Chapter 1
Start writing here…
آخـر قطـرات عطـر
أغلق باب بيته الخشبي وراءه وخرج قاصدا مدرسته كالعادة لكن هذه المرة سيرا على الأقدام ، كأنه أراد أن يتعب جسده الصغير ليبعد عن عقله ما أنهكه التفكير فيه ،كان الوقت مبكرا وفي الشوارع الخريفية كل شيء كان هادئا ، صامتا ، لم يعرف في أي الطرقات سيسير وفكره مشوشا ، دخل مدرسته وحيدا منطويا ، لاحظت معلمته تغيرا كبيرا عليه، لا يشارك زملاءه الحديث واللعب شاحب الوجه،وتعاظم قلقها عليه عندما تقهقر مستواه الدراسي كثيرا. عاد في نهاية اليوم إلى منزله ، وفي ساحته كان يلف ويدور يبحث عن شيء لا يعرف ما هو، أخذ ألبوم الصور احتضنه ثم أعاده برفق داخل الخزانة ، ينظر إلى النافذة ومن خلالها إلى أغصان بعيدة كانت عارية من أوراقها، يكز على أسنانه وتذرف عيناه البنيتان اللامعتان دمعا ساخنا ، ينتفض كمن توهم أمرا ما فيتوجه راكضا نحو الباب فيسند ظهره إليه ويشبك يديه خلفه وينادي بفارغ الصبر شبه صائحا " ماما ، متى تعود ماما ، هل ستعود بعد شهر ، شهرين ؟؟ " سحب والده الجريدة بين يديه للأسفل ورمقه ثم قام إليه واحتضنه ثم جلسا قريبا من النافذة يتأملان الأجواء الخريفية الحزينة خارج المنزل والتي لا تختلف كثيرا عن داخله ، أراد أن يخفف من أحزان ابنه الوحيد بأن دورة الحياة ستستمر وأن تجهم الطبيعة لن يدوم وستأتي حتما بهجة الربيع ، ولكنه لا يسمع منه سوى تلك التمتمة المعادة المعذبة التي لا تفيد أي معنى سوى أنه متمسك بشبه حلم لا يزال معلقا بالمستحيل، ابتسم لوالده ابتسامة حملت من خلالها ثقل أحزانه الدفينة في أعماقه ولكنها لم تخف دموعه المحبوسة وظل الصغير مسافرا عبر أحلامه المتشوقة إلى حضن أمه. تمر الأيام على " وليــد " وحالته تزيد سوءا ومعها يزيد استغراب معلمته قدم أوراق إجابته في الامتحان فارغة ، هجره أغلب زملائه بعدما لاحظوا إهماله في نظافة جسده وملابسه ، وتكرار تأخره عن أوقات الدراسة، علم يوما من خلال حديث زملائه المجتمعين الذي يأتيه عن بعد رغبتهم تنظيم حفل عيد ميلاد لمعلمتهم، أثارت هذه الفكرة في نفسه شعورا ملأه الحماسة فراح يبحث في كل أرجاء منزله عن ما يمكنه أن يشارك به في الحفل وأخيرا وجده ،أو هكذا أراد القدر أن يكون، في الموعد قدم كل تلميذ هديته إلى المعلمة ، فتحت الهدايا أمامهم والسعادة تغمرها،قدم وليد هديته واستغربت المعلمة طريقة تغليفها الفوضوية حاولت إخفاء ما اعتراها من امتعاض سرعان ما تحول إلى قلق أثار حيرتها فتقبلتها دون أن تبدي أي ملاحظة ،فتحتها برفق فوجدتها زجاجة عطر مستعملة لم يتبق فيها سوى بضع قطرات، ولكنها وجدت ورقة صغيرة مكتوبة سألها فيها "هل تقبلين أن تكوني أمـــي ؟ " صمتت المعلمة وقد علمت أنه ذاق صغيرا أمر عذاب في هذه الدنيا، ولكن هالها أنه اختارها هي لتكون عوضا له عنها ،ثارت في نفسها عدة تساؤلات حائرة ، إنها معلمته ومربيته التي يهمها أن يكون ناجحا في دراسته ولكن أن تقوم بدور الأم وهي لا تزال عزباء فان ذلك سيمثل عبئا إضافيا عليها قد تخشى أن لا تتحمله ومسؤولية ثقيلة لم تتأهل لها بعد،القبول بها يعني أن الأمر سيكلفها عمرا ستنفقه من أجل إسعاد حياته .. استبقته بعد انتهاء الدوام وبعد خروج كل التلاميذ اتجهت إليه، شكرته على هديته ولسان حالها يدفعها لمعرفة لغز هذه الزجاجة، أخبرها والحرج يكاد يذيبه أنها آخر شيء احتفظ به من أمه،وانفجر باكيا، أدركت أنه يريد أن يرى فيها أمه، وأن يشم فيها رائحتها، توددت إليه ومالت نحوه هامسة في أذنه بكل حنان وهي تهذب بلطف شعر رأسه الصغير " هل تقبلني كأم؟ " استغرق الأمر مدة قصيرة ولكنها كانت كافية حتى نسجت في قلب أم جديدة ألفة ومحبة لا حدود لها حملت معها إشراقه جديدة لحياة وليد وفتحت أمامه أبواب الأمل مشرعة للمستقبل السعيد، هكذا وجد وليد في سؤالها الإجابة الوافية على أسئلته الحائرة ،وجد من يقف معه في مشوار حياته،عثر على سنده لاستعاد اجتهاده الضائع واسترجاع تفاؤله المفقود ،واظب على طريق العلم ،ولم تتخل هي يوما عنه،وقفت إلى جانبه في كل الظروف في البيت والمدرسة وكانت وراء الكثير من نجاحاته الدراسية التي تواصلت بانتظام حتى كبر ونال شهادته الجامعية وأصبح معيدا بالجامعة، وجاء يوم تكريمه على تفوقه الباهر فأرجع الفضل الأول والأخير لها ، لولاها ما استقامت حياته وما كان له هذا الشرف العظيم استمعت إلى كلماته بكل فخر واعتزاز، وقد كانت له الأم التي لم تلده والتي رافقت دربه في أعسر أوقات حياته ، وفي غمرة سعادتها به غالبت دموع فرحتها به فرحة كبيرة شاركها فيها والده الذي لم يتردد من الشد على يدها امتنانا بفضلها واعترافا بجميلها بينما قبضت يدها الأخرى على تلك الزجاجة الصغيرة التي احتفظت بها طويلا ولم ينقص من قطرات عطرها شيء، كانا سعيدين وسط أبنائهماالذين صفقوا بحرارة في حفل تكريم أخيهم وليد .
حنيــن العائـديــن
حالة من الفوضى تتولد في نفسه وتسكنه كلما أطل من على حافة الجنون في اتجاه عناوين الحنين والشوق حيث نسائم بلده وتلك النجوم التي تعده بلقاء قريب يجمعه مع أهله في وطنه، يستحضر تقاسيم وجه أمه وملامح قريته التي يحيطها بهاء حقول اللوز والكروم ،تستقبل زائرها أسراب العصافير الرقيقة التي تفيض حنانا وحبا ، يشهر أحلامه ويرسم لغده لقاءا جميلا ، ترك إسماعيل بلدته فور زواجه وهو في سن صغيرة ، سافر الزوجان إلى فرنسا هربا من الفقر والجوع وبحثا عن الحياة الناعمة ، وترك أمه تتكبد وحدها مشقة العيش وصعوبات الحياة. في مدينة " ليون" الفرنسية لم تكن الأمور سهلة كافح وزوجته من أجل لقمة العيش، وبعد سنين من العمل الدؤوب وبالكثير من الصبر تمكن من امتلاك محل جزارة يعيل به أسرته وأولاده ، وفي عمق بهرجته الإنسانية المتطرفة مرة والمتداخلة مرة أخرى في امتداد الذات مع اتساع حدقة القلب تعددت زلاته وتنوعت صدماته وتفاوتت في شدة وقعها على بساط الإدراك ، كل الحالات التي يعيشها انتشى ببداياتها المطرزة بخيوط التمني والحافلة بالتفاؤل عند كل منعطف يعبر فيه حواجز الغربة والتردد ليذوب في حضن الاحتياج فأنهكته تفاصيل الغياب ووحشة الأمكنة الفارغة من الحنين، ألم الغربة يقيده بسلاسل الماضي ويحجب عنه رؤية المستقبل بوضوح ، ولكن أي مستقبل وقد مضى من العمر ثلاثون عاما