كطفل تعثر أثناء تعلمه المشي لأول مرة فآثر أن يعود الحبو على يديه وقدميه ، بعد برهة استعدت شجاعتي ونهضت ، أتلفت يمنة ويسرة كغزال تلقت رصاصة للتدريب أصيبت فتتوقف أم لم تصلها فتقاوم ، أبحث عن منقذ ، لم أر أحدًا ، ومع ذلك هرولت مرة أخرى ، بأقصى قوتي ، أشعر بأنفاسه تقترب مني ، أزيد من سرعتي ، يدي مازالت تشعر بالكائن الخرطومي الساخن ؛ أجري.. أسرع.. أكثر .. أصرخ بأعلى صوتي كأنني تلقيت بالفعل الرصاصة التي اخترقت ذاكرتي فنشطتها في لحظات الموت ، ألقيت بالصينية في وجهه ، رؤيته أمامي الآن تشعرني بطعم البول يملأ فمي مرة أخرى، أبي يصرخ

_” يا بنت الجاموسة ، مش تفتحي ، سلختي الراجل! ”

وجدتني أختبئ في حضن أمي ، أصرخ

_” لا أحب صاحب الخرطوم ، لن أتزوج أبدًا .. أبدًا ”

تحتضنني أمي ، تربت فوق ظهري ، تمسح وجهي بيدها الطرية البيضاء كالرغيف الفينو ، هدأت نفسي ، حكيت لها ، خلعت حذائها ، ضربت الرجل فوق رأسه ، مازالت تضربه وتشتمه حتى أخرجته من الحارة كلها ، رفضت أن تحكي لأبي عما حدث

_” عامل لها إشارة أبيحة ”

تعجب أبي ، بدأ يضرب كفًا بكف

_” أنا كنت حاضر والراجل كانت عينه في الأرض ”

صرخت فيه

_” حاجات انت ما تفهمهاش ”

أخفيت وجهي في صدرها المبطن بطبقات من اللحم المنتفخ الناعم كالقطيفة ، أظن أنها تتخيل الموقف ، أعلم أنها تثار من تلك المواقف الشائكة ، تضحك ، يطفح جسدها بالضحك

_” ابن الكلب! ”

يهتز ثدياها من شدة التأثر وأهتز معهما ؛ تنهمر الدموع من عينيها من شدة تأثير موجة الضحك التي انتبهت فجأة ، تمسح دموعها وهي غير قادرة على التحكم في هيستريا الضحك

_” لما تتجوزي أي راجل ، ها تحبي خرطومه أكتر منه !”

Barzkh [email protected]

يوم الذبيحة

مرحبًا أيها البرزخيون

في يوم السوق الأسبوعي الذي تجتمع فيه أهل القرية للبيع ، الشراء ، الغش في الميزان ، الرشوة ، السرقة ، التحرش ، النميمة ، والأهم مشاهدة تطبيق الحدود من جلد أو رجم ، في ذلك اليوم نصب أبي صيوان مثل صيوان العزاء ، قسّمه إلى نصفين ، القسم الأول للرجال و على رأسهم أمير جماعة الإصلاح ، يفكر أبي كيف سيتصرف لو حدث ما لا يتوقعه ؟ ، لكنه يطمئن نفسه من جهتي

_ ” البنت بتكره صنف الرجالة كلهم ، ولو حد حاول يتقرب منها بتشق رأسه بحجر”

بدأ يحسب المصاريف التي أنفقها على هذا الصيوان من تأجير فراش وكراسي ، غير الشاي والسكر ، كل أهل البلد تقريبًا جاءت لكي تشرب الشاي مجانًا ، غير السجائر التي يتم توزيعها في مثل هذه المناسبات ، تنهد متندمًا

_ ” المصاريف دي تشتري جاموسة ، كان ها يصيبها شلل لواتجوزت وخلصتني ”

في النصف الآخر من الصيوان ، أقعدتني أمي في زاوية ثم جاءت “أم شحاتة ” ذات اليد السلحفائية المنمشة ، ومن ورائها عشرات من النسوة المترقبات ، اللاتي يسنن ألسنتهن ، فما سيحدث في هذا اليوم ؛ سوف يثري ليالي الشتاء الباردة بالنميمة ، وعقد المقارنات بين تلك البنت المتمردة الساهية كما يعتبرونني وبين بناتهن المطيعات ، المنتقبات ، المنزويات في منازل الزوجية ، كنت أسمع خلف الصيوان صوت الجزار يسن السكين وهو يعرض بقرته التي سيذبحها أمام الجميع ويصرخ قائلًا :

_ ” لو كلت حتة لحمة منها هاتخليك زي الحصان ”

أرقدتني أم شحاتة ، دست أصابعها الطويلة الحادة مثل المسامير داخلي ، في تلك الغابة المتوحشة البكر التي لم يطأها أنس ولا جان ، توغّلت فيها يد أم شحاتة الثعبانية حتى لامست الباب المطاطي الرقيق الحارس لشرف العائلة المحمي بتلك الأشواك السوداء الملتفة حول بعضها في كثافة ، تضلل من يريد اختراقه ، فخرجت يدها خائبة وأعلنت عذريتي

_” بنت بنوت بكر وما حدش لامسها ”

تحولت نميمتهن إلى همسات تزوم حولي مثل طنين الزنابير ، خفتت العيون الفاجرة المحلّقة حول فخذيّ العاريين ، انفضت الدائرة التي كانت تحاصرني ، ومع ذلك ظللت متحجرة في مكاني ، فوق الحصيرة ، جامدة العينين ..عارية .. مفتوحة الفخذين .. يداي متصلبتان فوق ثديي الصغيرين النافرين كعصفورين على أهبة الطيران ، حتى جاءت جدتي لفتني بحرامها الأسود الصوفي ، خطونا معًا فوق دماء البقرة ، كأنها فيضان يريد أن يبتلع كل تلك الجموع المتسابقة على أكل لحومها ، الجزار يمضغ قلبها الذي مازال ينبض والدماء تسيل من فمه مثل الكلب المسعور ، ظلت تلك النظرات المسعورة تلاحقني حتى خرجت مع جدتي من القرية كلها ، علمت بعد ذلك أن أمير جماعة الإصلاح تحمّل نفقات الصيوان رفقًا بأبي و طلبني للزواج ، لكي يغلق ملف النميمة حولي.

برزخ4

أم شحاتة تلك القابلة النحس التي لا تغادر منزلنا تقريبًا ، فهي تستغل صداقتها لأمي حيث أصبحت تدير أعمالها من خلال منزلنا ، تأتينا فجرًا و لا تغادرنا إلا ليلًا ، تسكن حجرة الفرن البلدي التي بنتها أمونة داخل زريبة البهائم التي تقع في أقصى المنزل ، لها بابان ، باب داخل البيت خشبي نستخدمه عندما نريد تنظيف الزريبة و وضع الطعام و حلب البهائم ومهام أخرى لأمونة وجاراتها و باب آخر حديدي خارج البيت من الجهة الخلفية لدخول وخروج البهائم و كذلك النسوة الزائرات لأم شحاتة التي كانت تسكن حجؤة الفرن التي يفصلها عن حظيرة البهاىم بابا خشبيا ، في تلك الحجرة تمارس فيها أم شحاتة كل الأعمال السرية النسوية و لا تغادرها إلا بعد امتلاء كيسها بالأموال ثم تفرّغه في منزلها ثم تعود في الفجر ، في مقابل جلوسها عندنا ، تقدم لأمي خدمات مجانية حيث تولّد أمونة وتعالجنا وهناك مهام طارئة مثل الختان ، تزيين أخواتي في ليلة العرس ، تغسيل وتكفين أخواتي اللاتي متن بسببها أو على يدها ، بالإضافة أنها تعالج البهائم وتولّدهم أيضًا ، و هناك إسهامات أخرى كاصطياد الفئران وقتلهم بمهارة و بذلك تحمي لنا مخزون القمح ، و في بعض الأحيان تخلصنا من الضيوف الغير مرحب بهم ، فالجميع يخشى أعمالها السحرية ، مكانها المفضّل فوق الفرن البلدي ، تفرشه بالحصير وتجلس فوقه و تنام أيضًا فوقه (في وقت القيلولة ) تضع بجوارها صندوقها المصنوع من الصفيح الصدأ المتهالك (كأنه من أيام فانوس علاء الدين ) وتخرج علبًا صغيرة بها أعشاب، وحبوب لها اشكال وأحجام غريبة وسوائل ملونة ودهانات لا تعرف مصدرها ، لديها أيضًا مقص صغير ، مشرط مكسور حافته ، قطن ، شاش ، سائل ليمون تستخدمه في تطهير الجروح ، تأتيها النسوة من كل القرى و النجوع المجاورة ، أنواع مختلفة من النسوة منهن : المرأة الحامل التي على وشك الولادة ، ترقدها أمامها ، تعريها حتى سرتها ثم تدس يدها العنكبوتية بين فخذيها ثم تأمرها بالحركة

_ “الرحم أتفتح صباعين ، لسة الولادة على المغرب ”

تأتيها المرأة التي تحمل طفلة تبكي ، تمسك بفكي الطفلة ، تضغط عليهما إلى الداخل وتفتح فم الطفلة عنوة ثم تأتي بعلبة صغيرة صدئة مملوءة بمسحوق ، لم أميز منه سوى الكمون وحبة البركة ثم تخرج نصف ليمونة وتحشوها بهذا المسحوق ثم تغرس إصبعها المسماري الأسود الصدئ في هذا المعجون الأسود اللزج ، تدسه في أقصى حلق البنت تديره عدة مرات في أقصى حلقها ، تمنع الطفلة من التنفس ، الطفلة تختنق ، يحتقن وجهها يتحول إلى كتلة دماء زرقاء ثم تخرجه وتكرر العملية مرتين ثم تشير لها

_”تعالى بكرة زي دي لوقتي ”

تدس المرأة في يدها جنيهًا

_ “يجعل في أيدك فيها الشفا يا أم شحاتة ”

ثم تأتيها فتاة في مقتبل العمر ريانة جميلة

_ ” لا أعلم لماذا تأتي إليها ؟!”

توسوس لها في أذنها تضع يدها فوق رأسها وتقرأ في سرها ترنيمات ثم تعطيها ورقة مكتوب عليها بمياه الزعفران رموز ومثلثات

_ “استحمي عليها ورشي الميه قدام العتبة”

تعطيها الفتاة خمسة جنيهات وتقبّل يدها

_ “تسلم أيدك يا أم شحاتة ”

أم شحاتة امرأة لا تستطيع أن تحدد عمرها ، ربما تعتقد أنها مولودة هكذا بنفس العمر بنفس اليد الخطافية ذات العروق الزرقاء النافرة ، بنفس الوشم الأزرق الذي يتوسط ذقنها ، بنفس العينين السوداويين الجاحظتين كرتين مطاطين تريدان أن تقفزا في وجهك ، امرأة تجدها في أي مكان تذهب إليه ، تحتاج إليها في كل شيء مثل الجوكر تقوم بكل المهن ” من توليد ، ختان ، تزيين العروس ، لعلاج كل الأمراض بالأعشاب التي تحملها في صندوقها حتى الموتى لا يسلمن منها فهي تقوم بتغسيلهن ”

هي التي قامت بتغسيل كريمة أختي التي كانت تكبرني بسنة ونصف وماتت بالالتهاب السحائي ، بينما الأخت الثامنة “عنايات ” خنقتها أم شحاتة فور ولادتها ؛ لأنها اعتقدت أنها من نسل الشيطان حيث كان يلتصق بعنقها كتلة من العظام السوداء تشوه جسدها الرضيعي ، هي أيضًا تسببت في موت زينب أثناء توليدها لابنها “آدم ” و أرادت أن تقتل أختي التاسعة لكي تثبت لأمونة صحة نبوءتها السوداء ، لكنني طلبت من نجاة أن تراقبها حتى عودتي من منزل جدتي ، وصلت وهي تطلب منها

_ ” روحي يا نجاة هاتي إبرة و خيط علشان نخرم للبنت ودنها ”

بمجرد خروج نجاة من الحجرة حتى أغلقتها أم شحاتة بهدوء حتى لا تستيقظ أمونة ، راقبتُها من فتحة الباب ، فهذه إحدى عاداتي السيئة ، عندئذ ٍ رأيت أم شحاتة تضع كف يدها فوق فم المولودة ، فاقتحمت الحجرة ، دفعتها للخلف ، عضضتها في حلمة ثديها ، هي التي دخلت طواعية بين أسناني المتحفزة ، صرخت أم شحاتة كأنها في الجحيم ، فاستيقظت أمونة فزعة ، كنت أظن أن أمونة ستثور عليها ، وتطردها ضربًا بالمقشة السباط كما حدث مع الرجل ذي الخرطوم ، لكنها حملقت في وجه أم شحاتة كأنها تبحث لها عن مبرر

_”أنا فحصتها ، أنتي مش حمل عاهات”

لكن أمونة طلبت منها الرحيل بهدوء

_ “لو فضحت الدنيا ، الناس ها تقول أمونة بتموت عيالها علشان بنات و أولّهم جدتك ”

منذ تلك اللحظة قررت أن أعتبر أمونة ماتت بالنسبة لي ، وهرولت إلى المقابر لكي أزور زينب وأحكي لها عن تلك ال أمونة المنافقة التي غطت على موت عنايات فتسببت في موتك و كانت سوف تتسبب في موت البنت التاسعة ، عندما هدأتُ ، قرأت الفاتحة و أطلقت على الإجهاض الذي حدث لأمونة أثناء تطعيمنا ” أنا و زينب ” اسم زينات ” الأخت السابعة ؛ لأنني تعلمت من معلمة العلوم أن إنجاب البنات بسبب جينات الرجل ، لكن أم شحاته خدعتها ” باسم أم محمد ” كي تستمر في الحمل والولادة وتظل هي تحتل منزلنا، لكنني فضحتها وأنقذت الاخت التاسعة من يدها العزرائيلية وسميتها “حياة ” كنت أظنني أنني التي أنقذت حياتها لكنني اكتشفت فيما بعد أن أختي “حياة” هي التي انقذت حياتي.

Nada [email protected]

الباحثة عن الحب

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

عندما كنت في غزة كنت لا أحمل همّ سكني ، لأن الجميع رحب بي ، والجميع عرضوا استضافتي ، لكن مفتاح بيت مازن بحي ” الشجاعية ” أعطته لي أمه قبل رحيلي ، أوصتني أن أسقي أشجار الزيتون ، كنت أراها رومانسية ، وقلت في نفسي ” بالتأكيد كل الأشجار ماتت بعد رحيلهم ، وتحول المنزل إلى مجرد طلل ” لكنني فوجئت أن الحديقة الصغيرة التي تحيط بالمنزل مكتظة بأشجار الزيتون تظلل مدخله وتشع فيه رائحة جميلة ، منزل مازن في غزة نظيف ، مرتب من الداخل، هواؤه طازج ، ظننت أن هناك من يسكنه لدرجة أنني جلست ساعتين فوق الكرسي في الحديقة أنتظر هذا الساكن حتى أستأذن منه ، وعقلي تدور فيه عشرات الأسئلة

_” ماذا سيكون مصيري لو رفض ؟ ” سأوافق على عرض الجيران وأنام عند أحدهم

وأنا في خضم الاحتمالات فوجئت بدق الجرس ، فتحت الباب، فوجئت بالجارات يحملن الطعام ، استغربن أنني حتى الآن لم أغير ملابسي ، أنهن انتظرن ساعتين حتى أرتاح من عناء السفر وعندما ذكرت لهن مخاوفي ، ضحكن وقلن لي

_”البيت ده مسكون بأرواح الشهداء الطيبة ، استشهد فيه جد مازن وأعمامه ثم أبيه ، هذه الأرواح لا تؤذي بل تحمي”

أخبرنني أنهن كن من يعتنين بالمنزل

_ “على أمل أن تعود أم مازن إلى منزلها في يوم من الايام تجده كما هو ،كما ستجدنا مثابرين لاسترجاع قدسنا ”

عندما عدت إلى مصر كنت أشفق على نفسي من لقاء أخوتي الذين يعتبرونني كافرة ، لو كان هناك محاكم تفتيش الآن لتم إحراق جثتي بتهمة الهرطقة ، الحب عندهم هرطقة ، أول ما وصلت اتجهت إلى كنيسة المسيح ، صليت فيها ، احترت

_” إلى أين أذهب ؟ هل أذهب إلى منزلي ؟”

إنني اشتقت بالفعل لأمي ، لطريقة كلامها وحركة يدها على أنفها عندما تشعر بإحراج ، ابتسامتها الرقيقة ، عذوبة صوتها وهي تقرأ لي

_ “فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ.” [4]

كنت أستغرب لماذا لا يحبها أبي الحب الذي تستحقه ؟ أنها تشبه ” تماف ايريني القديسة ” فكانت لا تجد شبعاً لحياتها إلا في الكتاب المقدس والمواظبة على الاعتراف والتناول ، لكنها تخشى أبي الذي تحبه إلى درجة العبادة وكان حبه يملأ كل ذرة من كيانها وأبي مثل أخوتي بالرغم من هجرتهم إلى إيطاليا إلا إنهم تركوا أحقادهم لأبي الذي رفض استقبالي وقال للأب يوحنا الذي أرسلته لكي يقنعه بعودتي للمنزل

_ “لا أريد أن أنجسه بكافرة ”

عندما سألت أبونا يوحنا عن وجهتي قال لي

_” استشيري قلبك ”

مريم المجدلية

Barzkh [email protected]

التطعيم

مرحبًا أيها البرزخيون

لم تهتم أمونة بتطعيم أي واحدة منا حيث كان أقرب وحدة طبية إلينا تقع في مركز سنورس ، مسيرة ساعة ونصف وسط الحقول ، لكن بعد موت كريمة التي لم تحصل على تطعيم الالتهاب السحائي ؛ خافت أن يحدث لي أنا وتوأمي زينب ما حدث لأختي ، وأردفت خلف أبي فوق الحمار ، حشرتني أنا وزينب بينهما ثم أسندتنا بذراعها الأيمن واحتضنت أبي من الخلف بذراعها الأيسر والحمار يتهادى بهما ، كأنهما في موكب زواج ، اللون الأخضر يدثرنا من كل الجهات ، يملأ نفس أمونة بالهدوء الذي يطفو على ضحكات أمونة ، السعادة التي تسيل من حكايات أبي عن كل المحاصيل التي يمر بها، يعرف عنها كل التفاصيل الدقيقة كأنه يشرح لها خريطة في أطلس ضخم

_ ” كمية المياه التي تحتاجها ، درجة الحرارة التي تساعدها على النمو ، طريقة رش النبات بالمبيدات ، المدة التي تأخذها الثمرة ليكتمل نضجها ، تنقيتها من الأعشاب الضارة التي تمنعها من التنفس ، كمية المحصول وقت الحصاد ، الطريقة التي يخزن بها لكي يظل صالحا ” يقول ذلك دون تلعثم أو تردد كأنه يقرأ المعلومات من كتالوج لكل محصول

_ ” محصول الذرة الذي مر عليه يحتاج لتنقيته من الأعشاب الضارة حتى تصح أعواده ،محصول السمسم يحتاج أن يحصد قبل أن تقضي عليه نوبة الرياح المحمول بالأتربة ، محصول الطماطم يحتاج للرش بالمبيدات حتى يمنع الدود من التهامه ، أشجار المانجو تحتاج لأن تغسل من المادة الصمغية السوداء قبل أن تدمر الثمار”

تربت على ظهر زوجها في فخر ، يمسك يدها في حنو ، وأثناء عودتهما وبدون إنذار فقد الحمار صوابه بمجرد أن لمح أنثاه تسير في الاتجاه المعاكس ، استأجرها أبو الحارث (جار جدتي في مزرعة الكروم ) ليحمل عليها القمح لكي يطحنه في قرية ترسا ؛ بمجرد أن الحمار رآها ؛ نهق ، حفر الأرض بقدميه ثم هرول بأقصى سرعته ، خافت أمي عليّنا ، احتضنتنا ، لم تستطع أن تتوازن ، فسقطت وهي تتشبث بنا فوق صدرها بينما الحمار لم يهتم بوخز أبي له من الخلف بالعصا وأصر على ملاحقة انثاه التي أيضًا أسقطت حمولتها ، نزل أبي كي يطمئن علينا ، جلسا بجوار بعضهما، يتأملان الحمار وأنثاه ، ضحك أبي ونظر لأمي في خبث

_” شايفة يا أمونة”

فوخزته في ظهره ، توجع أبي من لكزتها

_” شايف شجرة المانجو الكبيرة دي”

وقبل أن تكمل جملتها سارعت أمي بالهرولة إليها هي تحملنا أسفل جناحيها ، وعندما وصلت أسفلها ، وضعتنا أنا وتوأمي زينب أسفل الشجرة ، أنها تحب الاستثناءات وانتظرت أبي الذي مازال ( خجلا)

_” أنتي ما صدقت يا ولية ! والبنتين ها نعمل فيهم إيه ؟”

ابتسمت في خبث

_” ها يناموا جمبينا ”

بعد دقائق حلّ الهدوء التام (هما والحمار )، ثم رفعها أبي فوق الحمار ، ووضعنا في حضنها وقفز فوق الحمار وظل يضحكان طيلة الطريق حتى وصلا إلى المنزل ، لكن أمي لم تستطع النزول ؛ فقد شعرت بمغص جهنمي يمضغ أحشائها وطلق ناري يضرب مؤخرتها وسيل من الدماء يتتفجّر من رحمها ، أسعفتها أم شحاتة

_ ” ده إجهاض وكمان كان ولد ؛ رأسه مبططة زي البرص ”

كلما تتضايق أمونة مني تحكي لي هذه الحكاية السخيفة عشرات المرات ، أعلم أنها تحب أن تتفاخر بمآثرها الجنسية ، تضحك في بدايتها وخاصة عند شجرة المانجو وفي نهايتها تولول ؛ تتهمني بأنني السبب في حرمانها من الولد الذكر الوحيد، منذ كنت رضيعة وأنا شؤم عليها ، لكنني لا أعلم لماذا لم تتهم زينب مثلي ! ومما جعل الجو أكثر دراميًا .. أم شحاتة تنبأت لها بنبوءة

_” أنها لن تنجب ذكرًا آخر إلا بعد ولادة بنتين ملعونتين لأن الجن” شمهورش” كان يضاجعها مع زوجها تحت الشجرة ”

منذ تلك الحادثة أصبحت أمونة ليست أمونة ولكنها ” أم محمد” اشترت ربع متر دبلان وكفنت الإجهاض فيه ودفنوه بجوار كريمة وأصبحت أيضًا تنتظر البنتين الملعونتين بفارغ الصبر أو بالأحرى تنتظر الولد الذكر الذي سيأتي بعدهما في الولادة العاشرة ، فهي على استعداد أن تتحمل مائة لعنة في مقابل انجابها للذكر.

برزخ5

ذهبت إلى منزل جدتي في مزرعة الكروم[5] منزل جدتي تبتلعه حقول الكروم ، تراه من بعيد كشجرة كروم عملاقة ، الأشجار تغطيه من كل الجوانب ، تتسلّق عليه ، تستطيل ، تسقفه ، تثمر عناقيدها فوقه حيطانه ، تتخلل فروعها شبابيكه ، تتسلل متلصصة داخل البيت ، أوراق الشجر التي تغطي عتبته تغوص فيها قدماك ، و مما يزيده غموضًا ظل الأشجار الذي يكتنفه من كل الجهات ، إنه يشبه البيوت التي تسكن الحواديت ، أول يوم لي في منزل جدتي كان الأسوأ ، كان كل شيء ساكنًا ، صامتًا ، لا تسمع سوى هسيس الأشجار التي تتحرك بين أذرع الهواء كأشباح ، والنجوم تبدو مصابيح باهتة ، أسمع خرير ماء العين يأتيني من كل مكان ، يتخلل حقول الكروم ، الليل هنا مخيف مظلم عدا بعض أعمدة الإنارة المتباعدة التي تظلل أشجار الكروم باللون الأصفر الميت ؛ فتظهر كأشباح عملاقة ، كل شيء هنا يثير الخوف : الكلاب تعوي كذئاب ، نقيق الضفادع ، و صرّار الليل صفارة إنذار مستمرة مقلقة مستفزة ، مع لدغات الحشرات التي تلتهم جلدك حتى تورّمه ، أفرع الأشجار تتحرك بحرية داخل المنزل يمينًا ويسارًا طويلة مجعدة تشبه أذرع أمنا الغولة ، قلت لنفسي وأنا أرتعش من شدة الخوف

_”سأظل مستيقظة حتى الصباح في بيت الأشباح هذا! ”

فجأة سمعت خطوات بطيئة ، يصاحبها ظل عملاق يتراقص مع ألسنة أشعة صفراء باهتة ، يصاحبها أيضًا دخان كثيف ، صرخت ، هرولت جدتي ممسكة لمبة جاز نمرة عشرة ، الدخان يخنقني

_ “عفريت يا جدتي ” قلتها وأنا أهرول إليها احتضنها و أخبئ وجهي في خصرها

ضحكت جدتي

_”أنا بتكلم بجد ، جسمه عملاق يرقص على الحائط ، ويطلع دخان من بقه ”

ازدادت ضحكتها ، اهتزت اللمبة في يدها ، أصبح الضوء يتأرجح يمينًا ويسارًا ، أحسست أن جسدي يرتعد

_”أنا العفريت ، أنا اللي ماسكة اللمبة وأنا بحب اتطمن على كل حاجة في البيت في نص الليل ”

فيما بعد اعتدت على جولات جدتي الليلية ، ممسكة اللمبة الجاز (نمرة عشرة) ذات الفتيل القطني ، لهيبها يتراقص يمينًا ويسارًا يضخم ظلال أفرع الأشجار فيحولها إلى أذرع أخطبوط ، تتحول جدتي مع ظلها المتضخم إلى الساحرة الشريرة التي قرأت عنها في كتاب ألف ليلة وليلة ، نعم ، إنه المكان السحري الذي سيجعلني أقترب فيه من حلمي ، حيث استطعت أن أدخر مصروفات المدرسة الإعدادية التي سأذهب إليها في العام القادم ، وذلك من خلال عملي في موسم جني العنب الذي يبدأ في شهر مايو وينتهي في شهر أغسطس ، أعطتني جدتي هذا المنجل هدية ؛ كي أستخدمه لإخافة الأطفال ، لكنني استخدمته لتقريبي من حلمي ، أما حبات العنب المفرطة أجمعها في (وعاء من القش ) وأبيعها لحسابي ، من خلال ادخاري لتلك المبالغ الزهيدة ؛ استطعت أن أشتري الزي المدرسي الأزرق ، و شرائط زرقاء وبيضاء أزين بها شعري الذي أعتني به أيام الدراسة فقط ، اشتريت مشطًا جديدة من خشب الزيتون ، في أول يوم دراسي لي ، سأجعل جدتي تمشطه ، فأنا أعجز عن القيام بهذه المهمة لأنه كثيف ،طويل ، متشابك مع بعضه البعض كخيط معقد ، كنت انا وزينب نتبادل هذه المهمة هي تمشط شعري وانا امشط شعرها ، لكن بعد موتها أهملته ، جدتي وعدتني

_”هاضفرهولك ،وفي نهاية الضفيرة هاربطه بشريط أزرق من الحرير المنشي ”

وعندما جربته و نظرت إلى صورتي في المرآه لم أصدق نفسي

_” يمتزج لونه بلون عينيي اللازورديتين وتظهر رموشي السود الكحيلة المزينة بحاجبين حمراوين مثل قوسي قزح ”

شهقت جدتي بإعجاب

_” كبرت يا ندى وبقيت زي الأميرات ، كل تفاصيلك جميلة ، مناخيرك الصغيرة الساجدة على فم يشبه قلب الحمامة مختوم بشفتين طريتين مثل الفطير البلدي ، يلعبوا استغماية مع غمازة شقية تزين دقنك مثل كوب مملوء بالعسل ، عايز عريس يمصه ”

تمسك بذقني وتلويه يمينًا ويسارًا ؛ أضحك من وصفها ؛ فتعود صفحة وجهي إلى استدارتها وإشراقها ، إنه الجمال الذي يهرب مني في فصل الصيف عندما أنشغل عنه بالعمل في الحقول واللعب في الطين؛ مما يجعلني مثار سخرية من الآخرين ، ساعدتني جدتي عندما لمست تصميمي على دخول المدرسة الإعدادية على الرغم من أنها تبعد عن مزرعة الكروم مسيرة ساعتين على الأقدام ، اشترت لي حذاءً أسود بإبزيم ( كثمن قفص العنب الذي أهداه صانع الأحذية لأهل خطيبته وعجز عن السداد) ؛ بل كانت أكثر كرمًا معي بحيث فاضت قطعة قماش من جلبابها الصوفي حاكتها مخلة لي[6] كي أحمل فيها كتبي واجتهدت جدتي في خياطتها حيث جعلت لها جيبًا لأدواتي المدرسية مقسّماً من الداخل إلى مكان للأقلام وآخر للممحاة والمبراة ( خاطت بهما سوستة حتى لا تسقط منهما الأدوات ) ، وجيبًا آخر للسندويتشات بعيدًا عن الكتب (بطنته من الداخل بكيس مشمع قصته من فارغ كيس الكيماوي حتى لا ينضح زيت الفلافل ويبقع الكتب ) ثم دككتها بإستك وجعلت لها معلاقًا كبيرًا أعلقه في رقبتي تشبه تلك التي كان يرتديها ” طه حسين ” في مسلسل الأيام الذي كنا نجتمع مع أهل الحارة لكي نراه ، كان أبي يخرج التلفزيون أمام البيت ، يدير المحول على القناة السابعة ونتحلق حوله وكانت فوزية بائعة الفول تنتهز أي موقف لتجردنا من أموالنا الضئيلة فتبيع لنا اللب السوري أثناء المسلسل ، كنت أشتاق لتلك الذكريات ولكن اشتياقي لتحقيق حلمي كان أكبر ، كلما كسبت من بيع ورق العنب قدرًا من المال أشتري به لوازم الدراسة ؛ اشتريت أقلام رصاص ، كراسات ، كشاكيل ووضعتهم في المخلة ثم وضعتها مع الزى المدرسي والحذاء في صندوق المهام الصعبة الذي اغتصبته من جدتي في لحظة إشفاق عندما تورمت يدي من جمع التين الشوكي وتقشيره للزبائن ، فأرادت جدتي أن تخفف عني ؛ فأهدتني صندوقًا كبيرًا من الخشب الزان طوله مترين وعرضه ستين سنتمتر مزخرفًا بمنحوتات فرعونية (كان من ضمن جهازها كعروس ) قبل أن ترجع جدتي في كلامها ؛ استخدمته كخزانة أضع فيه ملابسي بدلًا من المسامير التي كنت أعلق فيها ملابسي ؛ فتمتلئ بالتراب الذي يسقط من السقيفة الخشبية ، قمت بجره رغم ثقله إلى حجرتي الطينية التي بنيتها خلف بيت جدتي من الطين الذي ظللت أجمعه من أسفل أشجار العنب المروية طيلة ستة أشهر ؛ احتملت في سبيل جمعه مضايقات الأطفال بل آذاهم حيث شجوا رأسي بالطوب أكثر من مرة ؛ فسددت الجرح بالطين؛ فامتزجت دمائي بالطين وسالت على عيني وابتلعتها مع ريقي ، ومع ذلك لم أتخل عن الطين الذي أجمعه ثم أحمله في القصعة فوق رأسي و العيال خلفي يستهزئون بي عن طريق تلك الأغنية التي تفقدني أعصابي بمجرد سماعي لها لأنها تذكرني بواقعي وتنذرني بموت أبي

" شاهين ما مات خلف بنات

خلفهم تسعة قاعدين ع القصعة ”

Nada [email protected]

المنبوذة

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــاااااااااااااااااي

رفضني أبي ، واستكانت أمي لقراره خوفًا من غضب أبي الذي هددها إذا استقبلتني ، فعليها أن تبحث لها عن زوج آخر وطبعًا ، أمي تفضل أن تفارق الحياة بأكملها عن مفارقة أبي ، لم أجد لي مكانًا يضمني سوى شقة أم مازن بالسيدة زينب ، بصراحة أم مازن احتوتني ودائمًا تخبرني أنني أُذكّرها بابنها ، تحترم خصوصيتي ، فعندما تصلي في حجرتها تقرأ القرآن الكريم بصوت منخفض ، لكنني كنت أجلس بجوارها وأستمع إلى صوتها الشجي الذي يهز كل كياني ، لدرجة أنني عشقت هذا الكتاب ، كنت أتوضأ كما علمتني و أقرأ فيه ، كانت تراقبني بعينيين مملوءتين بالأمنيات ، أعلم أنها ترغب في دخولي الدين الإسلامي حتى أُصبح مناسبة لمازن ، و لكي ترد على أخوتي الذين حاولوا أن يغووا ابنها لاعتناق المسيحية ، وترغيبه بأن يوفروا له فرصة عمل جيدة في ايطاليا ، لكنه رفض و فرّ بدينه من أخوتي ومن أمن دوله حيث اعتبروه ارهابيًا متآمرًا بعد فشل ثورة 25 يناير ، لكنني مثل مازن ، ديني ليس رداء أغيره كيفما أشاء ، الدين ممتزج بكينونتي ، لكن هذا لا يمنعني من تقبل الأديان الأخرى ، لماذا لا أمارس شعائر الديانتين ؟ كنت أواظب على الصلوات الخمس وأتلو القرآن و في الوقت نفسه لم أتخلف عن حضور قداس يوم الأحد ، بل كنت أصر على ارتياد كنيسة المسيح التي تقع في عنوان سكن أبي بمصر الجديدة لكي أثبت له

_ ” إنك تستطيع أن تطردني من بيتك لكنك لا تستطيع أن تطردني من بيت الرب ” قررت أن أبحث عن عمل لكي أؤمن مصاريف كلية الحقوق ، فقد تركت كلية الطب فأنا لم أستطع أن أحمل صليب أحلام أمي ، قررت أن أكمل دراسة الحقوق لكي أتطوع للدفاع عن حقوق الإنسان بصرف النظر عن جنسه أو دينه أو وطنه ، سوف أتبنى قضية القدس لأنني أعلم أنها هي التي ستجمعني بمازن ، بالرغم من اعتراض أم مازن على عملي إلا أنني صممت ، لا أحب العيش عالة ، وأصبحت أقضي يومي بين المحاضرات بالكلية والعمل في الكافيه التي كان يعمل فيها مازن ، بصراحة الكل رحب بي ، لأنهم يعلمون علاقتي بمازن ، لكن بعد غيابه أشعر بالوحدة هنا في نفس المكان الذي شهد على حبنا ، تلك الوحدة أصبحت مثل ظلي لا تفارقني حتى وأنا في منزله ؛ لذلك قررت أن أتواصل معك ومع منتدى البرزخ ، فأرسلت لك عشرات من الرسائل وأنت تمتنعين عني ، تواصلت مع الأعضاء لكي أتعرف أخبارك لكنني اكتشفت أنهم لا يعلمون عنك شيئًا سوى أنك قررت أن تسافري إلى تركيا بعد اختفاء أحمد وتتخلصين من جميع معتقداتك

مريم المجدلية

البرزخ6

المدرسة الإعدادية الوحيدة قريبة من منزل أبي ، لكنها بعيدة عن مزرعة الكروم لتي أسكن فيها مع جدتي (مسيرة ساعتين سيرًا على الأقدام ) كان من الممكن أن أعود للعيش مع أسرتي وعندئذ أكون قريبة من المدرسة ، لكنني كنت متيقنة أن بمجرد عودتي سيفتحون معي موضوع الزواج مرة أخرى ، لذا فضلت الحرية التي أحظى بها عند جدتي

_ ما الفائدة إذا كانوا رافضين فكرة تعليمي ؟

ما ادخرته طيلة فصل الصيف في موسم جمع العنب يكفي بالكاد مصاريف الكتب المدرسية والأدوات

_” لن أحتاج إلى سندويتشات؛ سيكفيني رغيف عيش جاف وقطعة جبن قديمة وحبة طماطم ، و لن أحتاج أبدًا إلى دروس خصوصية سوف أذاكر ليل نهار ، لكن المشكلة سوف يضيع الوقت في الذهاب والإياب ، لا أستثقل السير على الأقدام ولا حتى خطر الطريق الفارغ إلا من حقول الكروم على الجانبين

_ ” لا تسمع فيه صريخ بن يومين ”

معي المنجل لا يفارق يدي وسورة غافر لا تفارق قلبي ، بالإضافة أن عملي لدى جدتي منحني جسدًا قويًا متناسقًا وساقًا طويلة صلبة ، و ذراعًا تكسر أفرع الأشجار من أول ضربة ، جسمي يسبق سني بخمس سنوات على الأقل ، إنه يخيف جدتي التي تتأمل تفاصيل صدرية الفستان إلى الإمام بارتفاع عقلتي إصبع ، الحلمتين كحبتي زبيب مرصوفة الأحجار الصغيرة ،و يخط خيطًا رقيقًا من الشعر الأصفر يظلل شفتي العلوية ، والعنكبوت يغزل خيوطه بين فخذي منشغلًا في عمل شبكة عنكبوتية تروى مرة واحدة في الشهر ومؤخرتين أناناسيتين مستديرتين معلقتين في ساقين فضيين مصقولين ”

تظهر على وجهها أمارات الرضا ، والخوف معًا ، تتنهد الجدة

_” جسمك الفاير هايلم علينا الدبابير وأنا كبرت في السن ، ما أقدرش أهشها ”

أضحك على تعبيراتها وأقول

_” فيه مبيد حشري يموّتها في ثانية ”

تضربني على ظهري كحدأة تهدد كتاكيتها الصغار ، بالرغم أنني أحب وصف جدتي لخارطة جسدي ويذهلني أنني أحمل مثل هذا الجمال الذي لا أشعر به ، ولا يشعرني به أعدائي من اطفال مزرعة الكروم ، كلما رأوني ينادونني

_” يا ندى، يا ندى يا شجرة الجميز

جوزك يا ندى اخدوه الجيش ”

كل ما يشغلني ؛ كيف أتغلب على مشكلة وسيلة المواصلات ؟ قطع حبل تفكيري نهيق حمار العم أبى الحارث جارنا ؛ لابد أنه جائع ، كأنه يناديني ، أذهب إليه ببقايا أفرع أشجار العنب الخضراء التي تم تقليمها حديثًا ؛ حذرتني جدتي ألا أقترب منه

_ “إذا عطس في وجهك ؛ تفي عليه حتى لا يملأ وجهك بالقوباء”

للحرص كلما أراه ، أبصق عليه ، لكن هذه المرة توقفت أمامه ..

