Chapter 1
الفصل الأول.
لم أكن أدرك معنى القدر لولا إنه ناصبٌ فخاخه بهذه الصورة الجميلة، لكي يصيدني بطريقةِ من ليس له مناص لتجنّبه، بل إنه من أسعى إليه، ربما منذ أربعين عامًا ونيّف. في تلك اللحظة التي أهيم فيها بتنفّسٍ مريح، رغم اكتظاظ دائرة التقاعد بالمراجعين، شممت رائحةً دخلت أنفي، كأن مصاريع الحياة كلّها انفتحت لتأتي هذه الرائحة المحمّلة بعطرٍ روحاني ممزوج بمعنى الذاكرة، لتحيلني إلى قطعةٍ مرتبكةٍ من الاهتزازات أمام الناس. الرائحة التي امتزجت بقطرات العرق المتصبّبة من كلّ أنحاء جسدي، وحتى حافّتي فمي لتنسيني الواقع المقرف الذي أنا فيه. كنت مرتبكًا حدّ اللعنة أمام النساء والرجال وحتى الشباب والشّابات الذين جاءوا ليكونوا عصا اتّكاءٍ لهذه الأعمار التي جعلت أصحابها محنيي الظهور يعانون من هشاشة العظام، وهم يتوزّعون على نوافذ وأبواب موزعة على طابقين لدائرة التقاعد يمدّون أيديهم بمعاملات آخر العمر، وكأنهم يمدّون عناوينهم الجديدة الفائضة عن الحياة، فتكون النوافذ أو تلك الفسحات الصغيرة تشبه ما تبقّى من أعمارهم. ربما أنا الوحيد بينهم لم يتقوّس ظهره بعد ولم يشحب وجهي، ولم أستعجل تقديم المعاملة، ربما الوحيد الذي يقدّم خطواته بأريحية التخلّص من الوظيفة التي أجبرت على القبول بها، ولم أخلص لها أبدا، أنا الوحيد الذي ظلّ يعيش حلمًا يراه يتحقّق ولو بعد حين، فأنْبت في جناحيه الإصرار لكي يتحقّق ولو بصمت، وسواء انتهت المعاملة الآن أو بعد شهر، فإن الأمر لا يعدو عن كونه رحلةً لاستكمال بقية العمر، ما بعد التقاعد بطريقتي الخاصة.
لكن هذه الرائحة أشعرتني بالاضطراب وأنا أمسح العرق عن وجهي، بكُمّ دشداشتي التي أخرج فيها إلى الدوائر لأوّل مرّة بعد خلعي لبدلة الشرطة التي تغيّرت أشكالها وألوانها ومقاساتها وحتى رتبها المعلّقة على الزند، أو على طرفي ياقة البدلة، مثل دودة هاضمة للمعنى أو نجمة خافتة الضوء، كانت رائحة المسك مثل عطرٍ سماوي هبط في صيفٍ قائظٍ لم تمرَّ غيمة على مسار السماء منذ عقود، فأحالت الكيان إلى زوبعةٍ خارج فنجان الاستقرار، وأعادتني إلى صبيٍ بعمرٍ لم يفلت من عقال المراهقة، فجاءني المسك محمولًا على خيطٍ خارجٍ من قبّعة ساحرٍ يتلوّى بين الزحام، معلنًا عن أناقةٍ مبهرةٍ الطيران، ليصل إلى أنفي المبلول بالعرق، لا مناص من الارتباك لأبدو مثل مجرمٍ أحاطته الشرطة وأصفرّ وجهه من هول خوفه، فرفع يديه مستسلمًا، فإذا به لا يرى سوى قبضة ريحٍ تذروه في بيتٍ ريفي كثير الثقوب في شدّات قصبه المربوطة بحبال القنّب. فلبث يحدّق من بين حزم الظلام في داخل البناية، والسواد الذي يغلّف الألبسة من عباءات ودشاديش سود. كلّ شيء أحالني كي أركّز بعينين عاصفتين من تعب القراءة والعمل والصمت والخوف، لعلي أتمكّن من معرفة مصدر الرائحة وعطر المسك.