قضاها في الغربة لم يزر خلالها والدته سوى مرات معدودات ثم انقطع بعدما فارقت الحياة، لمن يذهب ، فالبيت الذي كان جدده أهمل كثيرا لسنين طويلة، ولكنه هذه المرة صمم أن يعود لزيارة قريته وليعرف حفيده وأصله وبلاده وجبالها وسهولها، إن مجرد الحلم بالعودة تنطلق سريعا أمام ناظريه عديد الرؤى إلى القريب المنتظر، أنه ما تبقى له من الحلم يمسح بومضه ظلام الآلام الواهنة في ذاتها ولكنها الكاسحة بإيحاءاتها لخطوط الحياة التبادلية رغم تمرد الحظ بجملة مفارقات التي تبتسم على شفاه النحس عندما تفرط الأيام في بؤسها على مرآة الروح ، وبعد مرور العمر تتضح الرؤية للمشهد الذي استنفذ كل طاقته الذهنية لفهمه، سأل نفسه هل هو خارج منطقة الاستيعاب أم هي حالة تبلد أو أنه الهم يتنفس فيضا من المشاعر المبهمة على عتبات العجز، وذاكرة خائرة القوى ازدحمت من فراغ ، وفي تعدد المشاهد المؤلمة يغوص في أعماق الصمت حين يضطره الموقف، يرفض أن يكون مجرد صوت نشاز لا يسمن ولا يغني من جوع في الضجيج السائد ، الحياة جعلت منه حكيما يفكر بعقل وروية ، انه مصمم هذه المرة على السفر وتجديد الهواء ، في غربته طالما خذله صبره بالعودة على قارعة الانتظار ولم يفهم وجعه وقد شمل الأسى كل زواياه وفاضت دموعه ، كثير ما أخذت الغربة عزيزا عليه فلم يبقى في عمره الربيع ربيعا ولا الصيف صيفا فيمر يومه وهو يعلم أن مثله سيكون غده عليه نارا تحرق جسده ، لكن هذه المرة سيغلق باب الليل ويهزم الظلام ولن تتغير أشياءه، اقترب موعد السفر أحضرت زوجته سعدية متاعها رفقة ابنها مالك وحفيدها نسيم المتلهف ليرى جنة الأحلام التي وعده بها جده تاركا باقي أولاده و بناته الذين رفضوا الذهاب معه لأن أشغالهم كثيرة ، وأخيرا عاد إسماعيل إلى أرضه ودخل بيته بعد جفاء وهجر طويل ، كانت الثلوج تكسو جبال قريته ووجوه أجيال جديدة نشأت ووجوه أخرى بحثت عن الحياة في مكان أخر وبلد آخر، تنهد طويلا أمام أشجار الزيتون التي هرمت وأهملت ، ترى هل سترحب به أرضه ؟ وهل ستلين حقوله له؟ هل بإمكانه أن يزرع الحياة فيها هذه المرة بعدما أخذت الغربة منه كل صحته؟ فكر مليا وعاد إلى البيت وقد كانت حبات الثلج تنذر بليلة باردة، زوجته سعدية رتبت البيت وأعدت الطعام ،ذهب ابنهما مالك إلى المدفأة وأشعلها ، قضوا الليل يحيون ذكريات الطفولة والمكان ويستحضرون الأحداث تتلوها أحداث ، يغالبون قسوة الطبيعة التي بالخارج ومن حلاوة الحديث أخذ كل واحد مكانه أمام الأخر وراحوا في نوم عميق ، مرت الأيام ولم يظهر إسماعيل ولا عائلته كعادتهم ، قلق أهل القرية عليهم وراحوا يسألون عنهم لكن لا مجيب لندائهم ، كسروا باب البيت فوجدوهم كلهم أمواتا ، فارقوا الحياة إلى الأبد نسوا أن فتحة مدفأة الغاز قد استعمرتها حمامة وبنت فيها أعشاشها وعمرتها طوال السنين الماضية حتى أقفلتها قفلا محكما ، ماتوا مختنقين بالغاز، غرق إسماعيل في نوم أبدي لا رجوع منه وهو يحضن أحلامه التي طالما انتظرها ، انه الوطن الذي سبق أن خذلته مثله نفوس المتعبين من أبنائه من قبل ولم يجد سوى هديل الحمائم الحالمة له .
دعوتـك يــارب