_ ” لماذا لا أركب العربة الخشبية الكارو للعم أبى الحارث ؟” فهرولت إلى جدتي كأنني نيوتن عندما سقطت فوق رأسه التفاحة

_ ” فهو يؤجرها لحمل التبن والسماد والغلال والدقيق لطحنه في قرية ترسا ، لماذا لا يأخذني إلى المدرسة في طريقه ؟ لن يخسر شيئًا ، و أنتظره أثناء عودته وأرجع معه وسوف أعطيه نصف جنيه ؛ هو كدة رايح.. رايح ”

هذا الكلام لم يعجب جدتي

_” جنيه رايح وجنيه راجع ، دي ثروة ! ”

تلوي شفتيها يمينًا ويسارًا في استهزاء

_” ماله الجواز؟ ، د ه أنت ها تصبحي مرات أمير ، بيتحكم في كل ستات الفيوم كلها اكتر من أزواجهم ، ده ما فيش ست تطلع من بيتها وإلا وهي لابسة اللي … تنسى اسمه ، كعادتها ، أذكرها به ”

_ ” نقاب ”

_ ” انا عارفة هو انتي اللي ها تعرفيني ”

أضحك ، احتضنها من الخلف بقوة تحاول أن تتخلص مني لكنها تعجز ، تحاول مرات كطفلة رضيعة ، بفم مزموم ،فجاءة تستأنف الكلام كأنها تذكرت شيئا هام

_ ” أمبارح قابلت أمه كانت لابسه النقاب وكلمتها في الموضوع وقلتلها : البنت راكبة رأسها وعايزة تكمل تعليمها ، أتاريها طلعت مراته التانية ، اتكسفت وقلت لها : لمؤاخذة ، العيب ع النقاب، ترد عليّ وهي زعلانة ” المفروض تلبسي انت كمان نقاب” قال إيه ؟ الولية عايزة تلبسني وانا عندي ستين سنة نقاب هاخبي ايه ؟

قطعت كلام جدتي بصورة حاسمة ، لو تركتها تسترسل في الكلام ربما تتحدث لساعات وتكرر نفس الكلمات

_ “ريحي نفسك سأكمل تعليمي وأدخل الكلية ”

لفت الجدة نفسها بالحرام الصوفي ، تضع رأسها بين ركبتيها ، كأنها نائمة هكذا تفعل عندما لا يعجبها الكلام ، تمتم بصوت خفيض

_ ” يمكن ها يعلموك في الكلية كيف تجيبي عيال ؟”

Nada [email protected]

Barzkh [email protected]

سباق الثانوية العامة

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

Sorry ، أنا فعلًا اسفة بجد ، لأنني تأخرت في الرد ، قد ظهرت النتيجة المرحلة الأولى لأنني قسمت المواد على عامين ، أخذت اللغات والجيولوجيا في السنة الأولى و حصلت على 97℅وسوف آخذ الكيمياء والفيزياء والأحياء في السنة القادمة ، وهذه النتيجة كانت في البداية مرضية لأمي بل شجعتني قائلة

_ “أنت اقتربت من كلية الطب ” ، والسنة القادمة بمشيئة الرب تقفلي الدرجات ”

ثم سألتني عن كل صديقاتي ، تنفست الصعداء عندما علمت أنني الأولى في السباق ، ثم سألتني سؤالًا كانت تؤجله خوفًا من أن تكون الإجابة غير مرضية لها

_”ما أخبار سارة بنت عمتك ماري؟”

جن جنونها عندما علمت أن سارة قد حصلت على نسبة ٩٨℅ في كل المواد وسوف تلتحق بكلية الطب وهذا يعني أنني لست الوحيدة التي خسرت جولة مهمة في سباق الثانوية العامة بل هي أيضًا خسرت تفوقها على عمتي ماري ، كانت أمي تتفاخر على عمتي أنها تنجب الذكور ، فبنات عمتي الثلاثة دخلن الطب وها هي سارة سوف تسير على نهجهن ، أما أخوتي دخلوا معاهد خاصة تأكل الأخضر واليابس ، بل يفكرون بكل جدية بالهجرة حيث قدموا أوراقهم تقريبًا لكل سفارات الدول الأوربية ، تعرف أمي أن المسألة مسألة وقت وأنهم سيتركونها إن آجلًا أو عاجلًا والآن ليس أمامها سواي ، فأصدرت قانون حظر التجول ، ألغت المصيف ، نقلتني وإياها إلى الدور السفلي في حجرة في أقصى المنزل ، بعيدًا عن ضوضاء الشارع وعن معارك أخوتي الأبدية ، أبي هو المحظوظ ؛ بهذه القرارات ، سيتحرر لأول مرة من قبضة أمي الذي تعتبره كنزها الوحيد ؛ فهي ليست جميلة الجمال الصارخ الذي يقدسه أبي وليس لديها من المال ما يعوضه ، في الحقيقة أنها مثقفة ولكن ثقافتها لا تعني شيئًا لأبي ، لذا استغل والدي الفرصة ، وذهب مع بعض الأصدقاء إلى المصيف ، طبعًا ، أخوتي تحولوا إلى أعدائي ، أتهموني أنني السبب في حرمانهم من المصيف ، و مما زاد الطين بلة حظر الحفلات و الموسيقى وتحويل المنزل إلى مركز تعليمي ، مدرس يدخل وآخر يخرج ، المذكرات تملأ كل الفراغات التي تحيط بي : فوق السرير ، فوق المكتب ، أسفله ، فوق السجادة حتى مذكرة الفيزياء أخذتها معي إلى الحمام لعل يأتيني الإلهام و وأستطيع أن أحلّ مسائل” قانون أوم” لكن كان نصيب المذكرة أنها تبللت بالماء

_” لا تظني شيئًا آخر ، إنه مجرد ماء ” وعلى ذكر الفيزياء ، فقد حضر مدرس الكيمياء ، ها كنسل معاك دلوقت

ياللا باااااااااااااااي صديقتك / مريم

برزخ7

بعدما نجحت في إقناع جدتي ؛ قررت الاحتفال ، ذهبت إلى حقل الكروم كعادتي بعد ري الأرض ، أحفر أسفل الشجر حتى أصل إلى الطبقة الطينية الناعمة اللامعة ، أجمع كتل الطين وأضعها في القصعة ثم أحملها فوق رأسي وأذهب إلى حجرتي الطينية متجاهلة بعض مضايقات الأطفال المزعجين أو أرد عليهم بنقرهم بالحجارة ، كان ما يزعجهم ليس جمعي للطين ولا مظهري الغريب و لا حتى شعري الناري الهائش ، أكثر شيء يزعجهم هو تجاهلي لهم ، يتقربون مني أيام الدراسة ، ليس طلبًا للصداقة ولكن طلبًا لاستغلالي ، لأنني كنت متفوقة في دراستي ، يعتمدون عليّ في كتابة واجباتهم وخاصة حل مسائل الحساب ويغشون مني إجابات كل الامتحانات ، حتى العقاب كنت أتحمله عنهم إذا شاغب بعضهم في الحصة ، يشهدون عليّ زورًا ، كل ما يفعله الأستاذ يقول قولته المعتادة

_” افتحي أيدك”

ويضربني الخمس عصوات ، كنت أتألم في صمت بالرغم من أنني أغلي من شدة الغيظ ، لكنني كنت لا أريد أن أسبب لجدتي المتاعب أو يتطور الأمر ويطلب المدير استدعاء ولي الأمر وعندئذ تستغل أمونة الفرصة وتطلب عودتي للبيت وتتهم جدتي بالإهمال وعدم السيطرة عليّ ، فتقبلت الظلم في صمت ؛ كنت أشعر بالغربة في تلك المدرسة البغيضة ، أفضل السير مسافة ساعتين للبعد عن هذه المدرسة بأقصى سرعة بدلا من انتظاري أمام المدرسة العربة الكارو. وبمجرد رؤيتي ، يتغنون بأغنيتهم اللعينة وهم يتعلقون بمؤخرة العربة ، يقلدون نهيق الحمار ، يحاولون أن يتخطفوا مني المخلة ، يخلعوا فردة حذائي ، يظلون هكذا لمسافة ليست بالقليلة ، ثم يتناقصون شيئا.. فشيئا لا يبق معي سوى القلة الذين يسكنون نفس مزرعة الكروم ، معظمهم من الصبية ، اعتادوا على توجيه الإهانات لي بدون سبب ، بينما الفتيات كن من نسل أصحاب الأعيان ذلك النسل المبارك ، فالأرض في ريفنا لها سلطة أقوى من سلطة الدين ، فمن يمتلك أكبر عدد من الأفدنة ، يمتلك سلطة التشريع لدينا ، يتم اختياره من ضمن أعضاء المجلس العرفي الذي سلطته تعلو السلطة التنفيذية الحكومية بينما المأمور ضيف شرف ومن يترأس المجلس صاحب أكبر عدد من الأفدنة وهو الحاكم الآمر ، ثم تأتي سلطة أمراء الجماعات لأنهم يمثلون الدين ويمتلكون قلوب الفقراء وهم الأكثرية بنسبة 90℅ من جملة سكان القرى والنجوع والذين يتبعونهم ليس من أجل السكر والزيت ، والأرز ، تلك السلع التي يوزعونها في مواسم الانتخابات التي تمكنهم دومًا من الفوز رغم التزوير الذي يتم من قبل الحزب الوطني ، وأيضًا الهبات التي يوزعونها في رمضان والأعياد طلبًا للجنة ، فهم دائمًا في تجارة مع الله ومع البشر؛ لأنهم يبحثون عن شيء أكبر.

Barzkh [email protected]

الفتونة الدينية

مرحبًا أيها البرزخيون

سألت نفسي ” لماذا تنضم أعداد هائلة للجماعات الإسلامية شبه يوميًا حتى صارت محافظة الفيوم تحت إمرة الجماعات الإسلامية المتشددة بينما البقية القليلة التي لا تنضم إليها تظل خائفة صامتة من الطرفين النقيضين أقصد بالطرف الآخر أمن دولة الذي يضطهدهم بتهمة الانتماء للجماعات ، والجماعات يضطهدهم انهم مخبرين لامن الدولة ، وعندئذ عليهم أن يختاروا ” إنهم يمتلكون الدين ونحن أناس فقراء لا نملك شيئًا من متاع الدنيا ، لماذا لا ننضم إليهم ؟ فإن الدين لا يحتاج إلى أفدنة نملكها ولا إلى نسب نفتخر به ، حتى العلم فهم يتكفلون به عنا ، كل ما علينا أن نسير خلفهم ، نفهم الآيات كما يفسرونها لنا ، نحفظ الأحاديث التي يؤولونها وعندئذ سنحصل على السلطة الدينية وهي أقوى السلطات ، نوزع أوراق اعتماد دخول الجنة على كل من يدين لنا بالطاعة وننذر بالجحيم لكل من يخرج عن نهجنا ، أنتم أيها الأغنياء إذا كنتم تمتلكون المال والسلطة الزائلين اللذين يصلان بكما إلى النار ، قال تعالى في كتابه العزيز((إن تَرَنِ أنا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّي أن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ[7] فنحن نمتلك الدين الأكثر قيمة والذي سيجعلنا نرث الأرض ومن عليها كما قال تعالى(( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أن الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [8] لكن كيف الوصول للهدف المنشود ؟ هدف التفوق الديني الذي يؤهلنا لنكون أوصياء على هؤلاء الذين يغتصبون حقوقنا بالرشوة والمحسوبية والانتهازية وغيرها من المصطلحات التي تجعل المال الكثيف قادرًا على كسوف الحقيقة وتهميشنا ” ، تبدأ رحلة البحث عن رجل يمتلك بعض المعرفة الدينية والسفسطة الممغنطة ومدى قدرتها على جذب من حولها أي يمتلك الكاريزما الدينية ، ووجدوا ضالتهم في الشيخ عبد العزيز الرجل الأربعيني ، إنه مهاجر في سبيل الله ، ليس له حسب أو نسب ولا أرض يتفاخر بها عليهم ، أنه مثلهم ، لا يمتلك شيئًا ، يسكن زاوية صغيرة بالقرب من العين يخطب فيها بعد كل صلاة لمجموعة صغيرة من الفلاحين ، لكنه في فترة وجيزة استطاع الشيخ عبد العزيز أن يفوز بقلوب الناس ويأتيه الناس من كل أنحاء المحافظة ، ضاقت الزاوية فأصبح يخطب في الجامع الكبير بالقرية ، فضاق بالناس ، انتقل يخطب في مسجد النور بمركز سنورس ، فضاق بالمريدين ، فأصبح أشهر خطيبًا يخطب في جامع ناصر ( أشهر مساجد المحافظة ) شعبيته في الفيوم ، تكتسح كل من يقف أمامها ، تحول من مجرد مهاجر غريب عابر سبيل إلى أمير القلوب ، يتحدث بطريقة ساحرة ، حسن الصوت ، شديد الوسامة (عدا يده اليمنى المحترقة ) فتن الكثير من النساء ، لدرجة أنهن يعرضن أنفسهن عليه ، فيتزوج منهن ما يشاء ويطلّق أيضًا ما يشاء ، لدرجة أن البعض اعتبره المهدي المنتظر ، من أين جاء؟ لا نعرف ، كل ما نعرفه أنهم يبايعونه أميرًا ، هل اعتبروه أميرًا لجماعة الإصلاح فقط ؟ أم أميرا على الدين ككل ؟ ، ويصبحون هم بدورهم ورثة الدين وعشيرته ” يحاولون أن يحافظوا على تلك المزية نقية لا تشوبها شائبة ، فيتزاوجون و يصادقون من داخلهم وعندئذ تنغلق عليهم دائرة التميز والنقاء العرقي ، بالطبع يستثني من ذلك أمير الجماعة فله السلطة التي توازي سلطة الأعيان والأثرياء فله حق الزواج من أي امرأة ومن أي ملة ، فقد تزوج من مسيحية منذ شهرين ومبرراته أن الرسول (صلى الله عليه وسلم ) تزوج من مارية القبطية ، وهم يوافقونه وهنا يتم تبادل للأدوار فيتحولون من مجرد مهمشين يعملون لدى الأغنياء في أرضهم بالأجر خاضعين لهم، فيصبحون أصحاب سلطة عليهم وإلزامهم بالطاعة و لهم حق الوصاية عليهم

" لا شبهة عليكم إذا ظللتم داخل القطيع ، لكن إذا خالفتمونا سنطبق عليكم سيف الشرع ”

يذكروني بحرافيش نجيب محفوظ ، هل أدركوا أنهم حرافيش الدين ، وأن نجيب محفوظ لمس ما يمكن أن نسميه بالفتونة الدينية ؛ لذلك حاولوا قتله ؟!

Nada [email protected]

Barzkh [email protected]

Cast Away

صديقتي/ فتاة الطين

منذ انضمامك إلى منتدى البرزخ ، وكل برزخياتك مبالغ فيها ؛ ما تذكرينه من المصاعب التي اعترضت طريقك ، تشعرني كأنني أقرأ حكايات السندباد في بلاد العجائب ، تخيلت نفسي ذهبت إلى العصر الحجري في آلة الزمن ، عصر الطبيعة المسيطرة والإنسان( الذي لا حول له ولا قوة ) ، يدق الأحجار لكي يحصل على النار ، يقضي ليله يحلم بصيد ثمين ، أجواء مثل فيلم Cast Away ل توم هانكس ، لكنك احتبست في بيت الكروم اثنين وعشرين عامًا وربما تستسلمين في نهاية الأمر وتتزوجين من الشيخ عبد العزيز ، ما كل هذه الدراما ؟ ! تسيرين تارة على قدميك ساعتين وتارة أخرى تركبين عربة كارو حتى تصلي للمدرسة الإعدادية والمدرسة الثانوية سيارة تويوتا والكلية قطارًا بتذكرة درجة ثالثة ، ما كل تلك المواصلات البدائية ؟ ، فمثلك يحتاج للمخرج خيري بشارة لكي يحول حياتك الواقعية السحرية إلى فيلم سينمائي ، كنت أود أن أعيش معك في عالمك السحري ، أستمتع بحكاياتك كما يفعل أحمد الذي يضرب بك المثل

_” لو كلنا نملك روح التحدي الموجودة عند ندى ، لاستطعنا أن نقوم بثورة”

يظن أنه سوف ينقذ مصر لما ينضم لحركة ما، ويقرأ كتاب الثورة الفرنسية ل لويس عوض ، يا له من حالم ! ويا ويلي من درس المحاسبة ، الولد المعيد على وصول ، كان زميلي في نفس البنش ، حفيظ من الدرجة الأولى كان يحفظ المكتوب على جلدة الكتاب :” تاريخ الطبعة ، الرقم المتسلسل ، عدد الصفحات ” ، وأحمد الخيالي يحكي عن ثورة! ، أتخيل ضحكاتك وسؤالك المعتاد

نعم .. أفضل أن أبقى طالبًا في كلية التجارة على أن أكون متخرجًا عاطلًا ، و المثل أمامك أحمد زعيمنا في” برزخ نت” مازال يجلس في الكافييه التي أعمل بها منذ أربع سنوات ، على نفس الكرسي ، ويحجز الكرسي الذي أمامه يضع فوقه الشهادة ، بجوارها إعلان ” شهادة للبيع ” لم تشفع له كلية اقتصاد وعلوم سياسية ، في ذمتك أليست جلسة البنش وسط الحسان الصغيرات اللاتي يحببن أشعاري أفضل من الجلوس في الكافييه متبطلا ؟؟؟؟

ملحوظة : كنت أتمنى أن أظل في وطني فلسطين حتى لوكنت في وضع أسوأ من وضعك ، أحمد يبحث عن الحرية والعدالة والكرامة وأنا أبحث عن وطن ، أيهما أهم؟ على فكرة سألتني عن سبب انضمامي لمنتدى “برزخ نت ”، هاك جوابي

" لأنهم الوحيدون الذين يعاملونني على أنني مصري من الدرجة الأولى”

الشاعر المغترب/ مازن

برزخ 8

في مرحلة الثانوية قررت عدم الانعزال عنهم ، بل بالعكس حاولت في البداية التقرب إليهم لدرجة أنني كنت أضحك معهم على نفسي ، وأتجاهل سخريتهم من شعري الأحمر الدموي ووصفهم لي “شجرة الجميز المتشابكة ” كنت أقابل ظلمهم باستكانة ، أحتمل تأنيب المدرسين بسببهم عندما يختطفون كراسة التطبيق النحوي ، يغشون منها حل التطبيق ، بل تسببوا في ضربي أكثر من مرة عندما شطبوا اسمي من فوق كتاب الفلسفة، ثم يكتبون اسمها أمام عيني تلك المتأخرة الغبية “هالة” ، دون أن أنبس ببنت شفة ، تحملت وحشية المدرس عندما علم أنني نسيت الكتاب ، ضربني بالعصا بعدد حروف اسمي الثلاثي

_” ندى ثلاثة حروف ، شاهين خمسة حروف ، عبد الرحمن تسعة حروف المجموع 3+5+9 ”

ثم جاءت ثورتي فجأة ، على غير توقع مني أنا شخصيًا ، عندما نعتتني تلك الغبية بالمخنثة

_ ” أحسن حاجة فيك أنك باردة وغبية ، ومهما تعملي لن نعتبرك واحدة منا ، أنت مجرد أرجوزة مخنثة نضحك عليها أوقات ونستغلها أوقات ”

فتحت باب الحمام عليها ، انقضضت عليها وأمسكتها من شعرها وأرقدتها ثم قمت بتعريتها تمامًا ، فتحت فخذيها عنوة ،عضضتها ، نعم.. عضضتها أو بمعنى أدق ختنتها للمرة الثانية ؛ “لأن البنات في الفيوم تختن في سن التاسعة ” علقت بين أسناني جلدة صغيرة ، مزقتها بأسناني ، ثم تفلتها في وجهها باشمئزاز ومسحت فمي في كمي ، كما يفعل مصاصو الدماء عندما ينتهي من ضحيته ، عندئذ شعرت بالهدوء ، تحيرت من نفسي ،واستنكرت فعلتي

_” لماذا تلك الثورة المفاجئة ؟ فقد احتملت ما هو أسوأ

_ ” لماذا اخترت هذا المكان بالذات ؟ ”

ليس لدي أي تفسير

_لماذا تحولت إلى مصاصة دماء فجأة وشريرة لهذا الحد ؟ لا أعرف ، كل ما أعرفه أنني كنت معتادة على التلصص عليها في حمام الطالبات كل حصة ألعاب ( كما كنت أفعل مع أمي ونسوتها أثناء قيامهن بالطقس النسوي ، أراقبها ، تتهرب من شلتها وتدخل الحمام وأنا كنت أتبعها ولم يكن عندي الشجاعة أن أدخل معها أو حتى أشعرها أنني أسير خلفها ، كنت أكتفي بمراقبتها من فتحة الباب التي كسرتها بجوار القفل ووضعت بدلا منها قطعة من جلدة كراسة أعلقها بعلكة ، أظل متجمدة أمام هذا المشهد الفريد؛ لأنني لم أره من قبل ، ينتهي طقسها ولم ينته الشعور الغريب الذي يتخللني ، أشعر بابتلال ملابسي الداخلية ، ما عدا هذه المرة ، اقتحمت عليها الحمام في منتصف الطقس ، سكنت مذهولة كأن ملك الموت جاء يأخذ روحها قبل التوبة ، لم أترك لها رفاهية الخجل أو حتى التوبيخ كما اعتادت معي ، دفعتها فجأة على ظهرها وهي مازالت مستسلمة في ذهول ، انقضضت فوق شيئها و عضضته في شراعه

_” أعتقد أنك أنت هي المخنثة ”

ستتذكره دائما منتفخًا ، شديد الاحمرار ، صبت فوقه زجاجة مياه باردة دون فائدة ، تبكي من الشعور بالامتهان وربما من شدة الغيظ ؛ فهي لن تستطيع تعريته أمام اتباعها لكي تدعمها كما كانوا يفعلون معها في كل مرة أمام المشرف الاجتماعي

_” ندى كاذبة ، هذا ليس كتابها ”

_”لست كاذبة ”

_” تنكري أنك رفضت الزواج من الشيخ عبد العزيز لمجرد أنه طلب منك ارتداء النقاب

_” لا ، أنا رفضت ، لأنني أريد أن أكمل تعليمي ،وأنا أرتدي حجابا”

بناء على شهادتهم يطالبني الأخصائي الاجتماعي باستدعاء ولي أمري ، أضطر إلى جرجرة جدتي التي أصبحت شبه عمياء بعدما أكلت المياه الزرقاء بصرها ، أما اليوم لن تضطر جدتي للتعثر في الطريق ، لن تضطر أن تنحني على يد المدير كي تقبّلها حتى لا يصر على حضور أبي ، اليوم لن تنفعها صحبتها ، لن تدعمها مع إنها هذه المرة محقة كما دعمتها في السابق بالباطل ، عندما طلب الأخصائي منها أن تحدد له مكان العضة ، اصفر وجهها ، بكت من شدة الغيظ ، و أنا ضحكت من كل قلبي ، إنني لأول مرة أخالف التعليمات

_ ” ممنوع الضحك في الفصل ”

ضحكت ولم يحدث شيء ، مازال الطوفان يسكن عهد نوح

_ “ممنوع الكلام في الفصل ”

تحدثت ولم تكف الأرض عن الدوران ، بالأمس كنت أعاقب وأنا مظلومة ، اليوم اعتديت على المتهتكة ” هالة ” ومع ذلك لم أعاقب ، الكل يعرف أنني عضضتها في أكثر الأماكن حساسية ، و لا أحد يتجرأ على الوشاية بي ، منذ ذلك اليوم تعلمت أن أثور لنفسي .

Nada [email protected]

Barzkh [email protected] شهادة للبيع

مرحبًا فتاة الطين

أنا فخور بانضمامك لمنتدى البرزخ ، إنك نجحت رغم الظروف الصعبة أن تكسري حاجزي الجهل والفقر سوف يكون لك دورًا هامًا في حركتنا ، أنت تستطيعين أن تغيري مصير كل البنات في هذا البلد وهذا هو الدور الذي قررت أن أوكله إليك ، أريدك أن تجمعي أكبر قدر ممكن من الفتيات حولك ، إخواتك ، نساء القرى المجاورة ، زميلاتك من المعلمات ، تلميذاتك اللاتي يأخذن عندك درسًا خاصًا ، صديقاتك على كل مواقع التواصل الإجتماعي اللاتي يقرأن منشوراتك و مريداتك على منتدى ” برزخ نت ” اللاتي ينتظرن برزخياتك بفارغ الصبر ، أريد منك أن تتوغلي في أعماقهن ، أريد أن يثقن بك ، أن يؤمّن بكل كلمة تكتبينها ، أريدهن أن يكنّ معك قلبًا وقالبًا ، وأنا سعدت جدًا أن مريم تحبك رغم أنها من الفتيات المسيحيات المتشددات ، أنتما تنبعان من بيئتين متضادتين ومع ذلك أستغرب كم الانسجام بينكما ، أما بالنسبة لأخباري ، كما حكي لك مازن بالتفصيل

_ “والله الولد ده طلع انصح واحد في نادي برزخ نت ”

إليك الإجابة المعتادة

_ ” لا ، لم أحصل على عمل ” ، ومازالت أجلس في ال coffee منذ أربع سنوات ، على نفس الكرسي ، وأحجز الكرسي الذي أمامي لشهادة البكالوريوس ، ربما لو كان تخصصي في الإقتصاد أو عملت دبلومة تدريس ربما لأمن لي عملًا بسهولة ، أخر مكان ذهبت له منذ أسبوعين ، إليك المفاجأة كان محل بقالة (الاسم الحديث له سوبر ماركت ) وِضع إعلان صغير على زجاج المحل “مطلوب واحد بيفهم في الحسابات ” دخلت المحل وقلت لهم تخصصي ، كالعادة تحدث لهم صدمة في أول وهلة ثم يرفضون بابتسامة سخرية

_ ” نفضل دبلوم تجارة والأفضل تكون بنت؟! ”

طبعًا ، ستضحكين؛ ” شر البلية ما يضحك”

كل يوم يمر أسأل نفسي : لماذا لم نقم حتى الآن بثورة ؟ رغم ما نعانيه من تلك الحياة اللا آدمية؟! رغم كل هذا الفساد ؟ ! هل لأننا كما يقولون عنا إننا جيل “سيس” ، نخشى تبعات الثورة ، لا نمتلك آلية التغيير ؟ و التغيير من سمات الأحياء ونحن نرفض التغيير ، نعشق الامتهان ، يتساوى لدينا العزة بالذل ، الفقر والغنى ، العدالة والظلم ، القسوة والرحمة ، كل الأضداد متساوية لدينا ، الكلمة ═ عكسها ، فقدنا حاسة التمييز ، ربما لأن هناك قرية مثل قريتك وأناس مثل أهلك ، أنا آسف ، إنهم يرضون بحياة لا يرضاها الأجانب الذين ترشدينهم آثارنا حتى لحيواناتهم ، لما يرضون الدنيّة ؟!

صديقك أحمد / صاحب شهادة للبيع

ahmed @yahoo.com

[email protected] حياتنا في الفلاحين

مرحبًا يا صاحب شهادة للبيع

طالما اتهمت قريتي أنها إحدى عوامل عدم قيام الثورة ، قريتي تشبه كل القرى ، يسكنها آلاف الفلاحين ، لسنا مهتمين بالسياسية ، لا نستمع إلى نشرة الأخبار ، ليست المسألة حبًا أو كرهًا لأننا هنا في حياة الريف ليس لدينا وقت لرفاهية الاستماع إلى برامج ” التوك شو” التي تشبه دخان السجائر ، يسد القلب ويتلف الدماغ وبعدها يطير فيلوث المكان كله ، ما يهمنا هنا تأمين لقمة العيش التي لا تأتي بسهولة ، يكدح الفلاحون من الفجر حتى المساء ، يجاهدون مع الأرض التي تنبت ما يكفي حاجتهم بالكاد ، يتسامرون أمام بيوتهم حول الأرض التي تمثل مركز الحياة لديهم ( البذور الفاسدة ، نوبات المياه التي يجب توزيعها بالعدل على الرغم من تناقصها يومًا بعد يوم وعندئذ يقعون بين الأمرّين إما أن يتركوا ربع مساحة الأرض للبوار من شدة العطش أو يبحثون عن وسيلة أخرى لتوفير المياه ، يجتثون من قوت يومهم الضئيل لكي يتشاركوا في حفر بئر ، بعد سهر خمسة عشر يومًا من حفر ورفع التراب والطين وترقب المياه التي تعز عليهم ، يرشفونها في شغف ، تظهر عليهم خيبة أمل ، مياهه مالحة تؤذي الزرع وسرعان ما تجف ، لا يهتمون حتى بمعرفة الوقت ، أوقاتهم مرتبطة بالصلوات : يستيقظون على صلاة الفجر ، يعزقون ، يشذبون و ينقون المحصول من الحشائش الضارة ، بعد صلاة الظهر يتناولون الغداء ، ثم يحصدون الغلال والخضروات التي تبيعها النساء في السوق عند آذان العصر ، مع صلاة المغرب يعود الجميع لمساكنهم ، الرجال يتسامرون بعد درس الديني الذي يعقب صلاة العشاء ، يتحدثون عن أحلامهم المؤجلة ” زواج البنت ، زواج الابن ، كسوة العيال” كل ذلك مؤجل لحين حصاد القطن أو جني العنب أو بيع العجل أو حين قبض الجمعية ، يقضون أيامهم بمعونة التموين والسلف من بعضهم البعض وعندما ييأسون يلجئون للربا ، الوقت الوحيد الذي يحرصون فيه على الإمساك بالساعة موعد نوبة الري ، لكنها أيضًا ليست مثل ساعتكم ، أنها ساعة تقيس وقتًا مختلفًا ، يطلق عليه الوقت العربي ، الفلاح يقول لصاحبه :

" سوف أسلمك المياه الساعة الواحدة صباحًا بالعربي تكون بالإفرنجي السادسة مساء” وقد تقام معارك ضارية من أجل خمس دقائق بالنقصان أو زيادة وتعقد المجالس العرفية ويتم تغريم الخاطئ بأكلة سمك أو دور شاي ،كلٍ على حسب مقدرته، كيف تطلب من هؤلاء رفاهية الثورة؟

برزخ 9

كنت مدركة أنني لا أنتمي إلى هؤلاء أو إلى هؤلاء ، فأبي ليس من طبقة كبار الملاك (الأعيان ) وفي الوقت نفسه ليس من المستأجرين ، فجدتي تمتلك فدانين حيث يزرعهما أبي غلالًا متنوعة ، أهم محصول سنوي لديه القطن ، وهناك تسعة عشر قيراطًا في مزرعة الكروم ، قسمتهم جدتي إلى خمسة أحواض زرعتها شجر كروم تفصل بين الأحواض بأشجار المانجو و بعض شجيرات التين الشوكي وأما شجيرات الزيتون تنمو على أطرافهم كسياج حماية من عبث العابثين ، وفي الوقت نفسه توزع ثمارهم على الأقارب والفقراء رحمة على روح زوجها وبنات ابنها الوحيد شاهين اللاتي متن وهن صغيرات ؛ اختيارها لزراعة أشجار الثمار بدلًا من الغلال ، نظرًا لقلة المياه فهم لا يحتاجون سوى الري على فترات متباعدة بالإضافة لا يتطلب الكثير من الرعاية عدا الشهرين قبل الإثمار؛ استعدادًا لموسم الحصاد من رش وتقليم الأشجار ورفع السقيفة وتجديدها حتى تحميها من أشعة الشمس ؛ لذا تقوم جدتي باستئجار بعض الفلاحين لتلك المهام التي تحتاج لجهد عضلي وسوى ذلك نقوم أنا وهي بجميع المهام الأخرى ” الحصاد ، تنظيف الأرض ، قطف أوراق العنب وبيعها في السوق وحراسة العناقيد من المتطفلين ” سواء كانوا من الطيور التي تنقر جميع العناقيد فتفرغها من حباتها أو من عصابات الأطفال المتطفلين الذين يختارون العنقود الناضج الممتلئ ثم يقذفونه بالحجارة ، فكانت مهمتي الأساسية حماية عناقيد العنب مثل خيال مآته، لكنني خيال مآته متحرك ، أمسك بالحجارة في يد وفي اليد الأخرى منجلًا ، وكانت تلك المهمة تنتهي عندما يأتي تاجر الجملة ويشتري المحصول ولكن يحدث ذلك بعدما أتحول في نظر الأطفال إلى أمنا الغولة وعدوة الطبيعة بالنسبة للعصافير والغربان التي يسقط بعضها ضحايا للحجارة التي كنت أقذفها عليها ثم تبدأ مهمتي الأكثر صعوبة حيث أتسلق أشجار التين الشوكي كي أجمعه في الفجر لأن الشوك يكون لينا مع قطرات ندى التي تسقط عليه ، ومع ذلك يتمزق جسدي بأشواكه أثناء جمعه ، وتقشيره ، فمعظم الناس يشترطون عليّ قبل شرائه أن أقوم بتقشيره لهم ، ومع ذلك كله يهون في سبيل توفير مصاريف دراستي في الثانوية وتحقيق حلمي بدخول الجامعة ، بالإضافة أنني استفدت من تلك الأشواك، فلولا تلك الأشواك التي انغرست في جسدي ، لما حصلت على صندوق جدتي الأثري الذي أصبح صندوق أسراري ، و لما صنعت لي جدتي أول حقيبة مدرسية قماشية وضعت فيها كتبي ، تلك المرأة العجوز التي حاصرت عينيها المياه الزرقاء استطاعت أن تنقذ مستقبلي عندما خلصتني من العريس الذي كان أبي يصر على تزويجي له وأنا في سن الحادية عشر

_ ” اللي نصرفه على تعليم البنت ؛ نجهزها بيه ،هاياجي راجل ياخدها ع الجاهز ، يبقى احنا استفدنا ايه ؟ ”

أخذتني جدتي لمنزلها في مزرعة الكروم عندما أصبح شرفي معروضًا في السوق لرائح والعائد ولم تجبرني على الزواج من الشيخ عبد العزيز وطردت ابنها الوحيد من أجلي ودخلت في حرب مع أمونة دون أن تضع أهمية مقاطعتهم لها

_ ” أمك فسدت البنت دي بدلعها لها ولازم نلحق الباقي”

حلفت جدتي عشرات الأيمانات أنها لن تعود لمنزل أمونة ولا للقرية كلها ، لم تكن تدري أنها ستضطر يومًا للعودة له مرة أخرى بل الموت فيه من أجل أن تنقذ مستقبلي للمرة الثالثة ، فدفعت حريتها ثمنًا لتحقيق حلمي.

Nada [email protected]

زيارة منزل ندى

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

ملأ الشك قلبي ، اتفقتُ مع كل أعضاء نادي البرزخ بالبحث عنك ؛ تربطنا معًا علاقات أقوى من اختلاف الدين ، يربطنا الهدف المشترك الذي جمعنا معًا ، حب الوطن والرغبة في تغييره ، يربطنا الحب الذي وقعنا فيه نحن الاثنتين في حب اثنين يجمعهما التفكير الثوري ، ذقنا معًا مرارة خيبة الأمل ومرارة الفراق لحبيبينا ، يربطنا معًا الرغبة في استعادتهما ، فقررت أن أبحث عنك في قريتك بالفيوم ، قضيت الساعة ونصف بالسيارة ، أسترجع أول لقاء بيننا ، لم نكن رأينا بعضنا البعض أبدًا قبل الثورة رغم الرسائل المتبادلة بيننا ، لكنني توثقت علاقتي بك من خلال برزخياتك ، وعندما التقينا في ميدان التحرير لم أستطع أن أربط بينك و بين الصورة التي رسمتها لك ، كيف تمتلكين كل هذا الجمال وفوقه السطوة الطاغية في الحكي لتجعلينا جميعًا ملك يمينك ؟ كنت في البداية أستغرب أن الشيخ عبد العزيز يحبك لهذه الدرجة بالرغم من أن لديه من النساء الكثيرات لكن عندما رأيتك عرفت الجواب ، يا لك من سالبة للعقول والقلوب معًا ! ، وصلت إلى منزل أبيك ، منزل فسيح ذي ثلاثة طوابق ، له أثاث عصري مثله مثل أي شقة فاخرة عندنا في القاهرة ، أجلستني امرأة في حجرة الصالون تشبهك لكنها في منتصف عقدها الرابع جميلة ، ذات غمازة تتوسط ذقنها الصغير ، وجهها قمري مشرق وقامة فارعة وضحكة جريئة ينطبق عليها وصفك لأمك أمونة وعرفت لماذا لا تناديها بأمي ؟ ؛ أنها لا تبدو في سن ينجب ابنة في مثل سنك ، إن جسدها يفيض شبابًا وحيوية لكن ما لفت انتباهي تذكري لعبارتك التي قالتها أمونة عندما أرادت أن تصفك ، فقالت عنك ” إنك تشبهينها في الجزء الشيطاني من شخصيتها وزينب تشبه الشق الملائكي منها ” لا أعرف لماذا وصفتك هكذا؟ ؛ لأنني طالما رأيتك قديسة ، لكنها على حق من حيث درجة التشابه بينكما تصل إلى حد التطابق ؛ فأنتما تمتلكان نفس العيون اللازوردية والشعر الأحمر الكثيف الطويل والوجه الأبيض المستدير لكنك قصيرة نوعًا ما إذا قورنت بها وهي سمينة وخاصة في الجزء السفلي ، كما أن شخصيتك تختلف كثيرًا عنها، فهي مثيرة وأنت هادئة ، هي شهوانية وأنت باردة ، لا تغضبي لا أقصد باردة بمعناها القبيح ، أقصد أنك غامضة في الإفصاح عن علاقاتك الجنسية ، قابلتني بابتسامة مرحبة ، سألتها عنك

_ “أين ندى ؟” فأنا صديقتها من القاهرة ، قلقت عليها عندما لم ترد على رسائلي ”

تركتني و اختفت في الداخل ، ظننت أنها ستخبرك بمجيئي ، فانشغلت بالتليفون ، أتصفح مناقشات منتدى برزخ نت

_”يجب أن نقتص لأحمد ، مازن ، ندى ، غيرهم المئات حبيسي السجون ”

مريم المجدلية

Barzkh [email protected] تأسيس منتدى “البرزخ ”

مرحبًا أيها البرزخيون

يسعدني الانضمام إلى منتدى ” البرزخ ” ؛ إنه مميز؛ سوف يساعدنا على تغيير أنفسنا وواقعنا ويسعدني أن أكون أول فتاة تقوم بالتجربة وسوف أبذل قصارى جهدي لنجاح هدف المنتدى ، وفكرة الاتصال عن طريق الرسائل فقط تناسبني ؛ لأنني لا أحب الكاميرا ، أما المرفقات الصوتية التي سوف أسجلها في المقابر سوف أرسلها إليكم بالتدريج ( مرقمة)

_”اضغطي على أيقونة ” التعليمات ”

ضغطت على أيقونة الدخول ، أبدع أحمد بمساعدة مازن في تصميم صفحة الدخول عبارة عن مقبرة ، ثم تنفجر كأنها تعرضت لقنبلة نووية ، تفتح أبوابها على عاصفة تُطيّر الجثث ، الجماجم ، وتهشم العظام ، ثم تهدأ العاصفة شيئًا .. فشيئًا ويظهر سهم أحمر على غطاء تابوت مازال مغلقًا ، تضغط على رأس السهم ، ينفتح ، تظهر جثة ذات فم مفتوح تسيل منه الدماء ، تضغط فوقه ، ينتفض الميت جالسًا فجأة ، يفتح عينيه ، ينطق

_ “مرحبًا بك في عالم البرزخ ”

وافقت ، ضغطت فوق فمه ، ينفتح كأنه دوامة من الدخان الأسود تشبه الثقب الأسود الذي يجذبك إلى أسفل وتظلم الشاشة لمدة 30 ثانية ثم تضيء بضوء متقطع أحمر قاني ثم جاءت رسالة إدارية أخرى

_ ” قبل التسجيل عليك قراءة الشروط أو العودة إلى الصفحة الرئيسية”

بدأت أقرأ الشروط بسرعة ، أريد الإنجاز

1- السرية التامة؛ ممنوع أن تدعو لنادينا من خلال صفحتك على الفيسبوك

2- الدخول بالاسم الحقيقي والرقم القومي ، سنتحقق من ذلك من خلال صورة من بطاقتك الشخصية التي ترسلينها على الواتس على رقم التليفون 2001100036978 + عندما نتحقق من صحتها سوف نرسل الموافقة

3- اللقب اسم الأم كمثال

_” ندى ابنة أمونة ” هذا أسوء شرط يمكن تنفيذه

4- لابد أن تخوضي التجربة بصورة حقيقية أي ستموتين اسبوعيًا ، بمعنى أنك تدفنين نفسك في مقبرة جديدة لمدة ساعة قبل صلاة الجمعة ، تسجلين فيها برزخياتك

_ ” أنا معتادة على زيارة القبور مع زينب أختي ولما ماتت كنت أزورها قبل صلاة الجمعة لكي أتحدث إليها ،سأذهب فجرًا وأنزل المقبرة التي قامت ببنائها جدتي لكي تدفن فيها بعيدا عن أمونة ، سأسجل فيها برزخياتي”

5 - منتدانا يحرم الحب ، فالموتى لا يحبون ؛ ليس لنا أجساد ، أو شهوات

_ الشرط يناسبني ” أنا ضد الحب بكل أنواعه شهواني أو روحاني”

6- لا تتم مقابلات بين أعضاء المنتدى إلا مع المؤسسين في ظروف طارئة ، بعد الاستئذان

_ إذا وافقت على الشروط ، عندئذ اضغط على أيقونة.. موافق

ضغطت على أيقونة موافق ،عندئذ جاءني رسالة ترحيب

_” مرحبًا بك في العالم البرزخي”

برزخ 10

وأنا في طريقي إلى المقابر( لكي أنفذ شرط منتدى البرزخ وأسجل أول برزخياتي ) تذكرت أختي زينب التي كانت معتادة على زيارة قبر أخواتي كريمة وعنايات والإجهاض الذي اسميته ” زينات ” ، تقرأ الفاتحة ، تغرس سعف النخل الأخضر و تسقي شجر الصبار الذي زرعته أمام المقبرة وعندما سألتها عن السبب

_” علشان يخفف العذاب ، بس عذاب إيه دول ملايكة”

تتنهد وهي تجمع بعض أوراق الصبار الإبرية ثم ترجع للمنزل لتواجه غضب أمونة

_ ” انتي مش هاتبطلي تروحي القبور ،" ده فال مش حلو ”

ترد عليها بابتسامة

- “أختي عنايات زارتني في المنام وكانت بتبكي ، عايزاني أرضعها ”

تهز أمونة رأسها في حزن، تضرب بكفيها عليها ؛ كأنها تقرأ مصير ابنتها

_ “هي.. ، ها تفضل وراكي لحد .. ”

ثم تصمت ، ينقبض صدرها ، تصرخ في وجهها

_ “غوري من قدامي ”

زينب تحتضن أمونة من الخلف في غفلة منها وتقبّل رأسها ، تجتذبها أمونة ، تزرعها في حضنها الواسع القطيفي ، تتأمل ملامح زينب الطفولية البريئة ، تمسد شعر زينب المتموج النحاسي ، تقع عينيها على السماء المختنقة بكتل من الغيوم السوداء في عناقيد ضخمة ، تتفل في صدرها

_ “ربنا يخلف ظني ”

تدخل زينب حجرة الحاصل ، تمسك بيد الهون النحاسي الذي تملأه أوراق الصبار ، تدقها ، تهرسها ثم تصفي العصارة اللزجة بقطعة من الشاش ، تخزنها داخل زجاجة وفي كل صباح تدهن به شعري ، أتأفف من رائحته النتنة ومن لزوجته التي تشبه المخاط الذي يسيل من الأنف ، أكوام الذباب تعشش فوق رأسي ؛ أهم بغسله ، تصرخ زينب في وجهي ، تمنعني من غسله لمدة ساعتين

_” ده ها يخلي شعرك كثيف وطويل زي سباطة النخلة ”

تسيل عصارته فوق وجهي ، أمسحها في شعر نجاة التي تغتاظ ، فتمسح كلتا يديها في فروة رأس زينب

_” طيب ما تحطيه في شعرك ”

تضحك زينب

_”شعري مش محتاج ، قريب ها اتجوز ولما اخلف بنت ها ادهن شعرها زيكم بالصبار ”

تحتضنها نجاة

_” خلفي ولد أحسن لك ، علشان ما تبقيش زي أمونة ؛ تقضي حياتك في الحمل والولادة ”

ابتسمت زينب ابتسامتها الراضية

_” ما اعتقدش إن حياتي ها تبقى طويلة ، وعلى العموم اللي يجيبه ربنا نعمة ”

في النهاية ماتت زينب دون أن ترى ابنها الوحيد ، لم أكن في حاجة للبحث عن مقبرة جديدة لأن جدتي انتهت من بناء مقبرة جديدة بجوار المقبرة التي دفنت فيها زينب ، جدتي قررت أن تدفن وحيدة في مقبرتها الجديدة

_” مش عايزة أتقابل مع أمك تاني لا في دنيا ولا في آخرة ”

لم تكن تدرك أنها ستقضي آخر أيامها بين يدي أمونة ، عندما استأذنت جدتي أن أدفن معها

_” أنت ها تقرفيني في دنيا و آخرة ”

لكن في النهاية وافقت ، إذن من حقي أن أقضي الساعات البرزخية التي اتفقت عليها مع رئيس المنتدى في تلك المقبرة ، في النهاية ستكون منزلي الأخير ، بمجرد أنني نزلت القبر وأغلقت الباب خلفي ، دثرني الظلام من كل الجهات ، قيّد روحي ، سحق إرادتي ، شعرت بالموت يترصد بي ، طفح الغثيان من فمي ، كأنني ألفظ روحي ، أنها تنسحب من جسدي شيئًا.. فشيئًا تنسحب من ساقاي فلا أستطيع الوقوف ، أسقط فوق الأرض التي تضمني ، كأنها تهرسني ، أستسلم لها ، أمدد جسدي ، أشعر بأن روحي تبلغ الحلقوم ، أغمض عيني ، يتردد بداخلي قول الله تعالى ” ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَانتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾[9] بدأت مشاهد حياتي تتجسد أمامي بذاكرة حديدية ، لم تنس صغيرة ولا كبيرة ، بدأت أسجل بدقة ما حدث معي ، رأيت نفسي وأنا طفلة في الثانية عشرة تجمع الطين من أسفل شجر الكروم ، ثم اضطربت المشاهد ، فرأيت نفسي مع أختي زينب و فجأة يعترض طريقنا رجل يشتري لنا البوظة، رأيت الرجل صاحب الخرطوم وهو يدسه في فمي ، رأيت نفسي معروضة في السوق كجارية ليتأكد سيدها من بكارتها ، رأيتني و أنا أعض أم شحاتة في حلمة ثديها الأيمن و أختطف منها الرضيعة التاسعة ، ثم وأنا أقتحم الحمام على زميلتي هالة وأعضها في شيئها ، رأيت والدي عندما رفض دخولي كلية سياحة وفنادق وصمم على كلية التربية ، ثم أعود طفلة في الثامنة ، أجلس في حجر جدتي ، تمشط لي شعري وهي تحكي لي

_” عن وصية ميت طلب من أولاده أن ينام أحدهم معه في أول يوم دفنه ويحضر معه الحساب ، لكن أولاده جميعًا خافوا ، بحثوا عن شخص غريب ينفذ الوصية في مقابل أن يعطوه صندوقًا من الذهب ، وافق الحطاب الفقير على أن يؤنس الميت في أول يوم له في القبر بشرط أن يأخذ معه صندوق الذهب .

_ ” وبالفعل نزلت القبر مع الميت وفي حضني صندوق الذهب انتظر معه الحساب ، وفجأة رأيت الصندوق يتحول إلى كتلة من النيران تتطاير منه العملات ككرات من النيران تعلو وتهبط فوق جسد الرجل الميت تحرقه بنيرانها ، استمرت هكذا حتى فرغ الصندوق من القطع الذهبية التي ارتشقت جميعها مشتعلة في جسد الرجل الميت ، ثم جاء الملكين لكنهما تركا الميت و شرعا في محاسبتي”

_ قبل أن تجمع الحطب سألت عن صاحب الأرض؟ هل استأذنته قبل أن تجمع الحطب من أرضه؟

_...................................

_ وأنت تقطع الحطب من الأرض ضربت الفأس بعنف ؛ ألم تسمع تأوهات الأرض ؟

_...................................

_ أليس لديك رحمة بالأرض التي خلقت منها ؟ ألم يكن لديك رحمة وأنت تمزق بطنها بكل قسوة فهذا جزاؤها هي التي منحتك جسدك ، ووفرت قوتك ، تلك الأرض رفعتك فوقها وإليها تعود

_...................................

_ لماذا استغليت حاجة الأرملة و بعت لها الحطب بثمن غال؟ ألم ترأف بحال أولادها ؟ تلك الجنيهات التي أخذتها عن طريق الجشع كانت سوف تكسو بها أولادها

_...................................

_ في أي شيء أنفقت أموالك التي كسبتها طيلة سنواتك الثلاثين ؟ هل أعطيت حق الله في هذا المال للفقراء والمساكين ؟

_...................................

ظل الملكين طيلة الليل يحاسبانني ، ولا أجد إجابة ، والمال الذهبي مشتعلًا يعاود مرة أخرى إحراق جسد الميت ، هكذا حتى جاء الأولاد صباحًا وفتحوا المقبرة عندئذ رجعت القطع الذهبية إلى الصندوق، فأخذت الصندوق وأعطيتهم إياه

_”حد الله بيني وبينكم ؛ أنا مجرد رجل فقير حطاب ، وحاسبوني على فرع الشجرة المرمي في الأرض ، أمال أبوكم هيعمل ايه؟ أنا شوفته وهو بيتحرق بيه ”

استمر يردد الدعاء حتى اختفى

_”لا إِلَهَ إِلا انتَ سُبْحَانكَ اني كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”

Nada [email protected]

أنا مجنونة

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

انتظرت ما اعتقدتها “أمونة” حوالي نصف ساعة ، وحاولت الانشغال في قراءة التعليقات في المنتدى ، لكنني شعرت بالضجر والإحساس باليأس أن كل حاجة أقوم بها تأتي بالفشل ، داخلني شعور أنني لن أراك أبدًا ، ناديت عليك بصوت عالٍ ، كأنني أحاول أن أطمئن نفسي وأبعد عني ظلام التشاؤم الذي يسيطر على حياتي بعد رحيل مازن

_ “لا فائدة ”

وأنا أردد تلك العبارة دخل عليّ رجل في أواخر العقد الخمسيني ذو شعر أشيب ، بشرته كانت في الأصل بيضاء لكن لوحتها أشعة الشمس بعيون عسلية تشبه لون حبات القمح الطازجة ، طويل القامة ، نحيل مثل عود قصب السكر الجاف ، جلس في مواجهتي وبدأ يستجوبني كأنه ضابط أمن دولة ، استغرب جدًا عندما أخبرته عنك ، أشعرني والدك بأنني شخصية مجنونة ، أتحدث عن شخصية ليس لها وجود ، وعرفت منه أن لديه ابنة وحيدة اسمها “هالة ” ، زوّجها بعد حصولها على الثانوية العامة ( منذ أثنى عشر عاما ) من صاحب معرض سيارات ، وهي الآن تعيش في بندر الفيوم مع ابنها وزوجها حياة سعيدة مستقرة ، وعندما سألته عن ندى التي وصفت كل شيء بدقة داخل المنزل وخارجه ، أحمر وجهه غضبًا ، وبدأ يضرب يديه بمسند الكرسي الذي كان يجلس فوقه وهو يستغفر ، لكنه همس مقتربًا مني ونظر لي كأنني معتوهة

_ “إن ندى هذه ليست لها وجود إلا في خيالك ، ولا أعلم من أين أتيت بهذا الاسم؟ ”

وعندما سألته عن جدتك قال:

_” إن أمي توفيت وأنا طفل صغير ، فكيف تعرفين أمي لكي تسألي عنها؟ ”

وعندما سألته عن بيت الكروم الذي طالما وصفته لنا بأنه ملاذك الأخير للهروب من معاملتهم القاسية لك ، نظر لي باشمئزاز

_ ” لم نمتلك أبدًا حقل كروم وليس لدينا أرض وأنا في الأصل لم أعمل فلاحًا قط ؛ كنت أسافر لدول الخليج ثم استقريت وعملت مقاولًا معماريًا ”

أثناء حديثه ، اقتحم مجلسنا صبي عمره أحد عشر عاما ، جلس بجوار أبيك وهو يناديه “جدي ” أحاطه أبوك بذراعه الأيمن ، ووضعه في حجره بتمهل كأنه بلور قابل للكسر ، ذهلت عندما تأملت الطفل ، أنه يشبهك كثيرًا ، له شعر أحمر ، وعيون لازوردية ، لاحظت في نبرة صوته ومشيته هدوءًأ حزينًا ، كان يتأملني في صمت ، كأنه يبحث عن شيء عزيز عليه لا يمكن استرجاعه (نفس الوصف الذي وصفته لآدم ابن زينب أختك ) عندما سألته عن الطفل ، استشاط غضبًا وتحول هدوءه إلى ثورة عظيمة لدرجة أنه اختطف مني كوب الشاي وطردني

_” أنه آدم ابن ابنتي ، اذهبي.. ابحثي عن نداك تلك في مكان آخر ولا تزعجينا مرة أخرى ”

احتضن الطفل الصغير بشدة ، أشعرني أنني أحاول اختطاف حفيده

مريم المجدلية

Nada [email protected]

Barzkh [email protected] فيضان الفقر

مرحبًا فتاة الطين

يبدو أنك فهمتني خطأ ، فأنا لا أقصد الإهانة ، ولا أحب أن أكرر الجملة الإعلامية الاستهلاكية ” لولا الريف لما استطعنا نحن نعيش في المدن” أنت تعلمين أن لي جروبًأ كبيرًا من أهل الصعيد ، أنت أكبر دليل على ذلك ، أنت من أقصى نجع ، داخل أقصى قرية ، داخل الفيوم ، ومع ذلك أنت صديقتي المفضلة ولولا أنني لا أريد مخالفة بنود منتدانا لكنت لاستبدلته بلفظ آخر أكثر حميمية ، كل ما يحدث لكم ولنا ، ليس ذنبنا ، فهنا في العاصمة حالنا أسوأ بكثير مما عندكم ، فلدينا هنا سكان المناطق العشوائية ، يعيشون في عشش تشبه الزرائب ، بل هناك من لم يستطيعوا أن يحصلوا عليها ، فلجئوا لعالم الأموات ، وسكنوا القبور ويعيشون فيها فعلًا الحياة البرزخية ، خدعونا من قالوا:

إننا نعيش في القرن الحادي والعشرين ، بل إننا نعيش في القرون الوسطى ، من يبحث عن حريته أو يطالب بعدالة اجتماعية فهو ساحر مهرطق ، هؤلاء الأجانب الذين تصطحبينهم وتتوهمين نفسك أنك من زمنهم ، عفوًا ، عزيزتي ، الهوة الحضارية التي تفصلك عنهم أكبر من المحيط الهندى ، ربما نتشابه في أن كلينا في نفس السنة 2010 لكننا نختلف في طريقة معايشتنا لها ، هم يتسابقون مع الزمن ونحن نتسابق في التأخر عن الزمن ، كل هذا ذنب السلطة التي عميت عن أهل الصعيد بأكمله وعن المناطق العشوائية وسكان القبور وجعلت ملأ أعينها واجهة المدن ، من لهم مصالح معها ، من يملئون بطونها ، ويطمسون أعينها ، من يملكون شراءها وبيعها يجب أن نقضي على النظام الأوليجاركي[10] الذي يحاول فيه رجال الأعمال السيطرة على هيئات ونظم الدولة ، أما السواد الأعظم يقع تحت خط الفقر وأكثر نكات الشعب المصري المعروف بخفة الدم ، أنهم ينتخبون الحزب الوطني بنسبة 97℅ تعبيرًا منهم عن امتنانهم على حالة الفقر المدقع الذي يعيشونه ، الفقر مثل الفيضان إذا تجاهلناه اليوم ، غدًا سوف يتحول إلى قوة مدمرة ، تجرفنا إلى الهاوية ، لكنني أتساءل ما الذي سيوقفه لو حدث ؟ وما حجم التدمير الذي سيحدثه ؟

صاحب شهادة للبيع/ أحمد

برزخ11

قد وصفت لكم بيت جدتي من الخارج كشجرة كروم عملاقة رغم صغر مساحته كان عبارة عن حجرتين وصالة ، الحجرة المظلمة تستخدمها كمخزن تطلق عليها ” الحاصل ” حجرة منخفضة في باطن المنزل ، تشبه البدروم ، لكنها جيدة التهوية بها شبابيك كثيرة ؛ يخزن فيها كل احتياجات البيت من حبوب ، بلح ، جبن ، سمن ، دقيق ، مناخل ، أدوات الخبز من مطارح ، ماجور للعجين ، صواني كبيرة ، وكل ما تخاف عليه من أواني نحاسية ضخمة يتم تبيضها حيث تستخدم في طهي الذبائح وطبخ كميات كبيرة من الأرز أو الخضروات في المناسبات المختلفة مثل الاحتفال بالعيد الأضحى ، الأفراح ، الختان ، النذور ، كذلك تخبئ في الحاصل مقتنياتها الذهبية وأموالها داخل أماكن غير متوقعة مثل الجرار الفخارية أو أكياس الدقيق ، أيضًا تخزن فيها جدتي ممتلكاتها الآخروية ؛ اشترتها في نفس اليوم الذي تركت فيه منزل أبي ، اشترت لها كفنًا فاخرًا: يضم أثوابًا من الأقمشة الحريرية ، القطيفة ، الستان والدبلان ، بالإضافة للصابون المعطر والعطور الفاخرة ثم أوصت أحد الجيران الذي سيذهب للحج أن يشتري لها مفرشًا قطيفة وبطانية الدب 8 كيلو وأعطاها كهدية قطعة من كسوة الكعبة ثم دست بينهم مبلغًا من المال يتكفل لها بإقامة سرادق وإحضار قارئ معروف ، ثم وضعت بينهم النفتالين وخزنتهم بأحد الصناديق

_ ” علشان لما أموت ما يحملوش هم خرجتي ، زي ما دخلتها عزيزة ؛ لازم اطلع منها عزيزة”

بدأت تنوح على نفسها

_ “أمك مش ها تندب علىّ و لا ها تلطم الخدود ولا هتحط التراب والوحل ع راسها ، أنا عارفاها قليلة الأصل ، لو كان فيه ندابين زي زمان ، كنت اتفقت معاهم ، بس للأسف مافيش ،هاتندبي عليّ انتي ،أنا عارفة أنك كمان مش ها تعمليها ،هاتتكسفي ”

سأتركها تبكي وأستكمل لكم وصف أهم جزء في المنزل ألا وهو الصالة الواسعة المضيئة طيلة النهار بضوء سماوي نابع من مصباح الشمس الإلهي الذي يقتحمها من خلال كوات ( عبارة عن فتحات مربعة ، مساحة كل واحدة منها أربعين سنتمترمربع ) تخترق جوانب السقف ، بالإضافة إلى ثلاثة شبابيك تحتل منتصف الجدران ، تطل على الحقل الكروم تقوم بتكييف الهواء الرباني فتجعله باستمرار نقيًا ، مثلجًا طازجًا ، محمّلًا بروائح المانجو ، الليمون والنعناع ، بينما في الليالي القمرية ، تتسرب إليها خيوط القمر البيضاء اللينة على استحياء ، وفي باقي الليالي يتألق فيها بريق فضي ينبع من أسراب النجوم التي تطل علينا من الكوات الأربعة تهدهد نومنا ، نستعمل الصالة لكل شيء يمكنك أن تسميها حجرة صالون بها كنبتان من الخشب الزان مبطنة من كل الجهات بالقطن البلدي المكسو بقماش من الستان الأحمر القاني تستقبل جدتي فيها الضيوف يتراوحون بين تجار الكروم والمانجو الذين يساومونها على ثمن المحصول بالإضافة لبعض الفلاحين الذين يتشاجرون على نوبات المياه ويحكمونها لرجاحة عقلها وحسن مشورتها ، منهم أبي الذي صالحها ويأتيها سرًا من وراء أمونة التي حرمت على نفسها زيارة جدتي، قبلت جدتي يدها ، وتنهدت بارتياح ، كأن حملًا رفع من فوق صدرها

_” الحمد لله انها جات منها”

وأخواتي أيضًا يأتينها سرًا عندما يردن حبات من الليمون ، بعض جذور النعناع أو في موسم جمع العنب حتى يأخذن حصتهن ، أما جاراتها الفلاحات يعرجن على جدتي قبل الذهاب إلى السوق لبيع بضاعتهن من الجبن والزبد والخضروات الطازجة ، يا ويل إحداهن إن فكرت أن تذهب دون أن تقول جملتها المعتادة لجدتي

_” لازمك حاجة يا خالتي قبل ما أوديها للسوق؟ ”

تفحص جدتي البضاعة ، تشتري أحسنها ثم تتركها تذهب مع سيل من الدعاء

_” ربنا يفتحها في وشك وترجعي مجبورة ”

ولو تجرأت إحداهن كما حدث مع زوجة أبي الحارث التي ذهبت إلى السوق سرًا دون أن تعرض بضاعتها على جدتي

_”دي بتفعصها وبتاخد وش الطبق بأرخص الأسعار ”

عرّضت نفسها للسان جدتي الذي سلقها بالشتائم المرة وأشاع الشائعة ، كسدت بضاعتها

_ ” كرنب نجاح زوجة أبي الحارث، بتعمل عليه تعاويذ مسحورة في الكنيسة ؛ اتسببت في موت عيلة في مدينة سنورس ، واللي عايز يأذي نفسه يشتري منها ” .

ثارت النسوة التي حولها وشتمت زوجة أبي الحارث ، وقررن مقاطعة بضاعتها ومحاصرتها حتى تخرج من المزرعة كلها ، بدأت تبكي على العائلة التي ماتت في مركز سنورس ، ونسوان المزرعة حولها يبكين ، انحنيت على جدتي بعد أن جاهدت أن أكتم ضحكتي التي تريد أن تتفجر

ـ_ ” جدتي انت كده هاتتسببي في حدوث فتنة بين المسلمين والمسيحيين ، تعالي قوليلي من أين أتيت بكل هذه الدموع الكاذبة؟ ”

_ ” اسكتي ، انا بس هاعلمها الادب، وهاوقف حالها ،وإذا كان ع الدموع ساهلة تذكرت جدك وأخواتك البنات اللي ماتوا ”

عندئذ ضاعت ضحكتي وبدأت أبكي بمجرد تذكري لزينب ، في بداية الأسبوع الثالث بعدما عرفت زوجة أبي الحارث سبب كساد بضاعتها جاءت إلى جدتي تطلب منها العفو ومعها واحدة من الكرنب الطازجة ، الخضراء ، أمسكتها جدتي ، قلبتها بين يديها ، وبدأت تفحصها يمينًا ويسارًا ولامست أوراقها الخضراء الطازجة ، اللينة و قضمت إحدى عروقها ودغدغتها ثم تفلت ، فهي لا تأكل شيئًا ما دامت لم تشتره ، سألتها جدتي بعينين نصف مغمضتين ؛ تلك عادتها عندما تغضب من إحداهن ، تغمض عين وتضيق أخرى وتغطي فمها بطرحتها السوداء الحريرية

_” ودي بكام يا بيضة؟”

_ ” هدية ، النبي قبل الهدية ، أوعي تصدقي إن الكرنب بتاعي ملعون ”

تنظر إلى جدتي نظرات اتهام مملوءة بالحقد العاجز ، ثم تستكمل كلامها

_ ” دي واحدة بنت حرام طلعت عليّ إشاعة ، وقفت حالي وانت عارفة يا أم شاهين جوزي اللي بيجيبه على قد سجايره ، لما حالي يقف ، عيالي هايكلوا منين؟ ..من الحيطان؟”

ارتسمت على وجه جدتي مسحة من الحزن عندما تشعر بالذنب ؛ تثور ، تصرخ في وجه المرأة

_ ” ربنا هو الرزاق ، انت مجرد سبب ، قولي لجوزك ياخد ندى في سكته ع الكارو مش ها يخس ولا الحمار ها يهرب” ، رجليها اتبرت من كتر المشي للمدرسة الإعدادية

قفزت المرأة فرحة ؛حيث تم عقد الصفقة بنجاح ، وهكذا أمنت جدتي وسيلة نقل رخيصة لي ، توفر لي بعض الوقت وأن كانت غير مريحة ، سأترك جدتي تفكر في شائعة أخرى تقضي على الشائعة القديمة تصلح بها ما أفسدته وهي بارعة في نسج الشائعات والحكايات

_ ” عارفين نجاح (بنت اصول ) أبوها عيسى ( تتقدس روحه) لما حماتي حميدة قطعت عني المية وصل لي خرطوم طوله تلاتين متر وقال لي خدي المية اللي انت عايزها ”

Nada [email protected]

البحث عن منزل الكروم

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

خرجت من عند أبيك وأنا مشوشة تمامًا ، جلست على الرصيف أمام سيارتي لا أدري ماذا أفعل ؟ ” هل كنت تخدعيننا طيلة هذه المدة ؟ هل دخلت المنتدى باسم مستعار؟ لكن كيف؟ لا يمكن لمخيلة مهما كانت واسعة أن تصف بكل تلك الدقة ، أن تجعلنا نبكي معها ، نتألم معها ، انتفضنا وثرنا بسب مقالاتك التي ألهبت حماسنا ، برزخياتك التي وصفت كل ما يدور داخل تلك البلدة من أحداث وأماكن وشخصيات لا يمكن أن تكون مجرد خدعة ، تفاصيل ذلك المنزل وأمونة و شاهين وحتى آدم كلها دقيقة ، ماذا يحدث ؟ عقلي يكاد ينفجر ، وضعت رأسي بين يدي وجلست بجوار سيارتي ، التف حولي الأطفال ومعهن أمهاتهن ، سألنني

_”أنت مريضة ..؟ أنت تايهة... ؟”

كنت أتأملهم بعين فارغة ، وفجأة سألتهن

_” هل هنالك منزل يعرف بمنزل الكروم؟

_” نعم ”

انتفضت واقفة

_”هل هو قريب من هنا؟ ”

هز رؤوسهم بالموافقة

_”بس ما تعرفيش تروحيه بالسيارة ”

تبرعت إحدى الأمهات ، نادت ولدًا يسمى ” فروجة” كان يقف قريبًا داخل “توكتوك” سألني عن الوجهة ، ردت المرأة نيابة عني

_”بيت الكروم ”

امتعض، وهم بالرحيل

_ ” أنا مقدرش اروح عند الست المجنونة ، دي حذرتني لو شافت التوكتوك هاتولع فيه ”

تحايلت المرأة وهمست له

_ “هاتديك فلوس أكتر ”

هززت رأسي بالموافقة على مضاعفة الأجرة ، وافق على شرط أنه سيتركني عند مياه العين ، عندما سمعت كلمة” العين” ، تنفست الصعداء ، سرنا فوق جسر صغير يحيط بنا المياه من كل جانب لو انحرف قليلًا سوف نسقط في المياه ، عطلنا طابور من الجاموس عائدًا من الحقل مع أذان المغرب ، توقف أمام عين جارية ذات مياه بيضاء رائقة، تتخلل حقول متداخلة من الكروم ،كأنك داخل متاهة خضراء ، كل ما يحيط بك أشجار الكروم من كل جانب ، أشعة الشمس الغاربة تحاول جاهدة أن تتخلل أفرع أشجار الكروم ولكنها تعجز ، فتشعر أنك في ظلام دموي باهت ، تركني هناك و قبل أن يرحل نصحني ألا أبيت عندها

_” لأنها ممكن تخنقنك وأنت نايمة والأفضل تنامي تحت الشجرة دي ”

وأشار إلى شجرة الكروم الأم ، تلك الشجرة التي طالما وصفتيها لنا بأنها شاهدة على قصة حبك مع أحمد ، تحركت بلا وعي إلى تلك الشجرة ، أتحسس جذورها العريقة الضاربة في الأرض منذ عشرات السنوات ، رأيت رسم أحمد المميز

" عبارة عن امرأة ذات ملامح متألمة تصرخ من الألم”

و قبل أن يعم الظلام الدامس المكان ، قررت أن أسرع إلى بيت الكروم ، لم أستطع العثور عليه ، عندئذ انحنيت فوق مياه العين وغسلت وجهي ، فوجئت بطفلين يصرخان فيّ

_” ماذا تفعلين؟ إياك أن تلوثي مياه العين ”

سألتهما

_” من أنتما ؟ ”

مريم المجدلية

Barzkh [email protected]

Mazen @yahoo.com القطار

مرحبًا صديقي الشاعر :

معك حق ، حياتي تصلح أن تكون شريطًا سينمائيًا مثل شريط القطار الذي أركبه وأنا ذاهبة للكلية ، كنت مهتاجة ، اقتربت من تحقيق أحلامي ، مفعمة بالسعادة ، أطل من الشباك القطار منتظرة صرخته ، كأنه وحش أسطوري ينذر جميع المخلوقات بضرورة الاختفاء ، أراني مثله أتسابق مع كل شيء حتى أصل إلى حلمي ، الكل يتسابق لكي يلحق به ، المرأة تتعلق بيد زوجها يجذبها بكل قوته ؛ فتصطدم بصدر زوجها ، يدفعها برفق متحرجًا ، تضحك وهي تداري فمها بطرحتها السوداء المتشابكة مع ضفيرتيها ، منذ سنوات كان محرمًا عليها أن ترتدي مثل تلك الطرحة الشفافة الشبكية وذلك الإيشارب الستان الذي ينزلق من فوق شعرها ، ترفعه ، تنفلت خصله يمنة ويسرة ، كأنها تستمتع أن يراه الناس ، كم هو ناعم كثيف! ، يقفز الرجل الذي يبيع كل شيء ، العشرة منهم بجنيه ، يلقي بكل ممتلكاته على حجرك : أمشاط ، علب كبريت ، دبابيس ، أبر ، مناديل ، سبح ، ثم يعود ..يلملمها ثانية ، يشد انتباهي فتاة في مثل عمري تحمل وعاء به زيتون وليمون وامرأة تراقب أقفاصًا من الدجاج ، الحمام والبط ، وثالثة تحرص آنية كبيرة مملوءة بالزبد والجبن والبيض ، تحتضن طفلًا رضيعًا يبكي ويرفس بقدميه معترضًا على إهمالها له بالحديث مع المرأة التي تجاورها ؛ تلهيه ، تلقمه ثديها ، مازالت منشغلة بالحديث مع المرأة الأخرى ، يمر بينهما رجل يحمل الحصر البلاستيكي فوق رأسه ، يتأمل ثديها المنتفخ وهو يفيض باللبن من فم الرضيع ، فيسيل على وجهه ، تلمحه المرأة ، تخبئ ثديها بطرحتها

_ ” اختشي عيب ، هي مراتك ماعندهاش من ده ”

يضحك الرجل ويحط حمله ، ويدس في فمه سيجارة

_ “والله مراتي مقفعة ذي التقفيصة اللي قدامك من قلة الأكل”

تقبض المرأة على ثديها الذي يملأ كفها ثم تنزله بخفة إلى مكانه في مشد الصدر ، تحرك نهديها يمينا ويسارا حتى تشعر بالرضا أنهما أصبحا معتدلين مطمئنين في عشهما ، ينزعج الرضيع يحرك قدميه ، يصدر أصواتًا بهيمية ، ثم يستسلم للنوم ، تضحك المرأة ضحكة لعوب وتغمز لجارتها عن الرجل

_ “شكلك كدة ، سلمت النمر، عاوزلك عمرة ”

يخرج الرجل فحيحًا من التَّنْهِيدَاتِ العَمِيقَةِ التي تذبح صدره مع كتل من الدخان السميك

_ ” طول النهار بلف على كعوب رجلي ، وأنا شايل الحصر ، لفيت الفيوم كلها والحصيلة ...نحمد الله ، وآخرتها قفزت في القطار ، تصدقي بالله ما عرفش رايح فين”

تنهدت المرآتان

_ ” ومين سمعك ، لكن الله كريم ، أحنا رايحين عند السيدة زينب أم المحتاجين، ها تكرمنا إن شاء الله ”

قدمت له قطعة زبد ، وقرص من الجبن القريش فوق رغيف بلدي ، امتنع الرجل وجلس في ركن بعيد يدخن سيجارته الثالثة ، فوجئ بالمرأة ، تضعهم في حجره

_ ” بكرة تفرج ، خلي عشمك في ربك كبير ”

Nada [email protected]

ليست ندى

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

عرفت من الطفلين أنهما يحرسان العين ، وأن من وظفتهما المرأة التي تسكن بيت الكروم ، وأنهما لا يعرفان عنها شيئًا سوى أنها تأتي كل خميس من كل أسبوع إلى بيت الكروم وتغادره يوم الجمعة مساء ، وذكرا لي ، أنهما ليسا الوحيدين ، هناك طفلان آخران يحرسانها في الصباح ، حددا لي موضع بيت الكروم المتخفي بين الأشجار ثم نصحاني بالإسراع

_ ” لا توجد أي وسيلة مواصلات بعد الساعة السابعة مساء ”

انقبض قلبي ، تلك المرأة لا يمكن أن تكون ندى ، إنها قاسية متعجرفة ، تستغل الأطفال ، ندى التي أعرفها رقيقة ، صبورة لا يمكن أن تكون بمثل هذه القسوة ، ظلت المقارنة معقودة في ذهني بين تلك المرأة التي أذهب إليها الآن وبين ندى صديقتي ” وأنا أجتاز غابات أشجار الكروم المتشابكة” ، توقفت أمام أكثر المشاهد ذهولًا هو بيت الكروم عبارة عن شجرة ضخمة من الكروم ، جدرانه مخبأة من كل الجهات بأوراق العنب ذات العناقيد البازغة الخضراء ، بالتأكيد سيكون المشهد مذهلًا عندما تنضج العناقيد ، وأنا أدور حوله اكتشفت بابًا خشبيًا صغيرًا مختفيًا بين أفرع أشجار الكروم ، ترددت في دق الباب ، ربما تطردني مثل الرجل الذي طردني ، وربما يكون لها ميول عدوانية أو سادية ، أخرجت ألة الصعق الكهربائي للدفاع عن نفسي في حالة إن تأكدت شكوكي ، أمسكت باليد الحديدية مقبوضة الأصابع التي ترقد في سلام فوق قطعة من الحديد مثبتة فوق الباب( رأيت مثلها في الأفلام أبيض وأسود) ، دققت الباب ، دقات قلبي تتسارع مع أزيز الباب الخشبي القديم وهو ينفتح ، كادت تتوقف دقات قلبي من شدة الذهول حيث كانت المفاجأة الكبرى ؛ ظهرت أنت يا ندى ، بشعرك الأحمر الكثيف الطويل وعيونك اللازوردية و النمش القليل المتناثر حول أنفك الصغير المعقوف لأعلى ، تزين صفحة وجهك البيضاء غمازتك الشقية التي تتوسط ذقنك الصغيرة ، تلك الغمازة أعرفها جيدًا لأنني كنت أراقبها اثناء حديثك معي ،وذكرتني بتعليق أحمد عندما رآك لأول مرة في ميدان التحرير ” فلاحة من أوربا ” ،احتضنتك بشدة

_ “ندى وحشتيني ، وحشتيني بجد ، عندك أخبار عن أحمد ومازن ؟ ”

لكنك ظللت صامتة باردة تخلصت من حضني بتأفف

_ “من أنت؟ ”

_ ” ندى أرجوك أنا مش حمل هزار ، أنا قدت السيارة لمدة ساعة ونصف و بعدها ، توكتوك بيسوقه ولد اسمه فروجة لمدة ساعة

_ ” أنا أع رفك منين علشان أضحك معاك ؟”

لأول وهلة ظننت أنك غاضبة مني ، لأنني لم أرد على رسائلك خلال الفترة التي كنت فيها في غزة

_ “كنت خائفة عليكم ، أقسم لك بالصليب المعلق في رقبتي ”

استغربت أنها لم تسمح لي بالدخول

_” ماذا أفعل ؟ هل أغادر؟ ”

مريم المجدلية

برزخ12

على الرغم من أن منزل أبي في القرية المجاورة لا يختلف كثيرًا عن تلك المنازل الموجودة بمزرعة كروم التي أسكن فيها مع جدتي إلا أن المنازل بالقرية تقع في الجانب الغربي المتطرف بعيدًا عن الحقول ، لا نسمع صوت ضفادع أو صرارات الليل ، قد نرى أحيانًا الجرذان في الترع ، لكن لا تسكن المنازل مثل ما يحدث هنا ، البعوض أيضًا هنا متوحش ، يمتص دمنا بوحشية ليل نهار ، كل محاولات جدتي في إبعاده باءت بالفشل ، فمن أجله تشعل النيران طيلة ليل ، يزوم حولنا ، يهددنا بقطع النوم وفقر الدم ، ألا يكفيهم ضيق الحال ، ربما لأن منزل جدتي مثل كل المنازل هنا داخل الحقل نفسه ، فالحشرات على حالة عداء معنا، ربما لأننا احتللنا مكانها ، أشعر بالاختناق لم أعتد على المساحات الضيقة التي تخنقني في منزل جدتي الضيق ، أحلى ما فيه حجرة نوم جدتي الشتوية الدافئة بسريرها النحاسي ذي النموسية الحمراء ، لا تسمح لأحد بمشاركتها فيه حتى أنا ، فهو مقدّس بالنسبة لها ، بينما في الصيف تنام أمام المنزل أسفل إحدى شجيرات الكروم ؛ لذا بنيت حجرة لي من الطين (الطوب اللبني ) خلف المنزل متسعة ذات سقف مرتفع ، يصل ارتفاع جدرانها ثلاثة أمتار ، تشعرك بالاتساع والهواء يدخل إليها من كل الجهات ، تظللها أشجار الكروم ، ساعدني في تسقيفها الفلاحون هنا حيث أعطوني كل الأكياس الكيماوي الفارغة ؛ لأنها سميكة ومتينة ، ثم احتاجوا إلى جذر النخلة الميتة المنزرعة في عتبة بيت الكروم ، بصراحة أنا رفضت في البداية ، إنها شاركتني قراءة كل كتبي ، كنت أسند ظهري عليها وأنا أقرأ ، وكثيرًا ما احتميت فوق جذعها من هجوم الكلاب الضالة ليلًا، لكن حبي لأن يكون لي مكان خاص لا تراقبني فيه جدتي كان أقوى ، فوافقت ، قمنا بقطعها بواسطة المنشار الكهربائي إلى أربعة أجزاء طوال وقمنا برصها فوق سقف الحجرة ثم فرشنا أكياس الكيماوي الفارغة فوقها ثم وضعنا طبقة من الطين قمت أنا بجمعه ؛ فميزة تلك الطبقة الطينية ؛ أنها تمتص حرارة الشمس الحارقة في الصيف ، وتمنع تسرب الأمطار في الشتاء ، ثم وضعنا فوقها أفرع أشجار الكروم التي تم تقليمها ؛ تحمي سقف الحجرة وفي الوقت نفسه نستخدمها في التدفئة في أيام الشتاء ثم قمت بتوصيل الكهرباء داخل الحجرة لأنني في حاجة لاستخدام الكمبيوتر في أبحاث الكلية ، مازالت جدتي تصر على التمسك باللمبة الجاز وترفض استخدام الكهرباء حيث تعتبرها انتقام شيطاني ، تمتص دماء الناس حتى الموت ، ترفض أيضًا تلك الحنفيات وعندما أحاورها

_ “إلى متى سنشرب من العين؟ ”

ترد علي في استغراب

_” المية بتصدي داخل الحنفية ”

كل شيء من وجهة نظرها إن فقد حريته الطبيعية ؛ يفقد قيمته ، لذا ستظل متمسكة بمياه العين التي تسير في خليج صغير يتخلل حقول الكروم يصب في حفرة عميقة تشبه البئر حيث تسقي كل بيوت مزرعة الكروم و لا يعرف أحد مياه العين من أين تأتي فهي تتفجر من تحت الأرض كشلال صغير من مياه عذبة ، تضع جدتي الجرة الفخارية أسفل الشلال ، نتركها تمتلئ ونحن نسبح في خليج العين من أذان الفجر حتى الشروق ، تسترنا الشجرة الأم والشجيرات التي تنبت من جذعها فلا يرانا أحد ، ثم أحمل جرة المياه ، ونحن نسير في الطريق ، تملأ رأسي بحكايات عن رجل التصدير والاستيراد الذي جاء من المدينة وأراد أن يشتري العين وتعبأ في زجاجات وتباع بمبالغ كبيرة

_ ” مش ما كفيهم النيل ! جايين يسرقوا مية العين ”

أحاول أن أهرب من سيرة هذا الرجل ،أطلب منها أن تحكي لي عن ست الحسن، تبتسم جدتي ، هي تحب الحكايات ، كثيرا ما أخبرتني أنها لا تريد أن تموت الحكايات في حلقها ، تريد أن تحرر الحكايات من سجن ذاكرتها التي بدأت تهرب منها ، توصيني أن أحفظ الحكايات لكي أنقلها لأولادي وهم بدورهم ينقلونها إلى احفادي وهكذا ، بعدما وعدتها، حكت لي عن ” ست الحسن التي أجبرتها زوجة أبيها على الذهاب إلى العين لكي تملأ جرتها ، وبالتالي تتخلص منها للأبد ، فهي تعلم أن العجوز الساحرة التي تحمي البئر المملوء بمياه العين سوف تقتلها أو تسحرها ، ست الحسن تذهب بحسن النية إلى العين وتجد العجوز الساحرة محنية الظهر قليلة الشحم ، كأنها جثة يابسة ملتصقة بجوار البئر ، شعرها المجعد كأنه كتلة من السلوك البيضاء المجعدة الملتفة حول بعضها البعض مكونة كرة من السلك الفضى ، ست الحسن تستأذنها أن تملأ جرتها ؛ تشترط عليها العجوز أن تنقي شعرها من القمل ، ست الحسن تنصاع لأوامر العجوز ، تفليها ثم تطلب العجوز منها أن تأكل القمل ، توافق ست الحسن ، تصطق ست الحسن على أسنانها مصدرة صوتًا نحاسيًا صغيرًا ، تقول لها وهي ضاحكة

_” قملك طعمه حلو، يا أمنا العجوز ”

تضحك العجوز ، تأذن لها بنزول البئر ، تدعو لها العجوز

_ ” يا بير.. يا بير.. لبسها فستان حرير

يا بير .. يا بير.. لبسها خواتم كتير ،

يا بير.. يا بير .. لبسها غوايش كتير ”

تخرج ست الحسن مرتدية فستان جميل من الحرير ، مزينة بالذهب ، تملأ جرتها وتودع العجوز ، في طريقها يقابلها أبو قردان ، يطلب منها أن تسقيه

_ ” أسقيك أنت يا جميل يا أبيض ”

يضحك أبو قردان ، يدعو لها

_ ” يجعل بياضي في وشك وما يجعهلوشي في عيونك ”

تصبح بشرة ست الحسن بيضاء وضاءة نقية مثل ريش أبي قردان ، تمشي تقابل الغراب يطلب منها أن تسقيه

_ ” أسقيك يا أسمر ، يا جميل ، يا كحيل العين ”

يضحك الغراب ، ويدعو لها

_” يجعل سماري في شعرك وما يجعلوهش في وشك ”

شعرها يصبح أسود مثل الليل يحيط بوجهها الأبيض مثل نور الشمس ، فتزداد حسنًا على حسن ، وأخيرًا تقابل النخلة التي تطلب منها أن تسقيها ، توافق ست الحسن كالعادة

_ ” أسقيك أنت يا جميلة يا فرعة يا للي بلحك سكر ”

تسكب في جذرها ما تبقى من الماء ، تضحك الشجرة وتدعو لها

_ ” يجعل طولي في شعرك وما يجعلوا في جسمك ”

شعرها يصبح طويلًا ، وتعود ست الحسن والجمال بجرتها فارغة وهي تفكر في حجم العقاب الذي سوف تتلقاه من زوجة أبيها ، يقابلها ابن السلطان ؛ يقع صريع جمالها ، ويتزوجها ”

فهمت ما ترمي إليه جدتي من حكايتها ، كل فتيات القرية تعلّمن هذا الدرس ، ما عداي ، فإنني أشبه أم الصريم ، ابنة زوجة الأب التي ترسلها أمها إلى البئر لكي تزداد جمالًا مثل ست الحسن و الجمال ، فتعود أكثر قبحا ، محملة بالحشرات فتضرب بالمقشة ويهرب منها كل الرجال.

Barzkh [email protected]

أم شحاتة والفأر

مرحبًا أيها البرزخيون

كانت تلك العجوز الشمطاء وراء ولادات أمي المتكررة ، و اختناق أختي عنايات بشكل مفاجئ بعد الولادة مباشرة ، أمي كانت نائمة مرهقة ؛ الحمل أصبح عبئًا على جسدها المترهل بسبب الحمل والولادة المتكررين ، عندما نصحتها ، صرخت في وجهي

_ ” انا لازم اخلف لكم أخ يحميكم ، انت سمعت الاغنية اللي بيعايرونا بيها ، شاهين مامات ..خلف بنات ”

_ ” العلماء بيقولو الرجل هو المسئول ..”

_” اخرسي ابوكي سيد الرجالة ”

عندئذ دخلت علينا العجوز الشمطاء ، اختطفت البنت من يدي وقالت

_” البت وشها أزرق ليه ، روحي هاتي بصلة ”

بعد خروجي بدقائق ، صرخت العجوز ، انتفضت أمي فزعة ، احتضنتها العجوز

_” ربنا اختار أمانته”

ذكرتني بالفأر الذي اصطادته بالأمس ، حاول الفأر أن يقرض المصيدة لكي يتحرر ، يذهب ويجيء داخل المصيدة فاتحًا فمه ، يحاول أن يقرضها من كل الجهات لم ينجح ؛ يضرب بابها برأسه ، لكنه لا ينفتح يلف ويدور حول نفسه ، أم شحاتة تراقبه وتضحك ، توخزه بالمشرط الذي بيدها يجري إلى الناحية الأخرى، تأتيه من الناحية الأخرى وهكذا حتى شعرت بالملل فحملت المصيدة وأغرقتها في الماء ، تكاثرت الفقاعات ثم اختفت تدريجيًا ، أخرجت المصيدة وبداخلها الفأر متخشبًا ميتًا ، أمسكته من ذيله وألقت به القمامة ، لماذا تسمرتُ في مكاني ؟ فأنا أعلم أنها خنقت عنايات المولودة كما خنقت الفأر ، انتفخ وجه العجوز، كأنه بالون مملوء بالحقد والسواد ، كأنها إحدى الشخصيات الشريرة خرجت من حواديت جدتي ، سألتها أمي ببلاهة

_” إيه اللي موتها ؟ ”

ردت عليها العجوز

_” بتسألي ليه؟ هو أنت ناقصة بنت بكتلة عظم لازق في ظهرها زي الجبل ، ربنا كرمك فيها”

بكت أمونة بحرقة ربما من من أجل الرضيعة ، او تذكرت ابنة روحها زينب الذي مر على وفاتها ستة أشهر فقط ، لكنني اعتبرت موتها عقابًا إلهيًا على تسترها على أم شحاتة خوفًا من لسان جدتي التي سوف تتهمها لا محالة بأنها شريكة في القتل ، منذ وفاة زينب قررت ألا أناديها بأمي ، و تحجر قلبي من جهتها عندما وافقت على عرض عذريتي في السوق ، أعرف أنها نصيحة المرأة الشيطانية العجوز ، لكي توشمني بالعار ، فابتعد عن طريقها ؛ بالرغم من مغادرتي للمنزل لكي أعيش مع جدتي ، لكنني وعدتها بأنني سأعود لكي أطردها منه للأبد ، أعلم أنها ستحاول قتل البنت التاسعة فور ولادتها بعدما توصمها باللعنة ، كما فعلت مع عنايات كي تثبت لها صحة نبوءتها السوداء ، لم يتبق سوى شهر واحد على الولادة .

برزخ13

_” ابن زينب يحتاج إلى أم”

تنهدت أمونة

_ “أمه ضحت بحياتها علشان هو يعيش ، اختارت لنفسها الموت واختارت له الحياة ، انتو لازم تردوا الجميل لأمه ”

ثم تضع طرحتها السوداء حول رقبتها ، بدأت تجذبها بكلتا يديها يمينًا ويسارًا وهي تندب

_” أنا ضهري انكسر بعديك يا حبيبتي ، ياريت كان يومي قبل يومك يا نضري ”

استمرت امونة في رثاء زينب حتى انهارت واكتفت بالبكاء ، ثم تنهار أمونة من البكاء وبكينا جميعًا ، كل واحدة منا تربطها معها ذكرى محفورة بداخلنا

" ذهبت زينب لزيارة قنعة لكي تطمئن على صحتها ، فوجدت زوجها يضربها وهي في شهرها التاسع ، بحثت في حجرتها لم تجد أي طعام ، احتضنتها ثم أحضرتها إلى منزلنا ، وقفت في وجه أمي

_ “أختي قنعة هاتقعد معنا لحد ما تولد ، لو قعدت مع جوزها ها يموّتها من الجوع أو من الضرب ”

أمونة شدت قنعة من شعرها ، ضربتها على ظهرها

_” تاجيلك على مشط رجلك ياقنعة ، البت جاية تزورك تحمليها الهم والغم ”

ثم استدارت لزينب

_” اسمعي يا زينب، انا ما كنتش بجوزها علشان اصرف عليها ”

تقترب زينب من أمونة وتربت على كتفها ، تقبّل يديها وتحتضنها كطفل صغير ، من يشاهدهما يشعر بأن زينب أم أمونة وليس العكس

_ “شايفة يا ماه ، وشها أصفر كيف من عدم الأكل ؟”

تتخلص أمونة من حضن زينب كطفل مشاكس

_ ” هي كدة طول عمرها ، صفرا ، قطعتها كدة ، ربنا خلقها كدة ”

تقترب منها زينب مرة أخرى تقبّل رأسها

_ ” بالله عليك يا يا ما ، تسبيها هنا لحد ما تولد ، إذا كان على مصاريفها انا اللي هاتكفل بيها ، انت عارفة اني بصنع سلال من سعف النخل ، وهي تبيعها في السوق والمكسب بالنص ،عشان تقدر تصرف على نفسها ، الرجالة متضمنش ، مش ده كلامك ؟”

تضرب أمونة كفًا بكف، تمط شفتيها، غير مستساغة ما تفعله زينب

_ ” شوفي انتي محتاجة علشان جوازك ، هي اتجوزت ولها بغل يصرف عليها ، لكن أنا عارفة ها تنفذي اللي في راسك ”

رفضتُ طلب أمونة بالزواج من زوج زينب وأربي ابنها ، لن أضحي بحياتي وأعاشر رجلًا أكرهه من أجل طفل تسبب في يتمي ،" نعم.. لم يكن هو الذي تيتّم .. بل أنا” ، أنا التي نشأت معها في رحم واحدة ، تغذينا معًا من ذات الحبل السري، وما إن خرجنا من رحم أمونة حتى التصقنا في الحياة معًا ، فأينما حلّ أحدنا وجد الآخر ، لنا نفس الصورة ونحمل نفس الروح الوثابة إلى التغيير ، لكننا اختلفنا في الطريقة التي سوف نحدث بها هذا التغيير ، أنا أرى التغيير لن يحدث إلا من خلال التعليم والبحث عن الذات وهي ترى التغيير سيحدث من خلال الزواج من رجل يبعدها عن هذه القرية وعن تلك التقاليد العقيمة التي تقبع فوق حريتنا ، لذا وافقت أن تتعرف على العريس الذي رشحته لها سعاد (زوجة العمدة) فهو يعمل عاملًا في شركة بترول في الإسكندرية ، سوف تعيش معه هناك ، أول مرة رأيته كان في المولد ، وأنا أتأرجح رأيته يلتفت يمينًا ويسارًا كأنه يبحث عن شيء ضاع منه ، ابتسم فور رؤيته لزينب وهي تعوّم معي الأرجوحة ، استغربت

_ ” من أين يعرفها ؟ ، هذه أول مرة أراه فيها ” لم أنتبه ، التف شعري فوق خشبة الأرجوحة ، تعلقت في رقبة زينب التي حاولت إيقاف الأرجوحة بأقصى قوتها وهي ترتل سورة الفاتحة والمعوذتين ، بينما هو تسلق خشبة الأرجوحة بمهارة القرود حتى وصل إلينا ، فرفعني فوق كتفه حتى لا تنسلخ جمجمتي وركزت زينب في تخليص شعري من خشبتها خصلة .. خصلة بصبر ومهارة ، ثم أنزلني في هدوء وراحة كأنني فرخ عصفور أعاده إلى عشه ، و لكي يبعدني عن هواجسي ، أشترى لي كوبًا كبيرًا من البوظة ، أصبت بالذهول ..أختطف منه الكوب

_ ” كيف عرفت أنني أحب البوظة ؟! ” بكيت.. أستعطف زينب أن أشرب كوبًا آخر ، فطعمه اللاذع يثير شهيتي لكن زينب رفضت

_” لو أمونة شافتنا لبهدلتنا بتقول عليها بتسكر زي الخمرة ”

لكنني رفضت أن أتحرك من أمام عربة البوظة ، فوجئت أنه يقدم لي كوبًا آخر على حسابه ، اختطفته منه فرحة ، بدأت ..أرشفه ببطء لا أود أن ينتهي ، وهو كان يتحدث مع زينب ، لكنني عندما رأيت عينيه تفترس جسد زينب ، تقلبه ، تحرثه ، تزرعه ، ترويه بلعابه ، رميت الكوب في وجهه ، جذبتها من يدها ، كنت أود أن أحملها حتى أبتعد بها عن رجل البوظة هذا ، لم أهدأ إلا بعدما وصلنا إلى البيت ، عندئذ رأيت عامل النظافة بالمدرسة يبشرني بحصولي على المركز الأول في الشهادة الابتدائية ، طردته أمونة

_ “امتحان ايه وعبط ايه ، ها ندور لك ع عريس البنت ملهاش الا الجواز ”

لكن زينب أيقظتني بعد ذهاب أمونة مع أبي للحقل وسحبنا الاستمارة وذهبنا معًا لتقديمها في المدرسة الإعدادية في القرية المجاورة

_ ” ما تحمليش هم المصاريف أنا وراكي لحد ما تاخدي الشهادة الكبيرة ”

ارتبطت بها نفسيًا إلى حد التخاطر بالرغم أنني رفضت مقابلتها عندما كانت تأتي لزيارتنا مع رجل البوظة هذا (لا اسم له في ذاكرتي ) شعرت بألمها عندما خيب أملها ورفض اصطحابها معه إلى الإسكندرية خوفًا على الجنين الذي ارتشق بجسدها في ليلة الدخلة ، لذا كرهت هذا الولد قبل ولادته .

أما نجاة فضلت أن تتزوج بعد وفاة زينب بأربعين يومًا بالتاجر الستيني الذي يكبر أباها بعشر سنوات ويكبرها بأكثر من ثلاثين عامًا

_ ” انا مقدرش عاشر نفس الرجل اللي كان بتحبه زينب ”

تبكي نجاة ، تتذكر عندما دخل في قدمها شوكة من نبات السِّلَّة الإبري السام ، لم تستطع زينب إخراجه ؛ فقد دُكت الشوكة داخل قدمها حتى رأسها ، خافت زينب أن تقصف داخل قدمها ؛ يتسمم القدم وتغرغر كما حدث لجارنا ، فحملتها رغم صغر سنها وضعف هيكلها وثقل جسم نجاة ، تهرول زينب كفراشة هشة بأقصى سرعتها ، ينزلق حجابها فوق الأرض ، لا تهتم ، تنهج من شدة الثقل ، يخفق قلبها من شدة خوفها

_” يا مصيبتي لو حصلت لها غرغرينه كما حدث مع جارنا في الغيط ، الشر برة و بعيد ”

تتفل في صدرها مستعيذة من الشيطان ، فيسقط لعابها على وجه نجاة التي تتلوى غاضبة كالقرموط ، فتسقط فوق كومة من البلح المنشور ، وعندئذ ترفض نجاة أن تتحرك من مكانها ، زينب تصرخ

_ ” قدمك ها تتسمم وها تعجزي ، يا طفسة”

نجاة لا تعيرها أي اهتمام تأكل البلح ثم تلقي بالنوى في وجهها وظلت هكذا ، المُصابة تأكل وزينب تصرخ حتى يئست وهرولت بمفردها تاركة نجاة تأكل البلح وبعد ربع ساعة عادت وفي يدها صديقتها سعاد زوجة العمدة (كانت تعمل كممرضة ) انتزعت الشوكة من قدمها بأقصى قوتها و أسعفتها بحقنة مصل ، ثم رفعتها فوق الحمار ، وعادت بها زينب إلى المنزل ، أرقدتها فوق المصطبة أمام المنزل ، ودخلت زينب المطبخ ، طهت لها دجاجة وقدمت لها طبق شوربة ، وبدأت تطعم نجاة بيديها ، في تلك اللحظة جاءت أمونة ، صرخت فيهما

_ ” فزي ، قومي يا نجاة نضفي تحت الجاموسة ”

بكت نجاة ، استجارت بزينب ، فاحتضنتها زينب

_ ” انا يا مه اللي ها نضف تحت الجاموسة”

_ ” مافيش حد هاينضف الا هي ، فزي يا بت ”

تصرخ أمونة في وجه نجاة التي تتشبث بزينب ، تهجم أمونة عليهما ، تنتزع نجاة من حضن زينب ، ثم تمسك بفرع زيتون لين ، تطلب منها أن تعري قدمها المصابة وانهالت عليها بأقصى قوتها ضربا بفرع الزيتون ونجاة تصرخ و تمسك بخناق أمها

_ ” معلش يا امه هاموت ”

_” لازم نموّت الجرح بالضرب وألا ها تعجزى ”

قفزت نجاة وهرولت إلى الزريبة كي تنظف تحت البهائم ، خطفت أمونة طبق الشوربة من زينب ورفعته فوق فمها ولم تنزله إلا فارغًا ، ثم أمسكت الدجاجة قسمتها على عدد بناتها و خبأت أكبر قطعة لزوجها

_” أبوك شقيان في الغيط ، شيلي له الصدر ”

ثم تلحس أصابعها ، معتادة على توزيع اللحم عليهم ولا تترك لنفسها نصيبا منه ، فكانت زينب تشارك نصيبها مع أمونة التي كانت تبر قسم ابنتها المفضلة وتقطع جزءا صغيرا منه ، كان الجميع يقلد زينب ” ما عداي ” إنني أعشق اللحم ، ” فأنا أمثل الجزء الشيطاني كما وصفتني أمونة ” وقع الاختيار على حُسينية التي كانت تصغرني بعام و شهرين ولكن يسبق الزواج طقس الختان ، هذا الطقس البغيض الذي فُرض علينا نحن الفتيات ، طقسا إجباريًا ، عانت منه جدتي ، و أمونة نفسها تعذبت منه ، لكنها فرضته علينا بكل جبروت ، كادت نجاة أن تموت شهيدته ومع ذلك تصر أمونة على تطبيقه حتى النهاية ، نحن نسير تحت قاعدة ” قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين "[11] لا يمكن أن أنسى مشهد نجاة وهي فاقدة للوعي ، وهن يسكبن الماء فوق وجهها ، أم شحاتة على الجانب الأيسر وأمي وقنعة على الجانب الأيمن كأنهما ناكر ونكير

Barzkh [email protected]

الناشطة الصغيرة

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

أعلم أنك تستغربين أن فتاة مسيحية لم يتجاوز عمرها السابعة عشرة تشارك في كل الحركات المناهضة للنظام الحاكم ، لكنك لم تجربي تلك الأحاسيس البغيضة التي شعرت بها ، لمجرد أنني مسيحية يحكم عليّ أن أكون مواطنة من الدرجة الثانية ، أعامل معاملة أهل الذمة ، بالرغم مما بذله الأقباط من تضحيات أثناء مشاركاتهم في أربعة ثورات (1882، 1923، 1958، 1971) بأربعة دساتير بدءًا من 1804 حينما وقف البابا مرقص الثامن ، والمعلم إبراهيم الجوهري مع عمر مكرم وشيخ الأزهر “الشيخ الشرقاوي” في الثورة لخلع الوالي العثماني خورشيد باشا ، وتنصيب محمد علي باشا ، مؤسس الدولة المصرية الحديثة ، وصولًا إلى موقف البابا شنودة من عروبة القدس والتطبيع مما تسبب في احتجازه في دير الآنبا بيشوي ، ومع ذلك مازال الأقباط يدفعون الجزية في وطنهم ليس مالًا بل دمًا يتمثل في مذابح فردية وجماعية وتفجيرات للكنائس ، إياك أن تصدقي ادعاءات النظام الذي يروجها الإعلام الأجير ” إن المسيحيين والمسلمين كيان متماسك في هذا الوطن ”

، لو كانت هذه الإدعاءات صحيحة

_ ” لما يرفض المسلم أن يأكل أو يشرب في بيت مسيحي ؟ ”

عفوًا ، ربما يأكل “الدلفري” ، وتأتي التبريرات الأكثر اضطهادًا

_” المسيحيين زنخين ، القسيس بيعمل سحر للمسلمين بالعقم و الكنيسة تُرتكب فيها كل الفواحش في ليلة رأس السنة ، ومن يريد أن يغير دينه تحبسه الكنيسة وتحرقه ، وهناك حجرة تعذيب في الكنيسة وغيرها من الشائعات التي تُظهر المسيحين وحوشًا .”

أعلم أنك لا تصدقين ما أقوله ، أجيبي علي إذن

_ ” لماذا المرأة المسيحية المتزوجة من مسلم تُمنع من الدفن مع زوجها ؟ وإن كانت حاملًا لا تدفن مع المسيحيين “لا تشعرين بالحرج وسأجيب نيابة عنك ” حتى لا يتأذى الطفل المسلم من عذاب أمه المسيحية لأنها كافرة ”

_ ” أين إذن تدفن ؟ ”

ولو كان كلامهم صحيحًا عن الوحدة

_ ” لماذا لا يمر عامًا واحدًا بدون تفجيرات في الكنائس أو مذابح للمسيحيين العزل ؟”

منذ المؤتمر القبطي 1911 أي قرابة قرن من الزمان ، ولازالت أغلب المطالب لم تتحقق ، هل ما زالت تستغربين أنني أحاول أن أقول لهذا النظام لا ؟ ! سوف أظل في حالة عداء مع هذا النظام وأي نظام يعاملنا على إننا غرباء في هذا الوطن.

صديقتك / مريم

برزخ 14

في بعض الأحيان أشتاق إلى منزلنا الكبير إلى ضحكات أخواتي على جلساتهن السرية ، همساتهن عندما يتحدثن عن أحوال أزواجهن ، أشتاق لراديو ناصر الذي ورثه أبي عن جدي وصوت المذيع الرخيم “هنا القاهرة ” متابعتي للبرامج الإذاعية التي أحفظها عن ظهر قلب “ربات البيوت ، ابلة فضيلة ، من الحياة ، كتاب علم العالم ، البرنامج الغنائي “عواد باع أرضه “و”عوف الأصيل ” ، صوت عبد الباسط في الساعة الثامنة مساء يغزو القلوب ، يعيد كل آية بقراءة مختلفة ؛ فينتزع منا التسابيح ” وتلك المصطبة التي تشهد على سهرات أمي مع نسوة الحارة عندما يسهر الرجال في الحقل لحراسة محصول القطن خوفًا من أن يتعرض للسرقة ، يجلسون أمام الركية النار يتسامرون ويتنبؤون بعدد القناطير ، و نسبة أرباحهم ، يقارنوها مع محاصيل السنوات الأخرى ، يحلمون بما سيفعلونه بتلك الأرباح ” من زواج البنت ، تعليم الصبي ، ترميم البيت ، زيارة النبي (صلى الله عليه وسلم ) يمنون أنفسهم بسهرة تاريخية سنوية مع زوجاتهن ” إنهم يدركون تجهيزاتهن لتلك الليلة ، كأنهم يبيتون خارج المنزل لكي يتركوا لهن الحرية يفعلن بأجسادهن ما يسترجعن به شبابهن الذي يضيع وسط جفاف الأرض ، وقلة المحصول ، تنتهز أمونة الفرصة ، تجتمع مع نسوة الحارة ، كل واحدة تحضر نصف كيلو سكر ، تحضر أمي آنية النحاس المتوسطة ، ويدخلن إلى زريبة البهائم (أكبر حجرة في أقصى المنزل) تحقق لهن السرية وتبعدهن عن أعين المترصدات المتطفلات من نسوة الحارات الأخرى ، يقمن بتنظيفها ثم تجفيفها بالتراب ،استعدادا لطقوسهن النسوية ، موسم حصاد القطن يحمل أمنيات لكل أفراد العائلة ، البنات يتزوجن ، الأطفال يتم كسوتهم ،الذكور يستكملون تعليمهم ، وهناك نساء محظوظات يحظين بحلية ذهبية جزاء لاستفزاز شهوات أزواجهن المتأججة ، حتى البهائم لها حظ في تلك الأعياد ، تسهر طيلة الليالي الثلاثة في الحقل مع أصحابها حتى يأتي التجار يشترون المحصول ، تأكل جذور شجيرات القطن طيلة الليل ، وتتزاوج ، تاركة زريبتها للنساء اللاتي يفرشن فيها الحصير البلاستيك ثم يبدأن طقوسهن ، يشعلن النيران في الكانون[12] ، يعبأ الدخان المكان إنذارًا بحدوث شيء مهم ؛ فتجتمع الأطفال والبنات وأنا كنت إحداهن ، إنه الطقس الوحيد الذي كنت أحب مراقبته منذ اللقطة الأولى ، تشم كل نساء القرية رائحة السكر المحترق ، يتغامزن ، البعض منهن يغار فيقلدن أمي والبعض الأخر ينضم إلى نسوة أمي التي تدلك الحلاوة بين يديها حتى تتحول إلى عجينة مطاطية ، تقسمها قدر الإمكان إلى كرات متساوية ثم توزعها على النسوة اللاتي يجلسن كل واحدة في مواجهة الأخرى ولا تنسى الأطفال الذين يحملقون في الحلاوة كجرذان صغيرة مستعدة للانقضاض عليهن وعادة ما تقام مشاجرات عنيفة عندما يتخطفن من بعضهم البعض الحلوى ، تنتهي بشجار عنيف يتراوح بين الركل والضرب فيصرخون على أمهاتهن اللاتي ينحزن لأطفالهن ، فيتعاركن بدورهن ويدخلن في معارك أعنف من معارك الأطفال الذين يقفون صامتين ، يشجعون أمهاتهن عندما يتشابكن بالأيدي ، فيعض الطفل المرأة الأخرى في يدها؛ تغتاظ ، تشد شعر أمه التي تشتم شتائم إباحية فترد عليها الأخرى بشتائم أكثر إباحية ، يستغرب الأطفال ، لأنهن يقمن بدور الوُعَّاظ طيلة الوقت

_” الشتائم عيب والخصام حرام”

وها هن يشتمن ، يتعاركن وتسب إحداهن الأخرى؛ بأنها رأتها تغمز لفلان أو تضحك مع فلان …، وفجأة تتذكر إحداهن جزءًا من الحديث الشريف” لعن الله النامصة والمتنمصة ” [13]وتلقيه كقنبلة في وجوههن كأنها قديسة

ahmed @yahoo.com

Barzkh [email protected]

عرائس الطين

مرحبًا بالثوري أحمد

سأجيبك عن سؤالك الذي يحيرك ، لماذا أحب عجينة الطين ؟ لماذا تتوحم النساء الحبالى على مضغ قطعة الطين كأنها شوكولاتة ؟ الطين هو تلك العجينة السحرية التي نحبها نحن الريفيين ؛ ربما لأنه يحمل روح الأرض التي نعشقها ، عندما تشمه تجده محمّلًا بعبق رائحة عرق أجدادنا الذين قضوا أعمارهم في حرثها وزرعها ، يقضون سهراتهم فوقها بجوار محصولهم ، لكن بالنسبة لنا نحن الفتيات ننفخ أحلامنا في تلك العجينة السوداء الناعمة كالزبد لينة تستطيع أن تشكلها كما يحلو لك ، أصنع منها عروسًا كبيرة تشبه أختي زينب ، أمسك عصا رفيعة ، أحفر بها تقاطيعها : العيون السوداء الواسعة التي أُلوّنها بقلم الحبر الأزرق فتصبح زرقاوين ، ثم أرسم الفم الصغير الذي أزينه بالحمرة ، الذقن المستديرة ، أنحت خصرها النحيل ، أشكل ساقيها لابد أن تكون طويلة مثل ساقي أختي زينب حتى تستطيع السير لمسافات طويلة وهي تجر البهائم للحقل ونفس المسافات كي تعود ، ثم تذهب للسوق لكي تبيع خيرات الأرض وتشتري حاجيات البيت ثم تعود ، تصنع السلال لكي تبيعها أختي قنعة وقبل أن تعود البهائم للبيت لابد أن تنظف الزريبة من الروث ثم تجفف تربتها بالتراب النظيف وعند عودة البهائم تقدم لها العلف ثم تتركها ساعة كي تهضم ثم تحلب اللبن ، تذهب به للمحال لتوزعه ثم تعود للبيت ، لتجهز العشاء الوجبة الرئيسية ، يداها لابد أن تكون صغيرة كأيدي أمونة ، تأكل بقايا الطعام بعدما يشبع زوجها و بناتها ، تمسح الأطباق من شدة الجوع ؛ بحجة ألا يأكل مكاننا الشيطان ، لا تفكر في كسوة لنفسها

_”عيالي أولى ”

يمكن أن ترقع جلبابها أكثر من مرة ، تعمل جمعية كي تستطيع أن تزوج زينب

_” بنتي حظها لازم يكون أفضل مني ”

تشتري لها الثلاجة ، الغسالة ، البوتاجاز ، والباقي بالتقسيط ، تدخر التموين لمدة سنة كي تقدمه معونة لابنتها في بداية زوجها ، تخبئ الشاي في أسفل السرير كي يتمتع به الزوج وحده

_ ” دماغه مصدعة من ضربة الفأس طول النهار”

تأتيها جارتها ؛ لتستلف منها كوب زيت

_ ” أقلي به نص كيلو سمك ”

أو طقم الشاي

_” عندي ضيوف”

القليل من الشعير

_” ابني عنده مغص”

لكن عمر العروس الطينية قصير ، تسقط في ليلة شتائية عاصفة تتكسر كما تتكسر أحلامنا ، مثلما حدث مع زينب التي لم تستطع رؤية ابنها فتحولت إلى حفنة من التراب المدفون تحت الأرض ليمتزج بتراب أخواتها كريمة و زينات وعنايات اللائي كانت تزورهن ، تراب يزور تراب و طين يدفن طين ، هل علمت لماذا أعشق الطين؟ لأنني سأتحول يومًا ما إليه أو ربما أحن لخلقتي الأولى

برزخ15

هنا يأتي دور أمونة التدخل في اللحظة الأخيرة بعدما تكون استمتعت بمشهد الشجار؛ كأنها تشاهد برنامج مصارعة نسائية ، تتدخل في اللحظة التي تسحب كل واحدة أطفالها وتغادر متهمة الأخرى بالفجور ، تستوقفهن أمونة ، وتغلق عليهن باب الزريبة

_” يا ولية دول عيال ،هاتخلي عقلك بعقلهم ”

يهدأن ثم تحفزهن

_ ” الراجل عامل حسابه انه هايجي يلاقيك زي المراية ولا انت عايزة تسدي نفسه”

يضحكن وكأن شيئًا لم يحدث وكأن الاتهامات لم تتطاير تجرح شرفهن ، وكأن الحديث الشريف ليس له وجود ، الأطفال هم الذين استفادوا حيث تم توزيع عليهم قطعًا أخرى أكبر من الحلاوة ، تلمحني النسوة ؛ يطلبن مني المجيء

_” تعالي ، ها تفضلي مصيبة لحد امتى؟ عندك حداشر سنة يعني عز سن الجواز”

أتركهن وأغادر ، يغلقن على أنفسهن الباب بعد تثقيله بالحجر الصوان الكبير كأنهن على وشك أن يفتحن كنزًا ثمينًا أو يحكن مؤامرة عظمى ، أتلصص عليهن من الباب الخلفي للزريبة ، يعرفن ، يفتحن الباب مفاجأة ..يغرسن كرة من الحلوى في فمي

_” يا حشرية ، تعالي اعملي معانا ”

أرفض و أستمر في مراقبتهن من الشباك الصغير ، يتجاهلنني ويبدأن الطقس بأكثرهن مهارة وهي أمونة حيث تقوم بعمل فتيل رفيع من الحلاوة ثم تبدأ بأهم جزء في الوجه هو الحاجب تنتفه بدقة بتركيز عال كأنها تقوم بعملية جراحية شديدة الخطورة ، يتفصد جبينها بالعرق ، تزيل الشعيرات المتطفلة فوق حدود الحاجب وأسفله وتباعد مسافة محببة بين الحاجبين ، فجأة تتغير خارطة الوجه ، وتبيض صفحته شيئًا ..فشيئًا ، تتبادل كل واحدة دور الأخرى في تجلية جزء .. جزء حتى ينتهيان من خريطة الوجه ثم تغسلان الوجه باللبن ، عندئذ تأملت وجه أمونة المحتقن من شدة الحمرة وتلك الحمرة الممتزجة مع البياض الذي ازداد نصاعة ، وحاجبيها اللتين تحولتا إلى خيطين حريريين حمرواين ، أصبح وجهها جديدًا شابًا متوردًا ، عندما يطمئنن على نجاح عمليتهن مثل طبيب محترف ، ينتقلن إلى مساحة جديدة داخل الجسد ، يخلعن العباءة التي تعيق تحركاتهن الدقيقة الماهرة ، تتأمل كل واحدة إبط الأخرى ، يفحصن بدقة ثم تأتي مرحلة الإزالة ، بعدما ينتهين ينتقلن إلى الذراعين ، الساقين وفي تلك اللحظة يتم طردي شر طردة ، في المرحلة قبل الأخيرة .

يدخلن في طقس التحرر ، العري الكامل ، أتلصص عليهن من ثقب الباب..أتسمع تأوهاتن المصاحبة في اجتثاث الأعشاب الضارة التي تجرأت ونبتت في دلتا الجسد المثلثة حول ذلك العضو المقدس ، قاعدته للشمال ورأسه للأسفل ، يترعرع داخل أرض خصبة يتم تمهيدها كي يزحف عليها ذلك الثعبان المتوحش الذي يزحف بين غاباتها ببطء ، ويتسرب خفية داخل سراديبها يتداخل فيها ، يتصلب ، يتضخم ، يوحد كل قواه لكي ينتصر في تلك المعركة الرجولية وعندما ينتهي من التهام فريسته يتدفق بماء سري بطريقة سرية كلٍ حسب فحولته وعندما تزداد الرواسب وتغلق السراديب يأتي الفيضان الدموي الشهري يطهرها لمدة أربعة أيام على التوالي ، محرم علي الرأس الثعبانية أن تنغرس فيها .

انتهين من تشذيب الغابات وتمهيد الطرق المؤدية إلى المتاهات ، عندئذ تحضر أمونة أكبر آنية من النحاس وتملأها بالمياه ويحملنها جميعًا ويضعنها فوق الكانون تسخن المياه ..يرتفع بخار الماء ، تحضر كل امرأة طستها ويبدأن طقوس الاستحمام كل اثنتين في طست ، كما فعلن في المرة السابقة تتناول إحداهن جزءًا.. جزءًا تبلله بالماء.. تدهنه بالصابون المعطرثم تفركه ، تتبادل الأولى مع الأخرى

ثم تمسك كل واحدة منهن حجرًا من الطوب الأسود وتفرك به كعبيها، تزدادان احمرارًا ، يختمن الطقوس بتجفيف أجسادهن ، يتأملن أجسادهن في تحاسد وتباغض، ولا تنسى كل واحدة أن تلمس جسد الأخرى؛ لتعرف كم رطلًا زادت عن الأخرى عن المرة السابقة ،كم تجعيدا جديدا انضم لسابقه و احتل وجهها ورقبتها ، ، ينتهي المشهد الالياذي بمجرد اختفاء تلك الأجساد الشهية الطرية الناعمة الطازجة الجديدة أسفل الملابس ، تنتظر حفرها ، وحرثها ، وريها بطريقة سرية.

Nada [email protected]

كرم الضيافة

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

صرخت في وجهي تلك المرأة التي تشبهك

_” لست أنا من تريدين ”

قلت مستغربة

_ “ماذا تقصدين؟”

_ ” أنا التي أسأل هنا ، أنا صاحبة هذا المنزل الذي اقتحمته دون استئذان وانتزعت هدوئي الذي أساوم عليه زوجي طيلة الأسبوع من أجل أن أحصل على ليلة واحدة ، أقضيها مع نفسي لم أترك ابني لأبي لكي أستمع إلى سخافاتك ؟

_ “تقصدين ابنك آدم ؟ ”

_ “كيف تعرفين ابني ؟! ”

_” رأيته عند والدك الذي طردني منذ ساعتين كما تطردني الآن ”

لم يكن أمامي سوى المغادرة ، خرجت ؛ صدمني هواء شديد البرودة جمد تفكيري ، لا أدري برودة الجو أم بروده تلك المرأة ، بالرغم من أن الساعة لا تتعدى الثامنة مساء ، لكنني عندما تأملت المكان في الخارج كأنه كتلة من الظلام الطيني ، لم ألمح سوى بعض الكلاب الضارية وأصوات الصراصير والضفادع تصم الآذان ، أسرعت بالدخول ، لكنني هممت بالخروج مرة أخرى ، استوقفتني المرأة التي تشبهك

_”يمكنك قضاء الليلة هنا ، إذا كنت ترغبين ”

لكنني لا أدري كيف سأقضي ساعات الليل الطويلة مع تلك المخلوقة البغيضة ، لها نفس تقاطيع جسدك الوسيمة، لكن لا تمتلك روحك المتسامحة ولا إرادتك القوية التي استطاعت أن ترفض أمير جماعة الإصلاح مرتين وتشكل حياتها كما تريد ، لا يمكن أن يقع أحمد في حب تلك المرأة الحقود ، اختفت في الداخل ثم خرجت تحمل صينية مملوءة بأصناف الطعام الريفية الشهية :” عسل نحل ، فطير بلدي ، جبنة قديمة ، كتلة من الزبد طازجة و رغيف خبز بلدي مُلدَّن ”

_ ” كل هذا هدية من سكان مزرعة الكروم عندما يعلمون بحضوري يرسلون لي الطعام طيلة وجودي هنا بالرغم من عدم وجود علاقة بيني وبينهم ، كل واحد يرسل صنفًا مختلفًا عن الأخر ، إذا كنت تريدين مطبوخات ، فهناك في المطبخ (محشي ، وملوخية بالأرانب )”

_ ” بصراحة أنني جائعة، لم أتناول سوى وجبة الإفطار ، وضعت شبيهتك الصينية أمامي واختفت ، لم أدر المدة التي أخذتُها في التهام تلك الأصناف الشهية ، لكنني تناولت كميات كبيرة من الطعام قضيت فيها على كل قوانين الحمية ثم تفقدت منزل الكروم الذي وصفته لنا ندى بدقة ، حتى الكنبة التي أجلس فوقها ، بالفعل منجدة بالستان الأحمر ، احتجت إلى البحث عن الحمام ، إنه صغير جدًا عبارة عن قاعدة بلدي ، دش وطشت ، ليس به سخان ، وطبعًا ، لن أستطيع أخذ شور بارد ، تأملت المطبخ الذي يواجه الحمام ، إنه أيضًا صغير به بوتاجاز مسطح من ثلاث عيون ، عدة أطباق ، براد فوق الرخام عندما لمسته ؛ لسعني فوجئت بجواره كوب شاي ساخنًا .

مريم المجدلية

Mazen @yahoo.com

Barzkh [email protected] النداهة

مرحبًا / صديقي الشاعر

أشعرتني أنني أحكي لك فيلم البؤساء ، الفقر ليس له وطن ولا زمن معين ، لكنني كنت أراه بمثابة ال Background لحياتي أفكر ، كيف أدبر مصاريف الدراسة ، وشراء الكتب ، واشتراكي في الكوفي نت ، أصبح عملي في حقل الكروم لا يكفيني مثل حال كل الفلاحين حيث أصبحت الأرض لا تأتي بمصاريفها ، الكل يبحث عن أي وسيلة للهروب منها ، البعض يلجأ للسفر والبعض الأخر الذي ليس لديه مصاريف الفيزا يهرب إلى المدن الكبرى مثل القاهرة أو الإسكندرية ، متى أهرب أنا أيضًا وعندما أنزعج من حالة الفقر التي تسيطر علينا ، أهرب إلى شباك القطار ، أتأمل جسده الديناصوري الذي لا يحفل بمن يهرول خلفه ، قرص الشمس الذي يتحداه بأشعته الساطعة الصادمة ، فيدهسها في تكبر ، نغلق أعيننا في تواضع ، يصرخ صرخة تزلزلنا ، تهاجمه بعض أفرع أشجار المانجو يحتك بها ، يكسرها ، تسقط ثمرة مانجو ناضجة على رأس طفل يركب الحمار ، ينزل الطفل ويتناول حبة المانجو و يشير للقطار في رضا ، كأنه يشكره لكن القطار لا ينظر ولا يسمع يسير في طريقه متكبرًا تتقرب إليه أشجار النعناع ، ترسل إليه رائحتها الفواحة يرفض هديتها في جفاء لكننا نتقبلها بكل رئتينا ، يطلق صرخته الأسطورية ، تتأفف منه الأبقار والجاموس التي تتوقف عن طعامها خائفة ، كأنه يذكرها بحيوان تكرهه ، ينهق الحمار لكي يثبت له أن صوته أعلى منه لكن الحمار يصاب بخيبة أمل ، فيصمت ، تشير له النخيل أن يهدأ حتى تطعمه بلحها الأحمر ، يتعامل معها باحترام ، تهدأ ثورته ، أنها أقدم منه في المكان ، يتبادل التحية السريعة مع ثمار الطماطم وحبات الخيار ، فهو يراها كائنات مسالمة ضعيفة ، يقترب من الكوبري تزداد زمجرته ، يدخل في معركة معه ، ينتصر عليه الكوبري ، يبتلعه لدقائق ، أخشى الظلام الذي حلّ فجأة في وضح النهار أدخل رأسي ، أتابع الحياة داخل القطار ، الرجل الذي يحمل حصرًا ، المرأة بائعة البيض ورضيعها ، صاحبة أقفاص الدجاج ، أكياس البصل ، الثوم ، الليمون والغلال المتكدسة سترمى كلها في باطن القاهرة( أتذكر رواية النداهة ليوسف إدريس) ، القاهرة، تنده لرجالنا فيهجرون الأرض والزوجة التي تعاني من الترمل الزوجي إلا من بعض الجنيهات القليلة التي تسد جوعهن ، هناك جوع أكبر يكوي أجسادهن ، نيران تتلظى في أسرّتهن ، لكن الجماعات المتشددة تنذرهن بنيران أشد في الآخرة ” نساء أمتي أكثرهن في النار ” تكفن النساء كنوز أجسادهن في عباءة سوداء كالحة وتبدأ إسفنجية الأمومة تمتص شهواتهن التي تنتفخ كالبالون الذي على وشك الانفجار.

برزخ 16

كانت قنعة تكافئ زينب على حسب مقدار ربحها بأن تساهم في تجهيزها ببعض الأشياء البسيطة( قلم كحل ، صابونة نابولسي ، حجاب من الساتان ، مشد صدر مذهب من فوق الحلمتين) ، وتتقي شر أمونة بأن تشتري لها كيلو سكر ، وربع كيلو شاي ، قررت زينب أن تستبقيها في شهور حملها الأخيرة في البيت على الرغم من معارضة أمونة لهذه الفكرة إلا أنها لم تستطع أن تقف أمام رغبة زينب ، ليس لقوة شخصية زينب بل كانت زينب فتاة مطيعة ذات صوت منخفض ، طلباتها تكاد تكون معدومة ، إذا طلبت فأنها تطلب لغيرها ، كان جسدها ضئيل وضعيف بعكسي أنا ولدت ذات جسد قوي كامل ، اتهمتني أمونة بأنني كنت آكل غذائها في الرحم ،كنت أرقد فوقها ولم أعطها فرصة لكي تنمو نموًا طبيعيًا ؛ مما جعل أمونة تضعها تحت الوعاء الفخاري لمدة أربعين يومًا ، ترضعها ثم تعيدها تحت الوعاء الفخاري ؛ فطمتني قبلها بشهرين ، لذا كانت زينب البنت الوحيدة التي تم إرضاعها لمدة ثمانية أشهر ، كانت تحبها أمونة ؛ لأنها شديدة الشبه بها وأنا شديدة الشبه بأختي زينب ، لكن يفرقنا تفصيلات صغيرة ، فشعرها ناري مثل موج من النحاس النقي ، ذات وجه شاهق البياض لدرجة كانوا ينادونها ” يا بلوظة ” بينما جلدها شاحب رقيق يميل للاصفرار ، صوتها منخفض ملائكي ، عكس تقاطيعي الواضحة المحددة بصوتي الجهوري و شعري الطويل المتمرد حتى يصل لفخذي وعيناي تميلان للاحمرار عندما أغضب ، فكانت أمونة تقول

_” زينب نسخة مني عندما أكون ملاك و ندى نسخة مني وأنا شيطان ”

أما حُسينية كانت جميلة لدرجة أنك لا تستطيع أن ترفع عينك عنها أو تتأمل غيرها ، جميلة جمال يرويك حتى السكر و لا تستطيع وصفه ولهذا السبب لم يمر سوى شهرين واستولت على قلب رجل البوظة و نسي زينب وابنه آدم وحققت ما عجزت زينب عن تحقيقه ، أقنعته بأن تسكن معه في الاسكندرية تاركين آدم في رعاية أمونة التي كانت في شهرها الأخير لحملها التاسع فكانت أختاي ” قنعة ونجاة ” تساعدانها في رعايته ، أنهما تشبهان أبي ، بشرتهما قمحية وتقاطيع وجهيهما حجرية منحوتة في عظام بارز جاف ،كأنهما وجه مومياء فرعونية ، لهما عينان غائرتان سوداوان وفم واسع بشفتين شهوانيتين ممتلئتين ، وأنف طويلة وجسد متطلب قوي شره ، كمهر تدرب كثيرًا ويموت شوقًا لدخول سباق يرجو فيه تحقيق نصر عظيم ولكن تقف أمامه عقبة بخل زوج قنعة ، وكبر سن زوج نجاة ، ورغم أنني انعزلتُ عنهما بعد موت زينب إلا أنني كنت أتلصص عليهما عندما يجتمعان معًا في حجرة الأسرار من نفس الشباك الذي كنت أتلصص منه على نسوة أمي وهن يمارسن طقوسهن ، هي إحدى عاداتي السيئة ، لولا تلك العادة لما تعرفت على تلك التفاصيل التي أحكيها لكم اليوم

_” فيه العبر بخيل والفقر ما بيفارقهوش ؛ حوجني لامك الست أمونة اللي زيه في البخل والشتيمة

تلومها نجاة ”

_” ما تكلميش على أمك كده ”

تربت قنعة على كتف نجاة

_” بخلها هو اللي باعك لراجل أكبر منك بتلاتين سنة ”

تنهدت نجاة في حرقة

_ “احمدي ربنا على الأقل جوزك لسه شاب ، ممكن الحظ يعطيه ويتغير ، لكن كنت هاتعملي إيه بالفلوس مع راجل عجوز كهنة ؟ ”

ترد عليها قنعة وعيناها تأكلان رقبة نجاة المزينة” بكوليه ثلاثة أدوار من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة الزرقاء مكتوب عليه “سبحان الخلاق ” تردد في نفسها :

_”سبحان العاطي بدون حساب ”

تتحسر على نفسها

_ ” الفلوس يا ختي تعمل المعجزات ، فيه حبوب مستوردة للحاجات دي ، أما الفقر مالوهش حبوب ولا دوا ”

تضع نجاة رأسها في حجر أختها وتشم قنعة عطر نجاة ، تلامس شعرها الحريري ؛ تطلب منها زجاجة عطر وعلبة شامبو ، تهز قنعة رأسها بالموافقة

_ ” لو كنت مكاني لتقيأت من شدة القرف ، لما يعفص بصباعه جواكي ويطلب منك أن تمصي قطعة جلد مرتخية سوداء منكمشة ذات رائحة نتنة كمصران كلب ميت”

تزيح قنعة رأس نجاة من فوق حجرها

_ “بس .. بس هاتخليني هأرجع ”

تخرج نجاة مرآة صغيرة من صدرها ، فهي دائمًا تخبئها بين نهديها العذريتين ، تتأمل حاجبيها السوداوين ، ترى بعض الشعيرات المتطفلة ، تخرج الملقط من جيبها ، تنزع تلك الشعيرات المتمردة

_ ” امال أنا اعمل إيه كل ليلة في الارف ده ؟ ”

اعتدلت قنعة في جلستها

_” فاكرة الست حلاوتهم اللي جوزها مسافر ، ديما كانت بتستخدم الخيار ”

ضربتها نجاة على ردفها

_” قومي من جنبي ، انت بتهزري ، ودي تدخل ازاي ؟ ”

امسكت نجاة تضربها بالوسادة في وجهها وهي تتلقاها ، حاولت قنعة أن تفهمها قصدها

_” فيه رجال ممكن تكون زي الخيار”

يتضاحكان ، تميل كل واحدة على الأخرى من شدة الضحك حتى فوجئتا بصوت أمونة

_” اتلم المتعوس على خيبان الرجا ، قومي يا ست قنعة خدي بناتك وروحي ع بيتك ؛ هنا مش وسية ، وانتي يا نجوته يا أمورة كل يوم والتاني تنطي لنا هنا وجوزك ده ما لوشي حقوق عليك ”

وقفت نجاة ، لملمت شعرها وأرقدته في رقة أسفل الحجاب كأنه رضيع

_ ” لما آخد حقي منه الأول ”

عندئذ انحنت أمونة وخلعت فردة حذائها وضربته في وجهها ، كاد أن يقلع عينها اليسرى ، قبل أن يكتشفن تلصصي عليهن ،هربت بسرعة واختبأت في حجرتي ، أمسكت برواية دعاء الكروان لطه حسين ، لكن صراخ نجاة يصم أذني

_” أنا مش راجعة له تاني ”

هرولت خلفها أمونة وهي تمسك بفردة القبقاب الأخرى

_ ” يا فاجرة ”

أحاول استئناف القراءة

_ ” أود أن أقارن بين الرواية والفيلم” كنت بالتحديد أبحث عن فاتن حمامة داخل الرواية ، فجأة شعرت بالكل يهجم على حجرتي ، نجاة أولًا وخلفها أمونة وخلف أمونة قنعة التي تحمل ابن زينب وتدس في فمه الببرونة (مازلت أتخذ منه موقفًا عدائيًا ) توقفت أمونة عندما اختبأت نجاة خلفي فقد كانت تتحاشاني منذ ذهابي إلى مركز الشرطة ، أمونة تحاول أن تصل إلى نجاة التي تتحرك يمينًا ويسارًا خلفي كالبندول ، بدأت تلهث و نهديها العملاقين يرتفع إحداهما والأخر يهبط وكأنهما في سباق ، تحاول أن تصرخ في وجهها ، لكن يمنعها اللهاث

_” يظهر الولية أم شحاتة بنت الكلب معرفتش تقطعه كويس ، أنا اللي هاطاهرك “”

ثم تستأنف الجري خلف نجاة ، أمونة تصرخ

_” هاتجيبنا العار يا محروقة ، ياريت أم شحاتة خنقتك أول ما اتولدت ”

عندئذ عمّ الصمت ، ذلك الصمت المربك المشحون بالاتهام ، سقطت الببرونة من يد قنعة فصرخ آدم ، تلاقت عيني بعين أمونة ؛عندئذ خفتت أمونة عينيها ، اقتربت منها أكثر ، كدت أقع في حضنها ، لكنني توازنت ، سألتها السؤال الذي دار ولف معي سنة وسبعة أشهر منذ ولادة عنايات وموتها فور ولادتها

_” انتي كنت عارفة أن أم شحاتة هي اللي خنقت عنايات ؟ ”

عندئذ ثارت ثورة أمونة و ارتبكت تركت معركة نجاة واستدارت لي

_ ” انت بتحاسبني يا معفصة ، اكتمي خالص ، مالك بتبصي لي كدة ليه ؟ ”

_ ” عايزاني أبصلك ازاي ؟ ”

_”المدارس هي اللي عملت فيك كدة ”

_ “عملت ايه المدارس ، ده مجرد سؤال ”

_”لأ ، المدارس خلتك قليلة الادب ، ومن هنا واريح ما فيش مدارس ، والرجل اللي بخرطوم تفكتريه .. هو اللي هايجوزك ”

_ “لأ ، مش هاتجوز ”

_ “لأ ، هاتتجوزي ، النسوان كلو وشي بيقولوا ” إنك طلعت في المقدر” لازم نكشف عليكي ”

_ ” تمام ، انا موافقة ، بس بعد ما اثبت لك عذريتي هامشي من هنا وأعيش مع جدتي ”

_ ” اتحرقي انتي.. وهي ، بس لازم ننضف سمعتنا الأول”

Barzkh [email protected]

التعليم هو الحل

مرحبًا أيها البرزخيون

أتفهم شعوركم باليأس ؛ بأن جميع المظاهرات التي أقدمت عليها الحركة باءت بالفشل ، لستم وحدكم ، هناك تنظيمات أكثر منكم قوة وتماسكًا لم تستطع أن تحقق شيئًا لا بالحرب ولا المهادنة ، أتعلمون لماذا؟ لا أريد أن أحبطكم لو قامت ألف ثورة سوف تفشل ، ماذا تنتظرون من شعب نصفه أمي والنصف الآخر تحت خط الفقر؟! ، سيأتي بالتأكيد من يستغل الثورة لصالحه ولن يتحقق ما سعينا من أجله ، لن تكون هناك حرية أو عدالة اجتماعية في مجتمع جاهل ، التعليم هو الثورة الحقيقية ، هو الذي سيخلق جيلًا واعيًا بكل حقوقه ، يدافع عنها ، لا يجره مدّعيًا سواء كان في الدين أو من يدعون أنفسهم نخبًا سياسية ، أو من يعتبرون أنفسهم أوصياء علينا يحكموننا بالحديد والنار ، أعلم أنكم لن تقتنعوا بما أقول وربما كنت سأفكر نفس تفكيركم لولا تجربتي عندما كنت طالبة في الفرقة الأولى ، قررت فتح فصل محو أمية لأهل القرية ، الرجال رفضوا الحضور وسخروا مني

_” ما بقاش إلا النسوان هم اللي يعلمونا ؟!”

ومن بين النساء الثلاثين اللاتي مررت على بيوتهن لم يوافق منهن سوى خمسة ، ضيعت شهرًا في إقناع خمسة فقط وضيعت شهرًا آخر في إقناع مدير المدرسة الابتدائية إلى أن وافق على منحنا فصلًا وبعد كل هذا باءت التجربة بالفشل ، هؤلاء النسوة كن يكثرن الغياب ، وإذا سألتهن يعطينك ألف عذر سخيف

_” كان عندي غسيل ... ”

_ ” الجاموسة خلفت “.

_ ” جوزي منعني ..”

_ ” طفحت الدم في تعليم أولادي وأهم قاعدين لا شغله ولا مشغلة

_ ” أنا ها اعمل ايه بتعليمي؟ يشغلوا بس الشباب دول ”

ولما قرأت عن ترتيبنا في التعليم وعرفت أننا في ترتيب قبل الأخير على مستوى العالم ، سألت نفسي “ما نوعية المنتج الذي سيخرجه هذا التعليم الفاشل؟ ” أي شعب مهما كانت درجة فقره يقيس قوته بعدد علمائه ومفكريه ونخبه السياسية ، لا يعقل ،أن يكون هدف عدونا إنتاج نخبة من الباحثين العلماء في شتى المجالات وتطوير المواهب الفردية والوصول بها إلى أعلى درجات ، و نحن مازلنا نحارب أمية القراءة والكتابة ، علينا أن نسأل أنفسنا ” ما الذي نهدف إليه بهذا التعليم المزرى ؟”

برزخ17

ختان الذكور يتم في وسط فرحة كبيرة ، يشارك فيها كل أهالي القرية ، يأتي الطباخ ومعاونيه خصوصًا لكي يطهو كل أصناف الأطعمة المختلفة ، يتم ذبح العجل في نفس الوقت الذي يتم فيه ختان الولد ، وسط زغاريد أهل البلد كلها ، يلقون فوقه الحلوى ويرشون الملح وهم يغنون

_ ” يا أم المطاهر رشى الملح سبع مرات”

تأخذ الأم الجزء المقطوع ، تضع معه قطعة نقدية (كلٍ على حسب مقدرته) وتصرها في قصاصة من القماش وتلقيها في الاتجاهات الأربعة لأي طريق رئيسي (كي يكون محظوظًا وتتدفق عليه الأموال من كل الجهات) و يتم إحياء الليلة بالذكر والأناشيد الدينية ، يتأرجح الأب ورجال القرية مع المنشد في فخر وانتشاء إلى أذان الفجر

أما ختان البنت يتم في الخفاء ، في حجرة الفرن الموجودة بالجزء الخلفي من زريبة البهائم ، تلك الحجرة المنخفضة المظلمة السرية التي تقبع في أقصى المنزل ، ليس في حضور الأب ، إذا كان لديها إخوة ذكور يجب إبعادهم ، كأنهم يشعرون بالخزي ، تأتي أم شحاتة متخفية ليلًا ، تتأبط صندوقها الصدئ بحرص كأن بداخله كنزًا ، تنظر لي نظرتها النارية بسبب اتهامي لها في مخفر الشرطة لذلك أبي طردها من بيتنا الذي كانت تسكنه ليل نهار وتمارس فيه كل أعمالها الطبية الغير شرعية كالختان ، والإجهاض لكنها اليوم عادت مرة أخرى تحت حجة الختان تلك الشعيرة البغيضة ، هرولت هاربة مني سريعًا إلى حجرة الفرن البلدي التي تعرفها جيدًا ، لم تلاحظها نجاة ، لأنها كانت تمشط شعر حُسينية ، دخلت أمي علينا ، صرخت في وجهنا ، كأننا نشغلها عن أمر سماوي

_ ” سبيها؛ تسرح لها ندى ”

ثم جرجرتها وهي تحذر حُسينية

_” الدور عليك ”

انكمشت نجاة فجأة ، يدها ترتعش ، أسقطت المشط فوق الأرض ، انحنيت كي أحضرها ، رأيت ساقيها ترتجفان ، رفعت رأسي ، تواجهت أعيننا ، اختفى الضوء الذي ينير صفحة وجهها فجأة ، علاه اصفرار كئيب ، الدموع الساخنة الصامتة تسيل فوق خديها ، لماذا لا تصرخ ؟ لماذا تكتفي بالدموع الصامتة ؟ إذا كان ممنوع علينا أن نضحك بصوت عال( فهذا ينافي قواعد الأدب هنا في هذه القرية الملعونة ) ، هل ممنوع علينا نحن الفتيات أن نبكي بصوت عال ؟ اختفت بدموعها خلف أمي ، رميت المشط ، وطردت حُسينية وانتقمت من نفسي ، نكشت شعري ، انتشر يغطي وجهي ، فلا أرى شيئًا سوى احمراره يشعل كل ما حولي ، يحوله إلى حالة دموية ، اختفت معهما قنعة ، بحثت عنهن ، تسللت من الباب الخلفي للزريبة ، الباب الذي يدخل منه البهائم ، وراقبتهن من الشباك الذي يطل على حجرة الفرن ، إنها نفس الحجرة التي تتم فيها الأعمال السرية و التي كانت تدير فيها أم شحاتة أعمالها القذرة ، أمسك بحديد الشباك ، إنه نفس الشباك الذي أتلصص من خلاله على طقوس أمي ونسوتها وأتسمع لأحاديثهن المحرمة ، تحجرت عيناي على منظر نجاة وهي ترقد عارية تمامًا فوق حصيرة من القش القديم مفروشة فوق كومة من تبن البرسيم ، قنعة تمسك فخذها الأيمن وأمي تمسك فخذها الأيسر يضغطان عليهما ، تمسك القابلة” أم شحاتة ” الموس في يدها ، أنه تقريبًا نفس المشهد الذي أشاهده عندما يأتي الجزار ويخصي الخروف حتى يربي لحمًا وشحمًا فيكون جاهزًا لذبحه في العيد الأضحى ، في نفس المكان تستغيث نجاة

_” مش عايزة يا ماه ، أبوس أيدك وحياة اللي ميتين لك ”

تصرخ أمي في وجهها

_” اخرسي أمال هاتجوزي يا بت كيف ؟ ”

دموع حُسينية تسيل في صمت ، فقد وقفت بجواري تشاهد المذبحة ، تضع يدها فوق فمها حتى لا يسمعن نحيبها سيأتي الدور عليها فقد تقرر زواجها من زوج زينب بعد زواج نجاة بشهرين وطبعًا ، لابد من هذا الطقس الدموي ، طلبت أمي من أم شحاتة أن تقطع بزيادة

_” أتوصي يا أم شحاتة ، أحسن يطول تاني قبل الزواج زي ما حصل مع البت سنية و اتطاهرت تاني في ليلة جوازها وكانت فضيحة ”

بدورها تطلب أم شحاتة منهما أن يوسعا فخذيها إلى أقصى اتساع حتى التمزق ، فتتسع زهرة عضوها وأصبحت البتلة ظاهرة واضحة صغيرة دقيقة ، بدّلت موضع الموس كان على الحافة ، خفضته ، يكاد أن يكون في المنتصف ، طلبت منها أمي أن ترفع الموس قليلًا

_” يا خرب بيتك يا ولية انت هاتضيعي البت”

ترفع أم شحاتة يدها في غضب

_ ” حيرتيني يا أمونة ، انا ها اخدم بنتك ، ده ها تجوز راجل أكبر منها بتلاتين سنة ، كفى الشر وبرة ،البت تطلع في المقدر ”

غضبت أمونة غضبًا شديدًا ولامتها قنعة التي تشارك في عملية البتر

_ ” لأ ، يا روح أمك ، بناتي مؤدبين مش زي البنات اللي انتي عارفاهم ؟”

حاولت أم شحاتة أن تمتص غضب أمونة

_” ونعم الأدب و الجمال والكمال ، أنا قصدي ،علشان البنت ما تكرهشي حياتها ”

صرخت أمي في وجهها مرة أخرى

_” قصدك إيه ولية؟ أنا بارمي بناتي ؛ الراجل عنده عشر فدادين وبيت ملك غير مكسبه من تجارة الفاكهة ”

أرادت أم شحاتة أن تنهي الموضوع ، قد تركت جارتنا أم ايرين في حالة ولادة تقريبًا ، يجب أن تعود إليها بسرعة ، قبل أن ينزل المولود بمفرده ، مثلما حدث ليلة أمس مع أم بكر ، حيث تركتها في طلقها الساخن ، وذهبت كي تزين عروسًا ، عادت فوجدت بكرًا في حضن أمه ، قطعت له الحبل السري ، ولم تحصل إلا على ربع أجرتها ، قبّلت رأس أمي

_ ” ونعم العريس ، علشان تعرفي انا بحبك ؛ انا هاقولك على سر يشفي غليلك من ” حلاوتهم مرات حامد النجار” ، اللي عاركت معاك الأسبوع اللي فات ”

تقطب وجه أمي ، تذكرت سبب شجارها مع حلاوتهم

_” قطعت.. وقطعت سيرتها ، بتتعايق عليا بالعباية القطيفة الانجليزي الحمرا اللي بعتهلها جوزها من السعودية ، والنبي لتطلع فيها زي شوال التبن ”

حاولت أن تصل أم شحاتة إلى الجزء المضحك في الحكاية بسرعة ، عندما كانت حلاوتهم تمارس العملية الجنسية الأحادية عن طريق حبة الخيار

_” الخيارة اشفطت جوة ، وهي فضلت تصرخ ، حاولت طول الليل لحد ما النهار شقشق ، علشان اسحب الخيارة من جوه ما عرفتش ، رحنا المستشفي وكانت فضايح ”

تلك الحادثة أثلجت قلب أمي ، استطاعت أم شحاتة إرضاء أمونة لدرجة أن أمونة ضحكت بعنف وكأنها كومة من التبن متناثرة في كل مكان. لم تستطع السيطرة على جسدها ، لذا استلقت على القش بجانب نجاة ، وكأنها ثور سقط متعبًا. بعد يوم شاق ، تنهمرالدموع من عينيها من قوة الاصطدام.

_ ” فهي دائمًا تتفاخر عليا بهدايا زوجها:غوايش دهب ، عبايات غالية ، تكييف .. ”

ثم تتخيل المشهد مرة أخرى تعيده مرارا وتكرارا دائما تثيرها مثل هذه المواقف الاستثنائية

_ ” كل الهدايا ماتسويش شيء.. قصاد حرمانها ، هي الرجالة طلبها إيه إلا الحاجات دي ”

نفذت أم شحاتة تعليمات أمي ورفعت الموس إلى أعلى فأصبح في الثلث العلوي ثم ذبحته ،عندئذ صرخت نجاة ، نعم.. صرخت بعمق حنجرتها ، عندئذ نهرتها أمي

_” اخرسي، يا مفضوحة ، هو احنا بنعمل فيك معصية ؟”

وضعت لها الإيشارب في فمها فأصبح أنينها مكتومًا ،عندئذ قفزتُ من الشباك وهجمتُ على أم شحاتة كلبؤة تدافع عن صغارها ، عضضتها في حلمة ثديها هي التي دخلت إلى فمي طواعية وأنا أبحث عن مكان استراتيجي ، فالعض الوسيلة الوحيدة التي كنت أدافع بها عن نفسي ، أمسكتني من أنفي كي أترك حلمتها ، لكنني مصرة على قضم قطعة لحم منها ، دفعتني أمي بكل قوتها ، انتبهن لنجاة التي فقدت الوعي ، رششن المياه فوق وجهها ، قدمن لها كوب ماء مذاب فيه سكر ، بصقت في وجوههن الجلدة التي انتزعتها من حلمة أم شحاتة وهربت .

Nada [email protected]

Barzkh [email protected]

حجرة العزل

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

بمناسبة التعليم الذي تحدثينا عنه ، إنه السبب في عدم ردي عليك خلال الفترة الماضية لأنني في حجرة العزل ، تلك الحجرة التي وضعتني فيها أمي بعيدًا عن إخوتي ، بعيدًا عن الحياة نفسها ، أنا أكلمك اليوم بدون إذن أمي ؛ ذهبت لكي تشتري لي التوقعات المرئية في الفيزياء مع أنني مصورة مذكرات تملأ عربة كارو مثل عربة أبي الحارث جاركم ، تنتظر بائع الربو باكيا ، قالت أمي بنبرة حزينة مملوءة بالغضب

_ ” لازم نبدأ من الإجازة كفاية مجموعك الكارثي في المرحلة الأولى ”

_”مجموع 97% مجموع كارثي”

أشعر أنني أحرث الماء ، كل المجهود الذي بذلته لكي أحظى باحترامها ضاع هباء

_ “لا تجادليني ، مجموع زي الزفت ، بصي لبنت عمتك سارة ”

ثم صمتت ثواني كأنها تفكر في معضلة فزيائية ثم قالت في حزن

_ ” أنا هاحضر معك كل الدروس وها ذاكر معاك زي مايكون هامتحن معاك ،هاروح معاك الامتحان ، بس هاقف بره ، آه لو دخلوني معاك ”

تريد أمي مني أن أحصل على المركز الأول في الشهادة الثانوية ، يا حبذا على مستوى المنطقة التعليمية ، عندما أخيب أملها فلن تقبل مني سوى المركز الأول على مستوى المدرسة وما دون ذلك لن تقبله ، وإذا حدثتها عن حرارة الجو و بإمكاني المذاكرة في المصيف وأن أخواتي يحملونني السبب في حرمانهم من المصيف تصرخ في وجهي

_ “مصايف إيه وبحر إيه اللي بتكلمي عنها ، أنت مش عارفة أنك في الثانوية ؟ ”

كأن الثانوية العامة مصطلح علمي لم أفهمه حتى الآن ، وكأن الثلاث درجات التي نقصتها في العام السابق في المواد التي امتحنتها إثم عظيم يجب التكفير عنه بحرماني من الاستمتاع بالإجازة ، ولو كان لديك كاميرا تجديني داخل حجرتي التي تشبه حجرة العزل بالمدرسة المعدة لطالب مصاب بمرض الجدري ممنوع عليه مخالطة الآخرين الأصحاء خوفًا من انتشار المرض ، الفارق الوحيد أن الآخر يستقبل الأطباء الذين يعاملونه بلطف وابتسامة على وجوههم وهم يغرسون في مؤخرته إبرة كلسعة دبور ، أما هؤلاء المدرسون يشبهون ملوك الشر في برامج الكرتون يدخلون عليّ بالنظارات (قعر الكوباية ) والوجه العابس ثم يتركوني أتعامل مع كم من الواجبات التي تسبب لي صداعًا نصفيًا ونفسيًا

_sorry.. فتاة الطين أنا مضطرة أسيبك الآن ؛ عندي درس فيزياء !

صديقتك / مريم

Nada [email protected]

Barzkh [email protected]

التعليم بالألوان

صديقتي /فتاة الطين

مرحبًا يا أم التعليم ، أي نوع من التعليم تتحدثين عنه ، فالتعليم لدينا بالألوان فهناك التعليم الخاص والتعليم العام ، الخاص لديه مدارس عادية ، مدارس لغات : مدارس فرنسية ، انجليزي ، ايطالية ، ألمانية ، وأخرى يابانية ، ولدى التعليم العام الحكومي مدارس تجريبية والعادية والمدرسة ذات الفصل الواحد ، داخل المدرسة الواحدة فصول للمتفوقين وأخرى للمتخلفين ، أما التعليم الفني كارثي ، فالمدرسون أنفسهم يحتاجون إلى من يعلمهم ، و السوق السوداء للتعليم يضم مراكز تعليمية معترف بها أي مرخصة ، لها من الفُجر أن تعلن عن تجارتها التعليمية فوق جدران المدارس الحكومية ؛ منتهى التشويه والاستهزاء وهناك الدروس الخصوصية غير المعترف بها وتتم في (بير السلم ) وحتى التمزق وصل إلى طريقة التعلم ، فهناك الطريقة النورانية والقرائية والجزئية والكلية واستراتيجيات التعلم حيث هناك التقليدي في مقابله التعلم النشط وطبعًا ، التعليم العالي يتبع التعليم ما قبل الجامعي في التشظي ، أحمد خريج كلية سياسة واقتصاد وآخرون خريجو اقتصاد و علوم سياسية ، وأنا طالب في كلية تجارة خارجية ، هناك انجليزية و تجارة عادية ، وهنالك معاهد عليا في المحاسبة والسكرتارية وأخرى متوسطة وأنت خريجة تربية قسم اللغة الإنجليزية نفس القسم في الآداب وفي الألسن وكذلك قسم اللغة العربية يدرس في كليات ال آداب ، تربية ، دار علوم ، ومع ذلك ورغم كل التشظي والتناقضات والتنافر في المناهج التعليمية التي لا تمت للواقع بشيء ومافيا الملخصات ، في النهاية أثبتت الحكومة إعجازها حيث وحدتنا تحت شعار واحد البطالة ثم البطالة إلى الأبد ، كل أنظمة التعليم والتعلم المتباعدة المتنافرة نجحت في تخريج جيل من الشباب يحمل قيمًا مختلفة متنافرة مع بعضها البعض ، يتنمر كل بالآخر ، البعض يرى نفسه أفضل من غيره أو البعض يجد نفسه في مرتبة دنيا عن الأخر ، فيعم الحقد وننفذ بأيدينا المخطط ألإبليسي” فرّق.. تسد ” ونظل عبيدًا لتلك الأنظمة الدكتاتورية العتيقة.

الباشا تلميذ / الشاعر مازن

Barzkh [email protected]

ندى الغبية مرشدة سياحية

مرحبًا أيها البرزخيون

عندما كنت طالبة بكلية التربية كنت أشترك في معسكرات تابعة لمركز الشباب والرياضة ساعدني ذلك على التعرف على أماكن مختلفة والالتقاء بأفواج من السائحين كنت أدعوهم لزيارة الفيوم واستطعت أن أستميل بعض السائحين الذين تواصلت معهم عن طريق الإميل من خلال كوفي نت أمام كلية التربية ، طلبت من صاحبها أن يعمل لي إميلًا ، علمت بعد ذلك أنه يتصفح الإميل الخاص بي ويقرأ الرسائل التي كانت تصلني ، فبحثت على النت كيف أغير كلمة السر ، في اليوم التالي لاحظت الغيظ ينفجر من وجهه

_” الساعة بجنيهين”

تجاهلته ، أنا أفكر كيف سأتدبر مصاريف نت؟ ألا يكفيني الأساتذة التي تحاول أن تبتزنا ، قررت ألا أشتري الكتب التربوية سوف أصورها ضحكت من استخفاف بعض الاساتذة بنا ، لأنها مصورة أصلًا

نصحني أحد زملائي الذي يحاول التقرب مني

_ “لازم تشتريها ؟”

_” ليه؟ ، إنها مجرد هراء ”

_” لأن الدكتور واضع كوبونًا في نهاية الكتاب تكتبي فيه اسمك ، عنوان الكتاب واسم الدكتور ”

استغربت ” لماذا ؟! ”

_ “حتى يضمن أنك قمت بشرائه وإذا لم تعطه الكوبون سوف ترسبين في المادة”

كيف سأتدبر ثمن الكتب؟ ” كده الحكاية جابت آخرها معايا ” ، فكرت أن أعمل مثل الطلاب الذين التقيت بهم في مهرجان الفنون في أسوان ، أنهم يعملون في مجال السياحة

_” نعرفهم على أماكن جديدة مختلفة لما ينبسطوا بيعطونا اجرتنا بالدولار”

فكرة حلوة ،على الأقل أوفر مصاريف الكلية وربما أستطيع أن أشتري كومبيوتر مستعملًا ، بدأت أتواصل مع السياح عن طريق النت وأدعوهم لزيارة الفيوم ، البعض استجاب وجاء لزيارة الفيوم وبالفعل استضفت صديقين من امريكا في منزل جدتي التي تخلت لأول مرة عن سريرها النحاسي ذي الناموسية من الستان الأحمر ونامت معي في تلك الليلة فوق المصطبة في حجرتي الطينية ، فرح السائحان كثيرًا بركوب الحمار ، وأجلستهما أسفل أشجار الكروم وقطفت لهما عناقيد عنب طازجة ، فأكلاها في نهم ، أرشدني الفلاحون إلى أماكن فيها أثار مجهولة لا تعرف الحكومة عنها شيئًا في البارودية وإطسا ، وقرى في مركز طامية وذهبنا معًا إلى هناك وذهلت معهما من جمال الآثار كأنها حية بألوانها ، تشاركنا اللحظة ، التقطنا صورسل ، وفي اليوم التالي شكراني ومنحاني خمسين دولار ،كانت بالنسبة لي أكبر مبلغ أحصل عليه ، فهو يمثل ضعف ما أحصل عليه خلال موسم حصاد العنب ، فقررت أن أكون مرشدة سياحية وهما وعداني أن ينصحا أصدقاءهما المقربين بالإضافة سوف ينشران الصور على مواقع التواصل الاجتماعي ، وأنا وعدتهما بأن أصدقاءهم سيستمتعون برؤية آثار بكر مخفية ، لكنني لم أكن أعرف أنني فتحت على نفسي بابين من أبواب الجحيم

برزخ18

عملي كمرشدة سياحية أغضب أهم قوتين تحكمان جمهورية الفيوم ، نعم.. ، إنها تكاد تكون مستقلة عن جميع محافظات مصر ، رفعت الدولة يدها عنها منذ الثمانينات عندما أعلن الرئيس المبارك في خطبته

_”إن الفيوم بلد إرهابي ”

منذ تلك الخطبة المشؤمة وأصبحت الفيوم بين رحى قوتين متضادتين تطحنان أهالي الفيوم بينهما ، بين فكي حيوان متوحش يطحن أهالي الفيوم بلا رحمة ، الجماعات الإسلامية التكفيرية التي اعتبرت الفيوم عاصمة للحكم الإسلامي حيث قسموها فيما بينهم إلى إمارات ، كل مجموعة تحكم إمارة ، وكل أمير يتحكم في الناس المحتاجين كأنه ربهم الأعلى ، من يحاول مجرد الاعتراض ، أو الانعزال عنهم ؛ فهو خارج عنهم ، ويجب تحديد موقفه على الفور هل هو معهم أم لا ؟ وجئت أنا لكي أتدخل في شئونهم بطريقة لن تُغفر لي وسأدفع الثمن ، ” بجهل مني اعترضت منهجهم ورزقهم في نفس الوقت ” لم أكن أعلم أنهم أصدروا فتوى تنص على ” إن السائحين كفار ومن يعاملهم آثم وله حق النصيحة ”

ثم يلقون بأدلة شرعية تطابق أقوالهم فبمجرد مصاحبة مجموعة من السياح معنى ذلك أنا أحبهم وأفضلهم على المؤمنين يقصدون أنفسهم طبعًا ، ويرددون على مسامعي قول الله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانا مُبِينًا”[14]

، لكن الحقيقة اتضحت لي فيما بعد عندما طلبوا مني معرفة كل المعلومات عن المناطق الاثرية التي دلني عليها الأهالي

_”الخوف من ضباط أمن دوله يهربوها لحسابهم”

في نفس اليوم قبض عليّ أمن دولة وطلبوا مني نفس الطلب

_ ” الجماعات التكفيرية بتسرقها وبتشتري بتمنها سلاح ”

عندئذ فهمت الوضع الذي أصبحت فيه ، أنني لم أعترض منهج الجماعات التكفيرية بتعاملي مع السائحين ولكنني اعترضت ما هو أخطر ألا وهو ما يعتبرونه رزقًا حلالًا طيبًا لهم ، مستندين لقوله تعالى [15]“وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَان لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَان تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَان أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ ان يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا”

بهذا الدليل القرآني اعتبروا الآثار ميراثًا من أجدادهم الفراعنة ، لن يعثر عليه إلا المؤمن الصالح لأبوين صالحين مثله وهذه مكافأة من الله تعالى له ، بينما أمن دولة اعتبرت أنهم الأحق من الجماعات الإسلامية ، فشاركوا في تهريب الآثار وبرروا ذلك

_ ” إن الأجانب سوف يحافظون عليها وتستخدم كوسيلة مهمة للترويج عن السياحة في مصر” ساعدهم في ذلك خطط الحكومة الفاشلة التي طمست كل معالم الأثرية حيث أنشأوا بعض الكليات ومساكن لأساتذة الجامعة على أنقاض مناطق أثرية هامة في كيمان فارس ، ومن هنا يتضح خطورة ما أفعله إنني أسبقهم لتلك الأماكن وأهدم الجدار الذي بناه سيدنا خضر ،فأسبب خسارة لكلتا القوتين اللتين تقبضان على الفيوم وتحكمانها بالحديد والنار ، شر البلية ما يضحك لأول مرة يجتمع العدوان اللدودان على التخلص مني ، فوجئت بمخبرين من أمن دولة يستوقفوني في محطة أتوبيس ويقودوني إلى مقر أمن دولة وهناك انهمرت عليّ الأسئلة

_ “لماذا نراك دائمًا في صحبة وفد سياحي وأنت مجرد طالبة ؟ كيف تعرفت عليهم؟ إلى أين تذهبين بهم ؟ هل تستدرجينهم لمكان ما؟ هل أنت تابعة لخلية إرهابية؟ أي التكفيريين تعملين لحسابهم ؟ هاتي بطاقتك

_ “معي كارنية الكلية ؛ أنا أشجع السياحة وأحب السائحين ”

_” تعالي معانا يا مشجعة السياحة ”

بعد انتظار ثلاثة ساعات بمقر أمن الدولة ، في القاعة الضيقة ذات السقف المنخفض ، لا تحتمل قامة شخص عادي ، وقفت منحنية خوفًا من أن تطير رقبتي بفعل مروحة بطيئة ، تتحرك ساحبة أنفاسك المختنقة وتتصاعد بها إلى أعلى ، تترنح مع ضوء لمبة خافت أصفر يضخم ظلك حتى تخاف منه ، يتركونك فريسة لخوفك حتى تنهار مقاومتك ، تهرب منك ثقتك؛ فتصبح مطواعًا لهم ، منساقًا لكل ما يقولونه لك حتى لو أدى إلى سجنك في مكان مجهول ، في نهاية لم ينقذني إلا تدخل الوفد السياحي

_ ” الأجانب ما بيعرفوش يكدبوا ”

رمى الضابط الكارنيه في وجهي باحتقار ، تأملت يديه المنتفختين الناعمتين المتنعمتين وهي تحملان سيجارة مالبورو ثم يدسها في فمه المختفي بين طبقات وجهه المكتنز متورد الخدود ، تدور في ساحته عينان ذئبيتان ، كأنه أحد مصاصي الدماء

_ ” مش عايز اشوف خلقتك تاني في صحبة أي سايح فاهمه يا كتكوته؟ ، و أنت عارفة الفيوم مليانة بالجماعات التكفيرية اللي ممكن تدفنك وأنت صاحية لو عرفوا بعلاقاتك المشبوهه مع الأجانب ”

_” أي علاقة ؟ ”

_ ” مش عايز كلام كتير ، لو شفتك مع حد منهم مش هاتشوفي الشمس مرة تانية ”

Barzkh [email protected]

المسخ

أصدقائي البرزخيون عذرا

إنني أشعر كأنني مسخت إلى أيقونة في هذا المنتدى ، كما حدث في رواية سارتر عندما تحول بطله إلى حشرة ، تدخل أمي كالعادة تبحث عني ، فأننا وحيدان منذ مجيئنا إلى مصر بعد وفاة أبي وأنا في سن الحادية عشرة ، يبدو أنه السن الذي يحدث عنده التغييرات وتنقلب فيه الشخصية إلى الضد كما حدث معك يا ندى عندما تمردت على أمونة ، أخوة أمي اعتبروها غريبة منذ اللحظة التي تزوجت فيها بفلسطيني وهجرتهم من أجله ثم عادت تستجديهم ليس بمفردها ولكن تجر طفلًا معها ، لم ينظروا لي على أنني ابن أختهم الوحيدة بل اعتبروني ابن الرجل الفلسطيني الذي أغوى أختهم وحرضها على الهروب من البلد كلها وكان سببًا في شعورهم بالعار ، لكن خوفًا من أن تطالبهم بالميراث وفروا لها سكنًا منفصلًا عنهم ثم تركونا لا يسألون علينا إلا في المناسبات لمنحنا الزكاة والصدقات وعندما أثور عليها

_” لسنا في حاجة للصدقة ، أنا أعمل نادلًا في الكافتيريا كي لا أحملك مصاريفي وأنت تعملين معلمة في مدرسة خاصة ”

تصرخ في وجهي ، كأنها تذكر نفسها

_ ” إنهم أخوتي ، الدم عمره ما يبقى مية ”

ماذا سيحدث فعلًا لو مسخت إلى أيقونة عندئذ ستصبح أمي وحيدة ، منعزلة ستبحث عني كالمجنونة ، تتأمل الكرسي الذي أجلس فوقه بالساعات أمام الكمبيوتر ، ستتعجب لكونه فارغًا للمرة الأولى ، لكن الرائحة المنبعثة من كل أرجاء الحجرة تشغلها ، رائحة متخمة بالنيكوتين الذي يخرج من أعقاب السجائر وقشر البرتقال ، ملابسي المتسخة المتشبعة بالعرق التي تنتشر في كل أركان الحجرة ودواوين الشعر تحتل كل ركن من أركان الحجرة (السرير ، المكتب ، السجادة ) ، تحاول أن تنظفها ، تبدأ بشاشة الكمبيوتر كعادتها لأنني ممكن أدخل عليها كالعادة بعد عودتي من الكافتيريا ، أطلب منها أن تترك كل شيء كما هو ” أنا سأقوم بتنظيفه ” لكنها تصر حتى لا تتلوث رئتي بالتراب المتراكم على الشاشة ، تلاحظ أيقونة تشبه الذبابة الكبيرة خضراء ملتصقة فوق الشاشة لكنها ليست بداخله ، تظن أنها ذبابة غريبة ، تحاول أن تسحقها ، أصرخ

_ ” لا يا ماما ، أنا ابنك مازن”

تتراجع مذهولة للخلف ، تتأمل الذبابة الكبيرة ”

_” مازن؟! أي سحر أسود أصابك ؟ كيف تحولت إلى ذبابة؟”

لست بارعًا مثل سارتر ، لكنني متأكد أن أمي لن تفعل بي مثلما فعل أهل بطل سارتر به بعد مسخه ، ربما تضعني في علبة دبابيس الحجاب وتناديني

_” ابني المسكين ”

وتبكي ، لكن ماذا ستفعلون أيها البرزخيون معي ؟

مازن حشرة

برزخ19

ذهبت لكي أودع الوفد السياحي (في شارع المسلة) كانوا في انتظار خروجي من مقر أمن دولة ، بمجرد رؤيتي لهم أول ما فكرت فيه هو أن أهرب منهم ؛ كنت أشعر بالإهانة ، والخزي ، مازالت نظرات المخبرين تتقنفذ فوق كل أجزاء جسدي ، شفتي ، نهدي ، خصري ، ساقي حتى كعبي

– أنا آسفة جدًا ” I’m really sorry ” أنا عطلت البرنامج السياحي ، لكن غصب عني

دبت الرعشة في جسدي كله ، أحاول أن أسيطر على أعصابي دون جدوى ، أبكي ، يتحداني جسدي ، قررت أن أجلس على الأرض قبل أن أسقط مغشيًا عليّ ، جلسوا بجواري القرفصاء على الرصيف القذر المتهدم ، ابتسموا لي ، حضنوا يدي في حرج ؛ لأنني طالما حدثتهم عن تقاليد الفيوم وعن أحكام الجماعات التكفيرية التي تحكمها

We’re sorry for you”_

وحمّلوا أنفسهم ذنب امتهاني ، لأول مرة بكامل إرادتي أحتضنهم ودون خوف ، أنا التي كنت أخشى السلام عليهم باليد وكنت أتناول أجرتي منهم خلسة ، احتضنتهم رجالًا ونساء ، وبكيت في حضنهم كطفل فقد أمه؛

" thank you ” _

، لم يسبق لي أن أحدًا عاملني بذلك الرقي ، فجأة شعرت بحالة من الفزع الشديد الذي جعلني متصلبة ، صامتة كتمثال من الثلج ، انتزعتني من فوق الأرض مجموعة من الأيدي كأيدي المخبرين التي دفعتني لركوب سيارة الشرطة منذ ساعات ، الفرق بينهم وبين تلك الأيدي أنها كانت لنساء يغطيهن اللون الأسود ، لا ترى إلا أعينهن تبرقان غضبًا وحقدًا خلف النقاب ، عيون زجاجية ، ذات نظرات حجرية ، كدت أسقط على الأرض مرة أخرى ، قبضت عليّ تلك الأيدي المخبئة في قفازين أسودين كأيدي مغسلي الموتى ، غرسن أصابعهن في لحمي لدرجة أنها ألهبت عظامي فتلك الهياكل السوداء اللاتي تتسيّج حولي ، تمتص الأكسجين من رئتي ، يقتلن لحظات امتناني وفرحتي باستعادة احترامي لنفسي وعاد إليّ نفس الشعور بالامتهان الذي تشربته في مقر أمن دولة

_ ” يا فاجرة ، تحتضنين الكفار في وسط ميدان المسلة عيان بيان دون خجل ، لابد من تطبيق حد الزنا عليك ، فالزنا بالعين ، إذا كان الإسلام حرم التسليم باليد ، أنت تحتضنين أجنبي كافر ، ألم تقرئي قول الله تعالى “وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ” [16]؟” صدق الله العظيم

_ لم أقصد ذلك ، مشاعري التي ساقتني لهذا الحضن العفوي ؛إن هؤلاء انقذوني من براثن أمن الدولة ”

_ ” لعنة الله على هؤلاء ، وهؤلاء ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، اتقي الله ولا توالي الكفار ”

لم يكتفين بالصراخ في وجهي وتجميع الناس حولي كأنني ارتكبت فعلًا فاضحًا في الطريق العام ، بل ففه طردن السياح وأخفنهم لدرجة أن الوفد السياحي هرع إلى السيارة الميكروباص التي كانوا يرفضون ركوبها لأنها غير آدمية ولأن صاحبها استغل كونهم أجانب ؛ فضاعف الأجرة ثلاث مرات ، لكنهم فضلوا أن يركبوها على الوقوف مع هؤلاء ال terrorists وجدت نفسي بين أيديهن ذات القفازات السوداء اللاتي لم أستطع التخلص منها إلا عندما رموني في حجر أمونة ، نصحوها بعدم تركي عند جدتي

_ ” قد أصبحت جدتها امرأة عجوز عمياء لا تستطيع مراقبتها”

اضطر أبي أن يجبرني أنا و جدتي على العودة للمنزل .

_ ” وإلا أنسى مسألة الكلية و التعليم من أساسه ”

كنت في سنتي الأخيرة بالكلية ، تفهمت جدتي موقفي ، واضطرت للعودة معي حتى أنتهي من تلك السنة ثم نعود مرة أخرى لبيت الكروم ، لكن أبي اشترط عليّ بعدم الذهاب للكلية إلا في أيام الامتحان ، اعترضت

_ ” المحاضرات التربوية تشترط الحضور ”

_” روحي المحاضرات التربوية بس بدون ما تثيري حد من الجماعات الإسلامية ”

قبلت على مضض ، ولكني استمررت في مرافقة السياح والذهاب معهم في أماكن عامة والجلوس معهم في المقاهي واستغلت جماعة الإصلاح الموقف وأصدرت فتواها ، فحبسني والدي في المنزل واتفق معهم على تدبير لي زيجة صالحة تبعدني عن الكفار قال تعالى “يا نساء النبي قرن في بيوتكن ”[17]

،لكنني رفضت للمرة الثانية الزواج من أميرهم ودخلت عليه بدون الخمار والنقاب الذي أرسلهما مرة ثانية كهدية قبل وصوله أو بمعنى أدق كشرط للزواج

_” لن ارتدي نقابا ، فأنا أرتدي حجابًا شرعيًا ، سأكمل تعليمي الجامعي ، وبعدها سوف أعمل كمرشدة سياحية ، ضربني على وجهي على مرأى من أبي وأمي وأخواتي ”

_ ” إنني أريد الزواج بك تقربًا لله بستر عورتك”

_” تتقرب من الله فقط بزواجك من النساء ، كل سنة امرأة جديدة تتزوجها وامرأة أخرى تطلقها ثم تقوم بتزويجهن لأصحابك وكل هذا تقربًا أيضًا من الله ”

_ ” الرسول (صلى الله عليه وسلم) آخى بين الأنصار والمهاجرين ، اقتسموا الأموال والزوجات

_ “هذه ظروف خاصة لأن المهاجرين كانوا مشردين ليس لديهم مال أو زوجة ، حتى في مثل هذه الظروف كان هناك صحابي أرجو أن تعرف اسمه ” عبد الرحمن بن عوف ” رفض العرض وقال لهم ” دلوني على السوق أبيع وأشتري ”

طردته من المنزل ؛ عندئذ صدرت الفتوى التي كان يخشاها أبي

_”إذن لن تتزوجي بأي رجل آخر ، من يجرؤ سأقتله ”

وبما أنني لن أخرج خارج محافظة الفيوم فقد حكم عليّ بالعنوسة مدى الحياة ، وبالتالي لم يجد أبي فائدة من حبسي ، حامدًا الله أن أخواتي البنات تم تزويجهن قبل تلك الحادثة المشؤومة وأختي حياة مازالت طفلة وإلا لحكم عليها بالمقاطعة أيضًا تلك الكلمة لها وقع سيء ، تذكرني بمقاطعة قريش لبني هاشم” كان من أحد بنودها عدم الزواج منهم ”

Barzkh [email protected]

Mazen @yahoo.com

التراحم

إلى مازن (ذبابة الكمبيوتر)

إنني أتخيلك تبكي داخل علبة الدبابيس مثل قصة المرأة التي تحولت إلى حبة زبيب بسبب شقاوة أولادها الذين وضعوها في علبة كبريت ، لكن لا تخاف سوف نضعك بيننا ونطلب من كل أعضاء ” برزخ نت “يبكونك ، عندئذ ستتضخم وتصبح عملاقًا ، ربما تأكلنا جميعًا ، لكنك في النهاية لن تعود إلى ما كنت عليه ، مازن الوسيم الشاعر خاطف قلوب العذارى ، لكن خيالك الشاعري جعلني أفكر في وضعنا ، أريد أن نجتمع نحن الأعضاء المؤسسين مرة كل شهر ، نمسك بأيدي بعضنا البعض ، نسير في شارع كورنيش النيل ، الهواء يتلاعب معنا مثل العصافير ، نتأمل الأضواء المنعكسة على صفحة النيل ، كأننا في لوحة النجوم ل يبكاسو ، نشاهد المسنين الذين يجلسون في صمت ، كأنهم ينتظرون معجزة ، تطير بهم إلى أحبائهم ، تقول لهم ” إننا في حاجة إليكم ، منحناكم شبابنا (أعز ما نملك) ، وحرمتمونا في شيخوختنا ، شاركناكم في ضعفكم وتركتمونا في ضعفنا ” ، نربت فوق أكتافهم ، نستمع إلى ذكرياتهم التي يعيدونها مرات ومرات في حنين دون ملل ،أتذكر والديّ اللذين يهرمان في الغربة ، ابتعد عنكم قليلًا يا أصدقائي ، ثم أتصل بوالديّ ، أخبرهما أنني أموت شوقًا لهما وأن رفضي أن أكون إلى جوارهما في الغربة ليس لأنني لا أحب ذلك ولكن لأنني أخترت دورًا لن أستطيع أن أؤديه إلا في وطني وربما أموت و أنا أقوم بهذا الدور ، كم كنت أتمنى أن أكون أخًا بارًا بأخته ، أنهي المكالمة ، أعود إليكم يا أصدقاءي ، نتناقش ، تستعجلونني لكي نتظاهر ضد هذا القهر ، نختلف ، ” لا تنسوا أن حركتنا هذه تعادي نظام حكم دام لأكثر من نصف قرن ، ربما نفشل ، ربما نعتقل ، و ربما .. ” علينا أن نتفاءل ، نترك المسنين في أحلام ذكرياتهم بعدما نقبّل رؤوسهم ، نعدهم بمخاطبة أبنائهم من خلال صفحاتنا على الفيسبوك ، يمر أمامنا بائع البطاطا المشوية بعربته الخشبية الصغيرة ، تحرك الرائحة عصارتنا الهضمية ، نشتري لهم ولنا ونأكل بنهم ، بلهفة ، يتأملنا طفل رضيع فوق كتف أمه ، نهرول خلفه ، نلمس أرنبة أنفه الطازجة الناعمة الرقيقة ، يبكي ، تنتبه أمه لنا ، تقدمه إلينا في ابتسامة ، الكل يتسابق لكي يحمله ، نلتقط معه صورة Selfie ، لكنه يظل يبكي ، تأخذه الأم وتبتعد ، عندئذ يضحك ، نشعر بالخديعة ، نغتاظ منه ، لكن يشد انتباهنا جمال فتاة تمر بجوارنا رائحتها العطرة تملأ أرواحنا ، نحملق فيها مشدوهين ، ترد علينا بنظرة متنمرة ، نبتعد عنها ضاحكين ، نتفق على قضاء أمسيتنا في الأوبرا التي تحيي ذكرى سيدة الغناء العربي بصوت مدحت صالح ونمني أنفسنا بسهرة خيالية مع “سيرة الحب ”

ما رأيك في هذا السيناريو أيها الشاعر ؟

صاحب شهادة للبيع أحمد

برزخ20

لم أنتظر نتيجة الليسانس ؛ كنت متلهفة على السفر للخارج أو بمعنى أدق على الهروب من هذا المنزل الكئيب ، حيث أصبح يمثل قبرًا دفنت فيه حريتي ونحسًا على جدتي حيث مرضت بالالتهاب الكبد الوبائي وأخشى عليها من هذا المرض المميت ، أجلس بجوارها فوق مصطبتنا ، أضع رأسها في حضني وأربت فوق كتفها حتى تسقط في النوم ، أسرح بخيالي ، أتذكر سهرتنا أمام العين تحت شجر الكروم وهي تمسد شعري بيدها ، أشعر بها بردًا وسلامًا على شعري ، يأخذني النوم وأنا أطلب منها أن تحكي لي عن أم الصريم ؛ لأنني أشبهها ، لست الفتاة المطيعة التي تشبه ست الحسن والجمال ، وفي الحقيقة لا تعجبني مثل هذه الفتاة المائعة وإن كنت أخشى من مصير أم الصريم ، أخشى أن أضرب مثلها بالمقشة السباط من أمونة عندما تعلم نيتي في السفر ، تقدمت للعمل كمعلمة في مدرسة خاصة ابتدائية بكيمان فارس ، رحب أبي بالفكرة ، ذهبت للتدريب في الصيف لحين ظهور النتيجة ، كان صاحبها رجلًا متسلطًا ، يعتبرنا نحن المعلمات جواريه و حجرة المعلمات الحرملك الخاص به ، فعندما يتحدث مع إحداهن البقية مطالبة بمغادرة الحجرة ، لماذا ؟ لا أعرف ، لكنني اكتشفت ذلك في ثاني شهر أعمل معه أن المدرسة لا تضم سوى الفتيات حديثي التخرج وذلك لأن المبلغ الذي سيدفعه لهن ضئيل ، فنحن نذهب من الساعة الثامنة لا نعود إلا في الرابعة عصرًا في مقابل خمسمائة جنيه فقط لا غير ، نصفهم يضيع في وسائل المواصلات والنصف الأخر يسترده في صورة تحرشات الجنسية ، ظللت طيلة الشهرين أذهب إلى تلك المدرسة الكئيبة ، أقابل هذا الرجل المتصابي الذي يعترض بداية يومي الدراسي ، أرفع يده الوطواطية من فوق نهدي فتزحف وتقبض على خصري ، تبدو ثقيلة لزجة ، فجأة وأنا أتحدث يلمس شفتي السفلى ويضغط فوقها بإصبعه الشوكي ، قررت أن أغادر هذه المدرسة بلا رجعة ، لكنني لن أتركها هكذا دون ذكرى ؛ عندئذ تذكرت ما فعلته في المدرسة الثانوية ؛ ابتسمت له ابتسامة شريرة ، سوف أعيد المشهد ” كلاكيت لثاني مرة ” بعد خمس سنوات هل سيخرج مثيرًا كما في الماضي ؟ ، بالطبع سيختلف منذ خمس سنوات كان عضوًا أنثويًا قطعت شراعه بينما اليوم .. بل الآن .. تحسست صدره شددته من الشعيرات البيضاء المتناثرة في صدره مثل نبات شيطاني في وسط صحراء جافة ، هبطت يدي تتحسس كل شيء (مثلما يفعل مع المعلمات ) ذقنه ، عنقه ، بطنه ، شعرت به ينسجم معي ، تنفسه يهدأ ، يستسلم للمساتي ،عندما وصلت إلى سوستة البنطال ، بدأ يتلوى من شدة الرغبة ، فتحتها وأخرجته ، وصل إلى حالة انتشاء؛ يحثني على المزيد

_”ايوه كدة يا بت هاديلك مكافأة؛ بس..”

بالفعل امتثلت لرغبته قبل أن يكمل طلبه المقزز ، رأيته مثل إصبع السجق المكرمش في بعضه ، قضمته برقة ، فبدأت تنتصب عروقه الزرقاء ؛ تأوه المدير بصوت عالٍ ، كأنه يريد أن يعلن للباقيات ويشجعهن أن يفعلن مثلي وسمعت إحدى المتنصتات تسبني

_ ” ندى الداعرة ”

وهو في ذروة نشوته ، عضضته بأقصى قوتي ، هو يصرخ

_” الحقوني ها تموتني ”

وأنا أزيد عضتي والمعلمات المتجمعات خلف الباب في حيرة من أمرهن ، هل يدخلن أم هو يصرخ من شدة الانتشاء؟ لما تحولت صرخاته إلى هستيريا ، فتحن الباب ، ذهلن ، ابتسمن ، انفجرن بالضحك ، لم يحاولن إبعادي ، جاءت العاملات تجاهلن الأمر( يبدو أنه طالهن) ثم جاء رجال الأمن ذهلوا من الموقف ، لكن سارعوا بالتدخل ، حملوني من فوقه ، عضوه مازال عالقًا بين أسناني ، ضربوني بأقصى قوتهم فوق فمي ، حررته غصبًا عني ، انكسرت حافة إحدى أسناني

" ليس مهمًا” قلتها أواسي نفسي ؛لأن موضع السن في المقدمة ، تقيأت ما علق بين أسناني من لحم وشعر ودم ، الكل يسيل من فمي ، تهاوي الرجل بجواري من شدة الألم والدم الذي يسيل من عضوه المقطوع ، هربت أول ما سمعت صوت سيارة الإسعاف ، لم يستطع المدير الإبلاغ عني كما فعلت زميلتي هالة في الثانوية ، و أنا لم أستطع مطالبته براتب الشهر ، ورفض أصحاب المدارس الخاصة توظيفي عندما تسرّب لهم الخبر ، كل الذي كانوا يحبون أن يسمعوه

_”كيف حدث الأمر؟”

أحكي لهم القصة بكل التفاصيل ، لأنني أستمتع عندما أستحضر صورته وهو يتلوى من شدة الانتشاء تارة وتارة أخرى ووجه محتقن ويتلوى من شدة الألم ؛ فيضحكون ثم يرفضون تعييني ، عندما يئست ، قررت أن أشغل وقتي بأن أتقدم للدارسات العليا وأن أسكن في المدينة الجامعية في الفيوم بعيدًا عن منزلنا ، لكن والدي رفض ، أضربت عن الطعام ، في النهاية تركني والدي عندما أخبرته بما حدث مع مدير المدرسة وأنه سيشتكي عليّ ولابد من الاختباء في مكان ما ، كذلك المدينة عليها حراسة مشددة وغير مسموح لنا بالتسكع بعد الساعة التاسعة مساء

_” تتفلقي بس مش هاصرف عليك”

Nada [email protected]

سرير النحاسي

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

ارتشفت كوب الشاي ، شعرت ببعض بالدفء ، خرجت إلى الصالة ، كل شيء كما وصفته ندى ، لكن ما لم أفهمه حتى الأن ” لماذا ندى تنكر نفسها مني ؟” وإذا لم تكن ندى كيف لها بهذا الشبه الغريب وكيف عرفت كل هذه التفاصيل الدقيقة ؟ شعرت بعقلي مشوش ، كأنه توقف تمامًا عن إعطاء الأوامر لجسمي ، جلست صامتة تائهة ، فجأة انتبهت لأصوات خلف المنزل ، قررت أن أشغل نفسي حتى أذان الفجر ثم أهرب من هذا البيت ومن هذه المرأة التي اختفت ولا أدري إلى أين ؟ استأنفت تفقدي للمنزل ، هناك حجرتان: أحدهما منخفضة معتمة ، وحجرة أخرى لها ثلاثة شبابيك اثنين منهما يطلان على حقل الكروم ، أفرع الأشجار تسلل منهما إلى الداخل بينما شباك الثالث يطل على المنور الداخلي ، بها سرير نحاسي له أربعة أعمدة من النحاس معلق فوقها ناموسية من الستان الأحمر المطرز ، حوافه مطرزة بالدانتيل ، حاولت أن أعتليه كجمل غاضب من صاحبه يهدده بأن يتركه في الصحراء ، تمطيت ؛ ارتفع أزيزه ، استطلت بأقصى طولي حتى اعتليته ، إنه مريح ناعم ، فوقه مرتبتان من القطن ، وسادتان فوق بعضهما البعض ، يتأرجح بك مع أقل حركة من حركات جسمك كأنك في مركب تسبح فوق أمواج هادئة تدغدغك بين الحين والأخر ، أسدلت الناموسية ، شعرت بأنني انفصلت عن هذا العالم المؤلم تمامًا ورجعت مرة أخرى للعالم الذي أحن إليه إلى رحم أمي ،عندئذ شعرت بالأمان ، وفجأة سبحت في أحلام النوم الناعمة ، رأيت فيها مازن يغمز لي بعينيه العسليتين ويوشوشني بقصيدة شعر ، تقلبت يمينًا ويسارًا ، سمعت أزيز عمدان السرير النحاسي ، استيقظت ، شعرت باسترخاء ، لم أعرف عدد الساعات التي نمتها ، تفقدت التليفون المحمول وجدته فصل شحن ، تفقدت الجدران كلها؛ لكي أبحث عن ساعة لم أجد شيئًا ، يبدو أن الوقت هنا سرمدي ، تجولت داخل هذا المنزل الصغير لم يبق سوى الحجرة المعتمة ، عندما دخلتها صدمتني روائح صارخة لا تستطيع أن تحدد ماهيتها، لكن روائح لخزين معتق منذ سنوات كأنك داخل مصنع كحوليات ، مملوءة بجرار وأواني نحاسية ، تعثرت في إحداها ، شعرت بالاختناق من الرائحة ومن الظلام الحالك ، وجدت بها بابًا صغيرًا يخرجك لحقل الكروم من الجهة الخلفية للمنزل ، فوجئت بحجرة أخرى على بعد خمسة أمتار خلف المنزل مضيئة منعزلة ذات باب صغير و جدران عالية من الطوب اللبني الطيني، يبدو أن من بناها عانى كثيرًا حتى تخرج بهذا الارتفاع وهذا الاتساع حيث تكاد تكون ضعف مساحة المنزل كله، تبدو كأنك أمام كهف انجليزي في غابة من الكروم ، لا أعرف لماذا خطر ببالي أنها معبد ندى الطيني الذي طالما حدثتنا عنه لذا أطلق عليها أحمد فتاة الطين ، عندما دخلته صدق توقعي

_” يبدو أن هذه المرأة انتزعت منك يا ندى كل شيء ”

مريم المجدلية

برزخ 21

نجحت في امتحان القبول والتحقت بالمدينة الجامعية حيث أعمل مشرفة ليلية على الطالبات الجامعيات المغتربات في مقابل السكن ، بدأت أذاكر مواد التمهيدي ، لكنني شعرت أنني انتقلت إلى سجن أخر وهو سجن النفاق الاجتماعي ، في البداية تعاملت مع الطالبات بعفوية كنت لا أريد أن يتعرضن للقهر الذي تعرضت له ، فقررت على مسئوليتي أن أعطيهن قدرًا من الحرية ، أتغاضى عن تأخرهن ، أسمح لهن بحضور حفلات في منازل أصدقائهن ، لكنني اكتشفت بالصدفة أنني كنت مغفلة ، في طريق عودتي بعد حضور مسرحية ( عاش الملك مات الملك) لفرقة الفيوم المسرحية على مسرح قصر ثقافة الفيوم رأيت فاطمة إحدى الفتيات المعروف عنها تشددها الديني بصفتها أخت مصطفى وهو قطب من أقطاب جماعة الأجناد في قنا جاءت إلى الفيوم لتدرس التمريض ، رأيتها تجلس في كافيتريا تطل على بحر يوسف من جهة الكورنيش الضيق المظلم ، مما أدهشني ملابسها حيث ترتدي بنطلونًا من الجينز عاري الركبتين وبلوزة قصيرة شفافة ، بلا أكمام ، وشعرها الكستنائي يغطي أكتافها شبه العارية ، كذّبت عيناي بدأت أدعكهما بكلتا يداي ، وقلت لابد أن أرتدي نظارة ، لكنها بالفعل هي الأخت فاطمة ” أذكر أنها عندما خرجت كانت ترتدي الأسدال الأسود ونقابًا وخمارًا أسودين ، كانت تقريبًا كلها سواد في سواد ، لا يظهر منها سوى عينيها البنيتين الواسعتين وكانت تمسك بمصحف كبير ، استأذنت كي تحضر ندوتها الدينية الأسبوعية لشيخ عبد العزيز في جامع ناصر وبالرغم من اعتراضي على الشيخ عبد العزيز وخطبه إلا أنني سمحت لها ، وها هي أراها منزوية في الكافيتريا بجوارها مجموعة من الشبان ذي مظهر إنثوي ، هل أذهب إليها أم لا ؟ بعد ثواني من التفكير قررت ألا أحرجها و انتظرتها في المدينة الجامعية ، وقلت لزميلاتها في الحجرة بمجرد عودتها يبلغنها بضرورة أن تعرج عليّ ، واجهتها رمتني بنظرة اشمئزاز

_” أنت آخر واحدة تتكلم عن الالتزام ، أنت رفضت تتزوجين من الشيخ عبد العزيز ، ورفضت أن ترتدي النقاب ”

استشطت غضبًا لأنها ذكرتني بزميلتي هالة واصحابها في الثانوية والتي كان عقابها أنني عضضتها في شيئها ، لكنني تماسكت في آخر لحظة

_” رفضت الجماعة ، لكنني لم أرفض الدين ورفضت النقاب لكنني مرتدية الحجاب ، أكثر شيء أرفضه هو النفاق الديني ”

في النهاية هددتها بفضح أمرها لدى مديرة المدينة الجامعية

_”خصوصًا أن تخصصك موجود بقنا و لا يوجد داع لغربتك ”

انهارت ، ثم بدأت تحكي باكية

_” الحياة في قنا أكثر بؤسًا مما عندكم في الفيوم ، كل البنات هنا يسفرن عن أنفسهن مثلك بعكس ما يحدث في قنا ، ألا يكفينا فقرنا ، بل ينتزعون منا حريتنا ، لا تعتقدين أن أخي هو من أختار أن يكون أحد أقطاب جماعة الأجناد لكنه الدور الوحيد الذي فرض عليه أن يلعبه في هذه البيئة الفقيرة القاسية ، الفقير فيها يقاتل الفقير حتى يقضي عليه كصراع الديوك ، بعد هروب والدي إلى أفغانستان ، عرض عليه أمير جماعة الأجناد أن يساعده لكي يرد جميل أبيه ، فقد جاهد من أجل الجماعة داخليًا وهو الآن يجاهد خارجيًا في سبيلها أيضًا ووفر له عملًا في محلات التوحيد والنور ، يقف لمدة ساعتين فقط في اليوم بعد الكلية في مقابل أن يحصل على نفس الراتب الذي كان يحصل عليه أبونا ، بهذا لن يحدث أي تغيير على حياتنا ، بالفعل فرح أخي بالعرض ، فمجرد ساعتين لن تعطلاه عن دراسته بكلية الطب ، وستشعره بأنه رجل البيت أمام أهل الحي ، كان أخي بجانب تفوقه في دراسته كان شابًا كامل البنية أسمر البشرة وسيم المحيا مرحًا طيبًا أحاديثه شيقة صاحب كاريزما مذهلة تجعله يغزو القلوب عنوة، مما لفت إليه نظر أمير الجماعة الذي كان يراقبه عن كثب ، قرر أن يوكل إليه مهمة الدرس الديني للأطفال في الكتّاب فهو خاتم للقرآن الكريم ، وأنا أيضًا معه لأن أبي كان حريصًا على التزامنا الديني ، شيئًا.. فشيئًا ، أعطوه مهمة الخطبة في المسجد الخاص بهم ونجح في ذلك نجاحًا باهرًا ، كان يأتيه الناس من كل حدب وصوب وأصبحت خطبة الجمعة في هذا المسجد مقدسة فأعداد الناس خارج المسجد أكثر منه في داخل المسجد ، تحول شيئًا.. فشيئًا من الطبيب مصطفى إلى الشيخ مصطفى وتحولت حجرتنا ، نعم.. كنا نعيش في مسكن يتكون حجرة واحدة ومطبخ وحمام وصالة في قطعة أرض مهجورة خلف المستشفى العام ، بالتحديد أمام ثلاجة الموتى ، الكل يهرب من هذا المكان ، فكان مهجورًا إلا من صراخ أهل الميت عندما يخرجونه من الثلاجة وبالتالي أصبح مكانًا مثاليا لتخزين الأسلحة وعقد اجتماعاتهم السرية ، اضطرت أمي أن تحتملهم حتى يكمل أخي تعليمه وانتهي أنا من الثانوية العامة فور ظهور النتيجة ، قررت دخول كلية التمريض ، رغم أفكار المجتمع الضالة عن الممرضة والتمريض لكنها ليست أكثر شناعة من الفقر ، إنها الكلية الوحيدة التي تؤمن لك عملًا بمجرد التخرج ، وبالتالي أستطيع أن أنفق على أمي دون الحاجة لتلك الجماعة وأموالها ولكي أسترجع أخي من بين براثنهم ، لكن السلطة التي وضعوها في يد أخي حولته لشخص أخر ، عدواني كاره لكل شيء ، متسلط ، رفض فكرة ذهابي للكلية

_” إننا لسنا في حاجة إلى شهادتك أو عملك أو حتى تعليمك ”

لكنني رفضت الاستسلام ، تعرضت للضرب ، الحجز داخل المنزل ، نعم.. أصبح لدينا منزل مكافأة له على إجبار ساكنيه المسيحيين على الخروج من قريتنا بعدما حرقوا لهم بيتهم ، تم تجديد المنزل المحترق و قام أخي بتطهيره ؛ بتلاوة سورة ياسين والمعوذتين في كل ركن من أركانه ، ورش مياه مطهرة مقروءًا عليها الآيات الأخيرة من سورة البقرة وآل عمران ، أشفقت عليّ أمي ونصحتني أن أذهب إلى صديقه أمير جماعة الأجناد

_ ” إنه لا يعصي له أمرا ”

ذهبت إليه مرتدية الاسدال الخاص بأمي يغطيني من قمة رأسي ألى مشط قدمي ، استقبلني ببرود في بداية الأمر ، استمع إليّ في صمت

_” أريد أن أذهب إلى كليتي ، أود أن أتعلم مهنة التمريض لكي أرعي أمي المريضة ، أفيد بها زوجي فيما بعد ، ولي قدوة حسنة في السيدة رفيدة ، أول ممرضة في الإسلام ”

أعجب بشجاعتي ، قرر أن يقنع أخي

_” أنا أدرك جيدًا الكيفية التي أقنعه بها ، لقد تحدثت عن زوجك المستقبلي ، لكن ما يفيد الزوج أشياء أخرى ، أرجو أن تكون متوفرة لديك ”

_ ” مثل ماذا ؟ قلت مستغربة “”

_ ” كيف أعرف ؟ وأنت ملتفة بالسواد ”

_” هذا الرداء الشرعي الذي تدعون إليه ”

_” لكن هناك استثناءات ”

_ ” مثل ماذا ؟”

_ ” قد أكون الزوج المستقبلي الذي تتحدثين عنه ”

_ ” عندما تكون الزوج المستقبلي عندئذ سترى ما تريد رؤيته ”

_” اعتبريني الزوج المستقبلي ”

قبل أن يتطور الموقف ، وأنا أدرك مدى سيطرته على أخي حيث يمكنه أن يتزوجني في ساعة واحدة ؛ لذا قررت أن أوفر على نفسي زيجة لا أحبها ، فقررت أن أخلع الأسدال ولم أكن مرتدية حجابًا ، فكشفت عن وجهي وشعري ، رأيت نظرته الشهوانية تأكل جسدي ، اقترب مني وأنا أبتعد بقدر اقترابه ، فيقترب أكثر ، يتأملني بشهوانية يغطيها بإمالة نظره للأسفل لكن حركة طرف إصبعه على أنفه ثم فمه تنبأ عن شهوانية شرهة يحاول تغطيتها بقوله

_ “ما شاء الله ”

طلب مني طلبا غريبا ان أصف جمالي الحسي ، عندىذ ايقنت ان الفرصة واتتني للسيطرة عليه وتحقيق هدفي ، إنه سلاحي

_ ” إنني ذات أنوثة طاغية وقوام ممشوق ”

لمست باطراف إصابعي تفاصيل وجهي

_”عيوني كبيرة بنية كبحيرة صافية، شفتى غليظة كأنها مملوءة بخمر بكر ، إذا ضحكت ترفعك للسماء وإذا كشرت تهبط بك للجحيم ، رقبة فوقها متع الدنيا واسفلها متع الآخرة ”

اعجبه وصفي، فضحك ، وضحكت معه في غنج وبصراحة حاولت أن أستغل الموقف الشائك وأخبره بأنني تقدمت بأوراقي لكلية التمريض بالقصر العيني لكي أهرب من قنا

_” القصر العيني مرفوض والقاهرة من الممنوعات ”

_” لكن أنت تعرف نظرة الناس لكلية التمريض هنا ؟ ”

_ ” حوّلي على كلية التمريض في الفيوم ، فالفيوم لديهم صحوة دينية أفضل بكثير من هنا ولدينا هناك أخوة ”

_ ” بشرط تقنع أخي أن أسكن في مدينة جامعية وليس عند أحد أصدقائكم ”

تفكر في قولي وهو يتأمل شعري الكثيف الذي يخفي صدري المثمر بحبتي رمان ذهبتين ، يبدو أنه خشى عليّ أن يطمع فيّ أحد الإخوان ، فوافق على سكني في المدينة الجامعية

_ ” وكيف أصبر على غيابك؟ ”

عندئذ أدركت أنه سقط تحت سلطة جمالي !

_” بالجهاد ”

ثم ضحكت وارتديت الاسدال ، فكان بالفعل لديه خطط أكثر أهمية ، كان يبحث عن الكيفية التي يحرج بها الحكومة أمام العالم عن طريق هجمات ممنهجة ، وحمدت الله أني ابتعدت عن هذا الجو الدموي ، فالفيوم تتمتع بهدوء نسبي ، فأقنع أخي بضرورة الانتظام في دراستي ، بشرط الموافقة على خطبتي منه ، عندئذ قررت أن أعيش كل حياتي خلال تلك السنوات الخمس (فترة دراستي) ، مثل المريض المصاب بمرض قاتل ويعرف أن حياته ستنتهي خلال خمس سنوات ، فقررت أن أعيشها بشغف كما أريد ، سأفعل كل ما يحلو لي حتى تنتهي فترة دراستي ثم أعود إلى سجن السواد كما يريد أخي

سألتها

_ ” ولماذا هذا النفاق؟ ولماذا هذا الأسدال؟ وأنت بعيدة بمئات الكيلو مترات عن قريتك ”

ردت في هدوء

_ ” ببساطة لأنه يراقبني ؛ لابد أن أفعل كما تفعل الضفدعة عندما تدفن نفسها في الطين (المماتنة) لتهرب من أعدائها”

وجدت نفسي في تلك الفتاة وعقدت صداقة قوية بيني وبين فاطمة حتى قررت أن تزور والدتها المريضة بعد غياب ثلاث سنوات لم تفكر خلالهم أبدًا بالنزول إلى محافظة قنا ، فكانت في الإجازة الصيفية تعمل عند الأطباء وتسكن معي سرا ، وكنا نسهر سويًا نقرأ روايات ” ايزابيلا الليندي” ونتخيل أننا نذهب إلى بلاد جديدة بكر نصنعها كما نريد ، هي تعالج المرضى وأنا أقص عليهم قصص بلاد بعيدة شعوبها فقدوا فيها حريتهم وكرامتهم ، عرفت أن أمن دولة قبضوا عليها بمجرد عودتها إلى قنا وكان استدعائها خدعة منهم لكي يتسنى لهم القبض عليها

بالطبع لم تكن هي المطلوبة بل كانت مجرد طعم للقبض على أخيها الذي علم بما حدث لأخته ؛ فقرر أن يهاجم مقر أمن دولة وكانت هذه العملية الأكبر ، لكنها فشلت حيث قُتل كل أصحابه ومنهم صديقه أمير جماعة الأجناد ، لكنه استطاع الهروب مع ثلاثة من حصيلة عشرين شابًا ، لكن كلاب أمن دولة قررت الانتقام من الحمل الوديع فاطمة مزقوها بكل حقد ، بكل انتقام ، دفنوا فيها إحساسهم بالعجز أمام الكره الذي يجدونه في كل عين تنظر إليهم ، في كل طفل فقد أباه منذ سنوات خلف جدران السجن ، في كل يد تُمد لكي يكبلوها ، في كل ركن ينتهكونه حتى المساجد لم تنجوا منهم ، حاولت إقناعها بكافة السبل من خلال مقالاتي التي أنشرها في المنتدى ومن خلال رسائلي الشخصية لها بضرورة العودة واستئناف الدراسة

_ “لابد أن تدافعي عن حلمك ، عن شرفك ، شرف البنت ليس معبئًا في قطرات دم تهرق من قبل مرضى نفسيين فاسدين مرتشين ، شرف البنت في الحفاظ على حلمها في تحقيق ذاتها ، في هزيمة هؤلاء الوحوش بالثورة ضدهم واسترداد كرامتنا وحريتنا “لا إكراه في الدين ”

لكنها لم تعد أبدًا للكلية وظلت حبيسة المنزل تخدم أمها وظل أخوها هاربًا من أمن دولة ومن أخته الذي اعتبرها عارعليه يخاف أن يواجهه .

قررت أنا أيضًا الهروب من المدينة الجامعية ، لم أعد أحتمل السجن الذي فرضته على نفسي و أفرضه بدوري على الطالبات كمشرفة عليهن ، لم أعد أحتمل الشائعات التي تحيكها الطالبات عن فاطمة ، إنها تذكرني بالشائعات التي حاكتها النسوة عني ومشهد السوق وإثبات عذريتي أمام نسوة متطفلات ، لماذا كلما أحاول أن أهرب من ماضيّ يرجع ويلاحقني ؟

Barzkh [email protected]دعوة إلى الثورة

فتاة الطين مرحبًا

بعد نجاح تجربتنا في تأسيس منتدى البرزخ ، وازدياد شعبيته بين الشباب ، أعتقد أننا نستطيع أن نحقق ما كنا نسعى إليه ، لابد أن ندعو إلى التغيير ، كل ما قرأته من حكاياتك وحكايات الشباب الذي يراسلنا في كل أنحاء الجمهورية ، لم أر فيها سوى الفقر والظلم والامتهان ، تلك الوحوش القادرة على التهام كل ما هو خير لدينا وتحولنا إلى شياطين مثلما جعلت طالبًا مجتهدًا في كلية الطب تارة إرهابيًا بسبب الفقر و تارة أخرى مجرمًا عندما قام بمهاجمة أمن دولة لاسترجاع أخته الذي تم القبض عليها لمجرد أنها أخته ، حياتنا مملوءة بمثل هذا الضابط الفاشل الذي فشل في القبض على مصطفى فانتقم من أخته التي لاحول لها ولا قوة ، يتركها إلى كلابه من أمناء ومخبرين لكي ينهشوا عرضها ، ما ذنب فاطمة ؟ كم من فاطمة تم انتهاك شرفها ؟ وكم من فاطمة سوف يتم انتهاك شرفها ، لو ظللنا صامتين خانعين مستسلمين ، إذا ظللنا هكذا ستتكاثر الكلاب من حولنا ، تحاصرنا حتى تأكل لحومنا ، إذا رضينا بجبروتهم ، كم أخ سيتحول إلى إرهابي ، وكم من أخت ستفقد شرفها ، كل رسالاتك تؤكد على أن الفيوم تحكمها قوتان حولتا حياتكم إلى جحيم سواء كانت الجماعات الإرهابية أو ضباط أمن دولة وليست الفيوم وحدها بل الصعيد بأكمله ” أنسيت أن فاطمة من قنا قلب الصعيد” كلنا يجب أن نتحرر من تلك القوتين بالدعوة إلى التغيير ، سندعو لمظاهرة في ميدان التحرير يوم الثلاثاء 25 يناير ، نعرض مطالبنا على النظام وسنعتصم بميدان التحرير إلى أن يستجيب النظام ، لابد من وجودك معنا ، سأذهب لمقابلة مازن ومريم في الكافييه ، سيكون المهرجان الشعري السنوي لجامعة القاهرة مختلفًا عن أية سنة ، سيلقي مازن قصيدة ” ثورة ” ليلهب حماسة الشباب وننتهز الفرصة وندعوهم للخروج معنا ، أنت عليك أن تكثفي دعواتك على” السوشيل ميديا ” يجب أن نقنع أكبر عدد ممكن من الشباب ؛ كلما ازداد العدد سيكون الضغط أكبر لا نريدها أن تفشل كما حدث في نقابة الصحفيين .

ملحوظة : أنا عارف إنك رجعت لمنزل الكروم ، أود رؤية معبدك الطيني ، على فكرة أنا أحب النحت وأحب برزخياتك ، الشاعر يقول ” الأذن تعشق قبل العين أحيانًا ” وأنا أقول العقل يعشق قبل الأذن والعين .

صاحب شهادة للبيع / أحمد

برزخ22

رأيتني أقلد فاطمة وأقوم أيضًا بالممتانة كي أهرب من السجن الذي فُرض عليّ ، تركت سكن المدينة الجامعية ومعه الدراسات العليا ، وقررت السفر للخارج ، لكن أي فيزا تحتاج إلى آلاف ، كان لابد أن أتدبر أمري في سرية تامة ؛ لو علم والدي سوف يذبحني لكي يرتاح من شطحاتي ، لن ينقصه أن ابنته تعمل مربية لطفل عمره سنتين ونصف بمبلغ ألفين جنيه بالشهر ، يعمل أبوه مهندسا ديكورًا وأمه طبيبة ، عائلة مثالية ، ومن شدة مثاليتهما كانا يريداني أن أعلمه اللغة الإنجليزية، لم يكن أمامي سوى الموافقة ، أريد أن أدخر ثمن الفيزا ، بالإضافة لمصاريف أخرى ثمن تذكرة الطائرة ومبلغ ضئيل اشتري به احتياجاتي الشخصية ، كان الصغير ويدعى أشرف مناعته ضعيفة ربما لأنه يحتاج للحب الأبوي الذي افتقدته أنا أيضا ، لكن كلا أبويه يتسابقان لجمع أكبر قدر من المال ، مع كثير من البخل ، أنا تجرعت مرارته بأم عيني فقد تم تسريح الطباخ وزوجته ، فأصبحت أقوم بكل أعمال المنزل من طهي وتنظيف ورعاية للطفل في مقابل سكني معهما ، بالإضافة لتعليمه اللغة الإنجليزية ،عندما صارحتهما ببساطة

_” ابنكما يحتاج لكثير من الاهتمام وبقليل من الحب قد يستغني عن الكثير من هذه الأدوية ”

أجاباني بنفس الرد الذي قالته لي فاطمة منذ شهرين

_”" أنت آخر واحدة تتكلم ، أنت تعملين كخادمة في مقابل ألفين جنيه ”

أغاظتني الجملة التي تكررت في فواصل حياتي( كأنني ملعونة) من شخصيات لا يعرفون بعض، لكنهم متفقون على التقليل من احترامي لنفسي

_” لكنني لست أم طفل مريض”

أجبتهما باشمئزاز ، طبعًا ، كان جزائي الطرد ، رجعت إلى قريتي ، قررت أن أعود مرة أخرى للبحث عن مدرسة خاصة أخرى ، لكن سمعتي مع المدير النحس أوقفت كل محاولاتي التي باءت بالفشل ،كل مدير يخشى على عضوه ، أصبحت عاطلة عن العمل وذلك كان في مصلحة المهمة التي كلفني بها أحمد في آخر رسالة له عندما طلب بتكريس كل مجهودي بالدعوة للخروج في 25 يناير ، ” نددت بما حدث لفاطمة وأخيها ، وكنت في الحقيقة تحت تأثير الحالة السيئة التي آلت إليها فاطمة ، تلك الفتاة التي كانت تضج بالحيوية ، فياضة في جمالها ، في قوة شخصيتها ، في حبها لأمها ، في التضحية من أجل أخيها بعد حادثة القبض عليها وتعرضها للاغتصاب من قبل ثلاثة من أمناء الشرطة المجرمين ، تحولت إلى فتاة أخرى ، مكتئبة وسجينة الحجرة التي رجعت إليها ، تلك الحجرة التي تقع خلف مستشفى العام بالتحديد في مواجهة ثلاجة الموتى ، كأنها أصبحت واحدة منهم ، ما ذنبها ؟ ما ذنب أخيها الطالب في كلية الطب الذي كان من المفترض أن يكون طبيبًا تحول إلى مجرم مطارد ؟ لماذا تخلت الدولة عن دورها في رعايتنا نحن الشعب الفقير ؟ وتركته لغيرها من منظمات وجمعيات وجماعات تتحكم فيه وتفرض عليه أفكارها ، وتجعل من الشباب الفقير آلة خرساء صماء في تحقيق أهداف هدامة ، في النهاية الشعب هو الذي يدفع الثمن من غرق العبارة وحوادث قطار الصعيد وموت الشباب في الهجرة الغير شرعية إلي ايطاليا وموت الشباب في تحقيقات فاشية من قبل ضباط مرضى نفسيين ونحن لا نريد سوى القصاص ” ليس أمامي سوى انتظار نتيجة الدعوة لمظاهرة 25 يناير ، عندي شك أنها ستلقى ترحيبًا ، سيكون مصيرها مثل غيرها من حركات الإضراب التي باءت بالفشل في 2008 ،الجميع يخاف هذا الرجل الدموي وزير الداخلية ، ببساطة وأنا أفتح التليفزيون ذلك الجهاز الذي لم أشاهده في حياتي سوى في تلك الأيام المتعطلة فيها عن العمل ، على العموم لست منفردة في ذلك ، فكل البيت لا يهوى التلفزيون ولا مشاهدة البرامج المنافقة ولا الأفاقين الذين يستعرضون ثقافة مغلوطة حتى يلهوا بها الشعب ، والحال ينطبق على المسلسلات التي لا نرى فيها أنفسنا والتي تتجاهل أوضاعنا كأننا حشرات ، أظن أنهم يحكون عن أناس يعيشون في عالم آخر من عوالم ميكانيكا الكم ، كل ارتباطنا نحن الفلاحين بالإذاعة ، رغم عظمتها إلا أنها متواضعة لا تتطلب تلك الجلسة السادية المتفرغة ، نستمع إليها ونحن نعمل في الغيط ، في البيت ، نذاكر ، فهي لا تتطلب أبدًا منا التركيز في مشاهدة كم المكياج الذي يأكل وجه المرأة ولا رؤية عمليات التشويه في أجساد الممثلين ، فالإذاعيون لا يحتاجون إلى شفط ولا نفخ ولا حقن ، يحتاجون فقط إلى صوتهم وهناك مثل يقول ثلاثة أرباع جمال المرأة في صوتها ” وأعتقد أيضًا كذلك الرجل وهذا الرجل المتزن الهادئ الذي يمتلك فصاحة اللغة ونبرة الصوت الجدية الصادقة في قناة الجزيرة التي ليست مصرية تعلن عن قيام ثورة تهز كل أرجاء مصر ، التلفزيون المصري يعرض فيلمًا لإسماعيل ياسين ولا يوجد ما ينبئ بصحة الخبر ، الاتصالات بيني وبين منتدى البرزخ انقطعت ، وعرفت أن الاتصالات مقطوعة في كل أنحاء الجمهورية ، ليس أمامي سوى قناة الجزيرة ، جلست متخشبة أمامها أنا التي لم أحب مشاهدة الأخبار ، لم أتحرك من أمام قناة الجزيرة الإخبارية ، انضم إليّ كل البيت ، بما فيهم بنات قنعة وحياة ومن بينهم آدم الذي صمم على الجلوس بجواري ، لم أعرفه لأول وهلة فقد صار صبيًا لكنني عندما دققت في تفصيلاته ، إنه يشبه أمه ويشبهني ، له نفس الشعر الناري والعينين اللازورديتين ، نفس الضحكة الرنانة التي تمتلكها أمونة ، احتضنني فجأة ، له نفس رائحة أمه ، شعرت كأن زينب هي التي تحتضني ، يلف ذراعيه حول رقبتي مثلما كانت تفعل هي معي ، كأنها تريد أن نتوحد معًا ، تردني أن أمتزج في داخلها

_ ” اشتقت إليك يا زينب”

بكيت والجميع بكوا معي ، أدركت أن المثل الذي كانت تردده جدتي صحيح

_ ” اللي خلف ما ماتش”

ابنها آدم قطعة منها ، إنه الجزء الحي المتبقي من زينب ، إنه جزء نادر ، مازال موجوداً بيننا ، أما الباقي انتهى ، تلاشى أسفل التراب ، الأولى أن نحافظ عليه ، أن نحميه كما نحمي الآثار النادرة ، أمسكت آدم من كلتا يديه هززته بقوة

_ ” أنت يا آدم الدليل الحي على وجود زينب ، شبهك الشديد بأمك بعثها من جديد أمامي ”

_” أنتي شبهي ، ماما أمونة قالتلي كدة ”

احتضنته بدوري ، احتضنته بكل قوة ، أدخلته داخل أضلعي ، تندمت عن كل السنوات التي ابتعدت فيها عنه ، شعرت بالإحساس بالذنب لاني رفضته بكل حقد

_ ” أخيرا أمونة عملت خير ” يطلب آدم مني أن أحكي له حدوته ، أخبره عن ملاك البيت المختفي

_ ” كان هنا في هذا البيت تعيش فتاة جميلة تمتلك جسدًا بشريًا وروح ملاك ، كانت نعمة على هذا البيت ، لكننا لم نؤد حقها من الشكر ، فغضب الله علينا ، فأخذها إليه وتركنا لأحزاننا التي هوت بقلوبنا ولكن الله الرؤوف بحالنا أشفق علينا من هذا الحزن الذي يجسم فوق قلوبنا ، فثبت قلبنا بجزء منها

، إنه أنت يا آدم تحمل روح أمك الملائكية تلك الروح التي أقصيتها عني وحملتك ذنب موت أمك وشهوة أبيك الذي اختطف زينب وبعدها حُسينية ، أنا آسفة ، أنا التي خسرت لأنني حرمت نفسي من رؤية زينب فيك ”

استسلم الصبي إلى حضني وجلس فيه يشاهد معي العربات المصفحة وهي تدهس المتظاهرين والقنابل المسيلة للدموع تخنقهم ، حدث ما لم أتوقعه قامت الثورة ، أريد أن أنضم إلى الملايين في الشوارع الذين يهتفون بسقوط النظام ، كنت أعلم موقف أبي لن يسمح لي بالمشاركة في الثورة ، بدأ الكل يراقبني حتى أنهم عملوا نبطشيات لمراقبتي ، قنعة ونجاة صباحًا ، أبي وأمي ليلًا بعد عودتهما من الحقل ، أما أنا كنت أقضي أيام الانتظار مع حياة وآدم لكي أعوضهما عن سنوات البعد التي عشتها في بيت جدتي أو ربما عن السنوات الأخرى التي سوف أعيشها وأنا في سفري ، أقرأ لهما القصص ، أجيب عن أي سؤال حتى لو كان سخيفًا ، كنت لا أريدهما أن ينموا وهما يجهلان أي شيء

_”الشباب دول مسلمين ولا مسحيين ”

_ “ماعرفش يا حياة بالتأكيد من الاتنين ”

_ “هما بيهتفوا بيقولوا إيه ؟”

_” يا حرية فينك فينك الطوارئ بينى وبينك ، مش حنسلم مش حنطاطى، إحنا كرهنا الصوت الواطى”

_ “طيب العساكر اللي بيضربوا عليهم قنابل الدخان زينا مصريين ؟”

_ “طيب مين دول اللي بيضربوهم ”

_” مصريين برضوا ”

_” طيب ليه بيضربوهم ”

_” معرفشي ”

_ “هايفضلوا في الميدان ولاها يروحوا؟”

_ “معرفشي ”

_ امتى ها تعرفي؟

_ “لما اروح هناك”

_ “انا هاساعدك ”

_” كيف يعني ؟”

_مالكيش دعوى

فجأة صرخت حياة

_” يا ماااااه ، يا بااااايا ، عندي مغص، هاموووووووت ”

ارتدى أبي جلبابه بالمقلوب ، ارتدت أمونة الخمار فوق عباءة النوم و حملت حياة بالرغم من ثقل وزنها (فهي في سن الحادية عشر ) هرولت بها حافية وخلفها أبي يدعو

_” يا رب ما تكنش الزايدة ”

نظرت لهما باستغراب

_”لما فقدت أمونة خصوبتها ازداد حنانها !”

لكنني كنت أسرع في تجهيز حقيبتي والهروب من البيت قبل أن يكتشفا خديعة حياة ، وتذكرت اللحظة التي أنقذت فيها حياة من يد أم شحاتة التي كانت تظن أنها بنت متخلفة ، لكن “حياة “كانت أكثر ذكاء من الجميع ، استطاعت” حياة ” لأول مرة بعد وفاة زينب أن توقع أمونة في حبها ، واليوم استطاعت أن تنقذني من سجن البيت وتعيدني إلى تمردي وحبي للمغامرة ، هربت إلى موقف مصر ، لم أستطع أن ألحق بالحافلتين اللتين خصصهما الإخوان لنقل الشباب إلى الميدان التحرير ، لكنني وجدت عربة نقل للأثاث قفزت فيها ، كانت مملوءة بالإخوان على رأسهم الشيخ عبد العزيز ، كنت أظنه سيرفض وجودي ، ويمنعني من الذهاب معهم ، لكنه أفسح مكانًا لي، يبدو أنه تعود على مواقفي الشاذة ، ظننت أنه نسي ما حدث ، لكنني كنت مخطئة فهو لم ينس رفضي له مرتين

_” البنت مخلوقة للبيت ”

وعندما سألته عن موقفهم من الثورة

_ ” لن نشارك كقوي سياسية أو هيئة سياسية لأن المشاركة تحتاج إلى تخطيط واتفاق بين كافة القوي السياسية قبل النزول إلى الشارع”

لم أجادله خوفًا من أن يتعصب ويتركني في منتصف الطريق فهو لم ينس الثأر الذي بيني وبينه ، بالإضافة كان فكري مشغولًا على اختي “حياة ” ونوع العقاب الذي سيقع عليها عندما يكتشفون الأمر وكذلك كنت مهتاجة لأنني سأقابل أحمد لأول مرة وكذلك أعضاء منتدى البرزخ وسوف أتعرف على مريم تلك الفتاة المذهلة ، هدأت بمجرد أن سمعت صوت الشيخ الحصري يتلو سورة المجادلة

قال تعالى ” قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير”

عندئذ ابتسمت ، ونبهته للشيخ الحصري وهو يعيد الآية ثلاث مرات

_” هل سمعت البنت مخلوقة لكي تدافع عن حياتها؟ حتى لو أدى ذلك لمجادلة الرسول (صلى الله عليه وسلم) الله سبحانه وتعالى يستمع إليها من فوق سبع سموات فكيف يمنعها رجل فان يتبول ويتبرز في عرض الطريق؟ ، بالطبع ظن أنني أقصده ، لأنه أوقف الأتوبيس أكثر من مرة كي يتبول ؛ يبدو أنه فهم قصدي ، فقال بصوت بجهوري

_” أنا صحتي على ما يرام ، لكنني أخشى أن تضعف مثانتي لو احتبس فيها البول ”

ابتسمت له

_”عليك أن تخشى على العقول من الاحتباس داخل الافكار العقيمة ؟ ”

Nada [email protected]

السر

فتاة الطين هـــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

ترددت كثيرًا قبل أن أكتب إليك ، لكنك أكثر أعضاء منتدى البرزخ قربًا إلى قلبي ، كما أنك تعرفين مازن ربما أكثر مني ، لأنه أخبرني أنك وأحمد أكثر شخصيات البرزخ حبًا له و لشعره لذا اخترتك ربما لأنك أكثر شبهًا بي ، تعرفين والدتي كانت تحاصرني في الثانوية العامة ، تراقب كل تحركاتي كأنني في معسكر حربي ، أشكر الرب أنني على وشك تحقيق حلمها فقد حصلت على مجموع كلية الطب ، صحيح أنني لا أحب هذه الكلية ولا أحب جو المستشفيات ، أكره رائحة المطهرات ، لكنني سأتفوق فيها من أجل أمي ولا أحب أن تشعر بالخيبة من جهتي ، ذلك الشعور الذي يلازمها في علاقتها بأبي وإخوتي ، لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي من حب مازن منذ اللحظة الأولى التي التقيت به عندما جمعني أحمد معه في الكوفي نت التي يعمل بها مازن لكي ننظم كيفية الدعوة لمظاهرة 25 يناير ، هو سيدعو في الجامعة من خلال تنظيمه لمهرجانات الشعرية التي تثير حماسة الطلاب ، وأنا سأتولى مدارس الثانوية وسنترات الدروس الخصوصية ومنذ تلك اللحظة لا يفوتني أي مهرجان شعري يشارك هو فيه ، أتأمله كان في نظري أكثر الرجال وسامة على الأرض ، له عيناه نجميتان وهاجتان هربتا من السماء لتسكن محجريه ، فمه طفولي صغير ذو شفتين رقيقتين ، ابتسامته رائقة تنقلك لعالم سماوي ، بشرته بيضاء مزينة بشارب خفيف أصفر وشعره كستنائي لامع ، أصابع يده طويلة نحيفة كأنه موسيقار ، باركه الرب في كل شيء وأينما كان ، وهب له سلطان الشعر ليغزو به قلوب العذارى ، رأيت في هذا الغريب روحًا هائمة تفتش عن روحي ووجعه يمتزج بوجعي وتحول هذا الغريب إلى أكثر شخصًا أعشقه على وجه الأرض ، دقات قلبي تتسارع وتسري رعشة في كل أنحاء جسدي بسبب شعره الذي يناجيني لكي نتحد معًا

يا مريم هذا العصر ****

إن كنت تعيشين هذا العصر

فحبك تخطى جميع العصور ****

فحبك يصلي في دمي

من قبل بداية العصور ****

يصلي

من قبل الإسلام ****

يصلي

من قبل الخلق ****

يصلي

فحبك أول بلا ابتداء ****

أخر بلا انتهاء

فحبك غار حراء

أتعبد فيه منتظرا أمطار السماء

هل تنتظرين معي أمطار السماء ؟

مريم المجدلية

برزخ23

حاولتُ تبرير موقف أبي الذي كان حريصًا على تزويجي أنا وأخواتي قبل سن البلوغ ، كانت تسيطر عليه فكرة الخوف من هجرة الرجال بعدما هجرهم خير الأرض ؛ فأصبحت الأرض عبئًا عليهم ، مثل طفل مريض تنفق عليه ولا تستفد منه شيئا ، فيلجؤون للهجرة سواء داخل البلاد إلى القاهرة أو الاسكندرية أو الهجرة خارج البلاد وعندما يخرجون لا يرجعون بينما النسوة هنا يتشحن بالسواد كالأرامل ، تجف ثمارهن من طيلة الانتظار ، كان يريد أن يخفف عنا ثقل الانتظار للرجال الذين يفضلون أن يتزوجوا من تلك المدينة التي تجيد فتياتها عرض ثمارهن بطريقة مشهية ، كما نراهم في التليفزيون ؛ ولن يكون أمامنا سوى هجرة أوطاننا (كبقية فتيات القرى المجاورة ) مع أزواج صنعوا في بيئة أجنبية ، ينجبن أطفالًا يحملون جنسية أجانب ، ينظرون إلى أمهاتهم مثل أبيهم على أنها امرأة أجنبية وربما تموت كغريبة في تلك البلاد ؛ فكان يردد دائمًا

_” البنت لازم تتجوز وهي صغيرة علشان تخلف عيال يكبروا في حياة عينها ”

لكنني أظن لم يكن هذا السبب الوحيد بل كان هناك سبب أهم ، هو كثرة عددنا ، فنحن أصبحنا تسع بنات ، توفي منهن أربعة وتبقى خمس ، أعتقد أن تسع بنات في الريف ، كارثة عظمى ، نكبة لا مفر منها ، عقابا إلهيا لذنوب سرية لا يعرفها سوى أبي وأمي ، تلك الذنوب التي تسببت في حرمانهما من الولد الذكر وابتلائهما بتسع بنات ، لابد أن يسارعا في تزويجهن ، هذا الزواج المبكر الذي كان سببًا في موت زينب ، كانت طفلة لم تكمل الحادية عشر سنة ، كنا نذهب معًا نشتري البوظة ذات الطعم لاذع ، يحيط الخط الأبيض من الرغوة بشفتي وهي تضحك تبحث عن شيء تمسح لي فيه ، ترفع طرف جلبابها وتمسح لي ؛ فتظهر ساقاها بيضاوان ، ناعمان ، سرعان ما تغطيهما عندما ترى عينيه يلعقانهما بلهفة ، فيتأجج وجهها بالخجل ، تجذبني من يدي ، أتسمر في مكاني أمام بائع البوظة

_” أريد واحدة أخرى”

تحذرني أنها مثل الخمرة ، تسكر فتذهب بعقل الرجال فما بالنا نحن النساء؟ ناقصات عقل ودين ” بعدها لم أشربها قط ، أصبحت من المحرمات ، كانت تعاملني كابنتها بالرغم أنني أكبرها بثلاث دقائق ، تمشط شعري بعدما تغسله بمنقوع الصبار الذي تحضره من المقابر ، ثم تضفره في عشرة ضفائر: أربعة في قمة الرأس تدمجهم في ثلاثة في وسط الرأس ثم تدمج الثلاثة في اثنين في مؤخرة الرأس ثم تدمج الاثنين في واحدة تتراقص على القفا تنتهي الضفيرة الطويلة التي تصل إلى فخذي بشريط أزرق من الحرير ، في كل مولد تصنع لي جلبابًا قصيرًا ، له ذيل مروحي ، في هذا المولد رأيت نفس الرجل الذي كانت تزحف عيناه فوق كل انش من جسم زينب ، ثم بدأت أراه في كل مكان نذهب إليه ، وأخيرًا رأيته في حجرة المسافرين ، طلبت مني أمي أن أتوقف عن لعبة الحجلة وأذهب لكي أنادي لزينب من عند سعاد زوجة العمدة ، دخلت مع زينب في حجرة المسافرين كانت تحمل صينية بها شاي في الفنجان المذهب للرجل الذي اشترى لي كوبين من البوظة على حسابه ، ومنذ ذلك اليوم امتنعت زينب عن الخروج من المنزل الذي امتلأ بأشياء جديدة ، سرير نحاسي ، كنب ، ثلاجة ، بوتاجاز ، أَلْحِفَة ، وسائد ، مراتب ، طست ، أواني نحاسية ، طبلية من الخشب الزان ، قمصان ، سراويل ، بشكير ، فوط ، كرتونة صابون نابلس ، جاءت أمه تحمل سكر و شربات ، بعد أسبوعين جاء دور أم شحاتة التي كانت لا تغادر منزلنا تحمل صندوقها المملوء بعلب صغيرة من الصفيح فيها ألوان غريبة أحمر وأزرق وأخضر وأقلام كحل مختلفة الأحجام ، بدأت أم شحاتة تقوم بطقوس الحنة للعروس ، بدأت تجمع نقودًا من المدعوين ، و في الليلة التالية ارتدت زينب فستانًا أبيض كان مخزنًا في صندوق خشبي استخدمته قنعة في زواجها ، تم تهيئته عليها ، بدأت تكحل لها عينيها اللازورديتين ، تخطط لها حواجبها الشهباء ، تصبغ أسفلهما باللون الأخضر ، تلون خديها الحمراوين بالدهان الأحمر ، لفت فخذي زينب النحيفتين بشال من الصوف عدة لفات ، دست أم شحاتة يديها الغليظتين بين ثديي زينب الخوختين ثم حشتهما بلفافات من القطن ، تلك الساحرة الشريرة سخطت أختي من ملاك صغير إلى امرأة قبيحة ، لها فم كبير محدد بشفتين دمويتين وعينين جاحظتين و إليتين كبيريين مفلطحتين يمكن أن تنام فوقهما ، الثديان بعد تنجيدهما أصبحا متطاولين كثدي عنزة ، شددت طرحة أمي ، أسألها

_” أين زينب؟ ”

تضربني على رأسي

_” روحي العبي بعيد”

_”العب مع من؟ ”

اختفت تلك البنت التي كانت تلعب معي وراء تلك المسخ التي يشيعونها الآن فوق جمل يزينه هودج من الستان الأحمر ، بداخله الرجل الذي كرهت من أجله البوظة ، اختطف أختي وسط زغاريد النسوة المتآمرات ، من شدة الخوف أتعلق في يد أمي التي تدفعني بعيدًا منشغلة في وضع أكياس الحلوى والفول السوداني والكعك والبسكويت في الدولاب ، ثم دست قطعة قماش بيضاء في يد أم شحاتة هي الوحيدة التي بقيت مع زينب وهذا المفترس المسمى عريسًا ، اختبأتُ أسفل السرير ، لكن العجوز لمحتني جرتني من شعري وألقتني في الخارج مع سرب النسوة المتجمعة أمام الباب المغلق على ثلاثتهم ، سمعت صراخ زينب ، شددت أمي من عباءتها القطيفة الحمراء التي اشترتها لهذه المناسبة الدموية

_” أختي بتصرخ ، الراجل والولية أم شحاتة بيضربوها ”

أمي لا تعيرني أي انتباه ، النسوة يخبطن فوق الباب ، صوت ضرباتهن أعلى من صراخ زينب الذي يرن في أذني مثل صوت الدبور الذي لسعني بالأمس في أنفي فورّمها كحبة النارنج ، إنهن لا يتوقفن عن الغناء

_ ” أوعالها يا واد أوعالها ده الظابط يبقى خالها ، إحنا اللي فيهم والباقي سلطة أصغر ما فينا بيمشي الحركة ”

وأهل العريس يردون عليهن

_”خدناها وضحكنا عليكوا خدناها وأبوها مش راضي وعشانها بعنا الأراضي الحلوة اللي كسبناها ”

بعد دقائق يصمت كل شيء ويخرج الرجل ومعه القماش الأبيض تحول إلى أحمر والدماء تلطخ إصبعه صرخت بأعلى صوتي

_” قتلها الراجل بتاع البوظة”

أضربه بكلتا يداي ، أنطحه برأسي وهو يضحك ويحملني فوق ذراعيه ، يرفعني إلى السقف ويدور بي ثم ينزلني ويبعدني كذبابة ، يتلقفه الرجال بالأحضان أدخل باحثة عن أختي ، أراها تتوجع وبجوارها أم شحاتة تساعدها على ارتداء ملابس نظيفة

أتأمل الدم الذي يلطخ قميصها ،أهجم على أم شحاتة ، عضضتها في يدها ، تصرخ كأنها تعرضت لماس كهربي ، لم تهرول إليها أمي كعادتها ،لأنها منشغلة في الرقص وسط دائرة من نسوتها ترفع يديها بقطعة القماش الملطخة بدم أختي ، يغنين معها وهن يتنقلن من شارع إلى آخر ، يعرضن دماء أختي ، و تلك المرأة البغيضة أم شحاتة تنتهز كل الفرص لجمع النقود من أبي والضيوف على دماء أختي وهي تغني

_ ” قولوا لأبوها لو كان جيعان يتعشى بنت الأصول غرقت ألفرشه ”

Nada [email protected]

مريم المجدلية

صديقتي/ فتاة الطين

اليوم التقيت بمريم المجدلية ، في اللحظة التي رأيت عينيها الزيتونتين تتوغلان داخل روحي ، شعرت فيهما أنني في منزلي بغزة ، أجلس أسفل أشجار الزيتون ، مدت يدها لتسلم علىّ ، انتهزت الفرصة ، احتضنت يدها التي توغلت في خطوط يدي العريضة ، يدها شفافة بيضاء ، لمست بشرتها رقيقة لبنية كرضيعة ، ابتسامتها أشعرتني بأن الوقت توقف ، و ساعة جامعة القاهرة تعطلت في عليائها ، شكرت أحمد ، احتضنته بكل قواي كأنه أبي الذي قدّم لي أعظم هدية في حياتي ” هذا الملاك” اجتاحت روحي برقة ، استعمرت خيالي بقسوة ، أثارت إعجابي ، عمرت حياتي الخربة و في لحظة واحدة تملكتني للأبد

_ ” مرحبًا أنا مريم”

ظلت الجملة تتردد في ذهني مرات ومرات ،حتى استأنفت كلامها حيرة

_” طبعًا ، تعرفني من خلال رسائلي البرزخية ”

مازلت صامتًا ، أستمتع بقراءة شفتيها الشاحبتين المصمتتين المضيئتين بلون كهرماني ، كشرت برفع نصف أنفها وفمها ورسمت علىّ علامة استغراب ، حاولت تنبيهي بحركات اصبعيها النحيفين

_” انت هييييييييييييييييييييه ، أصحاااااااااااااااااااااا؟“”

عندئذ شعرت أنني أفقت من حلم رائع إلى حلم أروع

_ ” هل قرأت كل ما كتبته من شعر وما كتبته عن نفسي ؟ لا أعرف لماذا سألتها هذا السؤال ” ، هزت رأسها ، بالموافقة وقالت :

_ ” أعرف علاقاتك الغرامية ”

_” تقصدين ما كنت أتوهمه ، عندما رأيتك تأسفت عن كل الوقت الذي أضعته قبلك ، وعن كل الشعر الذي أهدرته في حب غيرك ، لكنك صغيرة جدًا على أن تكوني ناشطة سياسية ”

تأملتني في ابتسامة

_ ” وأنت أكثر وسامة من كل المناضلين على مر التاريخ ”

عندئذ أنشدت لها :

_ ” ما أكثر محبيك ولكنك لن تجدي غيري لك حبيبًا ، غيري من الرجال يحبون أنفسهم في وصلك ، أما أنا فأحبك لنفسك” (ص40 )[18] سألتني في استغراب

_” أتعرف مريم المجدلية؟”

_ ” أنت ”

ابتسمت ابتسامتها التي أوصلتني إلى حد الجنون ، ثم ابتعدت في قسوة ، مكثت مكاني ، أراقبها ، تبتعد ، حينئذ أحسست بأن الملائكة تترنم حولنا بسيمفونية الحب الأبدية

مازن الشاعر/ اليسوعي

برزخ24

منذ تلك الليلة لم أرها أو بمعنى أدق رفضت رؤية زينب ، لم تصبح صديقتي التي كانت تلعب معي و تأكل البوظة معي وتغني لي في المولد وهي تؤرجحني ، لم تعد تسكن معنا ، لكن بعد سبعة أشهر ، في ليلة شتوية رأيتها في صحبته تتوجع وتصرخ ، بطنها متكورة أمامها كالجبل ، هل أم شحاتة لفت على بطنها شالًا كما لفته على مؤخرتها في الليلة الدموية ؟ إني رأيتها في صحبتها ، طلبت أم شحاتة الماء المغلي

_” الرحم ضيق مش ها ينزل عيال ”

يتعالى صراخ أختي التي تمزق وجهها بأظافرها من شدة الألم ، تشد شعرها ، حلت ضفائرها وشعرها الأحمر الموجي أصبح هائشًا كسحابة من النار تغطي عينيها الملطختين بسواد الكحل الذي يسيل على خديها المحمرين كأنهما جمرتين تشتعل النار أسفلها

_”لازم أوسع لها الرحم ”

تجلسها أم شحاتة في مياه ساخنة لتدمغ الجروح التي أحدثتها بيديها المفلطحتين الخشنتين المتقشفتين اللتين أدخلتهما في رحم زينب الطفولي ، مزقته وهي تدير الجنين ذي الوضع المقلوب و تشده عنوة ، تغلق زينب عينيها ، ترش أمي المياه على جسدها العاري ، تنبهها ، تشهق زينب ، كأنها تعود من وادي العذاب ، يلتف النسوة حولها ، يحملقن في رحمها الدامي ، جلبابها الممزق ، شعرها الذي يكفنها من كل الجهات ، أنهكت قواها لدرجة أنها لا تتوجع بل أنا التي أحترق من شدة الوجع عليها ، لا أحتمل أن أراها هكذا تموت ببطء ، أهرول إلى أبي

_” زينب ها تموت في أيد أم شحاتة ”

يتركني وينزوي صامتًا في ركن بالمدخل ، المنزل يموج بالنسوان كأن السماء أمطرتهن

وأنا لا أفهم شيئًا ، كل ما أفهمه أن أم شحاتة ستقتل زينب كما خنقت عنايات ، لابد أن أنقذها لكن كيف ؟ أشد الرجل من طرف جلبابه

_”لازم دكتور ؛ أختي بتموت ”

كنت أستغيث بنفس الرجل الذي اختطفها مني ، كنت أعلم أنه شريك لأم شحاتة وأنه لن يفعل شيئًا ، لكن العجز جعلني أستغيث به ولأنني عرفت من زينب عندما خطبها أنه يحبها و يقدم لها الهدايا ، أعطاها في أول مقابلة بعد قراءة الفاتحة علبة مكياج وزجاجة عطر وعلى العيد أهداها ساعة مذهبة أحضرها معه من الإسكندرية حيث يعمل عاملًا بشركة بترول ، لكن كل شيء انتهيت منه عندما لمحت برودته وأنه بدلًا من أن يهرول لكي يحضر طبيبًا من المركز جلس هادئًا وأشعل سيجارة

_ ” ما عنديش حريم تنكشف على راجل ”

نسمع صوت الطفل “وااااااااااااااء واااااااااااء ” الكل ينشغل بالطفل ، يهرول الرجل يحمل الطفل

_” إنه يشبهني هأسميه على اسم أبويا”

تباركه أمي

_” إنه آدم أبو البشر كلهم ”

تتأمله أمونة ، كأنه معجزة ، كأنه نوع بشري جديد ولد بعد طوفان البنات الذي عانت منه أمونة طيلة عشرين عامًا ومازالت تعاني منه ، استطاعت زينب أن تفعل ما عجزت أمونة عنه ، فهي تعلم أن ما يسكن رحمها منذ شهرين هي بنت ، لم تعد تصدق أم شحاتة التي تمنيها بالولد في المرة القادمة ، أمونة أصبحت خبيرة بمعرفة الجنس الذي تكرر حمله في رحمها تسع مرات ، أما الذي أمامها اليوم ولد ذكر ، تحدّثه كأنه المسيح عيسى

_” إنت لا تشبه هذا الرجل ، إنت تشبهنا نحن ، تشبهني وتشبه أمك زينب ، حتى إنك تشبه الشيطانة ندى ”

تحملق أمونة في هذا الولد ولسان حالها يقول ” كان من المفترض أن يكون هذا الولد ابني وأن يكون أبوه شاهين ، لكنه ابن رحم زينب ، إنه الرحم المبارك ”

انشغل الجميع بآدم بن زينب الذكر الأول في عائلتنا ، لأن قنعة ولدت توأم بنتين

_” ها نعمل لك سبوع ولا سبوع الملك فاروق ”

مازالت أمي تتذكر الملك فاروق ولا تتذكر زينب التي أغمضت عينيها في هدوء ، إنها لم تر ابنها ، الرجل اختطفه منها كما اختطفها مني ، عيناها كانت تبحث عن ابنها ، تريد أن تحتضنه ، لكنها أغمضت عينيها في رضا دون أن تلوم أحدًا مزينة وجهها بابتسامتها الأخيرة كأنها تستقبل ضيوفًا أعزاء على قلبها ، ضيوفًا غير مرئيين ، ربما أخواتها كريمة وزينات وعنايات اللاتي كانت تزورهن كل يوم الجمعة بانتظام ، جئن يبشرنها بالجنة التي طالما حلمت بها من أجلهن ، أصرخ ، جن جنوني ضممتها بقوة

_” زينب .. زينب”

لا ترد علىّ ، صرخت باقصى حلقي ، صرخة تلخص كل الألم الذي شعرت به منذ انفصالنا

-” نايمة يا بهيمة”

- أختي زينب وشها ازرق

هرولوا جميعًا لزينب ، يهزون جسدها ، يرشون المياه فوق وجهها ، تقترب الحدأة أم شحاته وتضع أنفها القذر فوق فم زينب المذموم

_”ربنا يرحمها ما لحقتش تفرح بابنها ”

لملمت حاجتها وهربت ، تاركة زينب دامية ، ممزقة الرحم ، بعد ستة أشهر رأيته ، جاء بنفس الهودج ، يحمل أختي “حُسينية ” التي لم يتجاوز عمرها الحادي عشر ، هي أيضا عملت مثل زينب توقفت أيضًا عن كل شيء : اللعب بالعرائس ، والذهاب للحقل لحمل الغذاء لأمونة وأبي ، توليت أنا هذه المهمة ،بينما هي ذهبت مع نفس الرجل ، إلى نفس البيت ، في نفس الحجرة على نفس السرير ، الفارق الوحيد أن رحم حسينية مازال طفوليا ،مما اضطر دخول أمونة معها وجرحت ذراعها ولطخت القماش الأبيض ، خرجت إلى نسوتها تغني نفس الأغنية اللعينة

_”قولوا لأبوها إذا كان جيعان يتعشى ”

عوقبت زينب تحت التراب والرجل الذي تسبب في موتها حصل على بكر جديدة أصغر وأجمل ، الرجل لدينا كائن خالد ، لابد أن يمتص عذراء حتى يظل محتفظا بشبابه متألقا ، تأتيه بها تلك القابلة الشمطاء أم شحاتة التي أخذت أخواتي ، واحدة تلو الأخرى إلى رجال يشبهون ذلك الرجل وإلى سرير يشبه نفس السرير وتتفجر منهن نفس دماء الأضحية .

mazen [email protected]

عضو من الطين

مرحبًا أيها الثوري/ أحمد

منذ احتفالنا بأننا حققنا أول تغيير في طريق مصر الثورية ، أنت انشغلت في تزيين الميدان ومراقبة الانتخابات وأنا أيضًا شاركت مجموعة من الشبان في تزيين ميدان المسلة ، اليوم نجحت أول انتخابات نزيهة ، صحيح أنها أتت بشخص غير متوقع ، لكن حكم الإخوان سيفتح بسهولة قنوات حوار مع تلك الجماعات الدموية فيقضي على الإرهاب ، المهم أننا عرفنا طريقة التغيير ، إذا لم ينفذ النظام الجديد مبادئنا التي من أجلها ثورنا سوف نثور عليه ، لدينا “ميدان التحرير الذي قادنا للحرية ” الشعب كله يعيش حالة حب ، حب لوطننا ، للناس ، للأماكن ، نظرة رحبة في تقبل الآخر ، أنا أيضًا حاولت كثيرًا أن أمنع نفسي من الحب ، بالفعل ظننت أنني نجحت واستطعت بعد وفاة زينب أن أشق قلبي وأنتزع منه مشاعر الحب والاحتياج للأخر واللهفة والشهوة ولوعة ، لكنني في اللحظة التي قابلتك فيها في الميدان ، ورأيت انشغالك بالجرحى ، رأيتك وأنت تحمل مصابًا فوق عنقك وهو يضاعفك وزنًا وتجري به كطير ملهوف يحاول أن ينقذ وحيده ، رأيتك أبًا لي كنت أتمناه ، رأيتك أخي الذي طالما حلمت به أمونة ، رأيت فيك كل أصدقائي الذين حلمت بوجودهم معي ، في تلك اللحظة فقدت كل حصوني ، لم أستطع أن أمنع نفسي من الوقوع في حبك ، قلبي فياض بالشوق إليك ، جسدي يحترق شوقًا كي يلتحم معك ، أريد أن أحرر أنثويتي الملتصقة فوق أيقونة إرسال ، أدعوك لزيارتي في الفيوم ، في منزل الكروم الذي أصبح فارغًا بعدما انتقلنا للعيش في منزل أبي ، لكنني كل أسبوع بعد رجوعي من المقابر ، أذهب إلى منزل الكروم ، أنظفه ، أمارس عادتي القديمة أملأ وعائي بالطين وأذهب به في سرية إلى معبدي الطيني كما أسميته لي (أعجبتني التسمية ) أمسك تلك العجينة السحرية وأصنع تمثالًا لك مهيبًا له نفس تقاطيعك التي فوجئت بها عندما رأيتك لأول مرة في الميدان ،لك عينان الغائرتان كفحمتين متقدتين بالحماسة ، فمك الناضج كعناب الطازج ، ذقنك المستدير متدلي في وجه نحيف مشدود بالألم كوجه راهب ، محفوف بخصلات شعرك حالك السواد وشبابك النابض الذي لا يهدأ أبدًا ، لك ملامح عربية حادة تضج بالرجولة ، أيقظت كل شهواتي التي كانت في سبات عميق حتى جئت أنت كزلزال قوي أيقظتها جائعة متوحشة عنيفة قاسية تذيب كل خلايا جسدي عندئذ صنعت منك كائنًا إيروسيًا هرقليًا ،لك مئة عضو من الطين ، كلما تفتت أحدهم أصنع لك عشرة ، هل ستتفتت محاولاتي أم ستنجح ؟ أنا في انتظارك بجوار الشجرة الأم

برزخ 25

ما كانت تفعله فوزية (بائعة الفول ) من تمزيق الكتب وتلطيخها بالزيت الذي ينز من الباذنجان والطعمية يعتبر جريمة من وجهة نظري ؛ بالتالي سيطر عليّ أحساس بضرورة إنقاذ هذه الكتب ، حتى لو اضطررت لأن أضحي بنفسي وأن أعمل كعبدة لديها في مقابل إنقاذ ولو كتاب واحد ؛عرفتني عليها جدتي فهي التي استلفت منها كتاب ألف ليلة وليلة وعندما بكيت وتمسكت به ، ساومتها جدتي على كيلو زيتون ثمنًا له ، فوافقت واحتفظت بالكتاب عندما كبرت علمت أنه ليس جزءًا واحدًا وعندئذ بحثت عن كل الأجزاء واقتنيتهم جميعًا ، تقربت من فوزية ، أساعدها في البيع للزبائن ، وأسجل لها أسماء من يأخذون الطعمية على النوتة ، فكانت لا تبخل عليّ بتسليفي كتاب كي أقرأه ثم أرده عندما أعاود غدًا لشراء الفطور ، فتمزقه أمامي بلا رحمة ، بعض الكتب كانت تعز علىّ وعلى الرغم من أنني لم أفهمها ، لكنني كنت أعجب بكلماتها وأحاول أن أفهم الموضوع العام الذي يدور حوله الكتاب ، قررت أن أستبدلها بالكتب الدراسية للصف الذي انتهيت منه وكنت أطلب من أخواتي أن يجمعن من جيرانهم ومعارفهم أكبر قدر من الكتب الدراسية التي كانوا يرمونها فوق السطح ، تأكلها الشمس ، كانت تزن الكتاب في يدها ، كل ما يهمها أن يكون متساويًا معه في الثقل و ليته يفوقه في عدد الأوراق ، وعندما نفدت كل الكتب التي جمعتها ، عندئذ قررت أن أعمل لديها في مقابل كتاب كل أسبوع ، أغسل لها طاسات الزيت الصدأة المحترقة بعد أن أصفي لها الزيت المحترق الذي ستستعمله طيلة الأسبوع ، تضيف له بعض الزيت النظيف لكي تداري احتراقه واسوداده ، مما جعلني أقرف من الطعمية وفي نهاية اليوم ، أغرس نفسي في أرضية المحال القذرة وأنظفها لكي أعود بالكتاب الأسبوعي ، أحمله مبتهجة ، عيناي تلمعان ، كأنني جندي عاد منتصرًا من حرب قذرة ، لا أستطيع مقاومته للصباح ، أسهر عليه طيلة الليل ؛ أقرأه تحت ضوء عامود الإنارة ،ضوؤه يأتيني عبر أشجار الكروم شاحبًا ، يتأرجح مع مسرحية بجماليون لتوفيق الحكيم ،" حيث يقع بجماليون في حب تمثال امرأة من العاج صنعه بيديه ويدعي أنها زوجته ويسميها جالاتيا، ثم يطلب من فينوس أن تبثَّ الروح في جالاتيا فتستجيب له وبالفعل يتحول التمثال إلى امرأة حقيقية، ولكن جالاتيا تخون بجماليون وتهرب مع نرسيس فيصاب بجماليون بالحيرة والذهول ثم يطلب أن تعود جالاتيا تمثالًا كما كانت، ثم يشعر بالندم لذلك فيقوم بتحطيم تمثال جالاتيا ويموت بعد ذلك.”

أمسكت بالقلم الذي نحت مكانه في عظام إصبعي الأوسط اللينة فحوله إلى ما يشبه علامة استفهام مشوهة، وضعت خطًا تحت عبارة ، أنظر إليها كبسولة للمغزى ” ” أولئك الخالدون الذين لم يستطيعوا أن يصنعوا غير الهالك المحدود، أما أنا الهالك المحدود فقد استطعت أن أصنع الخلود”

فجأة يهددني نباح كلب جريح ( يبدو عليه أنه دخل في معركة غير متكافئة) ،أهرب ، أختبئ في أحضان جدتي التي تلومني

_” إيه اللي جابرك على كدة ، هي ندهتلك النداهة ”

عندما أجبرني والدي بالعودة إلى البيت لم يسمح إلا لعدد قليل من الكتب بالعودة معي ، أكثرها كتب دينية مثل تفسير القرآن للطبري ، صحيح البخاري باللغة الإنجليزية الذي كان له دور رئيسًا في اتقاني للغة الإنجليزية و ترجمة الأئمة الأربعة ، عبقريات عباس محمود العقاد ، القرآن والمرأة للدكتور محمود شلتوت ، الملل والنحل وجزء من كتاب فتوحات مكية لابن عربي ، خبأت بعض الكتب في حقيبة ملابسي الداخلية تفسير الأحلام لفرويد ، العصر الجاهلي لطه حسين ، أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ،الأعمال القصصية الكاملة ليوسف إدريس ، المسيح يصلب من جديد لنيكوس كازانتزاكيس ، كتاب وصف مصر لجمال حمدان ، فلسفة التفكيك عند دريدا ، موسوعة مصر القديمة ل سليم حسن ، جمعتهم في حقيبة ثم حملتها في ” توكتوك الواد فروجة ” نسيت رواية “حفلة التيس ” ليوسا موضوعة فوق السرير مفتوحة على ” كل شيء باستثناء أن تكوني سعيدة وهل كان بإمكانك أن تكوني سعيدة باستخدام إرادتك وانضباطك والتوصل إلى الانتصار على الرفض الذي لا يمكن الانتصار عليه ” أغلقتها ثم قررت أن أرحل بمفردي دون كتاب واحد ، طلبت من الولد فروجة أن ينزل الحقيبة مرة أخرى ، ولكي أهدئ غضبه أعطيته أجرته مضاعفة ثم قمت بتفريغ حقيبة الكتب ووضعتها في مكانها في بيت الكروم لأنني سأعود إليه .

Nada [email protected]

أم الصريم

فتاة الطين ه_ــــــــــــــــــــــــــــــااااااااااااااااااي

إنني أحسدك لنجاحك في تمزيق الشرنقة التي فرضوها عليك الأهالي والجيران والجماعات الدينية الأصولية ، ربما لأنني تدربت منذ صغري على النموذج الجيد للبنت وهو الطاعة العمياء لعائلتها أن تقول” نعم ، حاضر” ، لم يكن لدي شجاعة أن أكون أم الصريم كما فعلت أنت ، حذرتني أمي عندما سألتها عن حكاية أم الصريم ” إنها فتاة غبية رفضت أن تسمع كلام ساحرة البئر وأن تنظف قملها و صرخت في وجهها

_ ” إيه القرف ده ”

فدعت عليها العجوز

_”يابير يابير لبسها خنافس كتير ، يا بير يابير لبسها صراصير كتير ، يا بير يابير لبسها عقارب كتير”

سارت البنت في الغابة منبوذة ، قابلت أبو قردان نفسه الذي طلب منها أن تسقيه

_ “مش بعد ما تعبت تاخد المية ع الجاهز ”

فدعا عليها

_” يجعل بياضي في عينيك”

فابيضت عينيها ، قابلها الغراب ، ردت عليه نفس الرد الذي أعطته لأبي قردان ؛ فدعا عليها

_” يجعل سوادي في وشك”

أصبح وجهها اسود مثل القار ، وعملت مع النخلة ما عملته مع الاثنين

_ ” أنت جذورك طويلة تمص المية من تحت الأرض ”

فدعت عليها النخلة

_ ” يجعل طولي في قامتك ”

رجعت إلى أمها محترقة البشرة ككتلة ظلام طويلة مثل النخلة ، قبيحة ، مملوءة بالحشرات ، تتلقى العقاب أن تضربها أمها بالمقشة بدلًا من أن تتزوج من ابن السلطان”

اليوم الذي أحببت فيه مازن تمنيت نفس أمنيتك أن أكون أم الصريم الفتاة المتمردة ، أرفض أن أفترق عنه لمجرد أنه مسلم ، أشعر بانتمائي لهذا الجسد منذ الأزل ، أحب رائحته ؛ لأنها تذكرني بعالم أزلي لا يحمل أي تفرقة ، عالم موحد متكافل متناغم كما خلقه الرب وتمنى أن يعيش فيه الإنسان كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12 ” اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ. كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ”

لماذا لم ير أهلي في مازن ما رأيته فيه لأول وهلة ؛ إنه يجمع كل الرجال منذ الخليقة حتى انعدامها ، شعره الكلمات التي تاب عليها آدم ، وسامته عندما يقف على المنصة كوسامة يوسف التي سحرت نسوة زليخة فقطعن أيديهن ، صوته وهو ينشد قصائده كمزمار داوود ، تمسكه بقضية القدس كتمسك رسولكم محمد برسالته ، عندما يحتضنني أسمع دقات قلبه ترتل كل آيات الحب التي دعا إليها المسيح ، الألم الذي شعر به عندما رفض أهلي حبنا كألم المسيح المصلوب ، إنني ابنة هذا الجسد ، لن يمنعني عنه دين أو تقاليد ، سوف ألتحم به للأبد، ولذا قلت لهم مقولة نبيكم ولو وضعتم القمر في يميني والشمس في يساري على أن أتركه …لن أتركه .

مريم المجدلية

برزخ 26

بعد الخديعة التي قامت بها حياة لكي تمهد الطريق لهروبي بالفعل فعلتها وهربت من المنزل وجئت لميدان التحرير أشاركهم الثورة ، بالتحديد في منتصف ليلة الخميس في حافلتين أستأجرهما الشيخ عبد العزيز جمع فيهما كل من ينتمي للجماعات الإسلامية ، وهذا ما حدث في جميع الأقاليم وهو نقل الشباب إلى الميدان ، وكان نصيبي إنني قفزت في عربة نقل محمّلة بأثاث عروس اختبأت أسفل مفرش عُرسي من القطيفة الوردية هروبًا من المناقشة العقيمة مع الشيخ عبد العزيز ومن نظراته الجائعة لي ، استمتعت بملمسه الناعم ، رائحته الجديدة تسكرني ، فنمت ، كان نومي متقطعًا ، أنا مهتاجة ، أشعر برعشة تهز كياني ، لأول مرة أشارك في مظاهرة فالفيوم في حقيقتها بلد مسالمة جدًا ، تكره الصخب والعنف ، ما عدا بعض التنظيمات الإسلامية المتشددة الدخيلة علينا التي هربت إلى الفيوم بعد أكثر الهجمات توحشًا ضد السائحين في معبد حتشبسوت بالأقصر عام 1997م حيث قتل فيها 58 سائحًا أجنبيًا ، بعدها أصدرت عشرات الكتب ترد فيها على أطروحاتها الفكرية السابقة( التي كانت تؤيد العمل المسلح ضد الحكومة ) صارت الجماعة الإسلامية تعلن أنها أصبحت جماعة دعوية فقط ، وكان بينهم الشيخ عبد العزيز الذي كان يتميز بفصاحة وثقافة دينية واسعة وبالإضافة إلى وسامة مشرقة وأناقة عصرية فاستطاع أن يصبح في فترة وجيزة مصدر إلهام الشباب ، يجذب إليه قلوبهم ويحوز ثقتهم وخاصة هنا في ريف الفيوم ،كون جماعة أطلق عليه “جماعة الإصلاح ” كانت تساند الشباب في فقرهم وتقدم لهم خدمات تجاهلتها الحكومة لسنوات طويلة ، انضم إليها عدد كبير من الشباب حيث كانوا يعتبرونها كيان إسلامي متكامل له مؤسسات اقتصادية قوية ، ستحقق لهم أحلامهم ، ها هي ثورة 25 يناير بعدما تأكدوا من نجاحها سرعان ما أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من كيانها وها أنا الآن أجلس في إحدى سيارتهم إنها الوسيلة الوحيدة الآمنة ،وصلت مع الآية 10 من سورة الصف التي كان يرددها الشيخ محمود الحصري في تسجيل السيارة ((قال تعالي ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَانفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ان كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)

عندما وصلت بدأت جمعة الغضب تبث الدراما الأكثر إثارة ، الغازات المسيلة للدموع تعمي أبصارنا ، الرصاص المطاطي يوقع العشرات من المصابين وعربات الأمن المركزي تسير بطريقة اعتباطية ، تدهس المتظاهرين ، وفي ذروة الأحداث وقعت عيني عليه كان أكثر وسامة من الصورة التي رسمتها له في خيالي يبدو كبطل اوليمبي للوزن المتوسط ، شعره الأسود الناعم معقوف فوق قفاه ، وجبهته الذهبية منداه بقطرات العرق بالرغم من البرد الشديد ، عيناه السوداوان العميقتان متوهجتان كشهابين هربا من السماء لكي يبثا الحماسة في قلوب الثائرين ، يمتلك صدرًا واسعًا كصدر أم و ذراعين ضخمتين حصيلة تدريباته على حمل الإثقال في الصالة الرياضية ، ساقاه الطويلتان قويتان تهرولان إلى مستشفى الميدان في جامع عمر مكرم ، ويذهب ويجيء حاملًا عشرات المصابين كأنه حصان عربي أصيل لا يكل ولا يمل ، يوزع ابتساماته على المخيمات ، يطمئن على المسنين (بعد كم القنابل المسيلة للدموع التي امتصت الأنفاس وأسقطت الكثيرين مغيبين عن الوعي وخاصة من كبار السن ) ينضم لتجمعات الشبابية الغنائية التي ولدت مع الثورة ، يردد معهن “يا حبيبتي يا مصر” ، يجلس كعزول بين مازن ومريم يحسدهما على جو الانسجام العشقي الذي ينشرانه رغم الأجواء القتالية التي تحيط بهما ، يستغرب قصة الحب التي نبتت في ظل نيران الثورة ، قصة حب خارج الصندوق كما يقولون (شاب مسلم يحب فتاة مسيحية في وسط أكبر ميادين مصر) كنت أنتظر أن يتعرف عليّ ، دون أن أخبره كما تعرفت عليه ، هذا من حقي أنني عرفتهم جميعًا ، لماذا لم يتعرف عليّ أحد حتى الآن ؟ تناسيت الأمر وأجلت لقائي به وحاولت أن أندمج في المجتمع الميداني وأتعرف على الموجودين وعلى دوري( فأنني قد حصلت على عدة دورات للإسعافات الأولية عندما انضممت إلي الهلال الأحمر وأنا طالبة بالكلية ) ، سعدت كثيرًا عندما التقيت بفاطمة وأمها ، عرضا عليّ أن أنضم إلى خيمتهما ، قبلت شاكرة تعرفت على آخر أخبارها

_ بمجرد أنني تأكدت من قيام الثورة ؛ خرجت من عزلتي وكففت عن فكرة تدمير الذات التي كنت أقوم بها و أتيت إلى الميدان لكي أنتظر أفول هذا النظام الذي حطم حياتي وحياة الكثيرين من أهل الصعيد عندما وصمنا بالإرهاب بعد ” مذبحة نجع حمادي7 يناير/ 2010 ” أعطى صلاحيات واسعة لضباط أمن دولة (في كل محافظات الصعيد وخاصة قنا) ، فاستغلوها أبشع استغلال

وعندما سألتها عن أخيها

_ استعاد حياته مرة أخرى بعد احتراق مقر أمن الدولة في قنا والمقر الرئيسي في القاهرة فاختفت سجلات مطاردته للأبد في الجحيم ، عندما علم أنه آمن رجع إلى طبيعته العطوفة على أمه ، ووعدها باستئناف دراسته في كلية الطب

_وموقفه بالنسبة لك؟

_ تغير 180درجة تفهم موقفي ، بل هو الذي ساعدني على تخطي محنتي عندما لقبني بالطاهرة ، وقرأ علي الآية 33 من سورة النور ” ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ”

_ أنت فعلًا طاهرة يا فاطمة

ونحن نتحدث ، أستأذن أحمد في الدخول ؛ ليعرض خدماته كالمعتاد ويستمع لأي شكوى ، لم أظهر معرفتي به ، عرفتني عليه فاطمة

_ ” أعرفك بأهم ناشط سياسي أحمد المهدي خريج اقتصاد وعلوم سياسية ”

لم أكن أعرف اسم أبيه ، كل ما أعرفه من المنتدى لقبه باسم الأم ” بن سعاد” ، مد إليّ يده ، سلمت عليه بابتسامة مصطنعة ، شعر بالحرج ، قبل أن يستأذن بالمغادرة ، طلبت منه فاطمة أن ينتظر حتى يتعرف علىّ ،عندئذ أحس بالإحراج ، حاول أن يعتذر ، وأحمر وجهه من الخجل وحاول أن يعطي مبررات ، ابتسمنا له جميعًا

_ ” نحن نعلم انشغالك ، أعرفك بصديقتي ندى من الفيوم ، خريجة كلية التربية قسم اللغة الإنجليزية، ملهمة الثورة ، فأنها شريكة لك في قيام الثورة ، لولا مقالاتها الملتهبة ما أتيت من قنا إلى هنا ، إنها مصدر إلهام لكل الفتيات في منتدى البرزخ ”

تأملني في اغتنام ، كأنه يعقد مقارنة بين ندى التي تعيش في خياله منذ سنة ونصف وندى التي تقف أمامه ، تحرك ببطء اقترب مني ،جعل قلبي ممغنطا مشدودا إليه ولو غادرني في تلك اللحظة سيصبح قلبي فارغا ، همس في أذني

_” مرحبا ندى بنت أمونة”

_ “أهلا بك ، أحمد بن سعاد ”

استشاط غضبه

_” أليس هذا أحد شروط المنتدى ”

_” ليس هنا ”

_” إنك من الصنف الذكوري التقليدي ؛ لن تتخلى عن غرورك ، تدعي مناصرتك للمرأة من خلال الرسائل عن بعد فقط ، كيف ستنجح ثورة يقودها متعصبون من أمثالك”

_ “الثورة يقودها الشعب ، والمرأة أصل الشعب ، تخيلي رغم وصفك لنفسك في الرسائل إلا أن الحقيقة فاقت كل تصور ، إنك بشعرك الأحمر وعينيك اللازورديتين وبشرتك الشهباء المنمشة ، تنتمين لريف أوربا ، ” أنت فلاحة من أوربا يا فتاة الطين ”

Nada [email protected]

معبد ندى الطيني

هااااااااااااااااااي فتاة الطين

ذهلت بالعدد الكبير من التماثيل ، تحيط بي من كل الجهات ، ينظرون إليّ كأنهم يبحثون عن لغة جديدة يتواصلون بها معي ، يجتذبونني جميعًا إليهم ، كل منهم ينتزع جزءًا مني ، كأنهم اقتسموني بينهم ، توقفت أمام تمثال لرجل طويل وسيم له عضو ذكوري أسطوري ، ابتسمت كثيرًا ، لا أعلم لماذا ربطت بينه وبين أحمد؟ ، أو ربما يكون مازن له نفس النظرة التي تقتحمك بلا هوادة ، تقتلع قلبك بعنف كأنها سكين حادة ، كما أنني كنت أتأمل عضوه الثعباني الملتف حول فتاة صغيرة ذات شعر أحمر يتضفر مع عضوه الأسطوري مستسلمة لقيده في اشتهاء كأنني دخلت ملحمة الأوديسا ل هوميروس وهذا التمثال ل كاليبسو الحورية الخالدة البارعة في الجمال التي تشتهي أن يكون أوليس من نصيبها فسيطرت عليه سبع سنوات على الجزيرة ، هربت من خيالي المريض ، سرعان ما انتقلت إلى تمثال أخر ، لفتاة عارية ، لها عضو تناسلي ضامر ، له شاطئان من ورق العنب الجاف لو لمستهما لتفتتا ، وثديان كثمرتي تين جاف ، أعتقد أنها تعاني من حرمان جنسي شديد ، ربما تكون نجاة ؛ لأنها تزوجت من رجل يكبرها بثلاثين عامًا ، أو ربما تكوني أنت يا ندى لأنك عشت طيلة حياتك وحيدة منعزلة أو ربما أنا المقصودة خصوصًا بعد فقداني لمازن مما أسرعت في الابتعاد عنها ، توقفت أمام تمثال أخر لفتاة لها نفس تقاطيع البنت الفائتة نحيفة هشة ، تقاطيعها الملائكية تشع بالتسامح ، كأنها تخطت مرحلة البشرية ، لها جناحان خلفها يرفرفان كأنها تستعد للطيران إلى ملكوت سماوي يليق بها ، لا أعرف لماذا ربطت بينها وبين زينب ، لولا السلسلة المعلقة في رقبتها ، إنها نفس سلسلتي ، مزينة بمصحف وأنا بصليب حتى لا أقع في حيرة ، انتقلت إلى تمثال المرأة العجوز التي تجلس القرفصاء تسند ذقنها إلى ركبتيها ، مغمضة العينين المحتميتين بتجاعيد منحنية تتلاقى عند مقدمة أنفها المختفي وراء طرحتها السوداء طبعًا ، أنها الجدة تنام وهي جالسة عندما تغضب من أحد ، من المثير أنها تواجه التمثال الأكثر إثارة بينهم لامرأة عارية،يطفح جسدها بعنفوان شهوة جامحة ، حبلى ولها ثديان متكوران منتفخان باللبن يمسك بهما طفلًا يرضعهما معًا كأنه طفل هوميروسي له عضوان: عضو ذكري طويل يحيط برقبة المرأة وفرج يتوالد منه تسعة فتيات

ملحوظة / اقرئي مرفق ” على لسان هالة ”

مريم المجدلية

Let هالة قرني know what you thought about this chapter!
Love this

0

Love this

Funny

0

Funny

Spicy

0

Spicy

Suspenseful

0

Suspenseful

Emotional

0

Emotional

Profound

0

Profound

Heartwarming

0

Heartwarming

Shocking

0

Shocking

Good Writing

0

Good Writing

Compelling Plot

0

Compelling Plot

Great Character

0

Great Character

Strong Dialog

0

Strong Dialog

Further Recommendations

Merry Christmas - Adventskalender 2025

Aelyn Raven: Wieder eine tolle Geschichte. Leider bin ich erst jetzt dazu gekommen sie zu lesen, aber das tut der Geschichte keinen Abbruch *g* ich freue mich schon auf den nächsten Adventskalender

Read Now
Charly's Weihnachten

T.M: Ich kann es gar nicht anders sagen also ich liebe diese Geschichte einfach. Sie hat für mich einfach alles was es braucht. Sie hat mich einfach mitgenommen auf eine echt schöne Reise. Danke❤️

Read Now
Die Wölfe von Welby

maryketteler: Ich bin von diesem Roman sehr angetan. Es handelt sich um eine wunderschöne Geschichte, die durch ein tolles Happy End abgeschlossen wird.

Read Now
My Playboy Roommate

luisasabato: Spitze! Sehr zu empfehlen und hoffe auf ein Happy End

Read Now
Buried Alive

Trae: Linc was a prick but I love how it turned around 😁

Read Now
Purple Heart

Jill Potrykus: Love multiple books by this author.

Read Now
Bear Roberts

C.: This is not the run of the mill story. Great attention to detail and wonderful weaving of words. A complete and total story, young adult and adult interests. Well done Sophia 👏 thank you!

Read Now
The Grumpy Next Door

Susan: well this one is as it said short and sweet. I would love to read more about this group of characters. it was so nice to read something so wholesome, full of romance and sweet. just loved it!

Read Now
Fashion victime du PDG

Kristel: J'ai beaucoup aimé l'histoire qui débute par une blague et qui fini avec un bel engagement, une promesse d'un bel avenir toujours entouré des amis fidèles.

Read Now